عبـد الله: دع عنك يا رمزي هذه الشفقة التافهة السخيفة.. فإنّه ليس في حجّتي تعب، وليس علَيَّ في احتجاجي للحقيقة كلفة، ولا في إقامة أدلّتي مشقّة، بل إنّ البيان ـ الذي هو من فرائض الحقيقة وواجبات الإرشاد ـ يلزم أن يقال لكي تتنوّر به الأفكار ويُهتدى به في سبيل الصواب ; وليَ الشرف والابتهاج في ذلك.
رمزي: قل ما عندك.. وأنا أيضاً أقول ما عندي.. فإنّ حقّ الكلام ليس لك وحدك!
عبـد الله: نعم، إنّ حسن التفاهم ورفع معاثر الشبهات يقتضيان أن أقول ما عندي وتقول ما عندك ; لكي يصفو جوّ الحقيقة من غبار الشبهات وأوهام الشكوك..
ولكن يا صاحبي! إنّك تعلم أنّ الإنسان معرّض للأمراض الدماغية، من أنواع الماليخوليا ونحوها من فنون الجنون، ومعرّض لاغتشاش الحواسّ والشعور..
وأيضاً: ربّما يكون الإنسان لا يريد أن يتكلّم مع صاحبه بالكلام الجدّي لقصد الإفهام والتفهيم، بل يريد أن يضيّع الوقت ويضطهد الإنسانية بالكلام الاسـتهزائي الفارغ، فيسرد الألفاظ الكثيرة بدون معنىً مقصود.
وأنت أيضاً، من أين تعلم أنّ كلامي معك على هذا النهج؟! لكي يتبادل التفاهم بيننا ولا يذهب الوقت والحقيقة علينا ضياعاً..
أفلا يلزم في مقام الاحتجاج والمكالمة أن يكون كلٌّ من المتكالمَين يعلم أنّ صاحبه تكلّم عن شعور وإرادة وجدّ في قصد التفهيم؟!
رمزي: نعم، يلزم ذلك.
عبـد الله: إذاً أفلا يلزم أن نعرف الميزان الذي يبيّن لنا أنّ هذه الأعمال والأقوال صادرة عن إرادة وشعور وعقل وجدّ وحكمة وقصد للغاية، ويميّزها من الأعمال والأقوال اللاغية الفاقدة لهذه المزايا، والصادرة لا عن إرادة ولا شعور ولا حكمة ولا جدّ؟!
لكي نميّز بهذا الميزان كلامنا الذي يدور بـينـنا، فنسـير في سـبيل التفاهم وطلب الحقيقة على نهج مسـتقيم وأُصول ممهَّـدة.
وإن لم يكن بيدنا هذا الميزان في مكالمتنا، فمن أين نميّز
أم هل يصحّ للعاقل أن يضيّع وقته بلا اسـتناد إلى دلالة ميزان مميّز يحصل بتمييزه نتيجة، ويعتصم به عن الاشـتباه؟!
رمزي: يا للعجب من هذا الكلام!! ألا ترى كلّ أفراد البشر، من الكبير إلى الطفل ـ دائماً ـ يسمع بعضهم كلام بعض، ويرى بعضهم أعمال بعض، فيتيقّـنون بدون شكّ وشـبهة بأنّ ذلك الكلام وتلك الأعمال صادرة عن شعور وإرادة لأجل الوصول بها إلى غاية وغرض مقصود على الحكمة؟!
ترى الخيّاط بيده المقراض، وبيده الأُخرى قطعة ثمينة من الحرير المزركش، أو الشال الكـشميري الفاخر، أو نحو ذلك من المنسوجات الثمينة، وهو يقطعها بمقراضه قطعاً، صغاراً وكباراً، بقرض مسـتقيم ومعوَجّ ومُوَرَّب(1)..
ترى البنّائين مشغولين بالجصّ أو الطين والحجارة ونقل التراب، ويتحمّلون في ذلك التعب في الحرّ والبرد، وترى النتيجة أن يجعلوا حجارة على حجارة، ونحو ذلك..
وترى عَمَلة الخطّ الحديدي، جماعة يحملون التراب من مكان ويلقونه في مكان آخر، وجماعة يحفرون في الأرض
____________
1- المورّب: هو ما قُصَّ من القماش زيادة عن الحاجة ممّا لا فائدة منـه ; انظر: تاج العروس 2 / 467 مادّة " ورب ".
وترى في حرّ الصيف جماعة في مقابل النار الملتهبة، بأيديهم المطارق الثقيلة، يضربون دائماً على حديدة محماة على السـندان والعرق يسـيل من أطرافهم..
وجماعة يأخذون قطعة من ذهب، ويعالجونها بالنار والمطرقة وبعض الآلات، فيجعلونها بعد العناء صفيحة أو خيطاً طويلا، وبعد هذا يأخذون المقراض فيجعلونها قطعاً صغاراً..
يتكلّم الناس معك في المعاملات وغيرها، وتسـتمع إلى خطبة فلان ودرس فلان..
مع أنّك في جميع هذه الموارد تتيقّن بلا شـبهة ولا شكّ بأنّ جميع ما ذكرناه من الأعمال والأقوال صادرة من فاعلها عن عقل وشعور وحكمة وقصد للغاية، وليست من حركة قهرية طبيعية ولا اختلال شعور..
