الصفحة 237

  وقـال البخاري: حـدّثنا قـتيـبة بن سـعيد، حدّثنا حـاتم، عن الجعد بن عبـد الرحمن، قال: سمعت السائب بن يزيد يقول: " ذهبت بي خالتي إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقالت: يا رسـول الله! إنّ ابن أُختي وَجِـعٌ.

فمسح رأسي، ودعا لي بالبركة، ثمّ توضّأ فشربت من وَضُوئه، ثمّ قمت خلف ظهره فنظرت إلى خاتمه بين كتفيه مثل زرّ الحَجَلة "(1).

  وروى البيهقي، أنّه جاء رجل إلى قبر النبيّ (صلى الله عليه وسلم) فقال: يا محمّـد! اسـتـقِ لأُمّـتك ; فَـسُـقوا(2).

  وروى الطبراني وابن المقرئ وأبو الشيخ، أنّهم كانوا جياعاً فجاؤوا إلى قبر النبيّ (صلى الله عليه وسلم) فقالوا: يا رسول الله! الجوع الجوع ; فأُشـبِعوا(3).

  ونُقل أنّ آدم لَمّا اقترف الخطيئة قال: يا ربّي أسألك

____________

1- صحيح البخاري 8 / 137 ح 45.

والحَجَلة: بيت كالقُـبّة يُسـتر بالثياب ويكون له أزرار كبار ; انظر: لسان العرب 3 / 64 مادّة " حَجَل ".

2- دلائل النبوّة 7 / 47 ; وانظر: مصنّف ابن أبي شيبة 7 / 482 ح 35، إقتضاء الصراط المستقيم: 373، فتح الباري 2 / 629 ـ 630، وفاء الوفـا 4 / 1374.

3- انظر: الوفا بأحوال المصطفى: 818 ح 1536، وفاء الوفا 4 / 1380.


الصفحة 238
بحقّ محمّـد لَمّا غفرتَ لي.

فقال: يا آدم! كيف عرفـتَـه؟

قال: لأنّك لَمّا خلقتني نظرتُ إلى العرش فوجدت مكتوباً فيه: " لا إله إلاّ الله، محمّـد رسـول الله "، فرأيت اسمه مقروناً مع اسمك، فعرفتُه أحبّ الخلق إليك.

صحّحـه الحاكم(1).

  وعن عثمان بن حنيف، أنّ رجلا ضرير البصر أتى النبيّ (صلى الله عليه وسلم) فقال: ادعُ اللهَ أن يعافيني.

فقال النبيّ (صلى الله عليه وسلم): إنْ شـئتَ صبرتَ فهو خير لك، وإنْ شـئتَ دعوتُ.

قال: فادعُـه.

فأمره أن يتوضّـأ ويدعو بهذا الدعاء:

" اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك محمّـد، نبيّ الرحمة، يا محمّـدُ، إنّني توجّهت بك إلى ربّي في حاجتي ليقضيها لي.

____________

1- المستدرك على الصحيحين 2 / 672 ح 4228 ; وانظر: المعجم الأوسـط 6 / 395 ح 6502، المعجـم الصغيـر 2 / 82 ـ 83، الشـريعة ـ للآجري ـ: 430 ح 963، دلائل النبوّة ـ للبيهقي ـ 5 / 489، وفاء الوفـا 4 / 1371 ـ 1372.


الصفحة 239
اللّهمّ شـفِّعه ".

رواه الترمذي والنسائي(1)، وصحّحه البيهقي وزاد: فقام وأبصـر(2).

  ونقل الطبراني، عن عثمان بن حنيف، أنّ رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفّان في حاجة، فكان لا يلتفت إليه، فشكا ذلك لابن حنيف، فقال له: اذهب وتوضّأ وقل:... ; وذكر نحو ما ذكر الضريـر.

قال: فصنع ذلك، فجاء البوّاب فأخذه وأدخله إلى عثمان، فأمسكه على الطنفسة(3) وقضى حاجته(4).

  وفي رواية الحـافظ، عن ابن عبّـاس، أنّ عمر قال:

____________

1- انظر: سنن الترمذي 5 / 531 ح 3578، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ 6 / 168 ـ 169 ح 10494 ـ 10496 ; وانظر: سنن ابن ماجة 1 / 441 ح 1385، مسند أحمد 4 / 138، التاريخ الكبير ـ للبخاري ـ 6 / 209 رقم 2192، المسـتدرك على الصحيحين 1 / 458 ح 1180 و ص 700 ح 1909 و ص 707 ح 1929.

