الفصـل الأوّل
في توحيـد الله في العبـادة
إعلم أنّ من ضروريّات الدين، والمتّفق عليه بين جميع طبقات المسلمين، بل من أعظم أركان أُصول الدين: اختصاص العبادة بالله ربّ العالَمين.
فلا يسـتحقّها غيره، ولا يجوز إيقاعها لغيره، ومَن عَبَدَ غيرَه فهو كافرٌ مشرك، سواءً عَبَـدَ الأصنامَ، أو عَبَـدَ أشرفَ الملائكةِ، أو أفضلَ الأنامِ.
وهذا لا يرتاب فيه أحدٌ ممّن عرف دينَ الإسـلام.
وكيف يرتاب؟! وهو يقرأ في كلّ يوم عشر مرّات: (إيّـاكَ نَـعْـبُـدُ وإيّـاكَ نَـسْـتَـعِـيـنُ)(1).
ويقرأ: (قُلْ يا أَيُّها الكافِرونَ * لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدونَ * ولا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ * ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ * ولا أَنْتُمْ عابِـدُونَ ما أَعْـبُـدُ * لَـكُمْ دِينُـكُمْ وَلِيَ دِينِ)(2).
ويقرأ في سورة يوسف: (إنِ الحُكْمُ إلاّ للهِ أَمَرَ ألاّ
____________
1- سورة الفاتحة 1: 5.
2- سورة الكافرون 109: 1 ـ 6.
ويقرأ في سورة النحل: (وَقالَ الّذِينَ أَشْركُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَىْء نَحْنُ وَلا آباؤنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْء كذلِكَ فَعَلَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلاّ البَلاغُ المُبِـينُ)(2).
ويقرأ في سورة التوبة: (وَما أُمِرُوا إلاّ لِيَـعْـبُدُوا إلهاً واحِداً لا إله إلاّ هوَ سُـبْحانَـهُ عَمّا يُشْرِكُونَ)(3).
ويقرأ في سورة البقرة: (أَمْ كُـنْـتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إلهَكَ وَإلهَ آبائِكَ إبْراهيمَ وَإسماعِيلَ وإسْحاقَ إلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)(4).
ويقرأ في سورة الأعراف: (وإلى عاد أخاهُمْ هُوداً)إلى قوله عزَّ من قائل: (قالُوا أَجِئْـتَنا لِنَـعْـبُدَ اللهَ وَحْدَهُ)(5).
ويقرأ في [ سورة ] الزمر: (وَالّذِينَ اتّخَذُوا مِن دُوْنِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إلاّ لِيُقَرِّبُونا إلى اللهِ زُلْفى إنّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ
____________
1- سورة يوسف 12: 40.
2- سورة النحل 16: 35.
3- سورة التوبة 9: 31.
4- سورة البقرة 2: 133.
5- سورة الأعراف 7: 65 ـ 70.
ويقرأ فيها: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مَنَ الخاسِرينَ * بَلِ اللهَ فاعْـبُـدْ وَكُن مِنَ الشّاكِرِينَ)(2).
ويقرأ فيها: (قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخلِصاً لَهُ دِينِي)(3).
ويقرأ في سورة النساء: (واعْبُدُوا اللهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَـيْئاً)(4).
ويقرأ في سورة هود: (ألاّ تَعْبُدُوا إلاّ اللهَ إنّني لَكُمْ مِنْهُ نَـذِيرٌ وَبَشِـيرٌ)(5).
ويقرأ في سورة العنكبوت: (يا عِباديَ الّذِينَ آمَنُوا إنّ أَرْضي واسِـعَةٌ فَـإيّـايَ فَـاعْـبُـدُونِ)(6).
.. إلى غير ذلك من الآيات الفرقانـيّـة، والأحاديث
____________
1- سورة الزمر 39: 3.
2- سورة الزمر 39: 65 و 66.
3- سورة الزمر 39: 14.
4- سورة النساء 4: 36.
5- سورة هود 11: 2.
6- سورة العنكبوت 29: 56.
لكنّ العبادة ـ كما هو المفسَّر في لسان المفسِّرين، وأهل العربيّة، وعلماء الإسلام ـ: غاية الخضوع ; كالسجود، والركوع، ووَضع الخـدِّ على التراب والرماد تواضعاً، وأشباه ذلك كما يفعله عُـبّـاد الأصنام لأصنامهم(2).