لسـتَ وحدك تتيقّن بذلك، بل كلّ بشر له تمييز، حتّى الطفل بالنسـبة لكلام مربّيه ومدرّسه وغيرهم ; وكذا بالنسـبة إلى أفعالهم.
يا صاحبي! فكيف تقول لي: " من أين أعلم أنّك تتكلّم عن شعور واختيار وجدّ وقصد للغاية "؟!
عبـد الله: لا أُنكر حصـول اليقيـن في هذه الموارد وأمثالها.. ولكنّ كلامي وسؤالي كان عن منشأ اليقين وميزانه ; وإنّي الآن ـ أيضاً ـ أسأل هذا السؤال حتّى في هذه التي ذكرتها أنتَ، فإنّ كلّ هؤلاء الّذين ذكرتهم إذا عملوا أعمالا لا عن شعور وقصد للغاية فإنّا نعرف أنّها لا عن شعور ولا قصد للغاية، وإن كانت من نحو الأعمال التي تذكرها، وكذا في بعض كلامهم..
فبأيّ وجه، وبأيّ ميزان ميّزنا بين أعمالهم وكلامهم، وجعلنا بعضها عن شعور وقصد للغاية وبعضها ليس كذلك؟!
هؤلاء المجانين، نرى جملة من أفعالهم وكلامهم فنتيقّن أنّها لا عن شعور ولا قصد للغاية، ونرى بعض أفعالهم وكلامهم فنتيقّن أنّه عن شعور وقصد للغاية، ونعاملهم على ذلك..
فبأيّ ميزان ميّزنا بين القسمين من أقوالهم وأفعالهم؟
وإنّا نجد أيضاً أنّ كلام الأطفال وأعمالهم مشتملا على القسمين يقيناً، ونميّز باليقين بين ما يصدر منهم عن شعور وقصد للغاية وبين غيره ; فهل كان تمييزنا اليقيني بين ذلك تشهّياً جزافياً، أو هو جار على ميزان معقول يجري عليه العقلاء في تمييزهم؟!
رمزي: يرى الناس في الحصى وصخور البرّ صخوراً كثيرة على أشكال هندسـية موزونة، كالكروي، والعدسي، والمثلّث بأقسامه، والمربّع، والمخروطي، وغير ذلك ; وكلّهم يعلمون أنّ تلك الأشكال لم تكن بصناعة بشر، بل حدثت بتكوين الحجر وناموس الاسـتحجار.
ومع ذلك، لمّا رأوا في الحفريات تحت الأرض أحجاراً لها أشكال خاصة، كالمنشار، والفأس، والسكّين، والخنجر، وسـنان الرمح، ونصل السهم ; تيقّنوا بلا ريب بأنّ هذه أدوات ليست من ناموس الاسـتحجار، بل هي صناعة إنسان له شعور وحكمة، صنعها لأجل غاياتها التي يتصوّرها، مع أنّ الناس لم يروا صانعها حين صنعها، ولا أخبرهم بذلك أحد عنه، مع أنّ ناموس الاسـتحجار لا قصور فيه عن إحداث مثل هذه الأشكال.
تـرى علمـاء الغـرب والشـرق وجميـع النـاس يتيقّـنون بلا شكّ بأنّ هذه أدوات صنعها الإنسان لحكمةِ غاياتها منذ عصر قديم، وسمّوا ذلك العصر بالعصر الحجري والصواني.
وأيضاً: وجدوا في حفريات مصر وسويسرا تحت الأرض
بل لم يختلج الريب في أنّها صنعة أُسـتاذ ماهر متمدّن، صنعها عن شعور وعِلم وقصد للغايـة.
عبـد الله: يا صاحبي! لا تتكلّم بانزعاج وحدّة، ولا تكثر بالأمثلة، فإنّي أسألك أيضاً أنّ علماء الغرب والشرق بأيّ ميزان حكموا في هذه الصخور المذكورة بأنّها من صناعة إنسان أُسـتاذ ماهر ذي شعور وتصوّر للغاية، وقد صنعها لأجل غاياتها؟!
فإنّي لا أُنكر اليقين في هذه الموارد، ولكنّي في الجميع أسأل عن سـبب اليقين وميزانه!
فقل ما هو السـبب والميزان عند العقلاء لهذا اليقين؟!
هل يتيقّن العقلاء بلا سـبب وبلا وجه وبلا ميزان عقلائي يجرون عليه في علومهم ويقينهم؟!
هل يكون ذلك عند العقلاء؟!
رمزي: عجباً منك يا صاحبي! وعجباً من ابتلائي بك!.. إذا رأيتَ في برّيّة بعيدة عن المسكون صخرةً عظيمةً جدّاً ذات شكل مخصوص، محيطها بشكل سور عال متقن مسـتقيم
وفي الوسط إيوانات(1) منتظمة ظريفة الوضع، وغرف منتظمة ذات أبواب وشـبابيك متناسـبة، وكلّها صخرية..
وحياض مع فوّاراتها من صخر..
وآبار وبالوعات، وحِباب للماء وأغطيتها، ومواضع للطبخ مع مواقدها، ومنافذ دخانها إلى فوق، وسراديب وجاذبات للهواء إليها، منتظمة وموجّهة إلى جميع مهابّ الرياح، ودعائم، وسلالم، وسطوح ممهَّدة وسـتائر لها وميازيب، وفي الغرف والأواوين والسراديب والسطوح كراس وعروش منتظمة ظريفة الشكل والترتيب، ومخازن تناسـب الحاجة..