2- انظر: دلائل النبوّة 6 / 166 ـ 167، الدعوات الكبير 1 / 151 ح 204 ; وانظر: وفاء الوفا 4 / 1372.

3- الـطِّـنْـفُسة والـطُّـنْـفُسة ـ والجمع: طَنافِـس ـ: البسـاط الذي له خَـمْـلٌ رقيـق ; انظر: لسان العرب 8 / 208 مادّة " طنفس ".

4- المعجم الكبير 9 / 30 ـ 31 ح 8311 ; وانظر: وفاء الوفا 4 / 1373.


الصفحة 240
اللّهـمّ إنّـا نسـتـسـقيك بعمّ نبـيّـنا، ونسـتـشفع بشـيـبته ; فَـسُــقُوا(1).

[ الشـفاعة: ]

وأخبار الشـفاعة متواترة:

  روى البخاري، عن النبيّ (صلى الله عليه وسلم)، أنّه: من سمع الأذان ودعـا بكذا، حلّت له شفاعتي يوم القيامـة(2).

  وروى مسلم، عنه (صلى الله عليه وسلم)، أنّه: ما من ميّت يموتُ يُصلّي عليه أُمّـة من الناس يبلغون مئـة، كلّهم يشفعون له، إلاّ شُـفّعوا فيـه(3).

____________

1- انظر: صحيح البخاري 2 / 75 ح 52 و ج 5 / 91 ح 206، دلائل النبوّة ـ لأبي نعيم ـ 2 / 567 ح 511، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ 3 / 352، دلائل النبوّة ـ للبيهقي ـ 6 / 147، شرح السُـنّة 3 / 225 ح 1165.

2- انظر: صحيح البخاري 1 / 252 ح 11 و ج 6 / 161 ح 240 ; وانظر: سنن أبي داود 1 / 143 ح 529، سنن الترمذي 1 / 413 ح 211، سنن النسائي 2 / 27، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ 1 / 511 ح 1644 و ج 6 / 17 ح 9874، سنن ابن ماجة 1 / 239 ح 722، مسند أحمد 3 / 354.

3- انظر: صحيح مسلم 3 / 53 ; وانظر: سنن النسائي 4 / 75، مسند أحمد 3 / 266 و ج 6 / 40، مسند الحميدي 1 / 108 ـ 109 ح 222، السـنن الكبرى ـ للبيهقي ـ 4 / 30.


الصفحة 241
  وروى الترمذي والدارمي، عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)، أنّه: يدخل بشفاعتي رجال من أُمّـتي أكثر من بني تميم(1).

  وروى الترمذي، عن أنس، أنّه قال: سألت النبيّ (صلى الله عليه وسلم)أن يشفع لي يوم القيامـة.

فقال: أنا فاعل.

قلت: فأين أطلبك؟

قال: أوّلا على الصراط.

قلت: فإنْ لم ألقَـك؟

قال: عند الميـزان.

قلت: فإنْ لم ألقَـك؟

قال: عند الحوض، فإنّي [ لا ] أُخطئ هذه المواضـع(2).

وقد نُقل عن الصحابة، بطرق عديدة، أنّ الصحابة كانوا يَلجأُون إلى قبر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويندبونه في الاسـتسقاء ومواقع

____________

1- انظر: سنن الترمذي 4 / 540 ـ 541 ح 2438، سنن الدارمي 2 / 225 ح 2804، سنن ابن ماجة 2 / 1443 ـ 1444 ح 4316.

2- سنن الترمذي 4 / 537 ح 2433 ; وانظر: مسند أحمد 3 / 178، تاريخ دمشق 9 / 360، الوفا بأحوال المصطفى: 842 ح 1610.


الصفحة 242
الشـدائد وسائر الأمراض(1).

ولا يخفى أنّ وفاة المتوسَّـل به لا تنافي التوسّل أصلا ; فإنّ مكانه عند الله لا يزول بالموت، كما هو واضح.

هـذا، مع أنّهم في الحقيقة أحياء كما ذكر الله عزّ وجـلّ في حال الشهداء، فالشهداء إذا كانوا أحياءً فالأنبـياء والأولياء أحـقّ بذلك.

هـذا كلّـه مع أنّ الأرواح لا تـفنى بالمـوت، والعبـرة بهـا لا بالأجساد، وإنْ كان أجساد الأنبياء لا تبلى كما نُصَّ عليه في الأخبـار(2).

  وفي خبر النسائي وغيره، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: إنّ لله ملائكة سيّاحين في الأَرض يبلّغونني من أُمّتي السلام(3).

____________

1- انظر: الوفا بأحوال المصطفى: 817 ـ 818 ح 1534، شفاء السقام: 303 ـ 305، وفاء الوفا 4 / 1372 ـ 1387.

