وبعبارة أُخرى: كما للمجالس النيابية دور تشريع في طول وتبع للأُصول والمواد الدستورية إلاّ أنّ هذه التبعية لا تلغي ما لتلك المجالس من دور وصلاحية تشريع، كما أنّ تلك الولاية والسلطة المفوّضة للتشريع لتلك المجالس النيابية لا يُنفى تبعيتها لأُصول الدستور، وكذلك الحال في التشريعات الوزارية فإنّها تبع لتشريعات المجالس النيابية من دون تنافي بين التبعية و تفويض صلاحية التشريع، وهذا المثال لبيان ظاهرة تنزّل التشريعات والاشتقاق القانوني والاستخراج الذي هو ليس عملية تطبيق محض كالكلّي والفرد، بل استخراج وانشعاب وتنزّل وتولّد، نظير تولّد نظام النقد العادل من أجل إرساء العدالة الاجتماعية، وهذه الظاهرة القانونية بديهية في علم القانون.
وعلى ضوء هذه القاعدة في أُصول التشريع يتّضح أنّ الأُصول التشريعية النبويّة حيث إنّها تنزيل وتنزّل للأُصول التشريعية من قبله تعالى، يتّضح المراد من فوقية الأُصول التشريعية الإلهية على الأُصول التشريعية النبويّة، بمعنى ضرورة نُشوء الأصل التشريعي النبويّ من أصل تشريعي إلهي، لا بمعنى فوقية مجموع الأُصول التشريعية الأُولى على الأصل التشريعي الثاني. فقد يكون الأصل النبويّ هو فوق أصل تشريعي إلهي آخر، وفي الحقيقة أنّ الأصل التشريعي الأوّل الذي استمدّ منه الأصل التشريعي النبويّ هو فوق الأصل التشريعي الآخر، ومن ثمّ
القسم الرابع:
صلاحية الخيار لهم في البيان والعمل بين الحكم الواقعي والظاهري، بل يمتدّ هذا الخيار في درجات الحكم الواقعي نفسه، حيث بيّن القرآن الكريم أنّ للحكم الواقعي وللحقّ مراتب، إذ قال تعالى: {وَدَاوُدَ وَسُلَيَْمانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيَْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا}(1)، فقرّر تعالى أنّ كلاًّ من الحكمين حقّ مع اختلافهما.
وكذلك ما قصّه القرآن الكريم عن النبيّ موسى والخضر (عليهما السلام)، وقد استعرضت سورة الكهف ثلاث قضايا وهي بالتأمّل ليس من قبيل الحكم الواقعي والظاهري، بل من قبيل الحكمين الواقعيين، أحدهما واقعي أوّلي والآخر تأويلي.
وكذا ما يشير إليه القرآن الكريم من مراتب الهداية، كقوله تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ}(2)، وقوله تعالى: {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى}(3)، وقوله تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى}(4)، وقوله تعالى: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى}(5)، وقوله تعالى: {نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا}(6)، فتقرّر هذه الآيات أن الهداية إلى الحقّ ذات مراتب مختلفة، ممّا يقتضي أنّ للحقّ مراتب ومدارج وأبدال على الخيار لهم (عليهم السلام)، وقد أشاروا إلى ذلك في قوله تعالى: {هَذَا عَطَاؤُنَا
____________
1- سورة الأنبياء 21: 78 ـ 79.
2- سورة محمّد 47: 17.
3- سورة مريم 19: 76.
4- سورة طه 20: 82.
5- سورة الكهف 18: 13.
6- سورة التحريم 66: 8.