وكلّ هذه من صخر على أظرف شكل وأتقنه وأوفقه بالنفع.
ثمّ سرتَ في تلك البرّيّة فوجدت صخوراً كباراً كثيرة، جارية على ما وصفناه من النظام والصفة والوضع والظرافة..
فهل يختلج في بال أحد من الناس أنّ هذا كلّه من صدفة
____________
1- إيوانات وأواوين، جمع إيوان ـ بكسر الهمزة ـ: وهو الصُفّة العظيمة كـالأَزَجِ ـ وهو البيت الذي يبنى طولا غير مسدود الوجه ـ.
انظر: الصحاح 5 / 2076، لسان العرب 1 / 273 و 130، تاج العروس 18 / 40 و ج 3 / 287، مادّتَي " أَوَنَ " و " أَزَجَ ".
أو أنّ كلّ عاقل يرى ذلك أو يسمع به يتيقّن بأنّه من صناعة أُسـتاذ ماهر حكيم، قد نحت كلّ الذي ذكرنا بالإرادة والنظر إلى الغايات، وكلّ أحد يقول في شأنه: ما أحسن صناعته وقدرتـه وحكـمته! ومـن بنـي أيّ عصـر هـذا الأُسـتاذ؟! فإنّـه لا يوجد في عصرنا مثله أُسـتاذ ماهر قادر حكيم متمدّن!
عبـد الله: نعم، كلّ عاقل يتيقّن بذلك، وما أنا بمنكر لليقين في ما تذكره وأمثاله، ولكنّي أسأل عن سـبب اليقين وميزانه؟ وأسألك أيضاً عن ميزان اليقين مهما كرّرت بالأمثلة!
رمزي: إنّ الإنسان الموقّر الموزون ـ في الظاهر ـ إذا تكلّم بكلام، أو عمل عملا، فإنّه لا يحمله الناس على السُـكر واختلال الشعور، أو الهذيان، أو المسخرة والعبث ; بل يحمل بظاهره على السلامة والصحّة، وأنّ كلامه صدر عن شعور وقصد للغاية..
هل أنت غير مُتربّ في الناس لكي تعرف الحال؟!
وهل بعد هذا البيان تسأل عن سـبب اليقين وميزانه؟!
عبـد الله: يا صاحبي لا تنزعج! فإنّه لا يخفى أنّ ظاهرَ الحالِ ظاهرُ الصحّةِ والسلامة.. الوقار.. أتمنّى صحّته وسلامته.. أُعيذه من المرض واختلال الشعور.. حاشاه من
وأيضاً: فإنّ المجانين الّذين يكثر منهم الهذيان والكلام، الذي لا يصدر عن قصد لغاية، نجد أنّهم ـ في أثناء ذلك ـ يتكلّمون بكلام يتيقّن سامعوه ـ حتّى الأطفال ـ بأنّهم تكلّموا به لغرض معقول وقصد للغاية.
وقد يتكلّم العاقل، الموقّر الموزون، الصحيح في الظاهر، فيحصل اليقين ـ حتّى للأطفال ـ بأنّه تكلّم عن اختلال شعور بهذيان فارغ لم يقصد به غاية، أو تكلّم هازلا أو متمسخراً.
إذاً فما هو السـبب لليقين في ما ذكرناه؟!
وما هو الميزان المميّز في ذلك وأشـباهه؟!..
فإنّ الوقار وظاهرَ الصحّة لم ينفعاك في الميزانية كما شرحناه!
وأيضاً: فإنّ الوقار وظاهر الصحّة، هذا الوجه الذي ذكرته أنت، لا يجري أصلا حتّى في إفادة الظنّ، ولا ينفع في مثل ما ذكرته من الآلات الصوانية، والصور الصخرية، والصخور الكبار المنحوتة على شكل دار أو مدينة ; فإنّ واحداً من الناس لم يَر لها صانعاً أصلا، فكيف تيقّن الناس أنّها من صناعة إنسان ما،
إذاً فأسألك عن السـبب لحصول اليقين في جميع هذه الأُمور وغيرها؟! وعن الميزان المشـترك العامّ الذي نعتمد عليه في الأقوال والأفعال والموجودات، فيفيد اليقين بأنّها من إيجاد شاعر أوجدها بعلمه وقدرته وإرادته لأجل غاياتها؟!
فما هو السـبب والميزان العامّ لليقين في الجميـع؟!
رمزي: لو أنّ الناس يرتّبون الأثر على احتمال السكر والجنون والعبث وعدم الشعور، لاختلّ نظام المعيشة والاجتماع في العالَم! ولكنّ الناس لأجل ضرورات تعيّشهم ونظام اجتماعهم يُضطَرّون إلى عدم الاعتناء بهذه الاحتمالات، فهل تسأل أيضاً عن سـبب اليقين وميزانه؟!
عبـد الله: ضرورة الـتعيّـش.. ضرورة الاجتمـاع.. الاضطراب.. هذه كلّها لا توجب اليقين، ولا تكون سـبباً له، بل إنّما تُلجئ المضطرّ إلى العمل على الظنّ والشكّ إلجاءً..
وأيضاً: لا ربط لهذه الضرورة بحال ما وصفته أنتَ من الآلات الصوانية والصور والدور الحجرية!