وأمّا زيارة القبور والتمسّح بها وتقبيلها والتبرّك بها، فليس من ذلك في شيء كما هو واضحٌ، بل ليس فيها شيء من الخضوع فضلا عن كونها غاية الخضوع.
مع أنّ مطلق الخضوع ـ كما عرفت ـ ليس بعبادة، وإلاّ لكان جميع الناس مشركين، حتّى الوهّابيّين! فإنّهم يخضعون للرؤساء والأُمراء والكبراء بعضَ الخضوع، ويخضع الأبناء للآباء، والخدم للمخدومين، والعبيد للموالي، وكلُّ طبقة من
____________
1- انظر ذلك في تفسير الآيات الكريمة المتقدّمة ـ على سبيل المثال ـ وغيرها في مختلف التفاسـير، ولاحظ كتاب " التوحيد " للشيخ الصدوق، والكافي 1 / 57 ـ 127 كتاب التوحيـد.
2- انظر ذلك ـ على سبيل المثال ـ في تفسير آية (إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْـتَعِينُ) في: التبيان 1 / 37 ـ 39، مجمع البيان 1 / 34 ـ 35، تفسير الطبري 1 / 98، تفسـير الفخر الرازي 1 / 246، تفسير القرطبي 1 / 101، الدرّ المنثور 1 / 37، تفسير الصافي 1 / 84، كنز الدقائق 1 / 54 ـ 56، نور الثقلين 1 / 19 ـ 20، آلاء الرحمن 1 / 127 ـ 130، البيان في تفسير القرآن: 457 ـ 483، ومادّة " عَبَدَ " في: لسان العرب 9 / 10.
هذا، وقد قال الله عزّ من قائل في تعليم الحكمة: (وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الـذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ)(1).
أَتَرى اللهَ حين أمر بالخضوع للوالِدَين أمَـرَ بعبادتهما؟!
ويقول سبحانه: (لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْـهَـرُوا لَـهُ بِالقَـوْلِ...) إلى آخرها(2).
أَلَيـس هذا خضوعـاً وتواضعـاً؟!
أَتَرى اللهَ سـبحانه أَمَـرَ بعبادة نبـيِّـه؟!
أَوَليس التواضع من الأخلاق الجميلة الزكيّة، وهو متضمّن لشيء من الخضوع لا محالة؟!
أَوَترى الله نهى أن يُصنع بأنبيائه وأوليائه نظير ما أمر أن يصنع بسائر المسلمين من التواضع والخضوع؟!
وقد كان الصحابة يتواضعون للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ويخضعون له، وذلك من المسلَّمات بين أهل السِـيَر والأخبار.
بل روى البخاري في صحيحه:
" خرج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالهاجرة إلى البطحاء، فتوضّـأ،
____________
1- سورة الإسراء 17: 24.
2- سورة الحجرات 49: 2.
قال شعبة: وزاد فيه عون: عن أبيه، عن أبي جحيفة ; قال: كان تمـرُّ من ورائها المرأة.
وقام الناس فجعلوا يأخذون يده فيمسحون بها وجوههم.
قال: فأخذتُ بيده فوضعتها على وجهي، فإذا هي أبرد من الثلج، وأطيب رائحة من المسـك "(2).
[ زيارة القبـور: ]
وأمّا الأخبار الدالّة على زيارة القبور فنذكر عدّة منها، وإنْ كان لا حـاجة إلى ذِكـرها لوضـوح المسـألة، حتّى إنّ الوهّابيّـين ـ أيضاً ـ غير مانعين عن أصـل الزيارة.
فروى البخاري، عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)، أنّه " خرج يوماً فصلّى على أهل أُحُد صلاته على الميّت، ثمّ انصرف إلى المنبر... " إلى آخـره(3).
____________
1- العَـنَـزَة ـ بالتحريك ـ: هي أطول من العصا وأقصر من الرمح، فيها سـنان كسـنان الرمح، وربّما في أسفلها زُجٌّ كَـزُجّ الرمح.
انظر مادّة " عنز " في: القاموس المحيط 2 / 190، لسان العرب 9 / 424.
2- صحيح البخاري 5 / 29 ح 60.
3- صحيح البخاري 2 / 193 ح 101 ; وانظر: سنن أبي داود 3 / 213 ح 3223 إلى قوله: " ثمّ انصرف ".