القسم الخامس:
صلاحية بيان المعارف والعلوم المختلفة، فقد قال تعالى: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}(3)، وقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}(4)، وقوله تعالى: {لِنُبَيِّنَهُ لِقَوْم يَعْلَمُونَ}(5)، وغيرها من الآيات الدالّة على أنّ بيان القرآن هي من مسؤوليات الشرع، ومن الواضح أنّ القرآن مصدر خالد وهداية للبشرية إلى يوم القيامة، وبالتالي فإنّ الحوادث تستجدّ وتتشابه، فيحتاج لهداية القرآن وحكمه الصائب العدل في تلك الحوادث المستجدّة في كلّ ما ينتاب البشرية. ومن الواضح أنّ استخراج ذلك من القرآن وتبيانه بعيداً عن الخطأ والجهالة والزلل والظنّ هو السبب في عدم تفويض الله لتلك المسؤولية إلى المسلمين، وجعلها مسؤولية خاصّة لذاته المقدّسة، أي بتوسّط رسوله (صلى الله عليه وآله)، وبعد الرسول لابدَّ من قيام أشخاص بتلك المهمّة يحذون حذوه (صلى الله عليه وآله) إلى يوم القيامة.
وبعبارة أُخرى: إنّ جعل الله تعالى بيان القرآن وظيفة خاصّة به تعالى وبرسوله (صلى الله عليه وآله) يحمل في طياته أنّ الإحاطة بتمام معاني القرآن الكريم وحقائقه التي بها تحصل هداية الأجيال البشرية جيلاً بعد جيل ـ لا سبيل لأحد إليها، بل هي خاصّة به تعالى وبمن يطلعه من أصفياء خلقه، ولا محال أنّ ذلك يستلزم
____________
1- سورة ص 38: 39.
2- الاختصاص باب جهات علوم الأئمّة (عليهم السلام): 287 ـ 288.
3- سورة القيامة 75: 16 ـ 19.
4- سورة النحل 16: 44.
5- سورة الأنعام 6: 105.
وهذه الإحاطة التامّة اللدنية بكافّة العلوم كذلك; فإن الاحاطة بكافّة مسائل علم الرياضيات مثلاً، أو الطبيعيات كالفيزياء أو الكيمياء أو الأحياء وغيرها، لا يتسنّى ولا يتأتّى لروّاد العلوم، بل كمية المجهولات التي لم يهتدوا إليها ويقرّون بعجزهم عن معرفتها ـ هي أكثر بكثير من المسائل المعلومة، وهذا دليل على ضرورة وجود من يحيط بهذا العلم بإحاطة لدنية تامّة، فضلاً عن القرآن الكريم الجامع لكلّ العلوم.
القسم السادس:
ولايتهم في تأديب وتزكية وتعليم الخلق ومطلق السياسات التربوية، وقد يوازي هذا القسم التشريعات في ظلّ الحكم السياسي، سواء على نطاق الأُمور العامّة أو على نطاق الأحوال الشخصية، وسواء كانت في جانب الأُمور التنفيذية أو في الجنائيات والعقوبات، وغيرها من أمور التدبير العام، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الاُْمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَل مُبِين}(1)، وقال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَل مُبِين}(2).
ولا يخفى أنّ هذه الآيات قد تعرّضت إلى عدّة أقسام من مهام الرسول (صلى الله عليه وآله)، ورتبه ومواقعه البنيوية الأصلية في الدين، حيث إنّ قوله تعالى: {يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} إشارة إلى القسم الأوّل وهو النطق والإدلاء بالتنزيل بالقرآن، وقوله تعالى: {يُزَكِّيهِمْ} بيان لهذا القسم السادس وللصلاحية المفوّضة للحكم السياسي وتدبير نظام المجتمع، وقوله تعالى: {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ} بيان لصلاحية القسم الثالث،
____________
1- سورة الجمعة 62: 2.
2- سورة آل عمران 3: 164.
