الفصل السادس
أقسام الصلاحيات
المفوَّضة لهم (عليهم السلام)
أقسام
الصلاحيات المفوَّضة لهم (عليهم السلام)
والغرض من الخوض في بحث التفويض (الصلاحيات المفوّضة) ليس بسط الكلام فيه ولا استعراض أدلّة وجوه البطلان في أقسامه أو الصحيحة منه، بل الغاية من ذلك التنبيه على تعدّد أقسامه وتكثّرها وتباينها عن بعضها البعض، وأنّ جملة من أقسام الصلاحيات المفوّضة ليست تفويضاً عُزْلياً بعزل قدرة وهيمنة الباري تعالى، كما يتوهّمه غير المتضلّع في علوم المعارف، بل هي من باب إقداره تعالى، وهو أقدر فيما أقدر غيره على ذلك الشيء.
الأقوال في التفويض:
قال الشيخ المفيد (قدس سره): (التفويض: هو القول برفع الحظر عن الخلق في الأفعال والإباحة بما شاؤا من الأعمال، وهذا قول الزنادقة وأصحاب الإباحات، والواسطة
قال المجلسي في البحار: (وأمّا التفويض: فيطلق على معاني بعضها منفي عنهم (عليهما السلام) وبعضها مثبّت لهم.
فالأوّل: التفويض في الخلق والرزق والتربية والإماتة والإحياء، فإنّ قوماً قالوا إنّ الله تعالى خلقهم وفوّض إليهم أمر الخلق فهم يخلقون ويرزقون ويميتون ويحيون...
ثمّ ذكر لهذا القول وجهين، حكم بأنّ أحدهما كفر صريح، والآخر دلّت الأخبار على المنع عنه، ثمّ قال:
الثاني: التفويض في أمر الدين وهذا أيضاً يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون الله فوّض إلى النبيّ والأئمّة (عليهم السلام) عموماً أن يحلّوا ما شاؤا ويحرّموا ما شاؤا من غير وحي وإلهام، أو يغيّروا ما أُوحي إليهم بآرائهم، وهذا باطل لا يقول به عاقل; فإنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) كان ينتظر الوحي أياماً كثيرة لجواب سائل ولا يجيبه من عنده وقد قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى}(2).
وثانيهما: أنّه تعالى لمّا أكمل نبيّه (صلى الله عليه وآله) بحيث لم يكن يختار من الأُمور شيئاً إلاّ ما يوافق الحقّ والصواب ولا يحلّ بباله ما يخالف مشيئته تعالى في كلّ باب،
____________
1- تصحيح اعتقادات الإمامية: 47.
2- سورة النجم 53: 3 ـ 4.
ولعلّ الصدوق إنّما نفى المعنى الأوّل حيث قال في الفقيه: وقد فوّض الله عزّوجلّ إلى نبيه (صلى الله عليه وآله) أمر دينه ولم يفوّض إليه تعدّي حدوده وأيضاً هو رحمه الله قد روى كثيراً من أخبار التفويض في كتبه ولم يتعرّض لتأويلها.
الثالث: تفويض أُمور الخلق إليهم من سياستهم وتأديبهم وتكميلهم وتعليمهم، وأمر الخلق بإطاعتهم فيما أحبّوا وكرهوا وفيما علموا جهة المصلحة فيه وما يعلموا، وهذا حقّ لقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}(1) وغير ذلك من الآيات والأخبار، وعليه يحمل قولهم (عليهم السلام): "نحن المحلّلون حلاله والمحرّمون حرامه"، أي بيانهما علينا ويجب على الناس الرجوع فيهما إلينا، وبهذا الوجه ورد خبر أبي إسحاق والميثمي.
الرابع: تفويض بيان العلوم والأحكام بما رأوا المصلحة فيها بسبب اختلاف عقولهم أي عقول الناس ـ أو بسبب التقية، فيفتون بعض الناس بالواقع من الأحكام وبعضهم بالتقية، ويبيّنون تفسير الآيات وتأويلها، وبيان المعارف بحسب ما يحتمل عقل كلّ سائل، ولهم أن يبيّنوا ولهم أن يسكتوا، كما ورد في أخبار كثيرة "عليكم المسألة وليس علينا الجواب"، كلّ ذلك بحسب ما يريهم الله من مصالح الوقت، كما ورد في خبر ابن أشيم(2) وغيره.