2- انظـر: سـنن ابن ماجـة 1 / 524 ح 1637، سـنن أبي داود 1 / 274 ح 1047 و ج 2 / 89 ح 1531، سنن النسائي 3 / 91 ـ 92، سنن الدارمي 1 / 264 ح 1575، مسند أحمد 4 / 8، مصنّف ابن أبي شيبة 2 / 398 ب 342 ح 3، الوفا بأحوال المصطفى: 825 ح 1562، وفاء الوفـا 4 / 1350 ـ 1356.

3- سنن النسائي 3 / 43، مسند أحمد 1 / 441، سنن الدارمي 2 / 218 ح 2770، المعجم الكبير 10 / 220 ح 10530، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان 2 / 134 ح 910، مصنّف ابن أبي شيبة 2 / 399 ح 11، المستدرك على الصحيحين 2 / 456 ح 3576، الوفا بأحوال المصطفى: 822 ح 1553، وفاء الوفا 4 / 1350 و 1353.


الصفحة 243
والأخبار في هذا الباب كـثيرة(1).

  وأخرج أبو نعيم في " دلائل النبـوّة "، عن سعيد بن المسـيّب، قال: لقد كنت في مسجد رسول الله فما يأتي وقت صلاة إلاّ سمعت الأذان من القبـر(2).

  وأخرج [ ابن ] سعد في " الطبقات "، عن سعيد بن المسـيّب، أنّه كان يلازم المسجد أيّام الحرّة، فإذا جاء الصبح سمع أذاناً من القبر الشريف(3).

  وأخرج زبير بن بكّار في " أخبار المدينة "، عن سعيد ابن المسـيّب، قـال: لم أزل أسـمع الأذان والإقامة من قبر رسـول الله (صلى الله عليه وسلم) أيّـام الحـرّة حتّى عاد الناس(4).

  ونقل أبو عبـد الله البخاري، أنّ الشهداء وسائر المؤمنين إذا زارهم المسلم وسلّم عليهم، عرفوه وردّوا عليه السلام(5).

____________

1- انظر: وفاء الوفا 4 / 1349 ـ 1354.

2- انظر: دلائل النبـوّة 2 / 567 ح 510.

3- الطبقات الكبرى 5 / 100.

4- انظر: الطبقات الكبرى 5 / 100، إقتضاء الصراط المستقيم: 373، وفاء الوفا 4 / 1356.

5- انظر: إقتضاء الصراط المستقيم: 326، وفاء الوفا 4 / 1351.


الصفحة 244
  وروى الثعلبي في تفسيره، وابن المغازلي الشافعي الواسطي في " المناقب "، أنّ النبيّ (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه لَمّا حملهم البساط وصلوا إلى موضع أهل الكهف، فقال: سلِّموا عليهم ; فسلَّموا عليهم، فلم يردّوا، فسلّم النبيّ (صلى الله عليه وسلم) عليهم، فقالوا: وعليك السلام ورحمـة الله وبركاته(1).

  ونقـل أبـو بكر محمّـد بن عبـد الله الشـافعي، أنّ عيسـى (عليه السلام) لَمّا دفن مريم (عليها السلام) قال: السلام عليكِ يا أُمّاه ; فأجابته من جوف القبر: وعليك السلام حبيبي وقـرّة عيني... إلى آخـره(2).

  وروى الحاكم، عن سالم بن أبي حفصة، قال: تُوفّي أخٌ لي، فوضعته في القبر وسوَّيتُ عليه الترابَ، ثمّ وضعتُ أُذني على لحده فسمعتُ قائلا يقول له: مَن ربُّك؟ فسمعتُ أخي يقول بصوت ضعيف: ربِّيَ اللهُ... إلى آخـره(3).

والأخبار التي يُسـتدلُّ بها على الدعوى أكثر من أن تحصى.


*  *  *

____________

1- انـظر مؤدّاه في: تفسـير الثعلبـي 6 / 156 ـ 157، مناقـب الإمـام عليّ (عليه السلام): 212 ح 280 وفيه: " عليّ (عليه السلام) " بدل " النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ".

2- انظر: منهج الرشاد: 132، شجرة طوبى 2 / 363.

3- انظر: منهج الرشاد: 132، وروي قريب منه وبسند آخر في كتاب من عاش بعد الموت: 43 ح 41 و 42.


الصفحة 245

الصفحة 246

الفصل الثالث
في البنـاء على القبـور

إعلم أنّ البناء على قبور الأنبياء والعباد المصطَفين تعظيمٌ لشعائر الله، وهو من تقوى القلوب، ومن السـنن الحسـنة.