وقال تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الاَْمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الاَْمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً}(1)، وهي تدلّ على أنّ المصدر والمفزع في الأُمور هو الرسول وأُولي الأمر، وأنّ الواجب على المسلمين إذا انتابهم أمر يمسّ حياتهم في النظام الاجتماعي هو الرجوع والردّ للبتّ في شأنه إلى الرسول (صلى الله عليه وآله) وإلى أولي الأمر; وذلك لإحاطة تلك الثلّة باستنباط واستخراج، العلم بما هو الحقّ في تدبير ما ألمّ بهم من أمر، لا الظنّ بالحقّ; لكون التعبير في الآية (لَعَلِمَه) لا (ظنّه)، ولذلك حصر نجاة الأُمّة عن اتّباع الشيطان، بردّ الأُمور إلى الرسول (صلى الله عليه وآله) وأُولي الأمر، ممّا يدلّ على أنّ الرجوع إلى الرسول (صلى الله عليه وآله) وإلى أُولي الأمر عاصم للأُمّة عن اتّباع الشيطان.
فالآية دالّة على أنّ تدبير الرسول (صلى الله عليه وآله) وأُولي الأمر ليس اجتهادياً ولا ظنّياً كما ذهب إليه العامّة، بل هو تدبير عن علم وإحاطة بالأُمور بإقدار من الله عزّ وجلّ، فهذا الاستنباط هو استخراج صراح الحقّ، وليس إعمال الموازين الظاهرية التي قد تخطأ أو تصيب، كما لا مجال للخطأ في استخدام الموازين الآلية في تدبير الأُمور العامّة من قبل الرسول (صلى الله عليه وآله) وأُولي الأمر. نعم، قد يوهم إسناد الخطأ إلى الرسول وأُولي الأمر من ناحيتين:
الأُولى: الجسم البشري في الجهاز الحاكم في حكومة الرسول وأُولي الأمر (عليهم السلام)، هذا الكمّ والحشد البشري غير معصوم، وقد يرتكبون الأخطاء
____________
1- سورة النساء 4: 83.
نظير ما ارتكبه خالد بن الوليد يوم فتح مكّة حيث غدر ببني الأجلح، فتبرّأ النبيّ (صلى الله عليه وآله) من فعله بقوله (صلى الله عليه وآله): "اللهمّ إنّي أبرأ إليك ممّا فعله خالد"، فقد كان معيّناً من قبل النبيّ (صلى الله عليه وآله) على إحدى الفرق العسكرية، ثمّ انتدب رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليّاً (عليه السلام) ليسترضيهم ويعطي الدية عن من قتل منهم. وكذا ما ارتكبه أُسامة بن زيد من قتل من أظهر الإسلام اشتباهاً منه في أنّ إظهار الشهادتين لا يحقن الدم مع الريبة عندما كان يقود سرية.
الثانية: إنّ الميزان الظاهري الشرعي في الموضوعات الخارجية، لا في استكشافه ومعرفته، وقد خلط العامّة بين الميزان الظاهري في الموضوعات، وعمّموا ذلك لمعرفة الأحكام في حقّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام)، وهو من الخلط بين المقامين، مع أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) في مقام العمل والتطبيق والتنفيذ ليس غالب، أدواته بموازين ظاهرية في الموضوعات، وهذا الذي وظّف الله تعالى نبيّه وولاة الأمر (عليهم السلام) بالعمل به، هو من جملة الموازين الموظّفة شرعاً، فبعضها موازين ظاهرية بضميمة الموازين الواقعية.
وحيث كان بعضها ظاهرياً فالميزان قد يخطي وقد يصيب، نظير البيّنة والحلف في القضاء، كما في قوله (صلى الله عليه وآله): "إنّما أقضي بينكم بالبينات والإيمان، وبعضكم ألحن بحجّته من بعض، فأيما رجل قطعت له من مال أخيه شيئاً فكأنّما قطعت له قطعةً من النار"(1).
فتحصّل: إنّ تدبيره (صلى الله عليه وآله) وأمره في الحكم السياسي بمقتضى مفاد الآية الشريفة
____________
1- الوسائل باب كيفية الحكم ب 2، ح 1.
