الصفحة 89
تعالى: {يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ}(1)، وقوله تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَاب مَكْنُون * لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ}(2)، وقوله تعالى: {كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِـي وَبَيْنَـكُمْ وَمَنْ عِنْـدَهُ عِلْـمُ الْكِتَابِ}(3).

والآيات الأُولى الدالّة على استطار كلّ شيء في الخلقة في الكتاب، فكلّ غائبة وكلّ رطب وكلّ يابس لم يفرط في تدوينه في الكتاب، وكل ما يُمحى ويُثبت في عالم الخلقة في الكتاب. وقد وصف القرآن بالكتاب المبين أي بأنّ القرآن هو ذلك الكتاب المبين ـ، كما في سورة الدخان من قوله تعالى: {حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة}(4)، وقوله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِير قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ}(5)، وقوله تعالى: {طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَاب مُبِين}(6)، وقوله تعالى: {هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ}(7)، وقوله تعالى: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْن وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآن وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَل إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّة فِي الاَْرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَاب مُبِين}(8)، مع أن إستطار كلّ شيء في الكتاب المبين صرّح به في إحدى الآيات {وَمَا مِنْ غَائِبَة فِي السَّمَاءِ وَالاَْرْضِ إِلاَّ فِي كِتَاب مُبِين}(9)، وقوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّة فِي الاَْرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَاب مُبِين}(10).

____________

1- سورة الرعد 13: 39.

2- سورة الواقعة 56: 75 ـ 79.

3- سورة الرعد 13: 43.

4- سورة الدخان 44: 1 ـ 3.

5- سورة المائدة 5: 15.

6- سورة النمل 27: 1.

7- سورة البقرة 2: 97.

8- سورة يونس 10: 61.

9- سورة النمل 27: 75.

10- سورة هود 11: 6.


الصفحة 90
وهذه الطائفة مع كونها دالّة بالاستقلال على الثقلين بضميمة قوله تعالى في الرعد: {كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ}(1) فالحريّ بنا أن ننقّح الحال في كون الآية مكّية في قبال القولين السابقين اللذين مرّا في الآية وأنّها مدنية.

وهذا القول يستلزم كون الآية مدنية ; لأنّ هؤلاء وهم عبد الله ابن سلام أو سلمان الفارسي أو تميم الداري ـ أسلموا بعد الهجرة، وكلا القولين بعيدين عن الحقيقة والصواب.

أمّا القول الأوّل، فإنّ ما نُسب إلى ابن عبّاس فمع كون النسبة غير مسندة، فتكون القراءة شاذّة لا يجب التعويل عليها في قبال المتواتر من قراءة الآية، أي أنّ (مَنْ) اسم موصول لا حرف جرّ.

أمّا القول الثاني، فيردّه شواهد عديدة:

الأوّل: كون الآية مكّية كما عن النحاس عن ابن عباس، وممّن ذهب إلى أنّها مكّية سعيد بن جبير والحسن وعكرمة وعطاء وجابر ابن زيد.(2)

الثاني: إنّ سياق السورة من أوّلها إلى آخرها سياق واحد في المحاججة مع الكفّار، مثل قوله تعالى: {وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْق جَدِيد}(3)، وقوله تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاَتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَة لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ * وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْم هَاد}(4)، ومن الظاهر أنّ هذا اللحن لحن دعوة الرسول (صلى الله عليه وآله) في مكّة مع كفّار قريش كبقية السور المكّية، لا أُسلوب المواجهة بالقوّة والتهديد بالقتال، وكذلك هو لحن الطرف الآخر وهم

____________

1- سورة الرعد 13: 43.

2- فتح القدير للشوكاني.

3- سورة الرعد 13: 5.

4- سورة الرعد 13: 6 ـ 7.


الصفحة 91
الكفّار ـ لحن المطالبة بالمعجز أي الحجاج المنطقي، وهي مرحلة متقدّمة في عهد مكّي من الرسالة تختلف عن العهد المدني من أُسلوب المواجهة مع الرسول القائد لدولته التي أنشأها في المدينة.