فإنّه لا يُضطرّ أحد في معيشـته وحياته واجتماعه إلى البناء على أنّ صانعها إنسان شاعر قاصد للغاية، لا ناموس الاسـتحجار!
وإنّي أُعيد وأُعيد عليك قولي المتقدّم، وأسألك قائلا: ما هو السـبب والميزان لليقين المذكور في هذه الأُمور وغيرها؟!
رمزي: إنّ تكرار سؤالك واضطهادك للحقيقة قد أضجرني، مع أنّ سـبب اليقين المشـترك والميزان العامّ له في جميع الأُمور ظاهران متجلّيان لمن له فطرة سالمة من تلويث الهوى والعصبية.
نعم، إنّ تكرار سؤالك قد اقتضى تمحيص الحقيقة وتجلّيها بمظهرها الحقيقي ووجهها الوضّاح وصراحة البيان ; فدع العناد جانباً.. واصغِ إلى بياني بسمعك وقلبك وصفاء فطرتك.. وحقّـق ما شـئت في ما أقوله!..
الميزان العادل الحقيقي العامّ
هل ينبغي أن يخفى على ذي شعور أنّ كلّ موجود يكون وضعه وأوضاع أجزائه وتركيبه وترتيبه ونظمه مرتبطة بالفوائد والمقاصد والغايات؟
فإنّ هذا الارتباط الذي يُعرف منه يكون دليلا على أنّ ذلك الموجود بمزاياه الخاصة هو من إيجاد عالِم بفوائده، متصوِّر لغاياته ; ولأجل تلك الفوائد والغايات أَوجَدَ بإرادته وقدرته ذلك الموجود.
وكلّما ازدادت المعرفـة بارتبـاط ذلك الموجـود بالغايـات ـ باعتبار وضعه وأجزائه وشؤونه وشرف غاياته وفوائده ـ ازداد العِلم قوّة بأنّ صانعه عالِمٌ بفوائده، وقد صنعه لأجلها إلى أن يبلغ العِلم أعلى مراتب اليقين.
ويزيد ذلك بـياناً ووضوحاً إذا تعـدّدت أمثـال ذلـك الموجود وأفراد نوعه، وهي جارية على ذلك التركيب والترتيب، والوضع، والمزايا المرتبطة بالغايات على قانون واحد..
فإنّه لو كان ما وجدوه في الحفريات من الآلات والصور
ويزداد الحال وضوحاً وبداهة إذا تتابعت في الأزمنة أفراد النوع بالوجود تتابعاً بكثرة، وهي بأجمعها جارية على ذلك الناموس وذلك القانون في التركيب والترتيب وسائر الشؤون المرتبطة بالغايات..
فإنّه يتجلّى من ذلك بالبداهة للبصيرة والرشد نورُ الدلالة على إرادة الموجِد، وحكمته، وقصده للغاية في إيجاده..
يتجلّى ذلك بنور اليقين، ويشرق للبصيرة والشعور بأضوأ من إشراق الشمس في رابعة النهار.
عبـد الله: يا رمزي! قد ذكرنا لك آنفاً في حكاية ذلك الولد الشقيّ، أنّه قد جحد طلوعَ الشمس وضوءَها مع صحّة بصره وإشراق الشمس في ضحاها ; فهل ينفع مع جحود العناد ما يتجلّى للبصيرة بمثل إشراق الشمس؟!
رمزي: إنّا الآن نتكلّم في مقام عرفان الحقيقة بدلائلها المتجلّية، ونـتّبع البيان بشرف الإنسانية وزينة الفضيلة..
وأمّا جحود العناد والأهواء، فهو داء لا دواء له.. وإذا لم
عبـد الله: إذاً فاثبت على هذا المبدأ الصالح، وعُـدْ إلى بـيانك يا رمزي.
رمزي: أُكرّر البيان وأقول: كلّما ازداد ارتباط الموجود بالغايات ظهوراً ووضوحاً بحسب تركيبه ووضعه وأجزائه وشؤونه وكثرة أفراده وتكرّر مواليد نوعه، فإنّ دلالته على عِلم الموجِد وحكمته في إرادته وقصده للغاية تزداد أيضاً وضوحاً وبداهةً إلى أن تصل إلى حدّ لا يختلج فيه الشكّ.
وأمّا الجحود العنادي، فإنّه يفضح صاحبه ويبـيّن أنّه عديم الشرف والحياء، وإنْ كثر أصحابه والمحبّـذون لعناده وضـلاله.
وإن اختلج في ذهنك الشكّ في ما ذكرته لك، فإنّي أُعزّز البيانَ بذِكر بعض الأمثلة:
إذا رأيتَ قطعتين من الحديد متّصلتين بنحو الذكر والأُنثى (نرمادة) بمحور مناسب يدوران عليه على وفق الغرض والحاجة في الاسـتعمال، مثقوبتين بثقوب مناسـبة منتظمة تناسب وضع المسـامير أو البراغي فيها حسـب الحاجة، فإنّـك لا تجد أحداً يشكّ في كونهما صنعَ حكيم بإرادته لأجل منافعها وغاياتها.