ثمّ إنّ هذه الآية دالّة على وجود ثلّة في هذه الأُمّة هم ولاة الأمر، مقرونة ولايتهم بولاية الرسول (صلى الله عليه وآله)، وأنّ لهم عصمة في التدبير، والعصمة في التدبير متقوّمة بالعصمة العلمية والعملية، وأنّ هذه الثلّة باقية ما بقيت الأُمّة وما بقي القرآن الكريم; لأنّ الآية خطاب إلى كلّ المكلّفين إلى يوم القيامة، وأنّ الواجب عليهم ردّ وإيكال ما ينوبهم ويعتريهم في أُمورهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها بإيكاله وردّه إلى أُولي الأمر العالمين بحكمه; لقدرتهم على استنباط واستخراج الحقّ والرأي الصائب فيه.
ومن البيّن أنّ هذا الاستنباط الموصل إلى العلم بحقائق الأُمور مستقاة من الكتاب الكريم، لا بلحاظ ما فيه من تشريع فقط، فإنّ ذلك لا يوجب بمفرده العصمة في التطبيق والتدبير، بل لابدّ بالإضافة إلى ذلك معرفة ما في الكتاب من استطار كلّ شيء فيه من كلّ غائبة في الأرض أو في السماء أو رطب أو يابس، في رتبة حقائقه العالية من الكتاب المكنون، الذي هو الكتاب المبين، والذي لا يمسّه إلاّ المطهرون، وهو وصف أُولي الأمر المعصومين.
القسم السابع:
صلاحيتهم في بيان النسخ ; وذلك بأن يُودع رسول الله (صلى الله عليه وآله) الناسخ لديهم إلى حين أوانه فيبرزوه ناسخاً. وقد أثبت هذا القسم جملة من أعلام الإمامية كما سيأتي في الأبواب تفصيل أقوالهم.
وحقيقة هذا البيان للنسخ، لا يخفى أنّه ليس إخبار محض كما هو الحال في القسم الأوّل الذي مضى بيانه مفصّلاً، وأنّه بمثابة الناطق الرسمي القانوني عن
ويندرج في هذا القسم نسخ القرآن بالسنّة القطعية النبويّة، وقد قال بذلك أغلب الخاصّة والعامّة إلاّ من شذَّ، ومن أمثلته(1) تبليغه (عليه السلام) سورة البراءة، حيث إنّ مفاد سورة البراءة قد نسخ بعض الأحكام السياسية مع المشركين المذكورة في السور السابقة، مع أنّ المبلّغ للنسوخ إلى البشرية هو أمير المؤمنين (عليه السلام)، وسيأتي بيانه لاحقاً.
القسم الثامن:
صلاحية تفويض القضاء والحكم فيه، وقد قال تعالى: {فَلاَوَرَبِّكَ لاَيُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيَما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَيَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيًما}(2)، وقوله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ}(3)، وقوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ}(4)، وقوله تعالى: {مَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلاَمُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}(5).
وقد استظهر من قوله تعالى: {لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} تخيّره (صلى الله عليه وآله) في الحكم بحسب الموازين الشرعية بين الظاهرية والواقعية، بحسب واقع الأمور التي يريها الله له (صلى الله عليه وآله)، كما قد استفيد من مجموع هذه الآيات وغيرها، وتخيّره (صلى الله عليه وآله) في الحكم بين مراتب الحكم الواقعي. قال الشيخ المفيد (رحمه الله): (للإمام أن يحكم بعلمه كما يحكم بظاهر الشهادات، ومتى عرف من المشهود عليه ضدّ ما تضمّنته
____________
1- ومن أمثلته نسخ أفضلية الاستحباب للسور الخواصّ، (أي الأفضلية) في الصلاة.
2- سورة النساء 4: 65.
3- سورة المائدة 5: 49.
4- سورة النساء 4: 105.
5- سورة الأحزاب 33: 36.
القسم التاسع:
من الصلاحيات المفوّضة ولاية الإمامة السياسية والخلافة، وإقامة الحكم السياسي والدولة، وإدارة النظام الاجتماعي والسياسي، وقد كتب في هذا المضمار علماء الإمامية أسفاراً جمّة، وأشبعوا البحث درايةً وبياناً وتفصيلاً"(2).
