الصفحة 19

جدلية الغلوّ والتقصير
في قول بعض أعلام الطائفة


وسيأتي جملة عديدة من أقوال علماء الطائفة في أبواب الفصول اللاحقة حول التفويض، إلاّ أنّا سنشير إلى نبذة وجملة نافعة، منها ما قاله الشيخ المفيد في شرح اعتقادات الصدوق عند قوله: اعتقادنا في الغلاة والمفوّضة، وإنّ علامة المفوّضة والغلاة وأصنافهم نسبتهم المشايخ والعلماء إلى القول بالتقصير... قال: والغلاة من المتظاهرين بالإسلام، هم الذين نسبوا أمير المؤمنين وذرّيته إلى الإلوهية والنبوّة إلى أن قالـ وأمّا نصّه (رحمه الله) أي الصدوقـ بالغلوّ على من نسب مشايخ القمّيين وعلمائهم إلى التقصير، فليس نسبة هؤلاء القوم إلى التقصير علامة على غلوّ الناس; إذ في جملة المشار إليهم بالشيخوخة والعلم من كان مقصّراً، وإنّما يجب الحكم بالغلوّ على من نسب المحقّين إلى التقصير، سواء كانوا من أهل قمّ أم من غيرها من البلاد وسائر الناس.

وقد سمعنا حكاية ظاهرة عن أبي جعفر محمد بن الحسن بن الوليد لم نجد لها دافعاً في التقصير، وهي ما حكي عنه أنّه قال: أوّل درجة في الغلوّ نفي السهو

الصفحة 20
عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) والإمام (عليه السلام)، فإن صحّت هذه الحكاية عنه فهو مقصّر، مع أنّه من علماء القمّيين ومشيختهم.

وقد وجدنا جماعة وردوا إلينا من قم يقصرون تقصيراً ظاهراً في الدين، وينزلون الأئمّة (عليهم السلام) عن مراتبهم، ويزعمون أنّهم كانوا لا يعرفون كثيراً من الأحكام الدينية حتّى ينكت في قلوبهم، ورأينا من يقول إنّهم كانوا يلتجئون في حكم الشريعة إلى الرأي والظنون، ويدّعون مع ذلك أنّهم من العلماء، وهذا هو التقصير الذي لا شبهة فيه، ويكفي في علامة الغلوّ نفي القائل به عن الأئمّة (عليهم السلام) سمات الحدوث وحكمه لهم بالإلهية والقدم....... ولا يحتاج مع ذلك إلى الحكم عليهم وتحقيق أمرهم بما جعله أبو جعفر (رحمه الله) سمة للغلوّ على كلّ حال(1).

وعلّق المجلسي على قولَي الصدوق والمفيد بقوله: ولكن أفرط بعض المتكلّمين والمحدّثين في الغلوّ لقصورهم عن معرفة الأئمّة (عليهم السلام) وعجزهم عن إدراك غرائب أحوالهم وعجائب شؤونهم، فقدحوا في كثير من الرواة الثقاة لنقلهم بعض غرائب المعجزات، حتّى قال بعضهم: من الغلوّ نفي السهو عنهم، أو القول بأنّهم يعلمون بما كان وما يكون، وغير ذلك، مع أنّه قد ورد في أخبار كثيرة "لا تقولوا فينا ربّاً، وقولوا ما شئتم ولن تبلغوا"(2).

وورد: "إنّ أمرنا صعب مستصعب لا يحتمله إلاّ ملك مقرّب أو نبيّ مرسل أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان".

وورد: "لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله"، وغير ذلك ممّا مرّ وسيأتي.

فلابدّ للمؤمن المتديّن أن لا يبادر بردّ ما ورد عنهم من فضائلهم ومعجزاتهم

____________

1- تصحيح الاعتقاد: 63 ـ 66.

2- سيأتي في الفصول اللاحقة تخريج مصادر هذه القاعدة الاعتقادية المرويّة عنهم وبيان مفادها.


الصفحة 21
ومعالي أمورهم إلاّ إذا ثبت خلافه بضرورة الدين أو بقواطع البراهين أو بالآيات المحكمة أو بالأخبار المتواترة، كما في باب التسليم وغيره.(1)

وفي صحيحة زرارة قال: "دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) فسألني ما عندك من أحاديث الشيعة؟ قلت: إنّ عندي منها شيئاً كثيراً قد هممت أن أوقد لها ناراً ثمّ أحرقها. قال: ولِمَ؟ هات ما أنكرت منها. فخطر على بالي الأُمور. فقال لي: ما كان علم الملائكة حيث قالت: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك..."(2).