وإذا شاهدتَ جهازاً من آلة الرسم (الفوتوغراف)، وذلك الجهاز موضوع على محلّ مرتفع في غرفة بقدره، وهي في غاية المتانة والكفاية لحفظه ونجاح عمله، لها باب متقن ذو مصراعين، وآلة تفتح الباب عند الحاجة وتسدّه عند الاقتضاء، وتدير الجهاز إلى مقابلة الشـبح لكي يأخذ صورته ورسمه..وذلك الجهاز لا يحتاج في أعماله المتكرّرة إلى تغيير الزجاجة، بل فيه قوّة تزيل الصورة عنه بعد زمان يسـير وتودعها في مسـتودع آخر لوقت الحاجة إليه..
فبحسب ارتباط هذا الجهاز ومزاياه في وضعه وأجزائه وتركيبه بالغايات والفوائد الكبيرة، يكون من الضروري أن يحصل لك اليقين من دون أدنى شكّ بأنّ هذا الجهاز من صناعة عالِم حكيم، صنعه بحكمته وإرادته لأجل غاياته وفوائده الكبيرة.
يحصل لك اليقين بذلك حتّى لو وجدته في برّ لا يذكر التاريخ وجود بشر فيه.
يا صاحبي! وإنّك ترى الهاتف (التلفون) وتعرف فوائد أجزائه وحكمة تركيبه..
وترى صندوق الأصوات (الفونغراف) وتعرف فوائد أجزائه وحكمة تركيبه..
إذا رأيتَ جهاز الكيمياويّين واشـتماله على أجزاء متعدّدة وأوضاع مختلفة، من أقسام القدور والإنبيق وآلات الحرارة، والآلات المقطِّعة والطاحنة للمعمولات التي تُلقى في القدر الأوّل ليعمل عمله، ثمّ تُلقى بأحسـن تدبير من قدر إلى قدر.. وهكـذا.
وفي أثناء ذلك تعمل فيه أعمال ذلك الجهاز أعمالها، من العصر والتصفية وأنحاء التصعيد والتقطير والتحليل والعقد واسـتخراج الخلاصة وغير ذلك، وكلّ واحدة من هذه النتائج يودعها ذلك الجهاز في محافظ لائقة بها، ويصرفها في محالّ الحاجة من الاسـتعمال.
وفي أثناء ذلك تترامى آلاته بالفضول الضارّة إلى أن تخرجها من معملها.
ومن أجل مشاهدة هذا الجهاز وهذه الآلات بما لَها من الأوضاع والتراكيب الفلسفية المرتبطة بالأعمال الكيماوية ونتائجها المفيدة وغاياتها الشريفة في العلم، يكون من الضروري أن تتيقّن بأنّ هذا الجهاز من صناعة عالِم حكيم، ومن نتائج الإرادة والقدرة وقصدِ الغاية.
وأيضاً: إذا نظرتَ إلى طلمبا (مضخّة) تجذب من طرف، وتعطي مجذوبها من طرف آخر إلى أُنبوب كبير متدرّج في التشعّب والانقسام إلى أنابيب كثيرة ـ كانقسام جذع الشجرة إلى أغصان كثيرة ـ وكلّ أُنبوب له في محلّ التشعّب باب ذو مصاريع ينفتح وينسدّ بحسب الحاجة.وما بين كلّ أُنبوبتين من الأغصان المتشعّبة أُنبوب احتياطي معترض واصل ما بين الشعبتين، لكي يوازن عملهما، ويقوم بالوظيفة إذا انسدّت إحدى الشعبتين، أو طرأ عليها عيب، فيعطي ذلك الأُنبوب ما فوق السدّ أو العيب.
ومع هذه الطلمبا (المضخّة) ـ لإدامة عملها ـ طلمبا أُخرى على ذلك النحو من التشعّب والأبواب والاحتياط، ولكنّها بعكس الأُولى في الجذب والدفع..
فإنّها تجذب من أُنبوبها الكبـير الجاذب من أغصانه وتـدفع في وعاء آخر، وقد وُصِـلَ ما بـين هاتين المضخّتين بأنابيب ومضخّة أُخرى تديم عملهما وتقوم بعمل آخر كبير الفائـدة.
وانظر إلى السـيّارة (الأُتومبيل)، وتَحقّـق في وضعها وأجزائها وأوضاعها العجيبة، وارتباط تركيبها وأوضاع أجزائها بالفوائد والغايات الكبيرة المشاهدة، وقل: كيف يتجلّى من ذلك
ولو قال لك أحدٌ: إنّ ما ذكرناه في الأمثلة لم يصدر عن شعور وإرادة وقصد للغاية، بل صدر من صدفة الطبيعة العمياء، لَعدَدتَ ذلك القائل يزيد على البهائم في الجهل والحمق، أو أنّ له غرضاً لا يسـتحي معه من العناد ومكابرة البداهة.
لا تضجر ولا تملّ من كثرة الأمثال!
افرض أنّك ترى سـيّارة فيها ما ذكرناه من جهاز الرسم، والهاتف، وصندوق الأصوات، والجهاز الكيمياوي، والطلمبات، لكي يكون جهاز الرسم مع الهاتف وصندوق الأصوات، لأجل رؤية مدير السـيّارة وسماعه..
والجهاز الكيمياوي مع الطلمبات، لأجل إيصال النتائج الكيمياوية إلى جميع أجزاء السـيّارة..
لكي يكون بعض النتائج المذكورة بمنزلة الدهن والبانزين والماء في تحريك السـيّارة.