القسم العاشر:
من الصلاحيات المفوّضة لهم: كونهم الفيصل والمصدر العلمي الشرعي المهيمن عند الاختلاف في معاني ومؤدّيات الأدلّة والأحكام الشرعية، فضلاً عن المتشابه في المعارف والاعتقادات. سواء كان الاختلاف أو التشابه في ظواهر أدلّة القرآن والسنّة النبويّة هو بنحو التعارض أو الإجمال والإيهام، أو تزاحم المقتضيات وغيرها من أقسام الاختلاف، فلزوم الرجوع إليهم (عليهم السلام) كما هو في الابتداء، كما مرّ في الأقسام السابقة، كذلك في المآل عند وقوع الاختلاف في جميع أقسامه، فهم (عليهم السلام) بلحاظ هذا القسم بمثابة المحكمة الدستورية لكلّ الدين، لا لخصوص نظام الدولة الذي هو شعبة من فروع الدين، فهم الفيصل عند الاختلاف في تفسير الدين والشريعة وقراءة النصوص، ويشير إلى هذا القسم قوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الاَْمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً}(3)، و {الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ} بمعنى يستخرجون حقيقة الواقع كما هو معنى الاستنباط لغةً، لا المعنى المتداول عند الفقهاء بمعنى الاستظهار الظنّي، هم الرسول (صلى الله عليه وآله) وأُولي الأمر من قرباه أهل آية التطهير والمباهلة، كما مرّ بيانه.
____________
1- أوائل المقالات: 66.
2- راجع الجزء الأول من كتاب الإمامة الإلهية.
3- سورة النساء 4: 83.
صلاحية التشريع
مبدأ وماهية ومنتهى
تقديم:
إنّ البحث في صلاحية التشريع أو الولاية التشريعية للرسول (صلى الله عليه وآله) والأئمّة من بعده بعد وضوح أنّ الشارع الأوّل والمهيمن هو الباري تعالى، إلاّ أنّه وقع الكلام في ثبوت هذه الصلاحية والمقام له (صلى الله عليه وآله) ولهم (عليهم السلام) في مدار محدود تابع لتشريع الله تعالى، وفي ظلّ التشريعات الإلهية، كما قد وقع الكلام في حقيقة وساطته (صلى الله عليه وآله) بين الباري والناس، أي في حقيقة التبليغ عن الله، وكذلك في حقيقة وساطة الأئمّة (عليهم السلام) عن الله ورسوله، أي في حقيقة تبليغ الأئمّة عن الرسول (صلى الله عليه وآله)، وفي ماهية الطرق والمنابع التي يأخذ منها الرسول والأئمّة صلوات الله عليهم أجمعين.
فلابدّ من إقامة البحث في ذلك ليتبين لنا حقيقة صلاحية جعل القوانين وسنّ
منها: عدم اشتراط العصمة في الرسول والإمام لأداء مهمّة التبليغ، بل يكفي الصدق بدرجة العدالة في ذلك، حيث إنّ هذه النظرة مسخ لماهية التبليغ النبويّ والتبليغ الولوي(1)، وأنّ درجته لا تتطلّب أكثر من ذلك.
ومنها: تساوي النبيّ (صلى الله عليه وآله) والإمام (عليه السلام) مع جملة من الأفراد الآخرين الذين يعرفون جملة من ما أُثر عن الرسول (صلى الله عليه وآله) وعنهم (عليهم السلام).
بل قد يكون الأفراد الآخرون في بعض الأحيان والعياذ بالله تعالى ـ أفقه منهم صلوات الله عليهم; إذ على هذه النظرية من حقيقة تبليغهم تجري قاعدة ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه (والعياذ بالله)، وهذه النظرة والنظرية هي التي كانت لدى بعض الصحابة(2)، ولأجل ذلك كان يُكثر من المشاققة والاعتراض على النبيّ (صلى الله عليه وآله)، يعارضه في القول والفعل، حتّى نزلت الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(3).