وقال المجلسي في شرح معنى الحديث: لعلّ زرارة كان ينكر أحاديث من فضائلهم لا يحتملها عقله، فنبّهه (عليه السلام) بقصّة الملائكة وإنكارهم فضل آدم عليهم وعدم بلوغهم إلى معرفة فضله، على أنّ نفي هذه الأُمور من قلّة المعرفة، ولا ينبغي أن يكذب المرء بما لم يحط به علمه، بل لا بدّ أن يكون في مقام التسليم، فمع قصور الملائكة مع علوّ شأنهم ـ عن معرفة آدم لا يبعد عجزك عن معرفة الأئمّة (عليهم السلام)(3).

وقال الوحيد البهبهاني(4) في فوائده: إعلم أنّ الظاهر أنّ كثيراً من القدماء سيما القمّيين منهم والغضائري، كانوا يعتقدون للأئمّة (عليهم السلام) منزله خاصّة من الرفعة والجلالة، ومرتبة معينة من العصمة والكمال بحسب اجتهادهم ورأيهم، وما كانوا يجوّزون التعدّي عنها، وكانوا يعدّون التعدّي ارتفاعاً وغلوّاً على حسب معتقدهم، حتّى أنّهم جعلوا مثل نفي السهو عنهم غلوّاً، بل ربما جعلوا مطلق التفويض إليهم، أو التفويض الذي اختُلف فيه كما سنذكر ـ أو المبالغة في معجزاتهم ونقل العجائب من خوارق العادات عنهم، أو الإغراق في شأنهم

____________

1- البحار 25 / 347.

2- بصائر الدرجات: 65.

3- البحار 25 / 282.

4- الفائدة الثانية 1 / 128 ـ 129 من منهج المقال.


الصفحة 22
وإجلالهم وتنزيههم عن كثير من النقائص وإظهار كثير قدرة لهم وذكر علمهم بمكنونات السماء والأرض ارتفاعاً أو مورثاً للتهمة به، سيما بجهة أنّ الغلاة كانوا مختفين في الشيعة مخلوطين بهم مدلسين.

وبالجملة، الظاهر أنّ القدماء كانوا مختلفين في المسائل الأُصولية أيضاً، فربما كان شيء عند بعضهم فاسداً أو كفراً أو غلوّاً أو تفويضاً أو جبراً أو تشبيهاً، أو غير ذلك، وكان عند آخر ممّا يجب اعتقاده، أو لا هذا ولا ذاك.

وقال صاحب تنقيح المقال(1) ما ملخّصه: وإنّ أكثر ما يُعدّ اليوم من ضروريات المذهب في أوصاف الأئمّة (عليهم السلام) كان القول به معدوداً في العهد السابق من الغلوّ; وذلك أنّ الأئمّة (عليهم السلام) حذّروا شيعتهم من القول في حقّهم بجملة من مراتبهم; إبعاداً لهم عمّا هو غلوّ حقيقة، فهم منعوا الشيعة من القول بجملة من شؤونهم حفظاً لشؤون الله جلّت عظمته، حيث كان أهمّ من حفظ شؤونهم; لأنّه الأصل وشؤونهم فرع شأنه، نشأت من قربهم لديه ومنزلتهم عنده، وهذا هو الجامع بين الأخبار الثمينة من الشؤون لهم والنافية لها.

____________

1- تنقيح المقال، الفائدة الخامسة والعشرون من المقدّمة.


الصفحة 23

لا غلوّ ولا تقصير
بل معرفة بحقّهم


والملاحظ ممّا تقدّم التوصية القرآنية عن الوقوع في كلّ من جانبي زيغ الغلوّ وزيغ التقصير، وكذلك لسان الروايات المتضمّن لاصطلاح الغلوّ والغلاة والتقصير والمقصّرة، هو تخطئة كلا المنهجين والأمر بمنهج آخر يعتمد فيه نفي الغلوّ الذي هو إفراط ونفي التقصير الذي هو تفريط، وأنّ هذا النهج الوسط من الدقّة بمكانة يصعب المحافظة على تجنّب الوقوع في الطرفين.