وبعضها لإصلاح أجزاء السـيّارة بجميع أنواعها من جميع ما ذكرناه فيها.. تزيل عنها الصدأ وما فسد بالاسـتعمال ومرور الزمان وترمي بها إلى خارجها، وتوصل إلى جميع الأجزاء المذكورة ما يناسب أنواعها، لكي ينميها ويجدّد فيها خلفاً
يا صاحبي! إنّ الذي يشاهد هذه الأجزاء العجيبة، وهذه التراكيـب الباهـرة، وهذه الأعمـال المدهشـة، وارتباط الجميـع ـ بالحكمة البالغة، والغايات الكبيرة ـ بهذا الارتباط الشديد الفائق، لا بُـدّ من أن يغرس ذلك الارتباط في فكره حقّ اليقين بأنّ صانعها صنعها بإرادته وحكمته لأجل غاياتها.
وماذا تقول إذا رأيت أُلوفاً من السـيّارات على النهج الذي ذكرناه في فرض صنعها، وعلى ذلك القانون في الوضع والارتباط بالغايات والحكمة؟
يا صاحبي! بهذا السـبب يحصل اليقين بشعور الموجِد أو المتكلّم وإرادته الجدّية وقصده للغاية.
وهذا هو الميزان العادل لحصول اليقين.
وهذا الميزان غير مختصّ بالأفهام العالية، بل إنّ عمل البشر من الصغير والكبير على ذلك، بل حتّى الأطفال والمجانين فإنّهم أيضاً بهذا الميزان يميّزون بين الجدّ والهزل، والقصد والغفلة، من أقوال أوليائهم وأعمالهم.
فهل بعد هذا البيان وتحقيق الميزان تقول: " ما هو السـبب
عبـد الله: يا رمزي! هذا البيان، وهذا الميزان، وهذا الاحتجاج، هل تقدر أن تطـبّقه على ميزان المنطق؟
رمزي: نعم.. لأنّا نقول: هذا الشيء ـ أو هذا الكلام ـ بوضعه وأجزائه وتركيبه ومزاياه، مرتبط بالغايات ببداهة الشعور والحسّ.. وكلّ ما كان كذلك فبالبداهة الفِطرية يجب أن يكون موجِده عالِماً بالغايات، قد أوجده بإرادته لأجل غاياته.
إذاً فهذا الشيء يجب أن يكون موجِده عالِماً بغاياته، قد أوجده بإرادته لأجلها.
وهذا القياس يجري في كلّ ما ذكرناه من الأمثلة وغيرها ممّا يرتبط بالغايات، سواءً كان كلاماً أم فعلا أم شـيئاً موجوداً كالآلات الصوانية وما ضاهاها، خصوصاً ما كان مسـتعملا في الغايات الكبيرة من بدء وجوده.
الوجود على طِـبق القوانين
عبـد الله: يا رمزي! وهل تقدر أن تؤكّد احتجاجك هذا بوجه آخر، وتجري فيه على ميزان المنطق؟
رمزي: أجل.. كلّ واحد من هذه الأمثلة التي ذكرنا وأمثالها إذا رأيتَ لنوعه أفراداً كثيرة كلّها جارية في وجودها أو أوضاعها أو أحوالها أو أجزائها على قانون منتظم، فإنّ جريانها على القانون يدلّ على أنّ موجِدها عالِم قد طـبّق شؤونها بعلمه وقدرته على القانون المعقول له.
وكذا إذا رأيتَ موجوداً واحداً جارياً في أحواله، أو أوضاعه، أو حركاته على قانون منتظم.
عبـد الله: من أين هذه الدلالة؟!
رمزي: لأنّ القانون إنّما هو عنوان كلّيّ من الأُمور المعقولة التي لا يتحقّق لها وجود ولا كيان إلاّ في معمل العقل، بصناعة الإدراك المحيط بتطبيقاته.
نعم، قد تُرسم الإشارة إلى ذلك القانون للدلالة عليه في سجلاّت القوانين وكلّـيّات العلوم ; ولكنّ القانون نفسه لا وجود له إلاّ في العقل والتعقّل!
فإنّك إذا نظرتَ ـ على الأقلّ ـ من الأمثلة إلى ساعة صناعية واحدة، ورأيتَ في أيّام متعدّدة مسير عقاربها وتقسيمها للزمان جارياً على قانون سـيّال منتظم، فلا بُـدّ من أنّك تعلم بالبداهة أنّ موجِدها مُدرك لقانون الحركة والتقسـيم ومسـير العقارب، وبإدراكه وقدرته في إيجادها طبق أوضاعها وأوضاع عقاربها ومسـيرها على ذلك القانون السـيّال المنتظم.
عبـد الله: وهل تقدر يا رمزي أن تزن احتجاجك هذا بميزان المنطق.
رمزي: أجل.. فإنّا نقول: هذه الأشـياء جارية في أنواعها وأجزائها وأعمالها على قانون كلّيّ منتظم ; وذلك بالحسّ والمشاهدة وبداهة العلم ; وكلّ ما كان كذلك يمتنع أن يكون وجوده غير مسـتند إلى مُدرِك للقانون، عالِم بتطبيقاته.
وذلك لِما أوضحناه من أنّ القانون والتطبيق عليه من الأُمور المعقولة، كما تقتضيه البداهة والالتفات إلى كيان القانون وهويّته وهويّة التطبيق عليه.
