الصفحة 114
بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا}(1)، مفاد الآية يقرّر أنّ الدعوة إلى الله وهي الهداية الأرائية هي صلاحية وولاية يعطيها الله عزّوجلّ، وهذا مؤدّى قوله (بإذنه) ; إذ إعطاء الإذن إنّما هو في حقل الولاية والملكية والقدرة والسلطنة. فيظهر من الآية أنّ إحدى محطّات الولاية وشعبها هي الدعوة إلى الله والهداية التشريعية، ونظير هذا المفاد قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْق فَجَعَلْتُم مِنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلا قُلْ ءآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ}(2).

حيث أوضحت الآية التقابل بين الفريّة من جانب والفتيا بالإذن من جانب آخر، مع أنّ المتبادر في بدو النظر أنّ المقابل للافتراء هو الصدق والمقابل للفتيا بالإذن هو الفتيا بغير إذن، فجَعْل المقابلة في الآية بين الافتراء والفتيا بالإذن يقتضي كون التحليل والتحريم وبيان الأحكام الإلهية متوقّفاً على الإذن ممّن له الولاية، وأنّها أُمور مولوية، وأنّ جهة التشريع من شعب ولايته تعالى.

وثانياً: إنّ الجعل التشريعي قوامه بالمولوية ومولوية المولى ; لأنّ الحكم التكليفي قوامه بالطلب المولوي، والمولوية هي ولاية الباري تعالى، كما أنّ قوام الحكم الوضعي هو بالحكم التكليفي، فيكون قوام الأحكام التشريعية بولاية المولى، والتقنين ينقسم إلى سنخين من الحكم الوضعي والتكليفي، أي ينقسم التقنين إلى قانون يقرّر المعاني كالملكية والحقوق والعقود، وإلى قانون فيه اقتضاء الفعل والإلزام به، وكلّ من الحكمين أصيل في التشريع إلاّ أنّ مآل الحكم الوضعي في التشريع إلى الحكم التكليفي، ولذلك أفرط بعض علماء الأُصول في نفي تأصيل الحكم الوضعي في التشريع، وقالوا إنّه منتزع وتابع لحدود الحكم التكليفي.

____________

1- سورة الأحزاب 33: 45 ـ 46.

2- سورة يونس 10: 59.


الصفحة 115
وعلى أيّ تقدير، فإنّ الحكم الوضعي الذي هو تقرير لمعاني الأشياء كمؤدّى اعتباري قانوني، إنّما يشرّع ويقنّن لتنظيم أفعال أفراد المجتمع، أي فيؤول الحكم الوضعي وغايته الحكم التكليفي الذي يتعلّق بفعل الفرد مباشرةً، هذا من ناحية.

ومن ناحية أُخرى فإنّ قوام الحكم التكليفي هو بمولوية الشارع، والمولوية قوامها بولاية المولى وحقّ الطاعة له، وبذلك يكون التشريع وصلاحيته وليدة ولاية المشرّع والمقنّن على المتدين لذلك الشرع والمتّبع لذلك التقنين.

ويعضد ذلك أنّ فقهاء الشريعة وفقهاء القانون الوضعي في استنباطهم وقراءتهم للنصوص الشرعية والقانونية، إنّما يستنبطون الحكم ولو كان وضعياً فيما إذا كان الشارع يعمل جهة المولوية في إنشائه للحكم، أي لا يكون بداعي الإرشاد، أي لابدّ أن يكون المقنّن من جهة سيادته وسيادة القانون يقرّر ذلك النصّ القانوني لا من باب النصيحة، والإرشاد منه، وهذا ممّا يدلّل على أنّ الحكم الوضعي في تشريعه يستند إلى ولاية الشارع وسيادته، وبالتالي يتّضح لنا أنّ الولاية تتشعّب إلى الولاية التشريعية كما تتشعّب إلى ولاية القضاء والتنفيذ والتدبير.

