الصفحة 61

الفصل الخامس



  فهرست المناهج
التي اعتمدها الإمامية





الصفحة 62

فهرست المناهج
التي اعتمدها الإمامية


المنهج الأوّل: عبارة عن إثبات كبرى الإمامة بالأدلّة النقلية، ثمّ إثبات المصداق، بمعنى تشخيصه لا أصل وجوده ; وإلاّ فأصل وجوده قد دلّ عليه بنفس الكبرى.

وهذه الكبرى إمّا قرآنية أو روائية أو عقلية أو شهودية قلبية.

المنهج الثاني: إثبات النصوص الخاصّة الواردة بأسمائهم (عليهم السلام)، وهي على أنحاء: تارة بأسماء كلّ واحد منهم، وأُخرى في خصوص عليّ والحسن والحسين، وذرّية الحسين (عليهم السلام).

وغير ذلك من أنحاء التسمية.

المنهج الثالث: إثبات الأدلّة العقلية على الكبرى وضرورة وجود المعصوم (عليه السلام) وهذه الأدلّة تُثبت تارةً بالعقل العملي وأُخرى بالعقل النظري.

المنهج الرابع: إثبات إمامتهم (عليه السلام) عبر معاجزهم العلمية، ببسط البيان في موارد انعطاف الأُمّة الإسلامية إلى انحرافات هدّامة لولا الهداية العلمية التي قام بها

الصفحة 63
آل البيت (عليهم السلام). أو ببيان دقائق أسرارهم في العلوم والمعارف التي بثّوها والتي تتحدّى المضمار العلمي إلى يومنا في العصر الحديث، مع ما كانت عليه الجزيرة العربية من البداوة وندرة العلوم، وإحاطتهم باختلاف المذاهب، وتعدّد شؤون علومهم الروحية والحكمية والمادّية، وكذلك لجوء المخالفين بالرجوع إلى أهل البيت (عليهم السلام)(1)... وتراثهم العلمي في شتّى العلوم ماثل بين يدي البشرية يفوق ويتحدّى في الحلبة العلمية علم أيّ عالم وأيّ حاضرة علمية، كيف لا وهم أعدال الكتاب الذي له هذه الصفة أيضاً!

المنهج الخامس: مقارعة الدول المعاصرة لهم بكلّ طاقاتها وقواها، واستعانتها ببقية الدول البشرية على ذلك، مع ما كان يدّعيه آل محمّد (صلى الله عليه وآله) من الكمال وعدم الإعياء في العلم ممّا يثير نائرة التحدّي معهم، فقد تحدّوهم في العلوم والفنون ومختلف المهارات، حتّى في الفروسية والطبّ وعلوم الشعبذة، وغيرها.

المنهج السادس: إثبات خصوص إمامة عليّ (عليه السلام) أو الحسنين، أو إمامة المهدي (عج)، أو بهما معاً مع ضمّ ضمائم أُخرى، من قبيل تنصيص عليّ (عليه السلام) على من بعده، أو استلزام إمامة الثاني عشر (عليه السلام) لإمامة من قبله.

المنهج السابع: ريادتهم وسبقهم جميع البشر من عاصرهم ومن لم يعاصرهم ـ في تمام الكمالات والفضائل، وفي شتّى الصفات الفضيلية والكمالية الروحية والعقلية والنفسية والبدنية.

المنهج الثامن: الآيات البينة التي هي معاجز غير المعاجز العلمية، مثل قلع باب خيبر، وتكلّمهم بكلّ لسان وعلمهم بلغة الحيوانات.

____________

1- راجع: إحقاق الحقّ.


الصفحة 64
المنهج التاسع: الملاحم الإخبارية التي أنبأوا بها، كخطبة البيان وأخبار آخر الزمان وما أخبروا عن أحوال معاصريهم. وقد دوّن الفريقان فصولاً في كتبهم التاريخية وكتب السير ونحوها من إخبارات عليّ (عليه السلام) عن الملاحم.

المنهج العاشر: تنصيص الكتب السماوية السابقة عليهم.

المنهج الحادي عشر: معرفتهم التامّة لفظاً ومعنىً وشؤوناً بالكتب السابقة وبالشرايع السابقة وبتواريخها الخفية ومنظومة الأولياء.