ومن ثمّ يُلاحظ رسوخ هذا الاصطلاح في ذهنية علماء الطائفة الأقدمين والمتقدّمين والمتأخّرين، وتشدّدهم على توخّي نهج المعرفة والعارف بالأئمّة (عليهم السلام)، وهو النهج الوسط، ومحاذرة الوقوع في طرفي الغلوّ والتقصير، فلا غلوّ ولا تقصير بل معرفة عارف بحقّهم (عليهم السلام). وهذا ميزان أطّره لنا الكتاب والسنّة المطهرة، نظير لا تعطيل ولا تشبيه بل توصيف بما وصف به نفسه وهو التوحيد، نظير لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين.


الصفحة 24
كما يتبيّن ممّا تقدّم أنّ الغلوّ ذو درجات، وكذلك التقصير شدةً وضعفاً، وأنّ محذور التقصير لا سيّما في بعض مراتبه ـ ليس هو بأدون من محذور الغلوّ، وأنّ النجاة في سلوك نهج التعرّف وكسب المعرفة بكيفية مقاماتهم ومراتبهم والتسليم الإجمالي أثناء ذلك السلوك.

هذا وقد وقف أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) قبالة ظاهرة التقصير في معرفة الأئمّة (عليهم السلام)، نظير وقوفهم أمام ظاهرة الغلاة، حتّى فشى وانتشر عند أصحاب الأئمّة (عليهم السلام) أنّ التقصير والغلوّ والتفويض في الزيغ عن جادة سواء الحقّ، وهذا المعيار تلقّاه شيعتهم بتعليم منهم (عليهم السلام)، وقد ورد مكرّراً تأكيدهم على زيارة قبورهم بحال كون الزائر عارفاً بحقّ الإمام حقّ معرفته، أو عارفاً بحقّه، وإنّ أدنى حقّ معرفة الإمام كونه منصوباً منتجباً من قبله تعالى لهداية الخلق.

ومحذور التقصير كونه يؤدّي بصاحبه إلى الإنكار والجحود، وبالتالي إلى نقص الإيمان أو المروق منه، ومن ثمّ قد ورد مستفيضاً(1) أو متواتراً الحثّ على التسليم، وأنّها من صفات الإيمان الكبرى، بل في بعضها أنّها من أعظم صفات الإيمان ولوازمه، وإليه تشير الآية الكريمة: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيَما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِى أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمـًا}(2)، كما قد أُطلق عليه في الروايات الإخبات، كما في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ}(3).

ومن هذا الباب أيضاً ما ورد من حرمة الردّ للأحاديث المرويّة وإن كانت ضعيفة السند، وهذا الحكم وإن لم يكن بمعنى حجّية واعتبار الروايات الضعيفة،

____________

1- أُصول الكافي 1 / 390 باب التسليم وفضل التسليم.

2- سورة النساء 4: 65.

3- سورة هود 11: 23.


الصفحة 25
إلاّ أنّه يعني فيما يعنيه وجوب التسليم الإجمالي لما صدر عنهم (عليهم السلام) فضلاً عمّا يتولّد من الأخبار الضعيفة نتيجة تراكم حساب الاحتمالات من تولّد المستفيض والمتواتر أو الموثوق بصدوره.

وهذا الحكم قد اتّفق عليه علماء الإمامية الأصوليون منهم والأخباريون، فاللازم في الخبر الضعيف ردّ علمه إليهم والتسليم إجمالاً بالواقع وحقائق الدين وإن لم نعلمها تفصيلاً، ولا يسوغ الردّ والإنكار ولا المبادرة بالنفي والإنكار.

وهذا المفاد ممّا قرّره الحكماء بقولهم: كلّما قرع سمعك ممّا لم يزدك واضح البرهان فذره في بقعة الإمكان، ويشيرون بذلك إلى هذا المنهج المنطقي الفطري من أنّ الإثبات كما يحتاج إلى دليل كذلك النفي والإنكار يحتاج إلى دليل.

ولك أن تقول: إنّ الفحص والتنقيب عن الأدلّة في الشبهات الحكمية من الأحكام الشرعية الفرعية إذا كان لازماً وكان إجراء الأُصول النافية للتكليف قبل الفحص التامّ البالغ في أبواب الأدلّة غير سائغ، فكيف يسوغ في المعارف العقائدية حول شؤونهم ومقاماتهم ومراتبهم المبادرة إلى النفي والإنكار من دون فحص تامّ ومن دون تضلّع وممارسة علمية ممتدّة، لا سيّما وأنّ أبواب الأدلّة في المعارف هي أضعاف مضاعفة على عدد وكم أبواب أدلّة الفروع، وكذلك الحال في آيات القرآن في المعرفة هي أضعاف آيات الأحكام الفرعية التي عددها خمسمائة ونيف، وهو أقل من عشر آيات القرآن!