عبـد الله: لا تضجر إذا سـألتك من باب التمحيـص للحقيقة، ولا تغضب إذا قلتُ لك: إنّ ماكينة الحياكة توجد القماش على قانون منتظم في نسجه وتطريزه ووضعه، وكذا ماكينة المطبعة، فإنّها تطبع وتوجِد مطبوعاتها على قانون منتظم، إلى غير ذلك من الماكينات..
فهل تقول: إنّ الماكينة مدرِكة للقوانين المعقولة فأوجدت معمولاتها بالتطبيق على تلك القوانين التي تدركها هي؟!
رمزي: لا ينبغي أن يغيب عن الشعور أنّ الماكينة ليست هي الموجِدة للمعمولات، بل إنّما هي آلة للإيجاد على طبق القوانين.. وكلُّ ذي شعور يرى تركيب أجزائها وجريان حركاتها وإعمالها على القوانين، فإنّه لا يشكّ بأنّ وجودها مسـتند إلى مدرك للقوانين وللتطبيق عليها..
وكلّ من يرى إعمالها ومعمولاتها جارية على القوانين، فإنّه لا يشكّ بأنّ إيجادها ووجودها وإعمالها ومعمولاتها إنّما هي من نتائج العلم بالقوانين والتطبيق عليها والقدرة على التطبيق،
أَوَلا تعلم؟! أَوَلا تسمع بأنّ هذه المصنوعات في التمدّن الحديث إنّما هي من آثار العلم، ومظهر من مظاهر مجده؟! وما ذلك إلاّ لجريانها على القوانين ودلالة هذا الجريان على أنّ إيجادها إنّما هو نتيجة العلم بالقوانين والغايات.
يا صاحبي! وهل لك بعد هذا البيان وهذين الميزانين سؤال وكلام في الدلالة على شعور الموجِد أو المتكلّم وإرادته وقصده للغاية؟!..
هذين الميزانين البديهيّين، اللذَين لا يشكّ في ميزانيّتهما وبداهتهما إلاّ فاقد الشعور، ولا يجحد ذلك إلاّ عديم الشرف، ساقط الإنسانية.
ويُمثّل لبداهة اليقين بحسب هذه الموازين بالأمثلة المتقدّمة، ويتكلّف في أمثلته بفرض سـيّارة موهومة..
هذا الإنسان ـ ويا للعجب! ـ كيف يغفل أو يتغافل ويغمض عينَي بصيرته وفطرته عن أوضح الأُمور وأجلاها في ذلك؟!!
خِـلـقـة العـالَم
ودلالتها على أنّ صانعه إله حكيم عليم
ألا وهي خلقة هذا العالَم الكوني الكبير، وخصائص موجوداته وأجزائها وأحوالها، ومواليده المتماثلة بالناموس، والمتّحدة في جريانها على قانون.
وكيف يُغفل أو يُتغافل عن صغير الموجودات، وكبيرها، وأجزائها، وتراكيبها، ومزاياها، وبداهة ارتباط كلّ منها بأحسن الغايات على أحسن ارتباط وأوضحه، ووضوح جريانها على القوانين الفائقة البديعة بأتقن جريان باهر؟!
فأين مضى ذانك الميزانان العادلان الفطريّان؟! ماذا صنع الدهر بهما؟!
نعم، مرض الأهواء وأغراض النفوس يبعثان في تسويلهما على مغالطة الفطرة والبداهة والتقهقر عنها!
يا صاحبي يا رمزي! لا أمضي بك بعيداً فأتكلّم معك في الحكمة الباهرة والغايات الكبيرة، والقوانين الشريفة، في خلقة الشمس، وشأن منطقة البروج وخصائص المدارات وفوائدها،
بـل لـنـترك الكـلام فعـلا فـي هـذا كـلّه، وإنْ كـان العـالَم ـ بموجوداته وأجزائه وغاياته ـ يهتف بذلك، فلا تتعب ذهنك بالتعرّض له..
ولكن انظر وتبصّر في خلقتك أنتَ وكلّ إنسان، وجريانها على أبدع الصنع وأتقنه وأعجبه! مرتبطة بالغايات أيَّ ارتباط! وجارية على القوانين الفائقة أيَّ جريان! لكي تسمع من لسان حالها في ذلك هتافها باسم الإله الخالق العليم الحكيم..
فإنْ كانت الأهواء الوخيمة لا تهيج جحودك وفلتات العناد، فاسمع ما أقوله لك..
ألا وإنّ كلّ مثال ذكرتَه أنت للدلالة البديهية الفِطرية على شعور الموجِد وإرادته وقصده للغاية، وبنيتَه على ما ذكرته أخيراً مـن الأسـاس للسـبـب والميزانَيـن لليقيـن.. هـذه الأمثـلة كلّهـا ـ بأحسن وجه، وأحسن حكمة، وأحسن ارتباط بالغايات
فهل نسـيت قولك في كلّ واحد من أمثلتك أنّه كاف في الدلالة البديهية على إرادة الموجِد، وحكمته، وعلمه بالغاية، وقصده لها في إيجاده.
إذاً فاصغِ لي، وتمسّك بشعورك وشرف إنسانيّتك ; لكي أذكر لك أقلاًّ أمثلتَك التي ذكرتَها أنت آنفاً..