ثالثاً: إنّ مفهوم الدين والديانة هو الخضوع بالطاعة في اتّجاه من له الولاية، ومن ثمّ كانت الديانة هي الطاعة، والمطاع هو الدائن، وكذلك في مفهوم الإسلام الذي هو من التسليم والخضوع. ومن ذلك يتقرّر المطلوب من أنّ ولاية النبيّ (صلى الله عليه وآله) والأئمّة (عليهم السلام)، أي وجوب طاعتهم تتّسع لكلّ حدود ودائرة الدين والديانة في طول وتبع ولاية الله تعالى وطاعته، ومن ثمّ تتبلور القراءة الصحيحة لقوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الاَْمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ

الصفحة 116
تَأوِيلاً}(1)، وقوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاة وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}(2).

بأنّ وجوب طاعة الرسول (صلى الله عليه وآله) والأئمّة (عليهم السلام) وولايتهم ليست مقتصرة على الحاكمية السياسية، بل هي ولاية وقيمومة على هذا الدين، كما هو الحال في وجوب طاعة الله وولايته، حيث إنّها غير مقتصرة على الحاكمية السياسية والقضائية والتشريع السياسي، بل هي ولاية عامّة بحدود سعة الدين والديانة، حتّى في الأبواب العبادية، بمعنى أنّ رسم العبادة لله تعالى هو بتوسّط سنن وأوامر نبوية وسنن وأوامر ولوية كما هي مشتملة على فرائض وأوامر إلهية فقصد الأمر المأخوذ في العبادة هو إمتثال الأمر الشامل للأقسام الثلاثة من الأوامر، فبطاعتهم يُعبد الله تعالى.

وإلى ذلك يشير ما رواه الكليني والمفيد والطوسي في الصحيح عن محمّد بن زيد الطبري، قال: "كنت قائماً على رأس الرضا عليّ بن موسى (عليه السلام) بخراسان وعنده جماعة من بني هاشم منهم إسحاق بن العبّاس بن موسى، فقال له (عليه السلام): يا إسحاق، بلغني أنّكم تقولون: إنّا نقول: إنّ الناس عبيد لنا، لا وقرابتي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما قلته قطّ ولا سمعته من أحد من آبائي، ولا بلغني عن أحد منهم قاله، لكنّا نقول: الناس عبيد لنا في الطاعة، موال لنا في الدين، فليبلغ الشاهد الغائب"(3).

وما ورد في الروايات من زيارة الإمام الرضا (عليه السلام):

"اللّهمّ صلِّ على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عبدك وأخي رسولك الذي

____________

1- سورة النساء 4: 59.

2- سورة المائدة 5: 55 ـ 56.

3- أمالي المفيد المجلس: 253، ورواه أيضاً الكليني في الكافي 1 / 187، والطوسي في أماليه: 22.


الصفحة 117
انتجبته بعلمك وجعلته هادياً لمن شئت من خلقك، والدليل على من بعثته برسالاتك، وديّان الدين بعدلك، وفصل قضائك بين خلقك، والمهيمن على ذلك كلّه"(1).

وورد وصف ديان الدين في الصلاة على الحسنين وعلى علي بن الحسين في الزيارة المزبورة التي ورد فيها: "اللهمّ صلِّ على عليّ ابن موسى الرضا المرتضى عبدك ووليّ دينك"(2)، كما ورد أيضاً في زيارة آل ياسين في الناحية "السلام عليك يا باب الله وديّان دينه"(3)، ومنها قوله تعالى تلقيناً لنبيّه (صلى الله عليه وآله): {إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ}(4)، فإنّ إنزال الكتاب وإن كان وصفاً لاسم الجلالة، إلاّ أنّ الوصف ذكر للمناسبة مع عنوان الولي، كما هو مطّرد في الاستعمال والأدب القرآني، وإلاّ لذكر وصف آخر غير إنزال الكتاب.

رابعاً: ما يظهر من دلالة العديد من أدلّة ولايتهم (عليهم السلام) أنّها قيمومة على مجمل الدين في طول وتبع قيمومة الرسول وفي طول قيمومة وتبع الله عزّوجلّ، فالولاية على الدين هي بالأصالة لله عزّوجلّ، كما قال تعالى: {أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ}(5)، وقوله تعالى: {وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ}(6)، وقوله تعالى: {الْوَلاَيَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ}(7)، فإن خلوص الدين لله من قبل العبد يقتضي أن لا يخضع العبد لغير الله، ولا يدين بولاية وطاعة غير الله تعالى، أي يقتضي أنّ الولاية والطاعة في الدين في كلّ شعبها مبدأها ومنتهاها وأصلها وغايتها وأقسامها واختلاف ضروبها هي لله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ}(8)، و: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ

____________

1- منتهى المطلب 2 / 894، الكافي 1 / 527، كامل الزيارات لابن قولويه: 97.