ومنها: إطلاق الرواة عليهم، وقد ارتكبه جملة في الأعصار المتأخّرة، وبالتالي فعلمهم صلوات الله عليهم منحصر في التنزيل دون التأويل، وبالمحكم دون المتشابه، فقال بعضهم حول صلاحية التشريع وحول ما دلّ من الآيات
____________
1- أي تبليغ الإمام المعصوم.
2- كالشيخين، وفيهما نزلت الآية من سورة الحجرات، كما أخرج ذلك السيوطي في الدرّ المنثور في ذيل الآية عن جملة من مصادر الحديث لديهم.
3- سورة الحجرات 49: 1.
وقال آخر: (أي: فوّض إليهم أن يحلّلوا ما شاؤوا ويحرّموا أيضاً ما شاؤوا، وهذا أيضاً ضروري البطلان; فإنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) ليس شارعاً للأحكام، بل مبين وناقل له، وليس شأنه في المقام إلاّ شأن ناقل الفتوى بالنسبة للمقلّدين).
وقال بعضهم: إنّ وصول المعصوم إلى الحكم الشرعي يتمّ في جملة من الأحيان بواسطة مراجعة المعصوم إلى الكتب التي ورثها عن رسول الله، والفحص في أبوابها، وملاحظة المطلق والمقيد والعامّ والخاصّ والناسخ والمنسوخ والمجمل والمبين، تماماً كما يمارس ذلك الفقيه، غاية الأمر الفرق بينهما أنّ المعصوم مسدّد عن الخطاء.
وأمّا قول العامّة باجتهاد الرسول والعياذ بالله ـ فهو إفك جاء به عصبتهم الأوائل، لتبرير معارضة وعصيان الرسول، وتلقّاه أواخرهم بألسنتهم وحسبوه هيناً وهو عند الله بهتان عظيم.
وقد تفشّت هذه المقولة واتّبعت هذه الخطوات في بعض الأقلام المنتحلة.. فأطلقوا التعبير باجتهاد أئمّة أهل البيت، وأنّ هذا فهمهم، وأنّهم رواة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأنّ علمهم قائم بالكتب المدوّنة المنفصلة عن أرواحهم، إلى غير ذلك من الأقاويل التي يطلقونها.
وكلّ ذلك ناشئ عن قصور وتقصير في معرفة الرسول (صلى الله عليه وآله) والأئمّة (عليهم السلام)، وموقعية وساطتهم في الدين الحنيف والشريعة الغرّاء، وعن الجهل بمصادر
قال العلاّمة الطباطبائي: (إنّهم يقيسون نفوس الأنبياء في تلقّيهم المعارف الإلهية ومصدريتهم للأُمور الخارقة بنفوسهم العادية.
ثمّ ذكر خلطهم من إرادة النبيّ إبراهيم (عليه السلام) عملية الإحياء بين جانبها الملكوتي وجانبها الحسّي الظاهري... إلى أن قال.
لكنّ هؤلاء لإهمالهم أمر الحقائق وقعوا فيما وقعوا فيه من أمر الفساد، وكلّما أمعنوا في البحث زادوا بعداً عن الحقّ)(1).
وقال في موضع آخر: (ومنشأ هذه الشبهة ونظائرها من هؤلاء الباحثين، أنّهم يظنّون أنّ دعوة إبراهيم (عليه السلام) للطيور في إحيائها، وقول عيسى (عليه السلام) لميت عند إحيائه: قم بإذن الله، وجريان الريح بأمر سليمان، وغيرها ممّا يشتمل عليه الكتاب والسنّة، إنّما هو لأثر وضعه الله تعالى في ألفاظهم المؤلّفة من حروف الهجاء، أو في إدراكهم التخيلي الذي تدلّ عليه ألفاظهم، نظير النسبة التي بين ألفاظنا العادية ومعانيها، وقد خفي عليهم أنّ ذلك أنّما هو عن اتّصال باطني بقوّة إلهية غير مغلوبة، وقدرة غير متناهية هي المؤثّرة الفاعلة بالحقيقة)(2).
____________
1- الميزان 2 / 376.
2- المصدر السابق: 370.