حيث إنّه احترامٌ لصاحب القبر، وباعثٌ على زيارته، وعلى عبادة الله عزّ وجلّ ـ بالصلاة والقراءة والذِكر وغيرها ـ عنده، وملجأٌ للزائرين والغرباء والمساكين والتالين والمصلّين.

بل هو إعـلاء لشأن الدِين!

  وعن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): " مَن سنَّ سُـنّة حسنة فله أجرها وأجرُ مَن عمل بها "(1).

وقد بُني على مراقد الأنبياء قبل ظهور الإسلام وبعده، فلم

____________

1- انظر: صحيح مسلم 3 / 87، سنن النسائي 5 / 76، مسند أحمد 4 / 361، سنن ابن ماجة 1 / 74 ـ 75 ح 203 ـ 208، سـنن الدارمي 1 / 96 ح 517، صحيح ابن خزيمة 4 / 112 ح 2477، مسند الحميدي 2 / 352 ح 805، المعجم الكبيـر 2 / 315 ح 2312 و 2313 و ص 328 ـ 330 ح 2372 ـ 2375 و ص 344 ـ 346 ح 2442 ـ 2448 و ج 22 / 74 ـ 175 ح 184، مشكل الآثار 1 / 66 ح 196 و ص 68 ح 202 و ص 69 ح 205 و ص 329 ح 1147 و ص 330 ح 1150.


الصفحة 247
ينكره النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا أحدٌ من الصحابة والخلفاء، كالقباب المبنيّة على قبر دانيال (عليه السلام) في شوشتر(1)، وهود وصالح ويونس وذي الكفل (عليهم السلام)، والأنبياء في بيت المقدس وما يليها، كالجبل الذي دُفن فيه موسى (عليه السلام)، وبلد الخليل مدفن سيّدنا إبراهيم (عليه السلام).

بل الحجر المبنيّ على قبر إسماعيل (عليه السلام) وأُمّه رضي الله عنهـا.

بل أوّل مَن بنى حجرة قبر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) باللَّبِـنِ ـ بعد أن كانت مقوّمة بجريد النخل ـ عمرُ بن الخطّاب، على ما نصّ عليه السمهودي في كتاب " الوفا "(2)، ثمّ تناوب الخلفاء على تعميرهـا(3).

  وروى البنّائي(4) واعظ أهل الحجاز، عن جعفر بن محمّـد، عن أبـيه، عن جدّه الحسـين، عن أبيـه عليّ، أنّ رسـول الله (صلى الله عليه وسلم) قال له: " والله لَـتُـقْـتَـلَـنَّ في أرض العراق وتُدفن بهـا.

____________

1- هي إحدى مدن مقاطعة خوزسـتان في إيران، ومُـعَـرَّبُـها: تُـسْـتَر ; انظر: معجم البلدان 2 / 34 رقم 2517.

2- وفاء الوفا 2 / 481.

3- وفاء الوفا 2 / 481 ـ 647.

4- في المصدر: التـبّـاني.


الصفحة 248
فقلت: يا رسول الله! ما لمن زار قبورنا وعمّرها وتعاهدها؟

فقال: يا أبا الحسن! إنّ الله جعل قبرك وقبر ولدَيك بقاعاً من بقاع الجنّة [ وعرصة من عرصاتها ]، وإنّ الله جعل قلوب نجباء من خلقه، وصفوة من عباده، تحنّ إليكم [ وتحتمل المذلّة والأَذى ]، فيعمرون قبوركم، ويكثرون زيارتهم تقرُّباً [ منهم ] إلى الله تعالى، ومودّة منهم لرسوله، [ أُولئك يا عليّ المخصوصون بشفاعتي، الواردون حوضي، وهم زوّاري غداً في الجنّـة ].

يا عليّ! مَن عمّر قبوركم وتعاهدها فكأَنّما أعان سليمان بن داود على بناء بيت المقدس... " إلى آخره(1).

ولا يخفى أنّ جعل معمِّر قبورهم كالمُعين على بناء بيت المقدس، دالٌّ على أنّ تعظيم مراقدهم تعظيم لشعائر الله سـبحانه.

ونُـقل نحو ذلك ـ أيضاً ـ في حديثين مُعـتَـبَـرَين(2)، نقل

____________

1- انظر: فرحة الغريّ: 77، وعنه في بحار الأنوار 100 / 120 ح 22.

2- فرحة الغريّ: 78، وعنه في بحار الأنوار 100 / 121 ح 23 و 24.


الصفحة 249
أحدهما الوزير السعيد(1) بسـند، وثانيهما بسـند آخر.