المنهج الثاني عشر: تطابق السنن الجارية على الأنبياء المسطورة في القرآن مع ما جرى لهم وعليهم في شؤونهم الفردية وشؤونهم العامّة مع الناس. كما في هارون (عليه السلام) وعليّ (عليه السلام)، وغيبة الحجّة (عليه السلام) وموسى (عليه السلام)، ونظير الرضا (عليه السلام) ويوسف (عليه السلام)، ونظير يحيى (عليه السلام) والجواد (عليه السلام)، وعيسى وإدريس والياس والخضر (عليهم السلام) مع الحجّة (عج)، ومريم (عليها السلام) وفاطمة (عليها السلام).

المنهج الثالث عشر: وهو إثبات إقدار الله عزّوجلّ لهم على خوارق العادات والمعجزات، باعتراف خصومهم، حيث أسموا ذلك بأنّه سحر من بني هاشم، بدءاً من قريش في العهد المكي، إلى العهد المدني وعهد التابعين وتابعيهم إلى بداية الغيبة.

المنهج الرابع عشر: إثبات العلم اللدني لهم (عليهم السلام)، من تراجم كتب رجال وحديث العامّة، وذلك بواسطة الروايات التي روتها العامّة عنهم، المتضمّن مفادها لدعواهم (عليهم السلام) بعدم استقاء علمهم من غيرهم، وأنّ علمهم لا يعي عن إجابة المسائل المختلفة، مضافاً إلى تلّمذ علماء المذاهب على أيديهم دون غيرهم.

وهناك غير ذلك من المناهج، يستطيع الباحث الوقوف عليها في كتب الإمامية المستفادة من الكتاب والروايات والعقل والفطرة السليمة.


الصفحة 65

الصفحة 66

الصفحة 67

نبذة في تطويف
الآيات القرآنية الدالّة على الإمامة


ولنستعرض جملة يسيرة من تلك الطوائف لا على سبيل الاستقصاء:

الأُولى: آيات الثقلين، وهي جملة من الآيات تفيد عين مفاد حديث الثقلين.

الثانية: آيات الهداية والصراط، وهي جملة من الآيات في السور الدالّة على أنّ هداية الأُمّة هي على عاتق أئمّة هداة يقومون مقام النبيّ (صلى الله عليه وآله).

الثالثة: آيات الاستخلاف، ومفادها بيان السنّة الإلهية في جعل الخليفة في الأرض مزوّداً بالعلم اللدني والعلم الأسمائي الجامع.

الرابعة: آيات التبليغ، وهي المتضمّنة للأمر الإلهي بإبلاغ الإمامة والولاية.

الخامسة: آيات الولاية، وهي المتضمّنة للفظ وعنوان الولاية، وأنّها لثلّة من هذه الأُمّة خاصّة.

السادسة: آيات الاصطفاء لذرّية إبراهيم (عليه السلام)، ومن هذه الأُمّة.

السابعة: آيات الإمامة، المتضمّنة للفظ وعنوان الإمامة.

الثامنة: آيات الأنفال والفيء والخمس لذي القربى.


الصفحة 68
التاسعة: آية التسليم على آل ياسين (آيات أولياء الدين وحججه).

العاشرة: آيات شهادة الأعمال، المتضمّنة لوجود ثلّة من هذه الأُمّة تشهد أعمال الأُمّة في كلّ عصر إلى يوم القيامة، وهم الأشهاد.

الحادية عشر: آيتا التطهير.

الثانية عشر: آية الأشهر الإثني عشر.

الثالثة عشر: آيات التولّي والتبرّي.

الرابعة عشر: آيات الكتاب المبين والمكنون.

الخامسة عشر: آيات رباني هذه الأُمّة.

السادسة عشر: آيات الوسيلة والسبيل.

السابعة عشر: آيات النور.

الثامنة عشر: آيات ليلة القدر، وصاحبها وليّ الأمر النازل في تلك الليلة.


الصفحة 69

جدولة مصادر الطوائف:

الطائفة الأُولى: آيات حديث الثقلين: آل عمران: 7، الواقعة: 77 ـ 81، الرعد: 39 و43، النحل: 64 و89، القيامة: 16 19، الأنعام 38 و59، يس: 12، النحل: 40 و75، البروح: 22، ص: 22، يونس: 61، فاطر: 32، الحجر: 75 76، يوسف: 111، العنكبوت: 47، الحج: 54، سبأ: 6، البقرة: 121، الأنعام: 154 155، الأعراف: 144.