ثمّ إنّ السورة تتابع آياتها بنفس السياق والأُسلوب، كقوله تعالى: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْء إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَل * وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالاَْرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلاَلُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالاَْرْضِ...}(1)، وكذلك الآيات اللاحقة: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ}(2)، وكذا قوله تعالى: {كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّة قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ * وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الاَْرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الاَْمْرُ جَمِيعًا}(3).

وأجمع المفسّرون وأصحاب السير: أنّ الآية الأخيرة نزلت في مكّة لمطالبة قريش النبيّ (صلى الله عليه وآله) بهذه الأُمور الخوارق، ومن الواضح أنّ السياق لا يمكن تفكيكه بل هو تابع مع مبتدأ السورة، فمن الغريب ما نُسب إلى بعضهم قوله أنّ السورة مكية وخصوص هذه الآية مدنية، مع أنّ هذه الآية كما يلاحظ بالتدبّر في السورة متّصلة النظم وهي في مقام الجواب عن حجج الكافرين، فكيف يصحّ إقحام هذه الآية المدنية بعد فرض كون الآيات السابقة جميعاً مكية؟

وهكذا في استرسال بقية الآيات كقوله تعالى: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِيءَ بِرُسُل مِنْ قَبْلِكَ

____________

1- سورة الرعد 13: 14 ـ 16.

2- سورة الرعد 13: 27.

3- سورة الرعد 13: 30 ـ 31.


الصفحة 92
فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ}(1)، والإمهال كان في مكّة، وقوله تعالى: {بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ...}(2)، وكذا قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُول أَنْ يَأْتِيَ بِآيَة إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَل كِتَابٌ}(3)، و{يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ}(4)، و{وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ}(5)، و{أَوَلَمْ يَرَوْا...}(6)، و{وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْس وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ}(7)، و{وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ}(8).

فتجد أنّ مخاطبة الكفّار في هذه الآية الأخيرة هي عين مخاطبتهم السابقة وبنفس اللحن من الحجاج المنطقي، بل إنّ مضمون هذه الآية الأخيرة ملخّص وحاصل لجميع الآيات السابقة، بل في هذه الآية تصريح وتعرّض لرفض مقترحات الكفّار والتي طلبت في الآيات السابقة، كما في قوله تعالى: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ}(9)، ومقترحهم بتسيير جبال مكّة وتكليم الموتى رفض بقوله تعالى: {قُلْ كَفَى...} أي إنهاء للمحاججة وقطع للحجّة بشهادة الله وشهادة من عنده علم الكتاب، وهذا دلالة على مكّية الآية الأخيرة.

الثالث: لم يوصف علماء اليهود والنصارى والأحبار عدا أنبيائهم ورسلهم

____________

1- سورة الرعد 13: 32.

2- سورة الرعد 13: 33.

3- سورة الرعد 13: 38.

4- سورة الرعد 13: 39.

5- سورة الرعد 13: 40.

6- سورة الرعد 13: 41.

7- سورة الرعد 13: 42.

8- سورة الرعد 13: 43.

9- سورة الرعد 13: 27.


الصفحة 93
وأوصيائهم بهذه الصفة من العلم بالكتاب، فهم في قوله تعالى: {قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَ آهُ مُسْتَقِرًّا...}(1)، هو وصف لآصف بن برخيا وصي سليمان، وقد بيّنت هذه الآية أنّ خاصّية علم الكتاب القدرة التكوينية الخارقة كالتي كانت حاصلة لدى آصف، وقد أشارت إليه سورة الرعد نفسها في قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الاَْرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى...}(2) ومن الواضح أنّ هذه الخاصّية والصفة إنّما تُعطى لذوي المناصب الإلهية كالأوصياء والرسل، ومن ثمّ وصف بعلم الكتاب أكثر أنبياء الله.