____________
1- سورة الحشر 59: 7.
2- قد مرّ ذكره.
الخامس: الاختيار في أن يحكموا بظاهر الشريعة أو بعلمهم وبما يلهمهم الله من الواقع ومخّ الحقّ في كلّ واقعة، وهذا أظهر محامل خبر ابن سنان، وعليه أيضاً دلّت الأخبار.
السادس: التفويض في العطاء فإن الله تعالى خلق لهم الأرض وما فيها وجعل لهم الأنفال والخمس والصفايا وغيرها، فلهم أن يعطوا ما شاؤوا ويمنعوا ما شاؤوا كما مرّ في خبر الثمالي وسيأتي في مواضعه. وإذا أحطت خبراً بما ذكرنا من معاني التفويض سهل عليك فهم الأخبار الواردة فيه وعرفت ضعف قول من نفى التفويض مطلقاً ولمّا يحط بمعانيه.(2)
وقال الحكيم الفقيه الشاه آبادي في كتابه رشحات البحار:
(المطلب الثالث عشر في الولاية التشريعية، وهي قسمان:
الأوّل: معرفة النبيّ والوليّ بأنّهم المقرّبون الواقعون في مرتبة الإطلاق والمشيئة، بحيث لم يكن بينهم وبين الله أحد، وهي من العقائد اللازمة في الشريعة، ومعرفتهم بالنورانية; لأنّهم أولياء النعم، حيث إنّ نعمة الوجود وكمالاته تحصل بمشيئته وهم صاروا مشيئته، والفرق بينهم وبين الوجود المطلق هو المشيئة، إنّ النقطة قد أخذت القرب من غير اختيار وهم أخذوها.. بالاختيار والامتحان وليست الحقيقة الإطلاقية إلاّ أمراً واحداً، والأفراد عين الطبيعة
____________
1- سورة النساء 4: 105.
2- البحار 25 / 347 ـ 350.
الثاني: الاعتقاد بأنّهم ولاة الأمر وأنّهم أولى بالأنفس، كما قال (صلى الله عليه وآله) في الغدير: "ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى. فقال (صلى الله عليه وآله): من كنت مولاه فهذا علي مولاه"، كما رواه العامّة في أزيد من ثمانين طريقاً، والخاصّة أزيد من أربعين طريقاً واصلاً إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله)، بداهة أنّ الوليّ في المقام لا يمكن أن يكون معناه إلاّ السيد والأولى بالأمر; لعدم مناسبة سائر المعاني من استنطاقه (صلى الله عليه وآله) وإقرارهم له (صلى الله عليه وآله) بأولويّته على الأنفس، كما لا يخفى على المنصف غير المتعصّب.
مضافاً إلى أن هذه الولاية والأولويّة من توابع الولاية الأوّلية فالتشريع على طبق التكوين، يعني فكما أنّهم توابع لهم وجوداً وتحقّقاً في الواقع، وهم تحت لوائهم ذاتاً واصلاً، فلابدَّ وأن يكونوا لهم طوعاً وتبعاً في الظاهر حتّى يطابق الظاهر الباطن، اللّهمّ اجعلنا ممّن اعتقد بولايتهم ظاهراً وباطناً وممّن يواليهم ظاهراً وباطناً..) انتهى كلامه (قدس سره).
أقسام التفويض:
ولنبسّط الكلام في أقسام صلاحياتهم وما خُوّل إليهم في شؤون الدين الحنيف بترتيب آخر، سواء في التبليغ أو التشريع أو إقامة الشرع الحنيف:
القسم الأوّل:
في كونه (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) هم الباب والدلائل على شرع الله تعالى، وهو ما يعبّر عنه في علم القانون الحديث بالناطق الرسمي لإمضاء ونفوذ القانون، فلا يؤدّي عن الله تعالى إلاّ هو (صلى الله عليه وآله)، وأهل بيته (عليهم السلام) عنه.