وروى فيه عن أنس، قال: مرّ النبيّ (صلى الله عليه وسلم) بامرأة تبكي عند قبر، فقال: " اتّقي اللهَ واصبري... " إلى آخره(1)، ولم ينهها عن زيارة القبـر.
وروى الدارقطني في " السنن " وغيرها، والبيهقي، وغيرهما، من طريق موسى بن هلال العبدي، عن عبـد الله العمري، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسـول الله (صلى الله عليه وسلم): " مَن زار قبري وجبت له شفاعتي "(2).
وعن نافع، عن سالم، عن ابن عمر، مرفوعاً، عن النبيّ (صلى الله عليه وسلم)، أنّه قال: " من جاءني زائراً ليس له حاجة إلاّ زيارتي، كان حقّـاً عَلَيَّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة "(3).
____________
1- صحيـح البخـاري 2 / 161 ح 15 إلى قوله: " واصبـري " و ص 171 ح 44 ; وانـظـر: سـنن أبي داود 3 / 189 ح 3124، السـنـن الـكبـرى ـ للبيهقي ـ 4 / 65، الأنوار في شمائل النبيّ المختار 1 / 200 ح 239.
2- سنن الدارقطني 2 / 217 ح 2669، شعب الإيمـان 3 / 490 ح 4159، الكنى والأسماء ـ للدولابي ـ 2 / 64، الكامل في ضعفاء الرجال 6 / 351 رقم 1834، الوفا بأحوال المصطفى: 817 ح 1530، مجمع الزوائد 4 / 2، الصلات والبشر: 142، دفع شُـبَه مَن شَـبّه وتمرّد: 95، الدرّ المنثور 1 / 569، كنز العمّال 15 / 651 ح 42583 ; وانظر: الغـدير 5 / 93 ـ 96 ح 1 ومصـادره.
3- انظر: المعجم الكبير 12 / 225 ح 13149، مجمع الزوائد 4 / 2، الصلات والبشر: 142، الدرّ المنثور 1 / 569، كـنز العمّال 12 / 256 ح 34928 ; وانظر: الغدير 5 / 97 ـ 98 ح 2 ومصـادره.
وعن ليث، عن مجاهد، عن [ ابن ] عمر، مرفوعاً، قـال (صلى الله عليه وسلم): " مَنْ حجَّ وزار قبري بعد وفاتي، كان كمن زارني في حيـاتي "(1).
وعن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ (صلى الله عليه وسلم)، قال: " مَن زارني كنتُ له شـهيداً أو شـفيعاً "(2).
وعن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ (صلى الله عليه وسلم)، قال: " مَن حـجَّ [ البيت ] ولم يزرني فقد جفاني "(3).
____________
1- انظـر: المعجـم الكبير 12 / 310 ح 13497، المعجم الأوسـط 4 / 50 ح 3376، سـنن الدارقطـني 2 / 217 ح 2667، السـنن الكبرى ـ للبيهقي ـ 5 / 246، شـعب الإيمان 3 / 489 ح 4154 وفي ص 488 ح 4151 عن حاطب، فضائل المدينة ـ لأبي سعيد الجَنَدي ـ: 39 ح 52، فردوس الأخبار 2 / 252 ح 5709، الوفا بأحوال المصطفى: 816 ح 1529، الصلات والبشر: 143، الدرّ المنثور 1 / 569، كنز العمّال 5 / 135 ح 12368 و ج 15 / 651 ح 42582 ; وانظر: الغدير 5 / 98 ـ 100 ح 3 ومصـادره.
2- انظر: مسند الطيالسي: 12 ـ 13 ح 65، شعب الإيمان 3 / 489 ذ ح 4153، كنز العمّال 5 / 135 ح 12371، كما ورد مضمونه في: السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ 5 / 245، شعب الإيمان 3 / 488 ح 4152 و ص 489 ح 4157، الصلات والبشر: 143، الدرّ المنثور 1 / 569 ; وانظر: الغـدير 5 / 100 ـ 101 ح 5 ومصـادره.
3- فردوس الأخبار 2 / 252 ح 5708، الكامل في ضعفاء الرجال 7 / 14 رقم 1956، الصلات والبشر: 143، دفع شُـبَه مَن شَـبّه وتمرّد: 96، الدرّ المنثور 1 / 569، كنز العمّال 5 / 135 ح 12369 ; وانظر: الغـدير 5 / 100 ح 4 ومصـادره.
