مع أنّ جهاز الرسم والنظّارة المكبّرة والنظّارة المقرّبة ليس لها بدون العينين أثر، ولا كرامـة!
4 ـ الهاتف (التلفون)
5 ـ صندوق الأصـوات
وهذان ـ بأحسن ما يُتصوّر ـ موجودان في جهاز السمع والحافظة وجهاز التكلّم، ولا تحسب أنّ جهاز السمع منحصر بالدهليز الذي في الصماخ، أو أنّ جهاز التكلّم مختصٌّ باللسان!
فإنّ من جملة جهاز السمع: الطبلة، والعظيمات الثلاثة، والقنوات الهلالية، والحصى الأُذنية، والقوقعة الملتـفّة بلفّة ونصف وقد رُكّب في جوفها نحو أربعة آلاف سهم..
ومن جهاز التكلّم: الحنجرة ذات الوضع العجيب، الذي يشـير إلى مواقع الحكمة، ومنه أجزاء كثيرة، منها الغُدد والأنف، والذي ينظر في علم التشريح إلى ما ذُكر في جهازَي السمع والتكلّم من الأوضاع والحِكم الباهرة، فإنّه يعود من
6 ـ الجهاز الكيمياوي
وما شـئت أن تقول فيه وفي بيان أجزائه وأدواته وأعماله ونتائجه فقُل، وزِد في البيان ثمّ زِد، فإنّه لا يصل إلى جهاز هضم الطعام والشراب والتنفّس، وما في ذلك من الأجزاء والأوضاع والأعمال الباهرة، واسـتخلاص الأنواع الكثيرة العجيبة من محلول وعصارة وخلاصة لأجل تنمية الجسد وإصلاحه في حياته.
7 ـ الطلمبات المتعدّدة وأنابيبها المتشعّبة وعرضيّاتها الاحتياطية
وكلّ ما ذكرته فيها، وأكثر وأحسن صنعاً وإتقاناً، هو موجود في القلب والرئة والشرايين والأوردة، بل وغيرها على أحسن مثال، فإنّ القلب له تجويفان، وهما متحرّكان دائماً بالانقباض والانبساط، فيكون كلٌّ منهما بانبساطه طلمبا جذب، وبانقباضه طلمبا دفع..
وعلى ذلك تجري الرئة أيضاً والشرايين النابضة دائماً،
وللكلّ منها أبواب ومصاريع باهرة، لظرافتها وإتقانها في عملها، تنفتح وتنسدّ حسب الحاجة في الجذب والدفع.
وأمّا الأنابيب العرضية الاحتياطية فهي لا توجد إلاّ في الإنسان والحيوان ; وهي ما يسمّيه المشرِّحون بالتفَمُّمات المعترضة بين أغصان الشرايين والأوردة، أوجدتها الحكمة احتياطاً للدورة الدموية ودوام عملها إذا عرض للأغصان انسداد أو قطع!
وإن شـئتَ أن ترى بعض هذه التفمّمات، فانظر إلى ظاهر كفّيك، فإنّك تراها معترضة على العصب السائب على سلاميّات السـبّابة والوسطى والبنصر.
وإنّ الشرايين والأوردة ليس فيها التواء ولا تعريج، ولكنّها في مقام تلتوي وتتعرّج كما تلتوي الحيّة في مسـيرها، وذلك يكون في عروق الشفتين والرحم، رعاية لانفتاح الفم وكبر الرحم عند الحمل، فإنّها تتمدّد عند انفتاح الفم وعند الحمل، وتعود إلى حالها الأوّل عند انطباق الفم وصغر الرحم بالولادة.
8 ـ السـيّارة (الأُتومبـيل)
أُذكرها تفصيلا، وزِد عليها بذِكر ماكينة السكّة الحديدية وماكينة الخياطة والساعة وأمثالها، فهل تصل حكمتها وعجائب صنعها إلى أقلّ قليل من أنحاء الحكمة الموجودة في أجزاء بدن الإنسان وتراكيبه وأعمالها؟!
9 ـ السـيّارة الفرضية الموهومة التي خُيّلت أنّها تجمع هذه الأمثلة
وقد أتعبتَ فكرك في تصويرها بالوهم لكي تمجّد حكمة صانعها وإرادته وقدرته في الصناعة، وتصل إلى أعلى مراتب اليقين البديهي بعلمه بالغايات وقصده لها في مصنوعه، وتحتجّ على ذلك بصنعته هذه وعجائبها.