ويكفي للمتتبّع أن يُلاحظ المجاميع الروائية ككتب الصدوق، فإنّ أغلب أسمائها هي في أبواب وفصول المعارف، وكذلك بقية المحدّثين وأصحاب الجوامع الروائية من متأخّري الأعصار كصاحب البحار، حيث قد وضع لروايات الفروع عشر مجلّدات (الطبعة الحديثة) بينما الغالب في بقية المجلّدات بحوث المعارف، فإذا كانت أدلّة المعارف بهذه السعة والترامي فضلاً عن أهمّية وخطورة

الصفحة 26
أحكام المعارف التي هي مدلول تلك الأدلّة، فكيف يتهاون في الفحص والتنقيب والممارسة العلمية الطويلة؟ وكيف يتسنّى الفحص في كلّ تلك الأبواب في وقت قصير فضلاً عن البحث في الدلالة ومعالجة العامّ والخاصّ والحاكم والمفسّر، وتأليف القرائن العديدة، والتمعّن في الدلالات الالتزامية، وتبويب الأدلّة في طوائف؟

كيف يتمّ ذلك في برهة قصيرة فلا يسوغ المبادرة بالإجابة بنفي ثبوت الأمر الفلاني أو الكذائي أو زعم أنّه لم يقم دليل عليه، ونحو ذلك من التعابير التي تطلق مع عدم استنفاذ الفحص وعدم المراس والاضطلاع والخبرة المعرفية في تلك الأبواب، ومع عدم الإحاطة بأقوال علماء الإمامية من المتكلّمين والمحدّثين والمفسّرين على اختلاف مبانيهم ومشاربهم، والإحاطة بشتّى الوجوه المذكورة، وربط المسائل بعضها ببعض، فالحريّ والعزيمة في مثل ذلك هو التوقّف قبل استتمام الفحص كما هو ديدن فتاوى وأجوبة الشيخ المفيد في المسائل العقائدية في الموارد التي لم يكمل تمحيصاً ولم يستنفذ الوسع في الفحص والتنقيب عنها، بمثل قوله لم أقف على الروايات في ذلك، أو المسائلة بعد محتاجه إلى التأمّل، ونحو ذلك من التعابير.

وهذا منهج السالك المتعلّم من علومهم (عليهم السلام) على سبيل النجاة، وأمّا المبادرة بالنفي والإنكار فهو طابع منهج التقصير والمقصّرة.


الصفحة 27

إلفات إلى
قاعدة في الغلو


قال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ}(1)الآية، وقال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْم قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ}(2).

ذُكر في تفسير هاتين الآيتين أنّ الغلوّ هو التجاوز عن الحدّ والزيادة والإفراط، وغير الحقّ الباطل وادّعاء أنّه ما أنزل الله. في المعجم الوسيط: (غلا السعر وغيره غلواً وغلاءً، زاد وارتفع وجاوز الحدّ فهو غالي وغلي... فلان في الأمر والدين تشدّد فيه وجاوز الحدّ وأفرط)(3).

وظاهر الآيتين يشير إلى ضابطة وقيد مقوّم لمعنى الغلوّ، وهو أنّ الغلوّ تجاوز الحدّ في الشيء والإفراط فيه بغير الحدّ الذي له في الدين، وبالتالي وضعه في غير

____________

1- النساء / 171.

2- المائدة / 77.

3- المعجم الوسيط 2 / 660.


الصفحة 28
محلّه الذي وضعه له الدين، أي التجاوز برتبته الرتيبة التي جعلها الدين لذلك الشيء، ومن ثم وضعه في غير حقّ موضعه الذي حدّد في الدين، وإلى ذلك تشير الآية الثانية.

كما يلزم من الغلوّ القول على الله بغير الحقّ ; لأنّ التديّن والديانة بالإفراط في الشيء ينطوي على نسبة ذلك إلى دين الله تعالى وتشريعه، وبالتالي الافتراء على الله عزّوجلّ، وإلى هذا المعنى تشير الآية الثانية.