كما أنّ آيات الثقل الأوّل في هذه الطائفة مبيّنة لاحتواء الكتاب بكلّ المشيئات الإلهية وبكلّ غائبة في السماوات والأرض وكلّ صغيرة وكبيرة ورطب ويابس، فالإحاطة بمثل هذا العلم لم يكن لدى من أسلم من اليهود والنصارى كما زُعِم، كعبدالله بن سلام وتميم الداري وغيرهما، فمع خطورة هذا المقام وعظمة شأن هذه الصفة يمتنع أن يكون مصداقها هؤلاء، وذلك دليل بيّن على كون نزولها في مكّة وأنّ مصداقها هو من يكون وصياً للنبيّ (صلى الله عليه وآله).

الرابع: إنّ شهادة من عنده علم الكتاب أمر أُردف بشهادة الله تعالى للدلالة على أنّها تتلوها في السنخ، وبعبارة أُخرى: إنّ إدلاء الشاهد بالشهادة يستلزم تحمّل الشاهد عياناً للأمر المشهود به، ممّا يعني أنّ الشاهد لديه إدراك حضوري عياني لعملية إنباء النبيّ ونزول الوحي على قلبه الشريف، ونزول الوحي على قلب النبيّ (صلى الله عليه وآله) أمر غيبي ليس من عالم الشهادة والحسّ، فلا يتيسّر للشاهد الشهادة إلاّ أن يشهد بقلبه كيفية نزول الوحي على النبيّ (صلى الله عليه وآله)، وكيف لا يتيسّر له

____________

1- سورة النمل 27: 40.

2- سورة الرعد 13: 31.


الصفحة 94
ذلك وعنده علم الكتاب الذي استطرّ فيه كلّ شيء.

وهذا ما يشير إليه قول علي (عليه السلام) في الخطبة المعروفة بالقاصعة: "... ولم يجمع بيت واحد في الإسلام غير رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة وأشمّ ريح النبوّة، ولقد سمعت رنّة الشيطان حيث نزل الوحي عليه (صلى الله عليه وآله) فقلت: يارسول الله ما هذه الرنّة؟ فقال: هذا الشيطان قد أيس من عبادته إنّك تسمع ما أسمع وترى ما أرى إلاّ أنك لست بنبيّ، ولكنّك لوزير وإنّك لعلى خير".(1)

ويشير إلى ذلك قوله تعالى: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ}(2)، فإّنه قد أثبت الرؤية لا الرأي، وقد وصف القرآن الذين أوتوا العلم بأنّ مجموع القرآن آيات بيّنات في صدورهم.

وأمّا قوله تعالى: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ}(3)، وهذا وإن كان شهادة ممّن أسلم من بني إسرائيل على مثل القرآن من الكتب السابقة المنزّلة، إلاّ أنّه في الحقيقة ليس الاعتداد بشهادتهم الصادرة منهم من جهة أشخاصهم، وإنّما هي في الحقيقة شهادة الكتب السابقة على نبوّة النبيّ الخاتم وحقّانية القرآن المنزّل، فالشهادة إذن لصدق النبوّة وصدق القرآن هي بشاهد غيبي، وهو الكتب المنزّلة السابقة مسانخ ومن نمط المشهود له.

الخامس: إنّ لفظ (الكتاب) في الآية لم يُقيّد بقيد الدالّ على إرادة الكتب السابقة المنزّلة، مضافاً إلى أنّ (ال) إمّا جنسية أو عهدية، والجنسية هو ما يراد به اللوح المحفوظ وأُمّ الكتاب، وقد تقدّم أنّه لا يحيط به من أسلم في المدينة من أهل الكتاب، ولا ادَّعى ذلك ولا ادُّعي فيهم ذلك، وإنّما الذي ادّعى ذلك في الأُمّة

____________

1- نهج البلاغة خطبة 192.

2- سورة سبأ34: 6.

3- سورة الأحقاف 46: 10.


الصفحة 95
الإسلامية هم خصوص عترة النبيّ (صلى الله عليه وآله).

وأمّا إن كانت عهدية، فالعهد الذهني والعهد الذكري واللفظي في السورة إنّما هو القرآن الكريم، فالعالم بالكتاب المراد به العالم بتمام القرآن.