يا صاحبي! ومهما صوّرتَ في وهمك في هذه السـيّارة الفرضية، وزِد عليه، وزِد عليه، فإنّه موجود في بدن الإنسان والحيوان على أتقن صناعة وأوفقها بالحكمة والعلم، مع أنّ سـيّارةَ بدن الإنسان الحقيقية مِن حكمةِ صناعتها الباهرة أن يتولّد
وهذا قليل من كثير من بيان ما بلغه العلم من الحكم الباهرة، والصنع العجيب، ودلائل العلم، وقصد الغاية في خلقة الإنسان والحيوان وأبدانهما.
ولا زال علم التشريح يوماً فيوماً تنكشف له من ذلك بواهر الحِكم والفوائد الكبيرة.
يا صاحبي يا رمزي! إذاً فكيف لا يحصل لك اليقين بأنّ الإنسان والحيوان ـ أقلاًّ ـ مخلوقان لخالق مُريد عالم حكيم؟!
وهل تبلغ الأمثلة التي ذكرتَها أنتَ ـ في ارتباطها بالغايات، وجريانها على القوانين ـ ما بلغه بدن الإنسان والحيوان في أجزائه وتركيبه وأوضاعه؟!
أفلا يكثر العجب منك ومن أمثالك إذ تقولون: إنّ الاتّصال في قطعتَي الحديد (النرمادة) يدلّ على أنّهما صنع صانع مُريد للغاية، لتصوّره لها ; ومع ذلك تقولون: إنّ خلقة الإنسان والحيوان العجيبة، وخلقة العالَم بأجمعه، مع ما فيه من عجائب الحكم على النواميس الباهرة، والقوانين العامة المسـتمرّة، ودلائل العلم وقصد الغاية ; هذه كلّها إنّما هي من صدفة الطبيعة العمياء عديمةِ الشعور؟!!
يا للعجب! أين الوجدان؟! أين الشعور؟! أين البداهة؟!
أنتَ الذي ضربت تلك الأمثلة آنفاً، فلماذا لا تتعجّب من نفسك في هذا المقام؟؟!!
رمزي: أمّا إذا لم تقف الشهوات أمامي، ولم تعبث بالفكر زوابع الأهواء، فإنّ كلّ الذي تقوله صحيح ; فإنّ وجود الإنسان والحيوان والموجودات العالمية بأوضاعها وأحوالها ونواميسها وقوانينها، تدلّ بأوضح البداهة ودليل المنطق على علم صانعها وحكمته وإرادته وقصده للغايات.
ولكن لماذا تسمّون هذا الصانع: " الله "؟! ولماذا تسمّون هذا الإيجاد خلقاً؟!
عبـد الله: مرادنا من الخلق هو الإيجاد بالإرادة، والعلم بالغاية وقصدها.
والمراد من اسم " الله " هو مَن أوجد العالَم بإرادته وحكمته، وعلمه بالغاية وقصدها.
يا صاحبي! إنّك في كلامك الأخير موافق لنا في المعاني، فهل لك عداوة مع الألفاظ؟!
رمزي: يا عبـد الله! إنّي لا يسعني في الشعور والأدب والشرف أن أجحد ما تقوله، ولكن اتركني لحالي، ولحرّيّة
عبـد الله: عجباً يا صاحبي! إنّك في أوائل مكالمتنا قد تعجّبتَ من حالات السودان ووحشـيّتهم ونشـيدهم! فلماذا أراك في كلامك هذا تختار أحوالهم ومضامين نشـيدهم على نحو صارت أحوالك وأقوالك تمثّل أحوالهم ونشـيدهم؟! وتمثّل ذلك الولد الشقي الذي قال: " لا أرى لي أباً، خرجتُ من ثقب الجدار! " فهلاّ تقول منيباً للصلاح ومعتبراً بقول القائل:
| ولقد نَهَزْتُ(1) معَ الغُواةِ بِدَلْوِهم | وأَسَمْتُ سَرْحَ(2) الطَرْفِ حيثُ أساموا |
____________
1- نَهَزَ بالدلو في البئر: إذا ضرب بها إلى الماء لتمتلئ ; انظر: لسان العرب 14 / 305 مادّة " نهز ".