الطائفة الثانية: آيات الهداية والصراط: الرعد: 7، سورة الحمد، يونس: 35 و131، الأعراف: 181 و184، الأنبياء: 73، السجدة: 24، الجن: 16، طه: 82 و135، التوبة: 119، الأنعام: 153، الاسراء: 158، النمل: 75، المؤمنون: 73 74، النور: 55، الملك: 22، الحج: 54، الفرقان: 27، يونس: 180، غافر: 6 و10، مريم: 6 7، محمد: 17، الكهف: 24، العنكبوت: 69، المائدة: 67، البقرة: 18، يس: 82، إبراهيم: 22.

الطائفة الثالثة: آيات الاستخلاف: البقرة: 30، النمل: 62، ص: 26، وهي متطابقة مع حديث: خلفائي اثنا عشر من قريش.

الطائفة الرابعة: آيات التبليغ: المائدة: 3 و 67.

الطائفة الخامسة: آيات الولاية: النساء: 59، المائدة: 54 56، الأحزاب: 6، آل عمران: 63، النور: 54 و55.

الطائفة السادسة: آيات الاصطفاء لذرّية إبراهيم: آل عمران: 33 34، الحج: 75 78، البقرة: 237، النساء: 54 و58، آل عمران: 68، الزخرف: 26 ـ 28، الأنبياء: 73، البقرة: 127 128، آل عمران: 164.


الصفحة 70
الطائفة السابعة: آيات الإمامة: البقرة: 124، النساء: 154، هود: 17، الأحقاف: 12، يس: 12، الأنبياء: 73، السجدة: 24، القصص: 5.

الطائفة الثامنة: آيات الأنفال والخمس والفيء والقربى: الحشر: 7، الروم: 38، الأنفال: 41، الشورى: 23، الاسراء: 26.

الطائفة التاسعة: أولياء الدين وحججه، وآيات الأشهر الحرم: آل عمران: 61، الصافات: 130، البراءة: 36.

الطائفة العاشرة: آيات شهادة الأعمال: البراءة: 105، النحل: 89، البقرة: 143، الحج: 78، الرعد: 43، آل عمران: 140، المطففين: 21، الواقعة: 11، النساء: 41، الأعراف: 46.

الطائفة الحادية عشر: آيتا التطهير: الواقعة: 79، آل عمران: 42.

الطائفة الثانية عشر: التولّي والتبرّي: الأعراف: 3، الممتحنة: 4، الزخرف: 26، البقرة: 166 و167، البراءة: 114، المجادلة: 22، الشورى: 23، محمّد: 29.

الطائفة الثالثة عشر: آيات الكتاب: الواقعة: 79، البروج: 21 22، آل عمران: 7 و79، النساء: 54، المائدة: 44 و48، الأنعام: 38 و59 و114، البراءة: 36، يونس: 61، هود: 1 و6، الرعد: 31 و39 و43، الحشر: 21، النحل: 89، الكهف: 49، طه: 52، الحج: 70، الشعراء: 2، النمل: 1 و75، سباء: 3، الدخان: 2، الزخرف: 2 4، فاطر: 11، الشورى: 52، المطففين: 18 20، يس: 12.

الطائفة الرابعة عشر: آيات الوسيلة: التكاثر: 8، البقرة: 211، المائدة: 35، الاسراء: 58، الفرقان: 57، سباء: 47، الشورى: 23.

الطائفة الخامسة عشر: آيات مقامهم النوري: النور: 35 36، البقرة: 31 34 و37، النساء: 171، البقرة: 124، الكهف: 109، لقمان: 27، التحريم: 12، الأنعام: 115، الأعراف: 158، الأنفال: 7، الشورى: 24، آل عمران: 39 و45، إبراهيم: 24،

الصفحة 71
الزخرف: 28، التغابن: 8، البراءة: 32، الزمر: 69.

أما الطائفة الأولى:

تفصيل آيات الثقلين وهي على أنماط:

الأوّل: سورة الحمد.

الثاني: سورة آل عمران.

الثالث: الواقعة: 78، الأحزاب.