فتحصّل حينئذ:

إنّ من عنده علم الكتاب المقرونة شهادته بشهادة الله تعالى هو ممّن أسلم مع النبيّ (صلى الله عليه وآله) في مكّة، وممّن قد زُوّد بعلم أُمّ الكتاب، أي ممّن له علماً لدنياً بتمام حقائق القرآن الكريم. ومن البيّن أنّ صلة الموصول في الآية دالّة على حجّية شهادته، وأنّ منشأ تلك الحجّية هو إحاطته بالكتاب المستطرّ فيه المغيّبات، إذ من يكون بهذه المنزلة هو الذي يتمكّن من تحمّل تلك الشهادة والإحاطة بصدق المشهود بها، وهذا وجه حجّية شهادته.

وحيث احتجّ الله تعالى بشهادته فلابدّ من علم قريش ومعرفتهم لهذه الصفة التي فيه وإن جحدوا لساناً، سواء حصلت معرفتهم بذلك ـ وباتّصاف هذا الشاهد بهذه الصفة ـ سابقاً، أو بتوسّط نفس الاحتجاج بأن يكون في وصف الله أنّ الشاهد هو بتلك الصفة تنبيهاً للكفّار على منشأ حجّية شهادته، وأنّ ذلك المنشأ وتلك الصفة بإمكانهم التحقّق من وجودها والفحص عن ثبوتها في الشاهد.

وهذا ما تشير إليه المصادر التاريخية من وقيعة قريش في بني هاشم بأنّهم بيت سحر والعياذ بالله ـ وأنّه طالما رؤي منهم السحر. ووقيعتهم تلك كانت شاملة لعليّ (عليه السلام)، ممّا يدلّل على مشاهدة قريش خوارق العادات من بني هاشم ومن عليّ (عليه السلام)، إلاّ أنّهم يجحدوها بلسانهم ويصفوها بأنّها سحر.

ويشير إلى ذلك قول عليّ (عليه السلام) في الخطبة القاصعة عندما طلبت قريش من رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يظهر لهم معجزة الشجرة في حركتها وتكلّمها، فأظهر لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذلك، فقال عليّ (عليه السلام): "فقلت أنا لا إله إلاّ الله إنّي أوّل مؤمن بك يارسول

الصفحة 96
الله، وأوّل من أقرّ أن الشجرة فعلت ما فعلت بإذن الله تعالى تصديقاً بنبوّتك وإجلالاً لكلمتك، فقال القوم كلّهم: بل ساحر كذّاب عجيب السحر خفيف فيه، وهل يصدقك في أمرك إلاّ مِثلُ هذا يعنونني ـ وإنّي لمن قوم لا تأخذهم في الله لومة لائم، سيماهم سيماء الصدّيقين وكلامهم كلام الأبرار، عُمّار الليل ومنار النهار، يتمسّكون بحبل القرآن، يحيون سنن الله وسنن رسوله، لا يستكبرون ولا يعلون ولا يضلّون ولا يفسدون، قلوبهم في الجنان وأجسادهم في العمل"(1).

وعدم استجابة قريش للأمر في القرآن بأنّ عليهم الاكتفاء بشهادة الله وشهادة من عنده علم الكتاب، أي أنّهم لم يستشهدوا بمن عنده علم الكتاب، كما لم يستشهدوا بالقرآن على صدق نبوّته (صلى الله عليه وآله).

فيتحصّل من هذه الطائفة أُمور:

الأوّل: اشتمال القرآن على لوح التشريع والتكوين، أي بتمام كلّ من اللوحين.

الثاني: إحاطة من عنده علم الكتاب وهم المطهّرون الذين يمسُّون مكنون القرآن كما سيأتي في الطوائف اللاحقة ـ وهم الراسخون في العلم كما في الطائفة الأولى ـ والذين يعلمون تأويله ومتشابهه وهم الذين أوتوا العلم فمجموع آيات القرآن بيّنات في صدورهم كما في الطائفة الثانية ـ.