والسيرة القطعية ـ من قاطبة المسلمين ـ المستمرّة، والإجماع، يغنيان عن ذِكر الأحاديث الدالّة على الجواز.

وما أعجب قول المفتين: " أمّا البناء على القبور فممنوع إجماعاً "!(2)..

فإنّ مذهب الوهّابيّة ـ وهم فئة قليلة بالنسبة إلى سائر المسلمين ـ لم يظهر إلاّ قريباً من قرن واحد، ولا يتفوّه أحدٌ من

____________

1- هو: أبو جعفر محمّـد بن محمّـد الحسن الطوسي، نصير الملّة والدين، قدوة المحقّـقين، سلطان الحكماء والمتكلّمين، وأمره في علوّ قدره، وعظم شأنه، وتبحّره في العلوم العقلية والنقلية، أشهر من أن يذكر ; وُزّر لهولاكو، وعمل له رصداً وزيجاً بمراغة، جعل فيه كـتباً كـثيرة، ورتّب فيه الحكماء من الفلاسفة والمتكلّمين والفقهاء والمحدّثين والأطبّاء وغيرهم ; اتُّهم ظلماً بأنّه أشار على هولاكو بقتل الخليفة العبّـاسي، وليـس بصحيح، حتّى إنّ ابن كثير اسـتبعد ذلك.

له مصنّفات كـثيرة، منها: تجريد الاعتقاد، قواعد العقائـد، تلخيص المحصّل، التذكرة في الهيئة، تحرير كتاب إقليدس، حلّ مشكلات الإشارات.

وُلد في 11 جمادى الأُولى سنة 597 بطوس، وتوفّي يوم الغدير 18 ذي الحجّة سنة 672، ودُفن في جوار الإمامين موسى الكاظم ومحمّـد الجواد عليهما السلام.

انظر: تاريخ ابن الوردي 2 / 216، البداية والنهاية 13 / 222، معجم رجال الحديث 18 / 204 رقم 11718.

2- تقـدّم في الصفحـة 206 من هذا الكتـاب.


الصفحة 250
المسلمين ـ سوى الوهّابيّة ـ بحرمة البناء، فأين الإجماع المـدّعى؟!

ودعوى ورود الأحاديث الصحيحة على المنع ـ لو ثبت ـ غيرُ مُجْد لإثبات الحرمة ; لأنّ أخبار الآحاد لا تنهض لدفع السيرة والإجماع القطعي، مع أنّ أصل الدعوى ممنوع جدّاً.

فإنّ مثل رواية جابر: " نهى رسول الله أن تُجَصّص القبور، وأن يُكتب عليها، وأن يُبنى عليها، وأن توطأ "(1) لا تدلّ على التحريم ; لعدم حرمة الكتابة على القبور ووطئها، فذلك من أقوى القرائن على أنّ النهي في الرواية غير دالّ على الحرمـة، ولا نمنـع الكراهة في غير قبور مخصوصـة.

مع أنّ الظاهرَ من قوله: " يُبنى عليها " إحداثُ بناء كالجدار على نفس القبر، فإنّ بناء القبّة وجدرانها بعيدة عن القبر، ليس بناءً على القبر على الحقيقة، وإنّما هو نوع من المجاز، وحمل اللفظ على الحقيقة حيث لا صارف عنها معيّن، مع أنّ النهي عن الوطء يؤكّد هذا المعنى، لا الذي فهموه من الرواية.

وأمّا الاسـتدلال على وجوب هدم القباب بحديث أبي الهيّاج(2)، فغير تامّ في نفسه ـ مع قطع النظر عن مخالفته

____________

1- سنن الترمذي 3 / 368 ح 1052.

2- تقـدّم في الصفحـة 207 من هذا الكـتاب.


الصفحة 251
للإجماع والسـيرة ـ ; لوجوه:

  الأوّل: إنّ الحديث مضطرب المتـن والسـند..

فتارة يذكر عن أبي الهيّاج أنّه قال: " قال لي عليٌّ " كما في رواية أحمد عن عبـد الرحمن(1).

وتارة يذكر عن أبي وائل، أنّ عليّـاً قال لأبي الهيّاج(2).

ورواه عبـد الله بن أحمد في " مسند عليّ " هكذا: " لأََبعثنّـك في ما بعثني فيه رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، أنْ أُسوّي كلَّ قبر، وأنْ أطمسَ كلَّ صنم "(3).

فالاضطراب المزبور يسـقطه عن الحـجّـيّـة والاعتبار.