2- أسمتُ السرح: إذا خلّيت الإبل ترعى حيث تشاء، والسائم والسرح: المـال الـراعي ; انظـر: لسـان العـرب 6 / 229 و 440 مادّتَي " سـرح " و " سوم ".
والمراد: أنّه خلّى نفسَه وهواها وملاذّها تذهب به حيث تشاء بلا وازع أو رادع.
| وبَلَغـتُ ما بَلغَ امرُؤٌ بشـبابِهِ | فإذا عُصارةُ كلِّ ذاكَ أثامُ(1) |
وقول القائل:
| لقدْ طُفْتُ في تلكَ المعاهِدِ كلِّها | ورَدَّدْتُ طَرْفي بينَ تلكَ المعالِمِ |
| فلمْ أرَ إلاّ واضعاً كَفَّ حاسر | على ذَقَن أو قارعاً سِنَّ نادمِ(2) |
رمزي: يا عبـد الله! اكـفف الآن عن الملام وأمثال هذا الكلام، ولا تشوّش علَيَّ حرّيّتي، ولا تكدّر علَيَّ صفاء لذّاتي ; فإنّك لا تقدر ـ حالا ـ على أن تأخذ أمام شهواتي، وإذا كان لي مبدأ اعتقادي فإنّه محوَّل إلى ضميري.
عبـد الله: يُفهم من حالك وأمثالك الشهوانية أنّك
____________
1- من قصيدة لأبي نؤاس (146 ـ 198 هـ / 763 ـ 814 م)، يمدح بها الأمين العبّـاسي، من بحر الكامل، وفيها: " اللهو " بدل " الطرف "، ومطلعها:
| يا دارُ! ما فَعلَتْ بكِ الأيّامُ؟! | ضامَتْكِ، والأيّامُ ليسَ تُضامُ |
انظر: ديوان أبي نؤاس: 575.
2- من قصيدة للأبيوردي محمّـد بن أحمد القرشي الأُموي، المتوفّى سـنة 507 هـ / 1113 م، وهي من بحر الطويل، وفيها: " وسَـيّرتُ " بدل " وردّدتُ " و " حَيْرَة " بدل " حاسِر ".
انظر: ديوان الأبيوردي: 138.
رمزي: لا، لا، يا صاحبي! لا يصل توبيخك لي إلى هذا الحدّ، ولا تقابل صاحبك بالشتم المقذع وسوء القول، ولا تقل ما يمسّ بالغيرة والشرف ; فلماذا تطعن بغيرتي وشرفي؟! وأنا من بيت شريف وأُسرة كريمة!
عبـد الله: ما هذا الغيظ منك؟! ويا للعجب! ومع أنّك عبـد الشهوات ولا تبالي بالتهتّك، كيف غضبت من هذا السؤال هذا الغضب؟! فقل لي ما هو السـبب في غيظك بهذه الشدّة من هذا السؤال؟!
رمـزي: وهـل يـخـفـى عـلى أحـد أنّ دعـوة الـسـفـور لا تنفكّ ـ على الأقلّ ـ عن ثلاث صفات ; إحداهنّ تُناسِـب شهوانيّـتي، ودوام التذاذي بالآنسات السافرات بما يتعاطَينه من الزيّ الأنيق والطراز البهيج، إذ يتخاصفن(1) في الشوارع
____________
1- كذا في الأصل، ولم أجد لها معنىً مناسـباً في مادّة " خصف " من المعاجم اللغوية..
ولعلّها تصحيف: يتحاصفن ـ بالحاء المهملة لا المعجمة ـ، وأحصف إحصافاً: إذا مَـرَّ مرّاً سريعاً وأسرع في عَدْوه ; انظر مادّة " حصف " في: الصحاح 4 / 1344، لسان العرب 3 / 207..
أو تصحيف: يتخاطفن، أي يمررن مرّاً سريعاً ; انظر: لسان العرب 4 / 142 مادّة " خطف ".
أو كما نشره المتأنّـثون من السفوريّين باسم الآنسة
____________
1- أسراب، جمع سِرْب: القطيع من الظباء ومن النساء ; انظر: لسان العرب 6 / 225 مادّة " سرب ".
2- الرِيم: الظَبي الأبيض الخالص البياض ; انظر: لسان العرب 5 / 395 مادّة " ريم ".