وعن أبي هريرة، مرفوعاً، عن النبيّ (صلى الله عليه وسلم)، قال: " مَن زارني بعد موتي فكأنّما زارني حيّـاً "(1).
وعن أنس، مرفوعاً، عن النبيّ (صلى الله عليه وسلم)، [ قال ]: " مَن زارني ميّـتـاً كمن زارني حيّـاً، ومَن زار قبري وجبت له شـفاعتي يوم القيـامة "(2).
وعن ابن عبّـاس، عن النبيّ (صلى الله عليه وسلم)، قال: " مَن زارني في مماتي كان كمن زارني في حياتي، ومَن لم يزرني فقد جفـاني "(3).
.. إلى غير ذلك من الأحاديث التي يجوزُ مجموعُها حدَّ المتـواتر.
____________
1- المعجم الأوسط 1 / 146 ح 289، شفاء السقام: 109 ـ 110، وفاء الوفا 4 / 1345 ح 11.
2- شفاء السقام: 112، وفاء الوفا 4 / 1346 ح 13، الصلات والبشر: 143، دفع شُـبَه مَن شَـبّه وتمرّد: 95، كشف الخفاء 2 / 250 ـ 251 ح 2489 ; وانظر: الغدير 5 / 104 ح 10 ومصـادره.
3- مختصر تاريخ دمشق 2 / 407، شفاء السقام: 114، دفع شُـبَه مَن شَـبّه وتمرّد: 96، وفاء الوفا 4 / 1346 ح 14 صدر الحديث عن ابن عبّـاس و ص 1347 ح 16 ; وانظر: الغدير 5 / 104 ـ 105 ح 12 ومصادره، وقد روي فيها عن أمير المؤمنين الإمام عليّ (عليه السلام) مرفوعاً بدلا من ابن عبّـاس.
وفـي " الموطّـأ " أنّ ابـن عمر كـان يقـف عنـد قبـر النبيّ (صلى الله عليه وسلم)، فيسـلّم عليه وعند أبي بكر وعمر(1).
وسـئل نافـع: هـل كان [ ابن ] عمر يسـلّم على قبـر النبيّ (صلى الله عليه وسلم)؟
فقـال: رأيته مئـة مـرّة أو أكـثر يسلّم على النبـيّ وعلى أبي بكر(2).
قال عياض: زيارة قبر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سُـنّـةٌ أجمعَ عليها المسـلمون(3).
وروى بريدة، عن النبيّ (صلى الله عليه وسلم): " إنّي نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها "(4).
____________
1- الموطّـأ: 153 ح 74 ; وانظر: شعب الإيمان 3 / 490 ح 4161، الدرّ المنثور 1 / 570، وفاء الوفا 4 / 1358.
2- الشفا بتعريف حقوق المصطفى 2 / 86، إقتضاء الصراط المسـتقيم: 327 وقال قبل إيراده الخبر: " وروى ابن بطّـة في (الإبانة) بإسـناد صحيح... "، شرح الشفا ـ للقاري ـ 2 / 152 ـ 153 وقال: " رواه البيهقي وغيره "، شفاء السقام: 167.
3- الشفا بتعريف حقوق المصطفى 2 / 83 ; وانظر: شفاء السقام: 155، دفع شُـبَه مَن شَـبّه وتمرّد: 95، وفاء الوفا 4 / 1362، شرح الشفا ـ للقاري ـ 2 / 148 ـ 149، نسـيم الرياض 3 / 563.
4- صحيح مسلم 3 / 65، سنن الترمذي 3 / 370 ح 1054، سنن أبي داود 3 / 216 ح 3235، سنن النسائي 8 / 310 ـ 311 و ج 4 / 89، مسـند أحمد 5 / 350 و 355 و 356 و 359 و 361، المعجم الكبير 2 / 19 ح 1152 و ص 94 ح 1419، مصنّـف عبـد الرزّاق 3 / 569 ح 6708، السـنن الكبرى ـ للبيهقي ـ 4 / 77.
وعن بريدة، أنّ النبيّ (صلى الله عليه وسلم) إذا خرج إلى المقابر قال: " السلام عليكم أهلَ الديارِ مِنَ المؤمنين والمسلمين ".رواه مسـلم(1).