وبعبارة أُخرى: إنّ التشريع في مرحلته الإنشائية لا يكون نافذاً ولا مدوّناً وثابتاً
فقناة التبليغ والمبلّغ لهما تمام الموضوعية في رسمية القانون والتشريع المبرم المحكم، وفي الحقيقة مقتضى ما حُقّق في علم الأُصول من أنّه ليس هناك إنشاء محض خالي عن الإخبار، بل كلّ من الإنشاء والإخبار ممتزج ومتداخل مع الآخر غاية الأمر أحدهما بالمطابقة والآخر بالدلالة الالتزامية. ففي الإخبار المُخبِر وإن لم يكن يُنشئ المخبر به بل يحكيه ويدلّ عليه، إلاّ أنّ الحكاية والدلالة أمر ينشأ فيُوجد، فالمخبر به وإن لم يكن إنشائياً إلاّ أنّ الإخبار نفسه كفعل أمر إنشائي بضرب من ضروب الإنشاء، بل هناك دلالة إنشائية أُخرى في الإخبار أيضاً وهي إنشاء المخبر للشهادة بمضمون الإخبار، ويتعهّد ويلتزم بصدق ما يخبر به هذا في الإخبار.
أما في الإنشاء فهو وإن كان بالمطابقة إيجاد اعتباري للمعنى المُنشأ، إلاّ أنّ فيه مداليل خبرية أيضاً، منها: إخبار عن وجود إرادة جدّية له بمضمون الإنشاء. ومنها: الإخبار عن وجود مصلحة أو مفسدة فيما يأمر به أو ينهى عنه في موارد إنشاء الطلب والتشريع والتقنين. ومنها: الإخبار عن وجود داعي للإنشاء، وهذا في جميع الأقسام الثمانية أو التسعة من أبواب الإنشاء، وغير ذلك من المداليل الأُخرى.
وإذا اتّضحت هذه المقدّمة، يتبيّن عدم وجود إخبار محض في بيان الأحكام عن الله تعالى، بل هو مندمج ومشوب بضرب من الإنشاء، ومن ثمّ كان النطق
وفي ظلّ هذا القسم يتبيّن دخالة موقعية الرسول (صلى الله عليه وآله) في التشريعات الصادرة من الباري تعالى، عطية منه لنبيّه (صلى الله عليه وآله)، فالمخبر بالقرآن والمبلّغ لكلّ ما فيه عن الله إنّما هو النبيّ (صلى الله عليه وآله). وكذلك الحال في بقية فرائض الله في الأحاديث القدسية، وهذه المرتبة الخطيرة في شؤون التشريع من المصادقة على تشريعات السماء، فضيلة منه تعالى حباها لنبيّه (صلى الله عليه وآله)، وهذا الموقع في شؤون الدين ثابت في الجملة للأئمّة (عليهم السلام) فيما يبلّغونه عن الرسول عن الله تعالى، في تلك الموارد التي لم يتلقّاها الناس عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) وإنّما أدّاها النبيّ (صلى الله عليه وآله) ولا زال يؤدّيها إلى خاصّة عترته، بحسب ما لديه ولديهم من ارتباط لدني غير مقصور على حال الحياة.
ومن أمثلة هذا القسم: تبليغ سورة البراءة، ويشير إلى هذا القسم قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}(1)، وقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الاُْمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَل مُبِين}(2)، وغيرها من الآيات المتضافرة في هذا الشأن له (صلى الله عليه وآله).
وأما الآيات المتعرّضة لإثبات هذا الشأن لهم (عليهم السلام)، فقوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}(3)، بضميمة قوله الآخر:
____________
1- سورة النحل 16: 44.
2- سورة الجمعة 62: 2.
3- سورة النحل 6: 89.