وإرادة الجمع من اسم الموصول (من عنده علم الكتاب) متعارف في مثل الأسماء الموصولة، ولذلك فَسّر الجمع أيضاً ـ من زعم أنّ الآية مدنية، وطبّقها على مَنْ أسلم من اليهود والنصارى.

الثالث: مقتضى قوله تعالى: {قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَأَهُ مُسْتَقِرًّا}(2)، وقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ

____________

1- نهج البلاغة خطبة 192.

2- سورة النمل 27: 40.


الصفحة 97
قُطِّعَتْ بِهِ الاَْرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الاَْمْرُ جَمِيعًا}(1)، إنّ خاصّية علم الكتاب هو إقدار الله تعالى لصاحب ذلك العلم على إحياء الموتى والتصرّف بخوارق العادات، مع أنّ آصف بن برخيا الذي أُشير إليه في الآية الأُولى كان عنده بعض علم الكتاب ; لمكان (من) التبعيضية، لا سيما أنّ الآية الثانية في نفس سورة الرعد ومورد نزولها هو اقتراح الكفار باتساع أرض مكّة بإزالة الجبال وتسوية الأرض وتكليم الموتى، من دون تقييدهم وقوع ذلك بالقرآن الكريم ـ تتضمّن جوابه تعالى بإمكان القدرة على ذلك بتوسّط القرآن، بياناً لعظمة القرآن التكوينية وشؤونه في الآفاق الخارجية، نظير قوله تعالى: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَل لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الاَْمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}(2).

الرابع: تتوضّح مفاد هذه الطائفة مع مفاد الطائفتين السابقتين بأمور مستنتجة، وذلك مثل ضرورة وجود ثلّة عالمة بالكتاب وما فيه ; وإلاّ لزم تعطيل الكتاب الذي جمعت فيه حقائق الكون والتشريع، والذي فيه بيان كلّ شيء، وأنّهم (عليهم السلام) في علمهم هذا بالكتاب تالين تابعين لرسول الله ; لأنّ علمهم متعلّق بما أُنزل على النبيّ (صلى الله عليه وآله).

وكذا تلازم وجود القرآن ووجودهم بأنّهم حينئذ الوسيلة للوصول إلى تمام حقائق القرآن التشريعية والتكوينية، وما به من هداية المكلّفين مما تضطرّهم إليه الحاجة.

____________

1- سورة الرعد 13: 31.

2- سورة الحشر 59: 21.


الصفحة 98

الطائفة الرابعة: المطهّرون والكتاب المكنون واللوح المحفوظ

قوله تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَاب مَكْنُون * لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ * وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ}(1).

وقوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرُكُمْ تَطْهِيراً}(2).

وقوله تعالى: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيب * وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ * بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْح مَحْفُوظ}(3).

ومقتضى القسم في الآية كون المقسوم عليه جملة خبرية لا جملة إنشائية ; إذ القسم لأجل توثيق الأخبار بالمقسوم عليه، كما أنّ القسم في الآية موصوف بالعظمة لبيان عظمة المخبر به، والمخبر به كرامة القرآن، وقد فُسرت كرامته باكتنانه في كتاب غيبي لا يصل إليه إلاّ المطهّرون من الذنوب ومن الضلال، وفي ذلك بيانٌ لعزّة القرآن وقداسته عن أن يكون مبتذلاً لغير المطهرين.

فمن الواضح حينئذ ـ عدم إرادة القرآن في وجوده في رسم المصحف الشريف، بل المراد من الوجود وجوداً أسمى مكنوناً، محفوظاً في لوح غيبي لا يناله ولا يصل إليه إلاّ من كان على ارتباط بذلك الغيب واطّلاع بالمغيبات. وهذا الوجود للقرآن ليس فيه متشابه ; لأنّ المتشابه وصف للقرآن المنزّل، أي في وجوده النازل على صورة آيات وسور، ومنه محكم ; وإلاّ فهو في وجوده الغيبي

____________

1- سورة الواقعة 56: 75 ـ 82.