  الثاني: إنّه من الواضح أنّ المأمور به في الرواية لم يكن هدم جميع قبور العالَم، بل الحديث وارد في بعث خاصّ وواقعة مخصوصة، فلعلّ البعث قد كان إلى قبور المشركين لطمس آثار الجاهلية ـ كما يؤيّده ذِكر الصنم ـ، أو إلى غيرهـا ممّا لا نعرف وجه مصلحتها، فكيف يُتمسّك بمثل هذه الرواية لقبور الأنبـياء والأولياء؟!

قال بعض علماء الشـيعة من المعاصرين:

____________

1- مسند أحمد 1 / 96.

2- مسند أحمد 1 / 129.

3- مسند أحمد 1 / 111 وفي ص 89: " أبعثُـك في ما... ".


الصفحة 252
إنّ المقصود من تلك القبور، التي أمرَ عليٌّ (عليه السلام) بتسويتها، ليسـت هي إلاّ تلك القبور التي كانت تُـتّخذ قِـبلةً عند بعض أهـل الملل الباطلة، وتقام عليها صور الموتى وتماثيلهم، فيعبـدونها من دون الله.

إلى أن قال:

وليـت شِـعري لو كان المقصـود مـن القبـور ـ التي أمرَ عليٌّ (عليه السلام) بتسـويتهـا ـ هي عامّـة القبـور على الإطـلاق، فأين كان (عليه السلام) ـ وهو الحاكم المطلق يومئذ ـ عن قبور الأنبياء التي كانت مشـيَّدة على عهده؟! ولا تزال مشـيَّدة إلى اليوم في فلسطين وسورية والعـراق وإيران، ولو شاء تسويتها لقضى عليهـا بأقصـر وقـت.

فهل ترى أنّ عليّـاً (عليه السلام) يأمر أبا الهيّاج بالحقّ وهو يروغ عنه فلا يفعله؟!

إنتهى ما أردنا نقله منه.

  الثالث: قال بعض المعاصرين من أهل العلم:

لا يخفى من اللغة والعُرف أنّ تسوية الشيء من دون ذِكر القرين المساوي معه، إنّما هو جَعْلُ الشيء متساوياً في نفسه، فليس لتسوية القبر في الحديث معنىً إلاّ جعله متساوياً في نفسـه، وما ذلك إلاّ جعلُ سطحه متساوياً.


الصفحة 253
ولو كان المراد تسوية القبر مع الأرض، لكان الواجب في صحيح الكلام أن يقال: إلاّ سـوّيته مع الأرض.

فإنّ التسوية بين الشـيئين المتغايرين لا بُـدّ فيها من أن يُذكر الشـيئان اللذان تُراد مُساواتهما.

وهـذا ظاهـر لكـلّ من يعطي الكـلام حقّـه من النـظر، فـلا دلالة في الحديث إلاّ على أحد أمرَين:

أوّلهما: تسـطيح القبور وجعلها متساوية برفع سـنامها، ولا نظر في الحديث إلى علوّها، ولا تشـبُّث فيه بلفظ (المشرِف)، فإنّ الشُّرَف إنْ ذُكِرَ أنّه بمعنى العلوّ، فقد ذُكر أنّه من البعير سـنامُه، كما في " القاموس " وغيره(1)، فيكون معنى (المشرِف) في الحديث هو: القبر ذو السـنام ; ومعنى تسويته: هدمُ سـنامه.

وثانيهما: أن يكون المراد: القبور التي يُجعل لها شُرَفٌ من جوانب سطحها، والمراد من تسويته أن تُهدم شُرَفُه ويُجعل مسطّحاً أَجَمّ، كما في حديث ابن عبّـاس: أُمرنا أن نبنيَ المدائن شُـرَفاً والمساجدَ جُـمّـاً(2).

____________

1- انظر مادّة " شرف " في: القاموس المحيط 3 / 162، تهذيب اللغـة 11 / 341، لسان العرب 7 / 91.

2- انظر: غريب الحديث 4 / 225، الفائق في غريب الحديث 1 / 234، النهاية في غريب الحديث والأثر 2 / 463، لسان العرب 7 / 91.

والـجُـمّ: هي التي لا شُـرَف لها.


الصفحة 254
وعلى كلّ حال، فلا يمكن في اللغة والاستعمال أن يُراد من التسوية في الحديث أن يُساوى القبرُ مع الأرض، بل لا بُـدّ أن يُراد منه أحد المعنَيَـين المذكورَين.

وأيضـاً: كيف يكون المراد مسـاواة القبـر مع الأرض، مع أنّ سـيرة المسـلمين المتـسلسلة على رفع القبـور عن الأرض؟!