أما الروايات فهي ما رواه الفريقان عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: "لا يبلّغ عنّي إلاّ أنا أو رجل منّي أو قال من أهل بيتي"(4)، وهذا الحديث النبويّ أصله حديث قدسيّ جاء به جبرئيل للنبيّ (صلى الله عليه وآله): "لا يبلّغ عنك إلاّ أنت أو رجل منك"، ونقل أيضاً في حديث.. قال ثمّ بعث أبا بكر بسورة التوبة فبعث عليّاً (عليه السلام) خلفه فأخذها منه، قال: "لا يذهب بها إلاّ رجل منّي وأنا منه"(5).
____________
1- سورة العنكبوت 29: 48 ـ 49.
2- سورة الواقعة 56: 75 ـ 80.
3- سورة الأحزاب 33: 33.
4- كفاية الطالب: 151 ط الغري لمحمّد بن يوسف الكنجي، وكذلك المعتصر من المختصر للقاضي أبي الوليد المالكي 2 / 332 ط حيدر آباد الدكن.
5- مسند أحمد بن حنبل 1 / 330 ط مصر، وذكره كذلك في الفضائل 2/240 مخطوط، وفي الخصائص: 8، ونقله النيسابوري في المستدرك على الصحيحين 3/132، ونقله ابن المؤيّد الموفّق بن أحمد في كتابه المناقب: 74 ط تبريز، ونقله كذلك محبّ الدين الطبري في ذخائر العقبى: 86 ط مكتبة القدسي بمصر، ومنهم الذهبي في تلخيص المستدرك 3 / 132، ومنهم الحمويني في فرائد السمطين، وكذلك في البداية والنهاية 7 / 337 عماد الدين أبو الفداء وكذلك مجمع الزوائد 9/118، وكذلك الإصابة لابن حجر العسقلاني 2 / 502 وكذلك في مفتاح النجاة في مناقب آل العبا: 50 مخطوط للميرزا محمّد خان ابن رستمخان المعتمد البدخشي، وكذلك في القول الفصل 2 / 218 للسيد علوي بن طاهر الحدّاد، وتفسير القرطبي 8/68 في ذيل سورة براءة، والدرّ المنثور في ذيل سورة براءة وقد تضمّن بعض الطرق أنه حديث قدسي جاء به جبريل (عليه السلام)، وقد أخرج ذلك الحديث القدسي عن عبدالله بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند وعن أبي الشيخ وعن ابن مردويه، وذكر الشوكاني في فتح الباري 2 / 334 في ذيل سورة براءة.
ومفاد هذا الحديث وحديث البراءة وإن كان سيأتي بسط دراية معناه لاحقاً، إلاّ أنّه تجدر الإشارة إلى المعنى الظريف في مفاده، وهو تعبيره تعالى: "لا يؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجل منك"، لا يخلو من ظرافة بلاغية ومعرفية استعمل فيها التجريد، حيث افترض في الحديث القدسيّ والنبويّ أداء النبيّ (صلى الله عليه وآله) عن نفسه، وهو لا يتمّ تصوّره إلاّ بتجريد مرتبة ومقام عالي للنبيّ (صلى الله عليه وآله) يؤدّي عنه، أي عن تلك المرتبة منه تؤدّي المرتبة النازلة منه، أي يؤدّي المرتبة الجسمانية النفسانية منه عن
____________
1- مسند أحمد 4 / 164 ـ 165 بخمسة طرق أخرجه في مسند الشاميّين حديث حبشي بن جنادة السلولي وهو ممّن قد شهد حجّة الوداع، وخصائص النسائي: 19-20 بطريقين، وصحيح البخاري 2 / 229 كتاب المناقب مناقب الصحابة مناقب عليّ، والتاج الجامع للأصول 3 / 335 والصواعق المحرقة: 74، وتاريخ الخلفاء: 169، وسنن البيهقي 8 / 5، وصحيح الترمذي 2 / 297، ومجمع الزوائد 9 / 127، ومستدرك الحاكم 3 / 110، ومسند أبو داود 3 / 111، وكنز العمال 6 / 399، وفضائل الخمسة من الصحاح الستّة 1 / 337، وقد أخرج العلاّمة الأميني مصادر الحديث في الغدير 6 / 338 ط دار الكتب الإسلامية عن 73 من حفاظ أئمّة الحديث وكذلك في الاختصاص: 200.