2- الجامع العبّاسي: 182.

3- الاحتجاج: 316.

4- سورة الأعراف 7: 196.

5- سورة الزمر 39: 3.

6- سورة الأنفال 8: 39.

7- سورة الكهف 18: 44.

8- سورة آل عمران 3: 32.


الصفحة 118
فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}(1)، وغيرها من الآيات المتظافرة الدالّة على ولاية الرسول في قيمومته على دين الله التابع لولاية الله في كلّ شعبها وضروبها وأقسامها، فهي ثابتة للرسول (صلى الله عليه وآله) تبعاً لولاية الله، سواء في ولاية التشريع والحكم والقضاء والتصرّف والبيان والترخيص والنسخ والإقرار وأنّ طاعتهم باب العبادة لله تعالى... وغيرها من ضروب أنماط الولاية وحقّ الطاعة في أبواب الدين الكثيرة المتعدّدة، التي يكون ولاية الحكم السياسي بقواه الثلاثة باباً من أبوابه ; إذ الدين دائرته وملاكاته أوسع من النشأتين فضلاً عن أن ينحصر بأحكام النظام السياسي في النشأة الدنيا.

فتحصّل: أنّ ولايتهم الواردة في الأدلّة المتعدّدة هي الولاية على كلّ الدين في جميع أبوابه وروافده، وهذا أصل من أُصول الشريعة في المعرفة تنشعب منه قواعد عديدة من المعارف.

____________

1- سورة النساء 4: 80.


الصفحة 119

توحيد الله في العبادة
بولايتهم وطاعتهم


قال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لاَ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ}(1)، فأطلق على الطاعة للشيطان أنّه عبادة له، وهذا يقتضي أنّ عبادته تعالى لا تتقوّم حقيقة بمجرّد السجود والركوع وأشكال النسك، بل لانطوائها واحتوائها وتضمّنها لطاعة الله فحينئذ تكون عبادة له تعالى، وهذا الاستعمال للعبادة في الطاعة يقتضيه المعنى اللغوي ; لأنّ قوام العبادة بالخضوع.

والخضوع هو الطوعانية والأئتمار والانقياد لإرادته تعالى، فذلك هو روح وجوهر العبادة، وأمّا أشكال النسك والطقوس العبادية فهي قشر ولباس وثوب وبدن العبادة، وأمّا اللباب والروح فهي الطاعة وعبودية الانقياد والخضوع والانقهار أمام إرادته تعالى والتسليم والضعة والإخبات لمشيئته تعالى، فإنّما

____________

1- سورة يس 36: 60 ـ 61.


الصفحة 120
صارت العبادة النسك والطقوس ـ عبادة بالطاعة.

ونظير ذلك قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ}(1)، فأطلق تعالى على طاعة الجنّ وتولّيهم وموالاتهم عبادة لهم وقال تعالى: {وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ}(2)، أي الذين يعبدون الطاغوت، وقد فسّر بطاعتهم للأحبار والطاغوت كلّ من أطيع في معصية الله، ويعضد هذا التفسير قوله تعالى: {إِتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ}(3)، وقوله تعالى: {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ}(4)، وفي صحيح أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله تعالى: {إِتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} قال: "والله ما صلّوا لهم ولا صاموا ولكن أحلّوا لهم حراماً وحرّموا عليهم حلالاً فاتّبعوهم"(5).

وفي رواية أُخرى، قال (عليه السلام): "والله ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم، ولو دعوهم ما أجابوهم، ولكن أحلّوا لهم حراماً وحرّموا عليهم حلالاً، فعبدوهم من حيث لا يشعرون"(6).

وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): "... وأمّا قوله أحبارهم ورهبانهم فإنّهم أطاعوهم وأخذوا بقولهم واتّبعوا ما أمروهم به ودانوا بما دعوهم إليه، فاتّخذوهم أرباباً بطاعتهم لهم وتركهم أمر الله وكتبه ورسله، فنبذوه وراء ظهورهم، وما أمرهم به الأحبار والرهبان اتّبعوه وأطاعوهم وعصوا الله، وإنّما ذُكر هذا في كتابنا

____________

1- سورة سبأ 34: 40 ـ 41.

2- سورة المائدة 5: 60.

3- سورة التوبة 9: 31.

4- سورة آل عمران 3: 64.

5- المحاسن 1 / 246 وكذلك في تفسير البرهان 2 / 768 في ذيل الآية.

6- المصدر السابق.


الصفحة 121
لكي يُتّعظ به"(1).

وروى الثعلبي بإسناده عن عدي بن حاتم قال: "أتيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفي عنقي صليب، فقال لي: يا عدي اطرح هذا الرق (الوثن) من عنقك. قال: فطرحته ثمّ انتهيت إليه وهو يقرأ من سورة براءة هذه الآية: {إِتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} حتّى فرغ منها، فقلت له: إنّا لسنا نعبدهم. قال: أليس يحرّمون ما أحلّه الله فتحرّمونه ويحلّون ما حرّم الله فتستحلونه؟ قال: فقلت: بلى. قال: فتلك عبادتهم"(2).

فإذا تقرّر ذلك يتبيّن أنّ قوام العبادة بالطاعة، وهي روحها وجوهرها، ولا ريب أنّ الطاعة لله لا تُعرف إلاّ بدلالة منه عزّوجلّ، إذ لا يصيب العقل البشري مواطن رضا الله وإرادته ومشيئته، ولا يميزها عن مواطن سخطه ونقمته، إلاّ النزر القليل، ممّا تقضي به الفطرة البشرية من المحاسن وتدركه من القبائح، فمن ثمّ تتبلور ضرورة وجود الدليل على طاعته والهادي إلى إرادته ومشيئته، ومن ثمّ كانت بعثة الأنبياء ونَصبْ الأوصياء من بعدهم ضرورة ملحّة للوقوف على مواطن طاعة الله.

وبمعرفة طاعة الله يصيب المسلم والمؤمن حقيقة العبادة، وبجهله بطاعة الله يخفق عن إقامة عبادته، فالتوحيد في العبادة هو بالطاعة التي هي الركن الركين، وطاعته تعالى لا طريق لها إلاّ بطاعة نبيّه ورسوله وحججه المنصوبين من قِبله خلفاء في أرضه.

____________

1- تفسير القمي 1 / 289 والبرهان 2 / 769.

2- مجمع البيان 5 / 43.


الصفحة 122

المنهج السلفي وعبادة إبليس:

أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة في استعراضه لقصّة إبليس مع آدم في أكثر من سبع سور(1)، إذ قال تعالى في سورة ص: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِين * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَار وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِين * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ * قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ * قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لاَُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الُْمخْلَصِينَ * قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لاََمْلاََنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ}(2).

وقال في سورة البقرة: {إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}(3).

قد بيّنت الآيات الكريمة أنّ الخضوع والانقياد لآدم توحيد لله في العبادة، لأنّه خليفة الله، وأنّ ترك الانقياد له شرك وكفر في العبادة وإن أتى بصورة السجود لله كما ورد في الأحاديث.

ففي الخطبة القاصعة لأمير المؤمنين (عليه السلام) قال: "ثمّ اختبر بذلك ملائكته المقرّبين ; ليميز المتواضعين منهم من المستكبرين، فقال سبحانه وهو العالم بمضمرات القلوب ومحجوبات الغيوب: {إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِين * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ}، اعترضته الحمية فافتخر على آدم بخلقه وتعصّب عليه لأصله، فعدو الله إمام المتعصّبين وسلف المستكبرين... وكان قد عبد الله ستّة آلاف سنة، لا يُدرى أمن سني الدنيا أم من سني

____________

1- البقرة: 30، الأعراف:11، الحجر:30، الإسراء:61، الكهف:50، طه: 116، ص:57.

2- سورة ص 38: 71 ـ 85.

3- سورة البقرة 2: 32.