وفي آخر كتاب الجنائز من جامع البخاري، مسنداً عن سفيان التـمّار، أنّه رأى قبر رسـول الله (صلى الله عليه وسلم) مسـنَّماً(1).

وأسـند أبو داود في كتاب الجنائز، عن القاسم، قال: دخلـت على عائشة فقلـت: يا أمَـه! اكـشفي لي عـن قبـر رسـول الله (صلى الله عليه وسلم) وصاحبَـيه ; فكـشفت عن ثلاثة قبور لا مشرَّفة ولا لاطـئـة(2).

وأسند ابن جرير، عن الشعبي، أنّ كلّ قبور الشهداء

____________

1- صحيح البخاري 2 / 212 ح 145.

2- سنن أبي داود 3 / 212 ح 3220.

ولاطئـة: أي لازقة بالأرض ; انظر: لسان العرب 12 / 285 مادّة " لطـا ".


الصفحة 255
مسـنَّمة(1).

إنتهى ما أردنا نقله منه.

وأقول بعد ذلك: لو كان قوله: " مشرِفاً " بمعنى عالياً، فليـس يعمّ كلّ قبر ارتفـع عن الأرض ولو بمقـدار قليـل، فإنّـه لا يصدق عليه القبر العالي، فإنّ العلوّ في كلّ قبر إنّما هو بالإضافة إلى سائر القبور، فلا يبعد أن يكون أمراً بتسوية القبور العالية فوق القدر المتعارف المعهود في ذلك الزمان إلى حدّ المتعارف ; وقد أفتى جمعٌ من العلماء بكراهة رفع القبرِ أزيـد مـن أربـع أصابـع(2).

ولتخصيص الكراهة ـ لو ثبت ـ بغير قبور الأنبياء والمصطَـفين من الأولياء وجـهٌ.

  الرابـع: لو سُـلِّم أيّ دلالة في الرواية، فلا ربط لها ببنـاء السقوف والقباب ووجوب هدمها، كما هو واضح.

وأمّا قول السائل: " وإذا كان البناء في مسـبّلة ـ كالبقيع ـ وهو مانع... " إلى آخـره(3).

فقد أجاب بعض المعاصرين عنه بما حاصله:

____________

1- كنز العمّال 15 / 736 ح 42932.

2- منتهى المطلب 1 / 462.

3- تقـدّم في الصفحـة 206 من هذا الكـتاب.


الصفحة 256
أنّ أرض البقيع ليسـت وقفاً، بل هي باقية على إباحتها الأصلية، لو شككنا في وقفـيّـتها يكـفينا اسـتصحاب إباحتها.

وأقـول: بل وقفـيّـتها غير مانع عن البناء ; لأنّها موقوفةٌ مقبرةً على جميع الشؤون المرعيّة في المقابر، ومنها: البناء على قبور أشخاص مخصوصين كالأصفياء، فإنّ البناء على القبور ليـس أمراً حديثـاً، بل كان أمراً متعارفاً من قديم الأيّـام.

الفصل الرابـع
في الصلاة عند القبـور، وإيقاد السُّـرُج عليها

[ الصلاة عند القبور: ]

وقد جرت سيرة المسلمين ـ السيرة المستمرّة ـ على جواز ذلك.

وأمّا حديث ابن عبّـاس: " لعن رسـولُ الله (صلى الله عليه وسلم) زئرات القبور، والمتّخذين عليها المساجد والسُّرُج "(1)، فالظاهر والمتبادر ـ من اتّخاذ المسجد على القبر ـ: السجودُ على نفس

____________

1- مـرّ تخريجه مفصّـلا في الصفحـة 207 هـ 2 ; فراجـع!


الصفحة 257
القبـر ; وهذا غير الصلاة عند القبـر.

هذا لو حملنا المساجد على المعنى اللغوي.

ولو حملناه على المعنى الاصطلاحي، فالمذموم اتّخاذ المسجد عند القبور، لا مجرّد إيقاع الصلاة، كما هو المتعارف بين المسلمين، فإنّهم لا يتّخذون المساجد على المراقد، فإنّ اتّخاذ المسجد ينافي الغرض في إعداد ما حول القبر إعانـةً للزوّار على الجلوس لتلاوة القرآن وذِكر الله والدعاء والاسـتغفار، بل يُصَـلُّون عندها، كما يأتون بسائر العبادات هنـالك.

هـذا، مع أنّ اللعن غير دالّ على الحرمة، بل يجامع الكراهـةَ أيضاً.

[ إيقـاد السُّـرُج: ]

وأمّا إيقاد السُّرُج، فإنّ الروايةُ لا تدُلّ إلاّ على ذمّ الإسراج لمجرّد إضاءة القبر، وأمّا الإسراج لإعانة الزائرين على التلاوة والصلاة والزيارة وغيرها، فلا دلالة في الرواية على ذمّـه.