الرابع: سورة الأنعام: 38 و59 و154، الدخان: 1 2، فاطر: 32، العنكبوت: 47 50، البقرة: 121، النمل: 40، الرعد: 31 و39 و43، البروج: 22، الأعراف: 145، يوسف: 101، الاسراء: 12 و14، المائدة: 48، يونس: 61.

الخامس: النحل: 89.

السادس: القيامة: 17، النحل: 64.

السابع: سباء: 6، الحج: 54.

الثامن: النساء: 83، محمّد: 16.

التاسع: المائدة: 44. وهي تتطابق مع طائفة آيات ربانيو الأمة.

العاشر: الشورى: 23، الأنعام: 90، يوسف: 104، سباء: 47.

الطائفة السادسة عشر: آيات ليلة القدر وصاحبها وليّ الأمر النازل فيها، وهي تتطابق مع قالب آيات حديث الثقلين: سورة القدر، سورة الدخان: 1 3، النحل: 1، غافر: 15، الشورى: 52.


الصفحة 72

الصفحة 73

النصوص القرآنية
الدالّة على إمامة أهل البيت (عليهم السلام)


القسم الأوّل: آيات الثقلين: وهي طوائف:


الطائفة الأولى: الراسخون في علم الكتاب

{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ}(1).

____________

1- سورة آل عمران 3: 7.


الصفحة 74
إنّ الظهور الأوّلي الإجمالي لهذه الآية الشريفة، هو الإعلان عن وجود قسمين من آيات الكتاب الكريم: محكم ومتشابه. كما أنّها تقسّم المكلّفين إلى أقسام: راسخون في العلم، وغير راسخين. وغير الراسخين إلى قسمين: قسم يتّبع المتشابه، وهم الذين قد زاغت قلوبهم عن الصراط المستقيم وعن الحقّ. والقسم الآخر لا يتّبع المتشابه، ولكنّها ترشد إلى لزوم اتّباع الراسخين في العلم ; كي يهدوهم إلى تأويل المتشابه بالمحكم.

كما أنّ الآية تُعلم بأنّ المحكمات لها مقام الأُمومة في آيات الكتاب، ممّا يعني أنّ المتشابهات كفروع لها، والتأويل لغةً: من الأوْل، أي الرجوع والأوب، وانتهاء شيء إلى شيء، من آل شيء إلى آخر، أي انتهى إليه.

وتأويل المتشابه، إمّا بمعنى الانتهاء إلى المعنى الحقيقي المراد منه، أو بمعنى انتهاء المتشابه إلى أصله وهو المحكم، وهو يتّحد مع المعنى السابق أيضاً ; إذ برجوع المتشابه إلى المحكم يوجب كشف المعنى المراد من المتشابه، وأنّه منسجم ومتلائم معه.

وبمقتضى النقطة الأخيرة وما تقدّم، يستلزم أنّ الإحاطة بالمحكم إحاطة تامّة، غير مقدور عليها لغير الراسخين في العلم ; وذلك لأنّ الإحاطة التامّة بالمحكم تستلزم العلم بتأويل المتشابه ; إذ المفروض في المحكم أنّ له الأُمومة والهيمنة والمرجعية لتفسير بقية الآيات، فعدم العلم بحقيقة المتشابه ناشئ من عدم فرض الإحاطة التامّة بالمحكم، إذ لا تشذ آية في المتشابه عن حيطة المحكمات وقيمومة معانيها على تلك الآيات، فلا تكون متشابهة عند المحيط خبراً بالمحكمات.

وهذا يدلّ على أنّ المتشابه وصف نسبي إضافي بالإضافة إلى غير الراسخين، وأمّا الراسخون فلا تشابه لديهم في الآيات، وإن كان التقسيم إلى المحكم الأمّ

الصفحة 75
وإلى الآيات الفرعية وصف حقيقي غير إضافي لنفس الآيات في نفسها.

وكلّ ذلك لا يلزم منه تعطيل الكتاب أو تجميده أو فقده لصفة الإعجاز بتوهّم أنّ آياته المحكمات لا يحاط بها للكلّ، والمتشابه لا يؤخذ به بنفسه لإجمال المراد منه، يزيغ من يتابعه من دون مفسّر معتبر صحيح، والمحكم لا يحاط ; وذلك لأنّ الآية في صدد بيان كيفية الأخذ واشتراطه باتّباع الراسخين بالعلم ومعونتهم وإرشادهم.