3- جارية آنسة: إذا كانت طيّبة النفْس تُحبّ قُربَك وحديثَك، وجمعها آنِسات وأوانِس ; انظر: لسان العرب 1 / 235 مادّة " أنس ".
4- العريكة: الطبيعة، وليّن العريكة إذا كان ليّن الخُلُق سلساً مطاوعاً منقاداً قليل الخلاف والنفور ; انظر: لسان العرب 9 / 169 مادّة " عرك ".
5- الخَدالة من المرأة: امتلاء الساقين والذراعين ; انظر: لسان العرب 4 / 40 مادّة " خدل ".
6- الهَيَف ـ بالتحريك ـ: رقّة الخصر وضمور البطن، والهِيْف ـ جمع: أهيف وهيفاء ـ: وهو الضامر البطن ; انظر: لسان العرب 15 / 181 مادّة " هيف ".
7- الـرَّجُّ: التحريك، والارتجاج: مطاوعة الرجّ ; انظر: لسان العرب 5 / 141 ـ 142 مادّة " رجج ".
8- الميس: التبختر ; انظر: لسان العرب 13 / 231 مادّة " ميس ".
فأكون كما تمنّوه في صحيفة 177: " قد جعلت يدي بيد السافرة، نتبادل احترام المغازلة، فكراً وقولا وفعلا، سائرين في طريق الـ... بوجوه طافحة بماء الـ... "!
" فظُنَّ خيراً ولا تسألْ عن الخَبرِ "(1)، فإنّ السفور يكون شـبكاً عمومياً لصيد الأوانس، لا يحتاج معه إلى كلفة الفخاخ والحبائل الخصوصية، ولا أخاف فيه رقيباً ولا غيرة، غير أنْ " خلا لكِ الجوّ فبيضي واصفري "(2).
____________
1- عجز بيت صدره: " فكان ما كان ممّا لستُ أذكرُهُ " والبيت لابن المعتزّ (249 ـ 296 هـ / 861 ـ 908 م)، من قصيدة في الغزل، من بحر البسـيط، مطلعها:
| سقى المَطيرةَ ذاتَ الظلِّ والشجرِ | وديرَ عبـدونَ هطّالٌ منَ المطرِ |
انظر: ديوان ابن المعتزّ: 219.
2- عجز بيت صدره: " يا لكِ من قُبّرَة بمَعْمَرِ "، والبيت لطرفة بن العبد (86 ـ 60 ق. هـ / 538 ـ 564 م)، من قصيدة من بحر الرجز، قالها لمّا نصب فخّاً للقنابر فلم يصد شـيئاً، فلمّا ارتحل رأى القنابر تلتقط ما نـثر لها من حَـبّ.
انظر: ديوان طرفة بن العبـد: 46.
رمزي: انزعجت من أجل ما يلزم لطلب السفور من الصـفـات الأُخر الذميمة!
ولأجل نفرتي منها ومخالفتها للغيرة وانزعاجي من سؤالك، اقطعِ الكلام حالا على هذا المقدار، ولعلّما يسكن غيظي فتسـنح الفرصة للكلام في بيان تلك الصفات الذميمة، وفي مفاسد السفور فلسفياً واجتماعياً واقتصادياً ودينياً وإنسانيةً.
فإنّي أعلم أنّك تطيل معي الكلام لكي تسـتخرج ما في ضميري، وتمحّص الحقيقة، فأمهِلني في ذلك.
عبـد الله: وهل تسمح نفسك بأن نتكلّم في المهمّات من التعاليم الأساسـية الحقيقية في سعادة الإنسان ومدنيّته الصالحة وكماله وحسن أخلاقه وكرامة مسـتقبله؟!
رمزي: إنّك تريد الكلام في الدين والشريعة والرسالة لكي تسـتعين باعترافي بذلك على أن تحبسـني عن شهواتي وملاذّي!
ولكن لا منافاة ; أُساعدك على الكلام والنظر الصحيح، وأمّا الانقياد إلى تعاليمك وحبسك لي فذلك إلى رأيي، فإنّ
عبـد الله:
| هانَ على الواجِدِ طَعمُ الكَرى | إنّ الفتى الساهِرَ ما غَمَّضا(1) |
____________
1- من قصيدة للشريف الرضي (359 ـ 406 هـ / 969 ـ 1015 م)، يمدح بها الملك بهاء الدولة ويعتذر إليه ممّا اتّفق في أمره في أوّل يوم من جمادى الأُولى سنة 397، مطلعها:
| كيف أضاءَ البرقُ إذ أَومَضا | منابِتَ الرِّمْثِ بوادي الغَضا |
انظر: ديوان الشريف الرضي 1 / 574.