الصفحة 123
الآخرة من كبر ساعة واحدة، فمن ذا بعد إبليس يسلم على الله بمثل معصيته؟"(1).

وكالذي رواه الراوندي بإسناده إلى الصدوق بسنده الصحيح: "عن هشام، عن الصادق (عليه السلام) قال: أُمر إبليس بالسجود لآدم، فقال: يا رب، وعزّتك إن أعفيتني من السجود لآدم لأعبدنّك عبادة ما عبدك أحد قطّ مثلها. قال الله جلّ جلاله: إنّي أُحبّ أن أُطاع من حيث أُريد"(2). ورواه القمّي في تفسيره بسنده، إلاّ أنّ فيها: "لا حاجة لي إلى عبادتك ; إنّما أُريد أن أُعبد من حيث أُريد لا من حيث تريد"(3).

وكذا في تفسير علي بن إبراهيم كما نقله المجلسي في البحار.(4)

وروى الطبرسي في الاحتجاج في جواب مسائل الزنديق، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، أنّه سُئل: "أيصلح السجود لغير الله؟ قال: لا. قال: فكيف أمر الله الملائكة بالسجود؟ فقال: إن من سجد بأمر الله فقد سجد لله فكان سجوده لله ; إذ كان عن أمر الله. ثمّ قال (عليه السلام): فأمّا إبليس فعبدٌ خلقه.."(5).

وروى الشوكاني في فتح القدير، قال: "وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عبّاس، قال: كانت السجدة لآدم والطاعة لله. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي الحسن، قال: سجدوا كرامة من الله أكرم بها آدم. وأخرج ابن عساكر عن إبراهيم المزني، قال: إنّ الله جعل آدم كالكعبة"(6).

وقال تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ}(7).

والآية الكريمة من ملاحم الآيات في تبيان حقيقة العبادة والقبلة والصلاة،

____________

1- نهج البلاغة خطبة 192 الخطبة القاصعة.

2- البحار 2 / 262، و 11 / 145، و 60 / 250.

3- تفسير القمي 1 / 42.

4- البحار 11 / 141، و 63 / 274.

5- البحار 11 / 138.

6- فتح القدير 1 / 66 ذيل سورة البقرة الآية 34.

7- سورة البقرة 2: 143.


الصفحة 124
حيث بيّن تعالى أنّ غاية جعل القبلة السابقة في الصلاة هو اتّباع الرسول وطاعته، وليحصل التمحيص بين المطيع وبين من ينقلب على عقبيه، ولا يخفى ما لصعوبة هذا الامتحان، حيث تمّ تبديل القبلة من البيت الحرام إلى بيت المقدس، أي إلى قبلة اليهود والنصارى، وشُرّعت بعدما كان البيت الحرام في بدء الشريعة النبوية أوائل البعثة في مكّة ـ هو القبلة، وهو من الخطورة بمكان ; حيث إنّ القبلة في العبادة والدين من النواميس العظيمة.

ولا سيما وأنّ قبلة البيت الحرام قد توارثتها قريش من ملّة إبراهيم وإسماعيل الحنيف، وكان البيت الحرام هو محور النسك والمناسك المختلفة العبادية في الصلاة والطواف والذبائح والقرابين، وتبديل القبلة حينئذ ـ التي هي معلم رئيسي في الدين يدلّ على مدى موقعية الرسول وولايته وطاعته في الديانة، وأنّ الديانة وطريق العبودية لله تعالى هو باتّباع وطاعة الرسول (صلى الله عليه وآله)، وأنّ قوام القبلة والعبادة باتّباع الرسول وطاعته، فكانت محنة هذا الامتحان عظيمة جدّاً ليتقرّر معنى الديانة والدين.

ومن ثمّ قال تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ}(1)، وقال تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}(2)، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْض

____________

1- سورة البقرة 2: 177.

2- سورة التوبة 9: 19، نزلت هذه الآية في محاجّة بين عليّ (عليه السلام) وشخص آخر فنزلت بتفضيل عليّ (عليه السلام).


الصفحة 125
أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ}(1).