ويتحصّل من ذلك: أنّ للغلوّ معنىً عامّ وهو التجاوز بالشيء والإفراط في رتبته زيادةً على الرتبة التي حدّدها الشارع لذلك الشيء. ولهذا المعنى العامّ موارد ومصاديق لا تحصى ; إذ لا يقتصر الغلوّ على التأليه وهو ما ارتكبته النصارى في النبيّ عيسى (عليه السلام) بل يعمّ الإفراط والتجاوز في كلّ شيء زاد عن حدّه المرسوم في دين الله، فلو اعتُقد في الإمام أنّه نبيّ لكان ذلك من الغلوّ وكذا لو اعتُقد في النبيّ غير المرسل أنّه رسول لكان من الغلوّ أيضاً، وهكذا لو اعتُقد في صحابة النبيّ (صلى الله عليه وآله) بالعصمة لكان من الغلوّ أيضاً، وكذا لو اعتُقد في علماء الأُمّة وفقهائها أو في بعض العارفين السالكين أو في بعض الحكماء والفلاسفة بالعصمة لكان من الغلوّ أيضاً، وكذا لو اعتُقد في بعض أركان فروع الدين أنّه برتبة تفوق بعض اُصول الدين الاعتقادية كان من الغلوّ أيضاً...

وبالجملة، فوضع أيّ شيء في رتبة زائدة عن الرتبة التي حدّدها الدين لذلك الشيء فهو من الغلوّ، ولا يقتصر ذلك على التأليه، كما لا يقتصر شكل الغلوّ ونموذجه على التصريح بالإفراط في رتبته، الشيء بل قد يتّخذ أشكالاً وأنماطاً متعددة ترجع في جوهرها إلى الافراط في الحدّ والرتبة، وذلك مثل ترتيب أحكام وآثار على ذلك الشيء تتجاوز برتبتها عن رتبة الشيء، مثل أن نجعل قول الصحابي في قبال قول النبي (صلى الله عليه وآله).


الصفحة 29
ومن الغريب زعم أهل سنّة الخلافة غلوّ الشيعة في أئّمتهم مع أنّهم لا يقولون فيهم أجاز إلاّ ما أجاز لهم القرآن في ذلك والنصوص النبوية بفقه غور تلك المعاني، ولم يتعدّوا في مقامات الأئّمة (عليهم السلام) إلاّ ما هو دون مقام سيّد الأنبياء (عليهم السلام): (مسلمين لله مطيعين لأمر رسوله).

بينما ترى أنّ أهل سنّة الخلافة يقرّون ويصحّحون للصحابي ـ كالخليفة الثاني ـ مواقف يعترض فيها على النبيّ (صلى الله عليه وآله)، وأنّه ينزل الوحي بتصويب الثاني وتخطأة النبيّ (صلى الله عليه وآله)، في حكايات اختلقوها بأسباب النزول مشحونة بالتناقض والتهافت.

أو يروون بأنّ الثاني كانت غيرته على الدين والعياذ بالله ـ أكثر من النبيّ، وأنّه أشدّ نكيراً للباطل منه (صلى الله عليه وآله).

ومع أنّهم ينفون وينكرون دعوى العصمة في الصحابي حسب زعمهم ـ ومع ذلك تراهم يفرطون ويغلون فيه إلى ما فوق عصمة النبيّ (صلى الله عليه وآله)، فمن جانب قد وقعوا في الغلوّ في شأن بعض الصحابة، ومن جانب آخر وقعوا في التقصير في شأن مقام النبيّ (صلى الله عليه وآله) وعصمته التي قال تعالى: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى}(1). وإنّ اجتهاد الصحابي على حدّ حكم النبي (صلى الله عليه وآله) بزعم أنّه اجتهاد منه (صلى الله عليه وآله)، وكذلك جعل قول الحكيم والفيلسوف والعالم في قبال قول المعصوم!

هذا وقد ورد عن الأئمّة الأطهار أقوال تحثّ شيعتهم على تنزيههم عن الربوبيّة: "نزّلونا عن الربوبية" و"قولوا فينا إنّا عبيد مخلوقون" و"لا تزعموا أنّا أنبياء وقولوا فينا ما شئتم"، أي في بيان الحدّ الذي هو دون الخالقية، أي حدّ المخلوق المكرّم عند الله، "ولن تبلغوا كنه معرفتنا"، أي رتبة الإكرام والحظوة والزلفى التي

____________

1- سورة النجم 53: 2 - 4.