( 4 )
الـرَّدُّ على
الـوهّـابيّــة
[ تمهيـد: ]
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة على محمّـد سيّد الأوّلين والآخِرين، صلّى الله عليه وسلّم، وعلى آله أجمعين.
وبعـد..
فقد عثرتُ في بعض الجرائـد(1) على سؤال نصّه هذا:
" غادر مكّة في شهر رمضان الماضي الشيخ عبـد الله بن بليهد، قاضي قضاة الوهّابيّين في الحجاز، قاصداً المدينة المنوَّرة، وقد تلقّت جريدة " أُمّ القرى " من مكاتبها في المدينة أنّ الشيخ ابن بليهد اجتمع بعلماء المدينة وباحثهم في أُمور كـثيرة، ثمّ وجّـه إليهم السـؤال الآتي:
بسـم الله الرحمن الرحيم، ما قول علماء المدينة المنـوّرة
____________
1- هي جريدة " أُمّ القرى "، العدد 69، بتاريخ 17 شوّال 1344 هـ.
وهذا ممّا أفادني به سماحة العلاّمة المحقّق السيّد عبـد العزيز الطباطبائي (قدس سره).
وإذا كان غير جائز، بل ممنوعٌ منهيٌّ عنه نهيـاً شديداً، فهل يجب هدمها ومنع الصلاة عندها، أم لا؟
وإذا كان البناء في مسـبّلة ـ كالبقيع ـ وهو مانع من الانتفاع بالمقدار المبنيّ عليه، فهل هو غصب يجب رفعه ; لِما فيه من ظلم المسـتحقّين ومنعهم اسـتحقاقهم، أم لا؟
وما يفعله الجُهّال عند هذه الضرائح، مِن التمسّح بها، ودعائهـا مع الله، والتقـرُّب بالذبح والنذر لها، وإيقاد السُّرُج عليها ; هل هو جائز، أم لا؟
وما يُفعل عند حجرة النبيّ (صلى الله عليه وسلم)، مِن التوجّه إليها عند الدعاء وغيره، والطواف بها، وتقبيلها، والتمسّح بها، وكذلك ما يُفعل في المسجد الشريف، من الترحيم والتذكير بين الأذان والإقامة، وقبل الفجر، ويوم الجمعة ; هل هو مشروع، أم لا؟
أفتونا مأجورين، وبيّنوا لنا الأدلّة المسـتند إليها ; لا زلتم ملجـأً للمسـتفيدين ".
وهذا نصّ الجواب:
" أمّا البناء على القبور فهو ممنوع إجماعاً ; لصحّة
وأمّا اتّخاذ القبور مساجد والصلاة فيها فممنوع مطلقاً، وإيقاد السُّرُج عليه ممنوع أيضاً ; لحديث ابن عبّـاس: (لعنَ رسولُ الله زائراتِ القبور، والمتّخذين عليها المساجد والسُّرُج)، رواه أهل السُّـنن(2).
وأمّا ما يفعله الجُهّال عند الضرائح، مِن التمسّح بها، والتقرُّب إليها بالذبائح والنذور، ودعاء أهلها مع الله، فهو حرامٌ، ممنوع شرعاً، لا يجوز فعله أصـلا.
وأمّا التوجّه إلى حجرة النبيّ (صلى الله عليه وسلم) عند الدعاء، فالأَوْلى
____________
1- صحيح مسلم 3 / 61.
وانظر: مسند أحمد 1 / 96 و 129، سنن النسائي 4 / 88، سنن أبي داود 3 / 212 ح 3218، سنن الترمذي 3 / 366 ح 1049 ب 56.
2- سنن أبي داود 3 / 216 ح 3236، سنن النسائي 4 / 95، سنن الـتـرمـذي 2 / 136 ح 320، مـسـنـد أحـمـد 1 / 229 و 287 و 324 و 337، المعجم الكبير 12 / 115 ح 12725، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان 5 / 72 ح 3169 و 3170، مصنّف ابن أبي شيبة 3 / 225 ح 1 ب 146.