القسم الثاني:
التفويض في بيان تأويل الكتاب وبطونه قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الاَْلْبَابِ}(1)، فأجزاء الشريعة جلّها في بطون الكتاب وتأويله، وإن كانت أُصولها في ظاهر الكتاب، سواء ذلك في المعارف والأُصول الاعتقادية، أو في الأحكام والفروع، ومن ثمّ كان بطون الكتاب سبعين بطناً وظاهره واحد، مع أنّ السبعين كناية عن الكثرة التي لا تُحصى، كقوله تعالى: {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ}(2).
وكذلك الحال في التأويل فإن التأويل للكتاب لا يقف على موارد النزول، بل يدور مدار العصور والدهور، بل يعمّ النشأتين والنشآت وما فوقها من العالم الربوبي، وقد قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}(3)، وقال تعالى: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ}(4)، وقال تعالى: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}(5)، وقال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء وَهُدًى وَرَحْمَةً
____________
1- سورة آل عمران 3: 7.
2- سورة التوبة 9: 80.
3- سورة النحل 16: 44.
4- سورة النحل 16: 64.
5- سورة القيامة 75: 16 ـ 19.
أمّا الروايات(3) فقد عقد في ملحقات إحقاق الحقّ(4) باباً بعنوان: أنّ عليّاً يقاتل على تأويل القرآن كما قاتل رسول الله (صلى الله عليه وآله) على تنزيله، وأورد في الباب ما يقرب من ستّة أحاديث وأخرج لكلّ حديث عدّة طرق من مصادر العامة.
منها: ما رواه الحافظ أحمد بن حنبل في مسنده(5)، قال: "حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، حدّثني وكيع، حدّثني قطر عن إسماعيل بن رجاء، عن أبيه، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنّ منكم من يقاتل على تأويله كما قاتلت على تنزيله قال: فقام أبو بكر وعمر(6)، فقال: لا، ولكن خاصف النعل، وعليّ يخصف نعله".
ومنها: ما رواه النسائي في الخصائص بسنده إلى أبي سعيد الخدري، قال: "كنّا جلوساً ننتظر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فخرج إلينا قد انقطع شسع نعله، فرمى به إلى عليّ (عليه السلام) فقال: "إنّ منكم رجلاً يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله. قال أبو بكر: أنا. قال: لا. قال عمر: أنا. قال: لا. ولكن خاصف النعل"(7).
ومنها: ورواه الحاكم النيسابوري في المستدرك(8) "ألا أنّ منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله. واستشرف لها القوم وفيهم أبو بكر وعمر... الخ".
____________
1- سورة النحل 16: 89.
2- سورة العنكبوت 29: 49.
3- فتح الباري 8 / 209 كتاب التفسير باب منه آيات محكمات.
4- ملحقات إحقاق الحق 6 / 24 ـ 38 باب 32.
5- مسند أحمد بن حنبل 3 / 33 في باب مسند أبي سعيد الخدري ط الميمنة بمصر وطبعة دار صادر بيروت.
6- هذا الموقف من الأوّل والثاني قد تكرّر في مواطن عديدة، وهو يشفّ عن وجود نزعة لديهما للوصول إلى الإمارة وتقلّد أُمور المسلمين.
7- الخصائص: 40 ط التقدّم بمصر.
8- المستدرك 3 / 122- 123 ط حيدر آباد.
وكذلك نصّت على ذلك الأحاديث النبويّة، نظير الحديث المتقدّم: "تقاتل على تأويل القرآن كما قاتل رسول الله (صلى الله عليه وآله) على تنزيله"، وهذا ممّا يقتضي إسناد مقام إلهي إلى عليّ وأهل البيت (عليهم السلام) مؤازراً لمقام النبوّة. وإنّ علم تأويل الكتاب كلّه لدى عليّ وأهل بيته (عليهم السلام) وراثةً عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) بوراثة لدّنية لا كسبية.