1 ـ القطعتان من حديد ونحوه، الموصَلَتان بشكل أُنثىً وذكر (نرمادة)
فانظر إلى أمثال ذلك في بدن الإنسان والحيوان بأحسن أوضاع صناعية جارية على دقّة الحكمة في المناسـبات اللازمة للحركة والعضو المتحرّك.
وإنْ شـئتَ أن تراها على نحو التفصيل فانظر أقلاًّ إلى مفاصل الذبائح وأوضاعها، من الرقبة إلى مفاصل الأكارع.
وتبصّر في رعاية المناسـبات بحسب أوضاعها، واعجب من أسرار الحكمة والقدرة، وأنّ النرمادة الحديدة توصل بمحور من حديد تدور عليه، ولكن وضع هذا المحور في مفاصل الإنسان والحيوان مضرٌّ بحاله، مانعٌ من جملة من أوضاعه وما
2 ـ الدار الصخرية
ومهما بالغت في وصفها وحسن صنعتها وترتيبها، فاعلم أنّ أوضاع بدن الإنسان والحيوان أعجب وأجلى في الدلالة على الحكمة والصناعة الباهرة، فإنّ كلّ ما قلته وفصّلته من أجزاء تلك الدار الصخرية هو موجود في بدن الإنسان والحيوان، ويوجد فيه أكثر ممّا ذكرته وأكثر، بأتقن صناعة وأظرفها وأنسـبها بالحكمة!
انظر أقلاًّ إلى صناعة عظم الرأس ; تعرف أنّ لمحلّ الدماغ أيّ صنعة عجيبة جارية على الحكمة!
وانظر إلى التجويف الحجاجي ـ محلّ العينين ـ ; واعرف ما له من حسن الصناعة المناسـبة لمنفعة العينين وحكمتهما!
وانظر إلى فقرات الرقبة والظهر ـ محلّ النخاع ـ ; لكي تعرف بعض حكمتها وحسن صناعتها المناسـبة لمنافع نوعها وأفرادها!
وحيث إنّ النخاع مثل سائر الأجزاء من البدن محتاج لأنْ
وانظر إلى وضع الفم وأوضاع الأسـنان بحسب الحاجة، لكي تعرف مواقع الحكمة!
فإنّ جملة من الأسـنان معدّة للقطع، فجُعلت حادّة، وجُعل تركيب الفوقانية على التحتانية على وضع المقراض، ولأجل توجيه الضغط عند الأكل إلى نقاط متعدّدة، جُعل لها نحو اعوجاج وتدرّج في الغلظ من داخل اللثّة إلى خارجها، وذلك لئلاّ يتوجّه الضغط بأجمعه إلى أُصولها فتصدم مراكزها..
وجملة منها أُعدّت للسحق والطحن، فجُعلت عريضة متقابلة قائمة على شعبتين أو ثلاث كشعب السـندان من أسفله، وذلك لأجل تثبيتها تحت الضغط وضرب بعضها ببعض، ولأجل توجيه الضغط ـ أيضاً ـ إلى نقاط متعدّدة.
ومن حيث إنّ الفوقانية معلّقة، جُعل لكلّ واحد منها ثلاث شُـعب!
وانظر إلى الصدر والبطن والأضلاع الكبار والصغار ; وهذه
وكم ترى من مساكن جميلة وغرف منظّمة ومتّـكَـآت ليّنة على أحسن مناسـبة لِما يحلّ فيها، تتّسع لأجل مناسـبةِ أحواله وتضيق!..
ومن الممكن أن تطّلع على بعض ذلك وبعض حكمته.. فاحضَرِ القصّابَ عندما يشقّ بطن الذبيحة ويخرج الكرش والأمعاء والقلب، وانظر إلى هذه كيف قد هيّـأتِ الحكمةُ لكلّ واحد منها محلاًّ مناسـباً ومتّـكأً ليّناً بصناعة عجيبة!
إذ قد رتّبت تلك الغرف والمتّـكَآت من طيّات غلاف محكم مزوّد بتليين الدسومة، والذي يكلّله شحم البطن مساعدة على أعماله، وهو الغلاف المسمّى " بريتون " والمحيط بها، فكان بانعطافاته وطيّاته لكلّ واحد من هذه المذكورات بمنزلة الغرفة المجهّزة بفراش الحرير.
ولنقتصر في هذا المقام على هذا المقدار، الذي هو قليل من كـثير.
هذا ما يسعه هذا المختصر من البيان، والزيادة موكولة إلى ما دُوِّن في علم التشريح.
3 ـ جهاز الرسم (الفوتوغراف)
يا صاحبي! وكلّ الذي قلته فيه آنفاً وزيادة، وزِد عليه فلسفة النظّارات المكبّرة والمقرّبة، هو موجود في عينَي الإنسان والحيوان بأعجب ممّا ذكرته وفرضته، وكلّه معروف في حكمة العينين والأجفان لعامة الناس.
والعين هي التي تدور في طلب الشبح، وهي التي تنفتح أجفانها وتنطبق بحسب الحاجة، وهي التي يزول عنها رسم الشبح ويودع في مخزن التصوّر.
ولو نظرت إلى ما ذُكر في تشريح العينين وفلسفة طبقاتها، وهي: الصلبة مع جزئها القرنية، والمشيمة مع جزئها القزحية، والشـبكية وفلسفة رطوباتها الثلاث ـ وهي: المائية والبلّورية