وإن شـئتَ توضيح ذلك فارجع إلى هذا المثـل:

إنّك لو أضعتَ شيئاً عند قبر، فأسرجتَ هنالك لطلب ضالَّـتك، فهل في تلك الرواية دلالة على ذمّ هذا العمل؟!


الصفحة 258
فكـذلك ما ذكرنـاه.

هـذا، مع ما عرفتَ أنّ اللعنَ ـ حقيقةً ـ هو البعـدُ من الرحمة(1)، ولا يسـتلزم الحرمة، فإنّ عمل المكروه ـ أيضاً ـ مبعِّـدٌ من الله، كما أنّ فعل المسـتحبّ مقـرِّبٌ إليه عزّ وجلّ.

هـذا، وذكر بعض العلماء في الجواب: أنّ المقصود من النهي عن اتّخاذ القبور مساجد، أن لا تُـتّخذ قِبلةً يُصلّى إليها باسـتقبال أيّ جهة منها، كما كان يفعله بعض أهل الملل الباطلـة.

وممّـا يدلّ عليه ما رواه مسلم في " الصحيـح ": عن رسـول الله (صلى الله عليه وسلم)، أنّه قال: إنّ أُولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً وصوّروا فيه تلك الصورة، أُولئك شرار الخلق عند الله عزّ وجلّ يوم القيامـة(2).

وقال (صلى الله عليه وسلم): لُعن الّذين اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد(3).

فإنّه من المعلوم لدى الخبراء بتقاليد أُولئك المبطلين، أنّهم كانوا يتّخذون قبور أنبيائهم وصلحائهم مساجد على الوجه المذكور، وذلك بجعل ما برز من أثر القبر قِبلةً، وما دار حوله

____________

1- انظر: لسان العرب 12 / 292 مادّة " لعن ".

2- صحيح مسلم 2 / 66.

3- مسند أحمد 2 / 285، سنن النسائي 4 / 95.


الصفحة 259
من الأرض مصلّىً، ولذلك قالت أُمّ المؤمنين عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، غير إنّه خشي أن يُـتّـخذ مسـجداً(1).

فلو كان اتّـخاذه مسـجداً على معنـى إيقـاع الصـلاة عنـده ـ وإنْ كان التوجُّه بها إلى الكعبة ـ لَما كان الإبراز سبباً لحصول الخشية، فإنّ الصلاة ـ كذلك ـ غير موقوفة على أن يكون للقبر أثر بارز، وإنّما الذي يتوقّف على بروز الأثر هو: الصلاة إليه نفسـه.

إنـتـهى.

ثمّ استشهد بكلام النووي في شرح صحيح مسلم، قال:

" قال العلمـاء: إنّما نهى النبيّ (صلى الله عليه وسلم) عن اتّخاذ قبره وقبر غيره مسجداً خوفاً من الافتتان به، فربّما أدّى ذلك إلى الكفر كمـا جـرى لكـثير من الأُمـم الخاليـة، ولَمـا احتاجـت الصحابـة ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين كثر المسلمون، وامتدّت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أُمّهات المؤمنين فيه، ومنها حجرة عائشة ـ رضي الله عنها ـ، بنوا على القبر حيطاناً مرتفعة مسـتديرة حوله، لئلاّ يظهرَ في المسجد فيصلّي إليه العوامُّ ويؤدّي إلى المحذور.

____________

1- صحيح مسلم 2 / 67، مسـند أحمد 6 / 80.


الصفحة 260
ثمّ بنوا جدارين من ركنَي القبر السشماليَّين وحرّفوهما حتّى التقيا، حتّى لا يتمكّن أحد من استقبال القبر، ولهذا قال في الحديث: (ولولا ذلك لأبرز قبره، غير إنّه خشي أن يتّخذ مسجداً)، والله العالِم بالصواب "(1).

إنـتـهى.

ثمّ اسـتظهر العالِم المومى إليه أن يكون الإسراج المنهيّ عنـه:

إمّا الإسراج على قبور أُولئك المبطلين الّذين كانوا يتّخذونها قِبلة، كما ربّما يشهد بذلك سـياق الحديث المومى إليـه.

أو الإسراج الذي يتّخذه بعض جهلة المسلمين على مقابر موتاهم في ليال مخصوصة، لأجل إقامة المناجاة عليها والنوح على أهلها بالباطل.


*  *  *

____________

1- شرح صحيح مسلم ـ للنووي ـ 5 / 12 ح 532.