الصفحة 30
لهم عند الله(1)، وفي هذه القاعدة توصية بعدم الغلوّ فيهم، كما أنّ ذيلها متضمّن للتوصية بعدم التقصير بمعرفتهم.

ملازمة بين الغلوّ والتقصير:

وبعد ما تبيّن أنّ للغلوّ أصنافاً وأقساماً عديدة، يجدر الإلفات إلى أنّ بعض أقسام الغلوّ هي ملازمةٌ إلى أنماط من التقصير، بل التدقيق يرشد إلى تلازم كلّ أنواع الغلوّ لنمط من أنماط التقصير، فمثلاً التأليه للبشر المخلوق من نبيّ أو إمام ـ هو في الواقع تقصير في معرفة الباري ; للزومه الشرك ونحوه، وكذلك البناء على العصمة في الصحابي رافقه الخدشة في عصمة النبيّ (صلى الله عليه وآله).

وبكلمة جامعة: إنّ الغلوّ كما هو وضع الشيء زيادة على رتبته، فهو يستلزم سلب الشيء الآخر رتبتَه، وإعطائها للطرف الأوّل الذي حصل فيه الغلوّ، وهذا من ميزات باب الغلوّ والتقصير، أنّهما متلازمان من جهتين، وإن كانا متقابلين في الجهة الواحدة، فلا يظنّ أنّ الخلاص من الغلوّ هو بالتقصير، بل التقصير هو وقوع في الغلوّ من نمط آخر من حيث لا يشعر المقصّر.

قال الإمام الصادق (عليه السلام): "إلينا يرجع الغالي فلا نقبله، وبنا يلحق المقصّر فنقبله. فقيل: كيف ذلك يابن رسول الله؟ قال: لأنّ الغالي قد اعتاد ترك الصلاة والزكاة والصيام والحجّ، فلا يقدر على ترك عادته وعلى الرجوع إلى طاعة الله عزّوجلّ أبداً، وإنّ المقصّر

____________

1- سيأتي بحثه مستقلاًّ في أبواب الفصول الآتية في معرفتهم.


الصفحة 31
إذا عرف عمل وأطاع"(1).

أسباب التقصير:

إنّ أسباب التقصير عديدة كما هو الحال في أسباب الغلوّ فبعضها ناجمة عن قصور علمي، وكلّ مورد بحسب العلم الذي يتكفّله أو إلى عوامل نفسانية ذاتية، وبعضها عن تقصير.

وقد تقدّم أنّ القصور حالة بشرية ملازمة لغير المعصوم مهما بلغ سعيه العلمي والعملي، إلاّ أنّ المحذور هو في إنكار ما وراء الحدّ الذي بلغه الشخص، بخلاف ما إذا كان مسلّماً بما لا يحيط بمعرفته التفصيلية(2).

نعم، هناك من الدواعي العمدية للتقصير قد ارتكبتها طوائف من هذه الأُمّة لمنازعة الحقّ أهله ومدافعة الأئمّة المعصومين المطهّرين، تارةً في المقامات التكوينية، وهي الخلافة الإلهية في جانبها الملكوتي، وأُخرى في الحاكمية والإمامة السياسية، وهي الخلافة الإلهية في جانبها الملكي لتدبير النظام الاجتماعي.

وممّن وقع في ورطة النموذج الأوّل: جملة غفيرة من الصوفية والعرفاء، حيث قالوا: بأنّ القطب في كلّ زمن من الكمّلين، وهو لا يقتصر على أشخاص بأعيانهم محدودين، بل هو مقام نوعي، وهو الغوث والإمامة النوعية.

وممّن وقع في النموذج الثاني: فقهاء أهل سنّة الجماعة، حيث بنوا على عدم

____________

1- أمالي الطوسي: 645 المجلس 33 ح 12.

2- كما ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام): "لو أنّ العباد إذا جهلوا وقفوا ولم يجحدوا لم يكفروا"، الكافي 2/388 ح 19.


الصفحة 32
لزوم العصمة في الحاكم، وأنّ دور العلم الكسبي يكفي في إدارة الأُمور العامّة. ومن ثمّ ترى أصحاب النموذجين ينالون من مقامات أئمّة أهل البيت وقيعة ; بداعي فسح المجال لتسنّم مراتبهم.