وأمّا الطواف بها والتمسّح بها وتقبيلها، فهو ممنوع مطلقاً.
وأمّا ما يُفعل من التذكير والترحيم والتسليم في الأوقات المذكورة، فهو مُحْـدَثٌ.
هـذا ما وصل إليه علمنا السـقيم ".
ويلي ذلك توقيـع 15 عالمـاً.
وقد علّقت جريدة " أُمّ القرى " على هذه الفتوى بمقالة افتـتاحية قائلةً:
" إنّ الحكومة سـتسـير في تنفيذ أحكام الدين، رضي النـاس أم كرهوا "! انتهى.
واطّلعتُ أيضاً على مقالة في بعض الجرائد المصرية(1)، وهذا نصّهـا:
" تغلّب الوهّابيّون على الحجاز، فأَوفدت حكومة إيران وفداً ـ على رأسه حضرات أصحاب السعادة: ميرزا غفّار خان جلال السلطنة، وزيرها المفوَّض في مصر، وميرزا حبيب الله خان هوَيدا عين الملك، قنصلها الجنرال(2) بالشام ـ إلى
____________
1- هي جريـدة " المقـطَّم "، في عددها الصادر في 22 شـوّال سـنة 1344 هـ.
2- أي: القـنصل العامّ.
وأتمّ هذا الوفد الرسميّ مهمّته، ورفع تقريره إلى حكومتـه.
ولَـمّا تجدّد نشر الإشاعات بأنّ الوهّابيّـين هم هم..
وأنّ التطوّر الذي غَشِي العالَمَ أجمع لم يُصلح من فساد تطـرّفهم شـيئاً..
وأنّهم هدموا القباب والمزاراتِ المبارَكةَ المنبثّة في أرجاء ذلك الوادي المقـدّس..
وأنّهم ضيّقوا الحرّيّة المذهبيّة الإسلامية، نشراً لمذهبهم، وتوسـيعاً لنطاق نحلتهم، في الوقت الذي تقوم فيه جميع حكومات العالَم على رعاية الحـرّيّـات المذهبـيّـة..
أَصْدَرَتْ(1) أَمْرَها بوقف التصريح بالسفر للحجاز، حماية لرعاياها، وحفظاً لهم من قصدِ بلاد لم يُـعْـرَف تماماً كُـنه الحكم فيهـا.
وعـادت فأوفـدت سـعادة ميـرزا حبيـب الله خـان هوَيـدا ـ قنصلها الجنرال(2) في الشام ـ ثانيةً، للتحقّـق من مبلغ صدق
____________
1- أي: حكومة إيران ; والفعل جوابُ " لَـمّـا " المتقـدّمـة.
2- أي: القـنصل العامّ.
لم تمنع الحكومة الإيرانية رعاياها من السفر إلى الحجاز لأنّ حكومته وهّابيّة فحسـب، ولكنّ الإيرانـيّين أَلِفوا في الحجّ والزيارة شؤوناً يعتقدون أنّها من مسـتلزمات أداء ذلك الركن، ويشاركهم في ذلك جمهور المسلمين من غير الوهّابيّين، كزيارة مشاهد أهل البيت، والاسـتمداد من نفحاتهم، وزيارة مسجد منسـوب للإمام عليّ (عليه السلام).
وقد قضى الوهّـابيُّ على تلك الآثار جملةً، وقضى رجاله ـ وكلُّ فرد منهم حكومة قائمة ـ على الحـرّيّـة المذهبـيّـة.
فمَن قرأ الفاتحة على مشهد من المشاهد، جُـلِـد.
ومَن دخَّن سـيجارة أو نرجيلة، أُهينَ وَضُرِبَ وزُجَّ في السجن، في الوقت الذي تحصّل فيه إدارة الجمارك الحجازيّة رسوماً على واردات البلاد من الدخان والتمباك.
ومَن استنجد بالرسول المجتبى عليه صلوات الله وسلامه بقوله: (يا رسـول الله!)، عُـدَّ مشركاً.
ومَن أقسم بالنبيّ أو بآله، عُـدَّ خارجاً عن سـياج الملّة.