فيتبين أنّ الأخذ الذي لا بدّ منه المفترض في تلك الآية والتمسّك بالكتاب اللازم يجب أن يكون مقروناً بالتمسّك بأولي العلم الراسخين، لا أنّها في صدد حجب الكتاب عن التمسّك به، بل غاية دلالتها أنّ التدبّر بالقرآن والتمسّك به يجب أن يكون مقروناً وبمعيّة الراسخين في العلم.

عين ما يقال من أنّ كلاًّ من الكتاب والسنّة مصدر للشريعة ; فإنّ معنى الاثنينيّة في الحجّية ليس بأن يكون كلّ منهما مستقلّ عن الآخر، ولا بأن يكون أحدهما معطّلاً للآخر، وكونه فاعلاً أو غير فاعل، بل أن يكون هناك معية بينهما، وتشاهد وتعاضد وتكافل، ومن ثمّ لا يستلزم تعطيل أحدهما ولا فقد الكتاب المجيد لإعجازه ; لأنّ ادراك المعجزة فيه لا يتوقّف على الإحاطة بكلّ محكماته فضلاً عن متشابهاته، بل يكفي في ذلك معرفة البعض.

وكون الراسخين في العلم ثلّة من هذه الأُمّة الإسلامية لا خصوص فرد واحد، وكون هذه المجموعة باقية سلسلتها ما بقيت حجّية القرآن في هذه النشأة، وأنّها لا تُرفع إلاّ برفع الكتاب يوم القيامة، كلّ ذلك لأنّ الكتاب لا يؤخذ به بنحو تامّ إلاّ بهم.

ويستفاد من الآية أنّ التمسّك بالكتاب على انفراد لا يتحقّق بصورة صحيحة كاملة تامّة إلاّ بهم، كما لا يتحقّق التمسّك بهم إلاّ بالتمسّك بالكتاب ; لأنّهم هادون

الصفحة 76
إلى محكماته وتأويل متشابهاته. وهو مفاد حديث الثقلين.

وإنّ علم الراسخين في العلم ليس من العلم الكسبي ; لأنّه لا يؤهّل إلى ذلك مهما بلغ الإحاطة بدرجة من محكمات الكتاب ; إذ من الضروري أنّ الكتاب المجيد الحجّة لكلّ هذه النشأة، لا تنتفي حقائقه ولا تحصى محكماته المحيطة بتطاول هذه النشأة، بل وبالنشآت السابقة واللاحقة، فالعلم التامّ بكلّ الكتاب الذي أثبتته هذه الآية للراسخين في العلم لا يكون إلاّ من سنخ العلم اللدني ; إذ الكتاب المبين الذي يستطرّ فيه كلّ شيء وما من غائبة في السموات والأرض إلاّ فيه ـ هو من لدن الغيب، والعلم التام به من سنخه.

ولا سيما وأّن الآية قد قرنت تشريفاً ـ الراسخين في العلم بالله تعالى، ونفت العلم بالكتاب كلّه عن الجميع، وحصرته في الذات الإلهية ومن بعده بالراسخين في العلم، ممّا يعطي شرافةً وتعظيماً للراسخين في العلم كحجج الله على خلقه، ووهبهم ذلك النمط اللدني من العلم.

ومقتضى حجّية الكتاب وحجّية الراسخين في العلم، أنّ حجّيته مرهونة بحجّيتهم، وحجّيتهم مرهونة بحجّيته أيضاً، فالحجّتان من سنخ واحد، ممّا يدلّ على عصمتهم ; وإلاّ لو جاز عليهم الخطأ لانسدّ باب العلم في الكتاب ولزم التعطيل.

ويشير إلى مقام حجّيتهم ذيل الآية: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الاَْلْبَابِ}(1)، إشارة الآية إلى مثل هذه المضامين إنّما يتفطّن إليها ذو اللبّ، لا ذو الذهنية القشرية الذي لا يبصر إلاّ القشور. وكذلك الآية اللاحقة {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ}(2)، أي أنّ ذوي الألباب بتفطّنهم بحجّية الراسخين

____________

1- سورة البقرة 2: 269.

2- سورة آل عمران 3: 8.