فتبيّن: أنّ عليّاً وولده هم الراسخون في العلم الذين يعلمون تأويل القرآن، وأنّ الأُمّة إلى يوم القيامة مضطرّة ومحتاجة إليهم ما بقيت الأُمّة محتاجة إلى الكتاب العزيز، وما بقي دين الإسلام خالداً للبشر، لكلّ البيئات والعصور المختلفة.
والجدير بالإشارة أنّه قد قُرن في مفاد الروايات بين دور الرسول (صلى الله عليه وآله) وبين دور أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأنّ الدور الثاني عدل للأوّل، نظير ما في حديث الثقلين من عدلية أهل البيت (عليهم السلام) للكتاب، إلاّ أنّ هاهنا قد جُعلت القيمومة على تنزيل القرآن للنبيّ (صلى الله عليه وآله)، والقيمومة على تأويله مهمّة على عاتق أمير المؤمنين وولده المعصومين (عليهم السلام) وراثة من قيمومة النبيّ (صلى الله عليه وآله) على التأويل.
وكما أنّ دور النبيّ (صلى الله عليه وآله) في التنزيل هو انتداب من الغيب إلى الشهادة، فكذلك الحال في دورهم في التأويل، فالحديث يدلّ على المشاطرة بين التنزيل والتأويل في اكتمال بيان حقيقة القرآن، وبالتالي مشاطرتهما في تأليف مجموع الشريعة ومشاركتهما في مجموع أبواب الدين.
القسم الثالث:
صلاحيته (صلى الله عليه وآله) في سنّ الأحكام والتشريعات المتنزّلة من أُصول تشريعية قد شرّعها الله عزّوجلّ، وهذا ما يعبّر عنه في علم القانون بالتشريعات المستمدّة من الأُصول القانونية، والظاهر أنّ كلّ تشريعات الرسول هي من هذا القبيل، وقد أُطلق عليها في الشريعة عنوان واسم السنّة (أي السنّة النبوية)(1)، في مقابل الفريضة.
وقد أُشير إليه في متواتر الروايات الآتية(2) نظير صحيحة الفضيل بن يسار قال: "سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول لبعض أصحاب قيس الماصر: إنّ الله عزّوجلّ أدّب نبيّه فأحسن أدبه، فلمّا أكمل له الأدب قال: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُق عَظِيم}(3)، ثمّ فوّض إليه أمر الدين والأُمّة; ليسوس عباده، فقال عزّ وجلّ: {مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}(4)، وأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان مسدَّداً موفَّقاً مؤيَّداً بروح القدس، لا يزلّ ولا يخطأ في شيء ممّا يسوس به الخلق"(5) ثمّ ذكر (عليه السلام) جملة من سنن النبيّ (صلى الله عليه وآله) المضافة إلى فرائض الله تعالى وستأتي تتمّة الحديث في المقالات اللاحقة.
وظاهر الروايات أنّ كلّ تشريعات الرسول (صلى الله عليه وآله) التي بمعنى إنشاء الحكم الجديد هي من هذا القبيل، وكذا الحال في تشريعاتهم (عليهم السلام) فإنّها في طول الأُصول القانونية القرآنية والنبويّة.
ولابدَّ من الالتفات إلى أنّ الأُصول التشريعية القانونية ليست على مرتبة
____________
1- لا سنّة الجماعة والسلف والخلافة والسلطان.
2- البحار 25 / 332 حديث 7، عن بصائر الدرجات: 112 صحيحة زرارة، وأيضاً رواية عبد الله بن سنان الكافي 1 / 267 حديث 7.
وكذلك البحار 25 / 340 حديث 23، وأيضاً أصول الكافي 1 / 267 حديث 6، وكذلك في الاختصاص: 308 - 309 و110 رواية محمّد بن مسلم.
3- سورة القلم 68: 4.
4- سورة الحشر 59: 7.
5- الكافي 1 / 266 حديث 4.