وعن ابن عبّـاس، أنّ النبيّ [ كان ] يخرج إلى البقيع آخـر الليل فيقول: " السلام عليكم... ".. الخبر.
رواه مسـلم(2).
[ التبـرُّك بالقبور: ]
وأمّا التبرُّك بالقبور وتقبيلها والتمسّـح بها..
فقد نقل عبـد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب " العلل والسؤالات "، قال: سألت أبي عن الرجل يمسّ منبر رسول الله يتبرّك بمسّه وتقبيله، ويفعل بالقبر ذلك رجاءَ ثوابِ الله، فقال:
____________
1- صحيح مسلم 3 / 64 ـ 65 ; وانظر: سنن النسائي 4 / 94، سـنن ابن ماجة 1 / 494 ح 1547.
2- صحيح مسلم 3 / 63 ـ 64 عن عائشة ; وانظر: سنن النسائي 4 / 93، مسند أحمد 6 / 221، سنن الترمذي 3 / 369 ح 1053 عن ابن عبّـاس.
ونقل عن مالك التبـرّك بالقبـر(2).
وروي عن يحيى بن سعيد ـ شيخ مالك ـ أنّه حينما أراد الخروج إلى العراق جاء إلى المنبر وتمسّح به(3).
ونقل السبكي روايةً ليحيى بن الحسن، عن عمر بن خالد، عن أبي نباتة، عن كثير بن يزيد، عن المطّلب بن عبـد الله، قال: أقبل مروان بن الحكم وإذا رَجلٌ ملتزم القبر، فأخذ مروان برقبته وقال: ما تصنع؟!
فقال: إنّي لم آتِ الحجـرَ ولا اللَّبِـنَ(4)، إنّما جئـتُ رسـولَ الله (صلى الله عليه وسلم)(5).
وذكـر روايـة أحمـد، قـال: وكـان الرجـل أبـا أيّـوب
____________
1- العلل ومعرفة الرجال 2 / 492 رقم 3243، وعنه في وفاء الوفا 4 / 1404، وانظر مؤدّاه ومضمونه أيضاً في ص 1403 و 1405.
2- انظر مؤدّاه في: الشفا بتعريف حقوق المصطفى 2 / 87، شفاء السقام: 163 ـ 164، وفاء الوفا 4 / 1407.
3- وفاء الوفا 4 / 1403.
4- اللَّبِـنُ واللِّـبْـنُ ـ جمع: اللَّبِنة واللِّـبْـنة ـ: وهو ما يُبنى بها، وهو المضروب من الطين مُرَبَّـعاً ; انظر: لسان العرب 12 / 229 مادّة " لبن ".
5- شفاء السقام: 279 ; وانظر: مسند أحمد 5 / 422.
ونقل هذه الرواية أحمد، وزاد فيها أنّه قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: " لا تبكوا على الدِّين إذا ولوه أهله، وابكوا عليه إذا وليه غير أهله "(2).
وذكر ابن حمّاد أنّ ابن عمر كان يضع يده اليمنى على القبـر(3).
ولو رمنـا ذِكر جميع الأحاديث لخرجنا من حـدّ الاختصار، وفي ما ذُكر كفاية، فضلا عن سـيرة المسلمين، وما عرفتَ من أنّ تلك الأُمور خارجـة عن حقيقـة العبـادة..
فإذاً لا وجه للمنع عنها وإنْ لم يكن دليل عليها.
هـذا، وقد قال الله عزّ وجلَّ: (وَمَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ فَـإنّـها مِن تَـقْوى القُـلُوبِ)(4).
____________
1- شفاء السقام: 280 ; وانظر: مسند أحمد 5 / 422.
2- مسند أحمد 5 / 422 ; وانظر: المسـتدرك على الصحيحين 4 / 560 ح 8571 وصحّحه هو والذهبي، مجمع الزوائد 5 / 245 وقال: " رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط "، شفاء السقام: 279، وفاء الوفا 4 / 1358 ـ 1359.
3- وفاء الوفا 4 / 1405.
4- سورة الحجّ 22: 32.