ويشير إلى هذه الظاهرة في دواعي التقصير، وإلى النموذج الأوّل ما قاله علي بن الحسين (عليه السلام)، قال: "انتحلت طوائف من هذه الأُمّة بعد مفارقتها أئمّة الدين والشجرة النبوية إخلاص الديانة، وأخذوا أنفسهم في مخائل الرهبانية، وتعالَوا في العلوم، ووصفوا الإيمان بأحسن صفاتهم، وتحلّوا بأحسن السنّة، حتّى إذا طال عليهم الأمد وبعدت عليهم الشقَّة وامتحنوا بمحن الصادقين، رجعوا على أعقابهم ناكصين عن سبيل الهدى وعلم النجاة، يتفسّخون تحت أعباء الديانة تفسّخ حاشية الإبل تحت أوراق البزل.


ولا تحرز السيف الروايا وإن جرتولا يـبلـغ الغايــات إلاّ سيوفهــا

وذهب آخرون إلى التقصير في أمرنا، واحتجّوا بمتشابه القرآن فتأوّلوا بآرائهم، واتّهموا مأثور الخبر ممّا استحسنوا(1)، يقتحمون في أغمار الشبهات ودياجير الظلمات بغير قبس نور من الكتاب ولا أثرة علم من مظان العلم بتحذير مثبطين، زعموا أنّهم على الرشد من غيِّهم.

وإلى من يفزع خَلَف هذه الأُمّة وقد درست أعلام الملّة ودانت الأُمّة بالفرقة والاختلاف يكفّر بعضهم بعضاً، والله تعالى يقول: {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ}(2)؟ فمن الموثوق به على إبلاغ الحجّة وتأويل الحكمة إلاّ أهل الكتاب وأبناء أئمّة الهدى ومصابيح الدجى، الذين احتجّ الله بهم على عباده، ولم يدع الخلق سدى من غير حجّة؟ هل تعرفونهم أو تجدونهم إلاّ من فروع

____________

1- في نسخة: "بما استحسنوا من أهوائهم".

2- سورة آل عمران 3: 105.


الصفحة 33
الشجر المباركة، وبقايا الصفوة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وبرّأهم من الآفات، وافترض مودّتهم في الكتاب!


هم العـروة الوثقى وهم معدن التقىوخير جـبال العالميــن وينعهــا"(1)

بيّن (عليه السلام) أنّ هنالك نموذج من هذه الأُمّة ممّن ينازع الحقّ أهله ـ وهم أئمّة العترة ـ في بعد كمالاتهم الملكوتية، فهو ينسب نفسه إلى إخلاص الديانة، أي إلى درجة المخلَِصين والفتح وتزيّوا بالرسوم الظاهرية من الرهبانية والزهد والانقطاع عن الدنيا، ونسبوا لأنفسهم مراتب من العلوم وأجهدوا أنفسهم في تحصيلها، وتبجّحوا في وصف الإسلام تعريضاً بالمديح لأنفسهم أنّهم يتحلّون بتمام درجات الإسلام، إلاّ أنّهم لم يتمكّنوا لطبيعة شأنهم ـ في الاستقامة على هذا المنوال ; لاحتياجه إلى إعداد رباني للذات الإنسانية، وهو الاصطفاء والانتجاب، وهم لم يُصطَفوا لذلك فلم يقدروا على مواصلة الطريق وتبيّن حال تقمّصهم لهذا المقام، وهو مقام الإمامة الملكوتية التي تنطوي على مقام العلم اللدني بمنبع غيبي، وعلى كمال روحي يكون فيه الشخص مخلَصاً بالفتح ـ وعلى اتّصاف النفس بتمام الكمالات الروحية.

وهذا الغلوّ الذي ادّعاه هؤلاء لأنفسهم استلزم التقصير في من له حقّ تلك الرتبة، وهم الأئمّة من عترة النبيّ (صلى الله عليه وآله)، كما مرّ بنا: كلّ غلوّ يستتبع تقصير من جهة أُخرى، وإنّ كلّ تقصير يستتبع غلوّ من جهة أُخرى، وقد وقع في شراك هذا النموذج من الغلوّ والتقصير أكثر الصوفية وكثير من العرفاء، حيث قالوا: بأنّ القطب والغوث في كلّ زمان شخص، ويتبدّل من زمان إلى آخر، ولا ينحصر في عدد محدود، وإنّ الولاية الإلهية لنوع الواصلين، وبالتالي فالعصمة الذاتية تتعدّى

____________

1- كشف الغمّة 2 / 98 ـ 100.