2- سورة الأحزاب 33: 33.

3- سورة البروج 85: 19 ـ 22.


الصفحة 99
كتاب كلّه مبين كما تقدّم وصفه بذلك في الطائفة الرابعة آنفة الذكر. وهذا سبب كون القرآن بتمامه آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم حيث إنّهم مطهرون يطّلعون على الوجود الأرفع للقرآن أي الغيبي وهو معنى مسّهم للكتاب المكنون..

إذن هناك تشاهد جلي بين هذه الطائفة والطوائف المتقدّمة، كما أنّ للقرآن في وجوده النزولي أوصافاً كما في رسم المصحف الشريف، ففي وجوده المكنون أوصاف أُخرى، فبعض الأوصاف للوجود الأوّل، وبعض الأوصاف للوجود الثاني.

وهذا التعدّد في الأوصاف راجع إلى تعدّد مراتب وجود ونزول القرآن نفسه، وهو مقتضى التعبير المتكرّر في الآيات والسور بإنزال القرآن ونزوله، المستلزم لتواجد القرآن في رتبة عالية ثمّ أُنزل إلى النشأة الأرضية.

كما أنّ الآية تحصر الواصل لحقيقة القرآن الغيبية بـ (المطهرين)، ولا تكون الطهارة إلاّ بعدم اقتراف الذنب، وهي المعبّر عنها بالعصمة، وهي شاملة للبعد عن الضلال، وقد وصِف الضلال والشكّ والريب بالرجس في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ}(1)، وقوله تعالى: {كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ}(2).

بل قد أطلق القرآن الكريم الرجس على الجهل والجهالة، كما في قوله تعالى: {... وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ}(3). كما أطلق الرجس على المعاصي المُرتكبة بالجوارح، كما في قوله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالاَْنْصَابُ وَالاَْزْلاَمُ

____________

1- سورة التوبة 9: 125.

2- سورة الأنعام 6: 125.

3- سورة يونس 10: 100.


الصفحة 100
رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ}(1).

فيُعلم من ذلك أنّ المطهرون هم الواجدون للطهارة عن جميع أنواع الرجس، فلا يرتابون ولا يشكّون قطّ، كما أنّهم لا يجهلون ولا يقعون في جهالة قطّ، مستكملي العقل.

فالطهارة قسمان: منها عن الرذائل العملية، وأُخرى عن رذائل الجهالات، فهم على كمال في العلم والعمل بدرجة يتميزون بها، تؤهّلهم للاتّصال بالغيب والكتاب المكنون واللوح المحفوظ. فالآية دالّة على وجود هؤلاء المطهّرين في الأُمّة. ومن البيّن أنّ وجود هؤلاء المطهّرين لازم لبقاء القرآن ; وإلاّ للزم تعطيل حقائق وأسرار القرآن، وقد عيّنت وشخّصت آية التطهير مصداق المطهّرين، وهم أهل البيت (عليهم السلام) ; لقوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرُكُمْ تَطْهِيراً}(2)، ولا يخفى الفرق اللغوي بين المطهّر والمتطهّر.

ويتحصّل مما مرّ أُمور:

الأوّل: معية الثقلين، وهم الكتاب والمطهّرون من عترة النبيّ (صلى الله عليه وآله).

الثاني: تصريح الآية باطّلاع الثقل الثاني على مكنون القرآن الغيبي الذي هو من أنماط العلم الغيبي، والذي يمتازون به دون الأُمّة.

الثالث: طهارتهم وعصمتهم علماً وعملاً، وأنّ ذلك سبب تأهّلهم للإحاطة بحقائق القرآن الغيبية.

الرابع: إنّ المطهّرين هم المجموعة المعصومة المعدودة من عترة النبيّ (صلى الله عليه وآله).

الخامس: إنّ للقرآن حقائق غيبية تكوينية وراء وجود رسم المصحف.

____________

1- سورة المائدة 5: 90.

2- سورة الأحزاب 33: 33.