الفصل الثاني
في توحيد الله سـبحانه في الأفعال
إعلم أنّ من ضروريّات دين الإسلام، والمُجمَع عليه بين جميع الفرق المنـتحلة لدين سـيّد الأنام، بل ومن أعظم أركان التوحيد: توحيد الله عزّ وجلّ في تدبير العالَم، كالخلق والرزق والإماتة والإحياء، إلى غير ذلك ممّا يرجع إلى تدبير العالَم، كـتسخيرِ الكواكب، وجعلِ الليل والنهار، والظُلَمِ والأنـوار، وإجـراءِ البحـار، وإنـزالِ الأمطـار، وغيـر ذلـك ممّـا لا نحصيـه ولا نحيـط به.
وبالجملـة:
لا كلام بين طوائف أهل الإسلام، أنّ المدبِّر لهذا النظام، هو الله المَلِك العلاّم، وحـده وحـده.
وكيف يرتاب مسلم في ذلك، وهو يقرأ في كلّ يوم مراراً من الفرقان العظيم: (اللهُ الصَّـمَـدُ)(1)؟!..
____________
1- سورة الإخلاص 112: 2.
وقوله سـبحانه: (ألا لَـهُ الخَـلْـقُ وَالأَمْـرُ)(2)..
وقوله تعالى: (قُلْ مَن يَرْزُقُـكُم مِنَ السَّماءِ وَالأرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ وَمَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَـيِّتَ مِنَ الحَيِّ وَمَن يُدَبِّـرُ الأمْـرَ فَسَـيَـقُولُونَ اللهُ فَـقُـلْ أَفَـلا تَـتَّـقُونَ)(3)..
وقوله عزّ اسمه: (إنّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمواتِ وَالأرضِ يُحْيِي وَيُميتُ وَما لَكُم مِن دُوْنِ اللهِ مِن وَلِيّ وَلا نَصِير)(4)..
وقوله عظُم سلطانه: (قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إن كُنتَ مِنَ الصّادِقِينَ * قالَ إنّما يَأْتِيكُم بِهِ اللهُ إن شاءَ)(5)..
وقوله جلّ شأنه: (أَمْ جَعَلُوا للهِ شُركاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَـتَشابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْء)(6)..
____________
1- سورة الأنعام 6: 101.
2- سورة الأعراف 7: 54.
3- سورة يونس 10: 31.
4- سورة التوبة 7: 116.
5- سورة هود 11: 32 و 33.
6- سورة الرعد 13: 16.
وقوله جلّ وعزّ: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمواتِ وَالأرضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ)(2)..
وقوله عمّ إحسانه: (وَلَئِن سَألْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّماءِ مآءً فَأَحْيا بِهِ الأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِها لَـيَـقُولُنَّ اللهُ)(3)..
وقوله جلّت قدرته: (اللهُ الّذي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِـيتُـكُمْ ثُـمَّ يُحْيِـيكُمْ)(4)..
وقوله تعالى شأنه: (خَلَقَ السَّمواتِ بِغَيرِ عَمَد تَرَوْنَها وَألْقى في الأرضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّة وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْج كَرِيم * هذا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي مَاذا خَلَقَ الّذينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظّالِمُونَ في ضَلال مُبيـن)(5)..
وقوله تعالى: (اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْء وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْء
____________
1- سورة الشعراء 26: 78 ـ 81.
2- سورة العنكبوت 29: 61.
3- سورة العنكبوت 29: 63.
4- سورة الروم 30: 40.
5- سورة لقمان 31: 10 و 11.
وقوله تعالى من قائل: (وَأَنَّ إلى رَبِّكَ المُنتَهى * وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى * وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثَى * مِن نُطْفَة إذا تُمْنَى * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّـشْأَةَ الأُخْرى * وَأَنَّـهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى)(2).
.. إلى غير ذلك من الآيات الكريمـة.
[ التوسّل والاسـتغاثة والاسـتشفاع: ]
لكنّ التوسّل بغير الله سـبحانه، والاسـتغاثة، والاسـتشفاع ـ المعمولة عند المسلمين، في جميع الأزمان، بالنسبة إلى الأنبياء والأولياء ـ ليس بمعنى التشريك في أفعال الله تعالى..
بل الغرض أن يفعل اللهُ فِعله ويقضي الحاجة ببركتهم وشفاعتهم، حيث إنّهم مقرَّبون لديه، مكرمون عنده، ولا مانع من أن يكونوا سـبباً ووسـيلة لجريان فيضـه.
هذا، ومن المركوز في طباع البشر توسّلهم في حوائجهم التي يطلبونها من العظماء والملوك والأُمراء إلى المخصوصين بحضرتهم، ويرون هـذا وسـيلة لنجح حاجتهم، وليـس ذلك
____________
1- سورة الزمر 39: 62 و 63.