وما حادثة السيّد أحمد الشريف السنوسيّ(1) ـ وهو علمٌ
____________
1- هو السيّد أحمد الشريف بن محمّـد بن عليّ السنوسي (1284 ـ 1351 هـ)، وُلد وتفقَّه في " الجغبوب " من أعمال ليبيا، قاتل الإيطاليّين في حربهم مع الدولة العثمانية سنة 1339 هـ، دُعي إلى إسلامبول بعد عقد الصلح بين إيطاليا والعثمانيّين، ثمّ رحل منها إلى الحجاز، كان من أنبل الناس جلالة قدر وسراوة حال ورجاحة عقل، وكان على علم غزير، وقد صنَّف في أوقات فراغه كتباً عديدة.
انظر: الأعلام 1 / 135.
كلُّ هذا حاصلٌ في الحجاز لا ينكره أحد، ولا يستطيع الوهّابيُّ ولا دعاتُه ولا جنودُه أن يكذِّبوه ".
إنـتهى ما أردنا نقله من تلك الجـريدة.
فرأيتُ أن أتكلّم معهم بكلمات وجيزة، جارية في نهج الإنصاف، خالية عن الجور والتعصّب والاعتساف، سالكاً سبيل الرفق والاعتدال، ناكباً عن طريق الخرق والجدال، فما المقصود إلاّ هداية العبـاد، والله وليُّ الرشاد.
ثمّ إنّـا نتكلّم في ما طعن به الوهّابيّون على سائر المسلمين في ضمن فصول، والله المسـتعان.
واجتـنبتُ فيه عن الفحش في المقال، والطعن والوقيعـة والجـدال.
ويا لها من رزيّـة جليلة! ومصيبة فاظعة(1) فادحة! وثلمة عظيمة في الإسـلام أليمـة فجيعـة!
| كُحِلَتْ بِمِقْـطَرِكَ العُـيُونُ عَمايَـةً | وَأَجَـلَّ وَقْعَـكَ كُلُّ أُذْن تَسْـمَعُ(2) |
وعلى الجملـة:
فقد هدموا شعائرَ الدين، وجرحوا قلوبَ المسلمين، بفتوى خمسة عشر، تشهد القرائن بأنّهم مجبورون مضطـرّون
____________
1- كذا في الأصل، ولعلّها: " قاطعـة "، والأصوب لغةً أن تكون: " فـظيعـة ".
2- البيت من قصيـدة لدعبل الخزاعي، يرثي بها سـيّد الشـهداء الإمـام أبا عبـد الله الحسـين بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام)، وقد ورد البيت باختلاف في بعض ألفاظه في الديوان المطبوع ومصادر أُخرى هكذا:
| كُحِلَتْ بِمَنْظَرِكَ العُيُونُ عَمايَةً | وَأَصَمَّ نَعْيُكَ كُلَّ أُذْن تَسْمَعُ |
انظر: ديوان دعبل: 226، معجم الأُدباء 3 / 320 و ج 1 / 409 وفيه: " رُزْؤُكَ " بدل " نَعْيُكَ " ولم يُسمّ قائله هنا، الحماسة البصرية 1 / 201.
ويشهد نفس السؤال ـ أيضاً ـ بذلك ; حيث إنّ السائل يعلِّمُهُمُ الجوابَ في ضمن السؤال بقوله: " وإذا كان غير جائز، بل ممنوع منهيٌّ عنه نهيـاً شديداً "!
ويومئ إليه ـ أيضاً ـ ما في الجريدة، أنّه اجتمع إليهم أوّلا، وباحثهم ثانيـاً، ومن بعـد ذلك وجّـه إليهم السؤال المزبـور!
ولقد حدّثني بعض الثقات من أهل العلم ـ بعد رجوعه من المدينة ـ عن بعض علمائها، أنّه قال: إنّ الوهّابـيّة أَوعدوني وعالِمَين غيري بالقتل والنهب والنفي (على مساعدتهم)(1) في الجواب، فلم نفعل.
| هذِي المَنازِلُ بِالغَمِيمِ فَنَادِها | وَاسْكُبْ سَخِيَّ العَيْنِ بَعْدَ جَمادِها(2) |
____________
1- كذا في الأصل، والصواب: " إنْ لم نساعدهم ".
2- مطلع قصيدة للشريف الرضيّ، يرثي بها سيّد الشهداء الإمام أبا عبـد الله الحسـين بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام)، في يوم عاشوراء سنة 391 هـ.
انظر: ديوان الشريف الرضيّ 1 / 360.