فتبيّن من الآيات: إنّ روح العبادة ولبّ التوجّه في القبلة إلى وجه الله، هو الاتّباع والطاعة للنبيّ (صلى الله عليه وآله)، وإنّ حقيقة عبادته تعالى كامنة في طريق طاعة واتّباع النبيّ (صلى الله عليه وآله)، لا مخالفته والجرأة عليه.

فتبيّن من ذلك: إنّ جوهر العبادة ليس بشكل وهيئة رسوم العبادة، بل جوهر العبادة الطاعة والطوعانية والخضوع والانقياد ; إذ لو كان مدار التوحيد في العبادة على نفي الواسطة المنصوبة من قبله تعالى ونفي الوسيلة، لكان إبليس إمام الموحّدين، ولكان قدوة الموحّدين في نفي العقيدة الشركية في العبادة ; لأنّه عرض على الله أن يعبده عبادة من دون واسطة خليفة الله آدم، وهذا العرض بحسب الصورة الظاهرة ـ أبلغ في دعاء الله وحده بلا شريك، بينما نرى الباري تعالى قد حكم بأنّ ما فعله إبليس بنفي الواسطة الإلهية كفر، بل وحكم بأنّ رغبة إبليس في عبادته مباشرةً شرك، وقد فسّر أمير المؤمنين وأئمّة أهل البيت (عليهم السلام) ذلك: بأنّ رفض إبليس للواسطة الإلهية وطلبه للسجود مباشرةً لله من دون الانقياد لآدم (عليه السلام) ينطوي في الحقيقة على تكبّر على الله ; لأنّه لم يسلّم لربّ العزّة في قضائه وأمره.

والكبر: انفساخ عن العبودية وبروز لفرعونية الذات، فرأى في نفسه الاستقلال عن باريه فردّ عليه أمره، ورأى تقدّم رأيه على حكم الله وحكمته، وكلّ ذلك ينطوي على إنكار مقامات ربوبيته تعالى وصفاته الكمالية بنحو مستبطن، فاعتدّ

____________

1- سورة الحجرات 49: 1 ـ 3، نزلت هذه عند رفع الأوّل والثاني صوتهما فوق صوت النبيّ (صلى الله عليه وآله).


الصفحة 126
إبليس بذاته بأنّ له شأن الارتباط والتلقّي مباشرةً عن الباري، وهذا يؤول إلى الاستخفاف بعلوّ مقامات الربوبية وإنكار عزّ الشؤون الإلهية.

وسنّة إبليس هذه قد ارتكبنها أغلب الأُمم التي كفرت بأنبيائها وأوصيائها، كما قال تعالى: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَة * بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِيء مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً}(1)، فبيّن أنّ سبب إنكارهم لدعوات الأنبياء استطالتهم ليكون كلّ واحد منهم نبيّاً، فالتكبّر والاستعلاء على الواسطة الإلهية ينطوي على الكفر بالمقامات الإلهية، وبالتالي إلى جحد وإباء للواسطة الإلهية.

وقال تعالى أيضاً: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولاً}(2)، فدعاوى نفي الوسائط الإلهية والوسيلة إليه تعالى تحت ذريعة الارتباط مباشرةً به، هي هتك للحجب الإلهية وتجرّي على حرمات الشؤون الإلهية، وهو ناشئ حقيقةً ـ عن عدم التسليم بعظمة الصفات الإلهية، وعدم التوحيد في المواطن المختلفة. فالإباء والرفض للتوجّه إلى الواسطة والوسيلة المنصوبة من قبله تعالى تحت شعار لزوم الطلب مباشرة من الله لا من الواسطة ولا التوبة الى الواسطة، ينطوي على التكبّر الإبليسي والاستخفاف بالمقام الربوبيّ.

ومن ثمّ نجد أنّ القرآن الكريم يشير إلى أنّ شرك عبدة الأوثان ناشئ من اختيار الوثنيين تلك العبادة من عند أنفسهم دون إذن من الله تعالى حكم منه، لا من جهة ضرورة الواسطة والوسيلة بين المخلوق الذي ليس من المقرّبين إلى الساحة الربوبية وبين الخالق ; فإنّ الواسطة والوسيلة ضرورة تكوينية وسنّة إلهية، بل

____________

1- سورة المدّثّر 74: 49 ـ 52.

2- سورة الإسراء 17: 94.