2- سورة النجم 53: 42 ـ 48.
فلماذا يُعْزَل أنبياءُ الله والأولياءُ مِن مثل ما يُصنع بمخصوصي العظماء؟! إنْ هذا إلاّ اختلاق، وقد قال الله عزّ وجلّ: (مَن ذا الَّذِي يَشْـفَعُ عِنْدَهُ إلاّ بإذْنِهِ)(1) فاسـتثنى، وقال سـبحانه: (لا يَشْـفَـعُونَ إلاّ لِمَنِ ارْتَضى)(2).
وممّا ذُكـر ظهر أنّ قول القاضي: " ودعائها مع الله "(3)يعني الضرائح، افتراءٌ على المسلمين من جهتيـن:
الأُولى: دعوى تشريك غير الله معه في الدعاء..
مع أنّهم لا يدعون إلاّ الله الواحد القهّار، ويتوسّلون بأوليائه إليه.
وإنْ كان المراد أنّهم يدعون الله عزّ وجلّ لقضاء الحاجات، ويدعون أولياءَه ليكونوا شفعاء لديه سبحانه، فاختلفت جهتا الدعوة، فهذا حقٌّ وصدق، ولا مانع منه أصلا.
بل الوهّابـيّـة ما قدروا الله حـقّ قدره إذ قالوا: لا ضرورة في اسـتنجاح الحاجة عنده إلى شفيع، ولا حُسنَ في ذلك!
____________
1- سورة البقرة 2: 255.
2- سورة الأنبياء 21: 28.
3- تقـدّم في الصفحة 206 من هذا الكـتاب.
فما بال الله عزّ وجلّ يقصـر به عمّا يُصنع بعبـاده؟!
الجهة الثانية: إضافة الدعوة إلى الضرائح..
والحال أنّهم لا يدعون الضريح للشفاعة، بل يدعون صاحب الضريح ; لأنّه ذو مكان مكين عند الله وإنْ كان مُتَوَفَّىً (وَلا تَحْسَبَنَّ الّذِينَ قُتِلُوا في سَبيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرزَقُونَ * فَرِحِينَ بِما آتـيـهُـمُ اللهُ...)(1).
وبالجملـة:
فالتوسّل وطلب الشفاعة من أوليـاء الله أمر مرغوب فيـه عقلا وشرعاً، وقد جرت سيرة المسلمين عليه قديماً وحديثاً.
فعـن أنس بن مالك، أنّـه قال: " جـاء رجل إلى رسـول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: يا رسول الله! هَلكَت المواشي وتقطّعت السُّـبل، فادعُ الله.
____________
1- سورة آل عمران 3: 169 و 170.
فجاء رجل إلى النبيّ (صلى الله عليه وسلم) فقال: يا رسول الله! تهدّمت البيوت، وتقطّعت السُّـبل، وهَلكت المواشي.
فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): اللّهمّ على ظهور الجبال والآكام(1)، وبطون الأودية، ومنابت الشجر.
فانجابت عن المدينة انجياب الثوب ".
رواه البخاري في الصحيح(2)، وروى عدّة أحاديث في هذا المعنى يشـبه بعضها بعضـاً(3).
وفيه أيضاً: حدّثنا عبـد الله بن أبي الأَسود، [ حدّثنا حَرَمِيٌّ، ] حدّثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك (رضي الله عنه)، قال: " قالت أُمّي: يا رسول الله! خادمك [ أنس ]، ادعُ اللهَ له.
قال: اللّهمّ أَكثِر مالَه وولدَه، وبارك له في ما أعطيتـه "(4).
____________
1- الآكام والإكام ـ جمع: الأَكَـمَـة ـ: هو ما اجتمع من الحجارة في مكان واحد، فربّما غلُظ وربّما لم يغلُظ ; وقيل: هو الموضع الذي هو أشدّ ارتفاعاً ممّا حوله، وهو غليظ لا يبلغ أن يكون حجراً.
انظر: لسان العرب 1 / 173 مادّة " أكم ".
2- صحيح البخاري 2 / 79 ح 61.
3- صحيح البخاري 2 / 76 ـ 81 ح 55 ـ 63.
4- صحيح البخاري 8 / 135 ح 38.