____________
<=
ص596.
4ـ أحمد بن صالح أبو جعفر المصري: قال النسائي: ليس بثقة ولا مأمون. وقال أيضاً: تركه محمّد بن يحيى ورماه يحيى بن معين بالكذب، هدي الساري: 383 وقال معاوية بن صالح عن ابن معين: أحمد بن صالح كذاب يتفلسف، الضعفاء والمتروكين 56، تهذيب التهذيب 1: 39.
5ـ إسماعيل بن عبد الله بن أبي أُويس بن مالك بن أبي عامر المدني: قال يحيى ابن معين، مخلط يكذب ليس بشيء.
وقال الدولابي: سمعت النظر بن سلمة المروزي يقول: كذّاب كان يحدث عن مالك بمسائل ابن وهب. ميزان الاعتدال 1: 222 رقم 854 تهذيب التهذيب 1: 310، الضعفاء والمتروكين: 51، المغني في معرفة رجال الصحيحين: 35، 192.
6ـ الحسن بن مدرك بن بشير أبو علي البصري الطحان: قال أبو داوود: الحسن ابن مدرك كذّاب، كان يأخذ أحاديث فهد بن عوف فيقلبها على يحيى بن حمّاد. ميزان الاعتدال 1: 522 رقم 1949.
7ـ كعب بن مانع المعروف بكعب الأحبار: كان يهودياً فأسلم، وقد شكّك في إخلاصه للإسلام وتركه اليهودية، كذّبه ابن عباس وابن مسعود وحذيفة في قولهم: كذب كعب (البداية والنهاية 3: 316)، وما ترك يهوديته، أو ما تنكت اليهودية في قلب عبد فكادت أن تفارقه (تفسير القرطبي 14: 227، تفسير ابن كثير 3: 562).
وذكر السيّد رشيد رضا في كتابه بما جاء عنه في صحيح البخاري على لسان معاوية: كان كعب الأحبار من أصدق المحدّثين الذين يحدّثون عن أهل الكتاب. قال السيّد رشيد رضا: أدخل على المسلمين شيئاً كثيراً من الاسرائيليات الباطلة والمخترعة، وخفي على كثير من المحدثين كذبه ودجله لتعبده. تفسير المنار 8: 449.
الرواة المغموز فيهم وهم كثير نذكر بعضهم:
=>
كما كان البخاري يحتجّ بحديث الخوارج والمرجئة والمجسمة، وبعض المجاهيل الذين لا يعرف الدّهرُ لهم وجوداً(1).
____________
<=
1ـ أيوب بن عائذ الطائي الكوفي:
ممّن أخرج له البخاري وأورد اسمه في كتاب الضعفاء (الضعفاء الصغير للبخاري: 24) قال الذهبي: والعجب من البخاري يغمزه وقد احتجّ به. ميزان الاعتدال 1: 289.
2ـ ثابت بن محمّد الكوفي الشيباني: ذكره في الضعفاء وقال أبو زرعة العراقي: والعجب من البخاري من ذكره في الضعفاء مع احتجاجه به في الصحيح. الجرح والتعديل 2: 457، المغني في معرفة رجال الصحيحين: 48، 304، ديوان الضعفاء والمتروكين 1: 136.
إلى غير ذلك، وهناك الكثير من الرواة المصرّح بضعفهم روى عنهم البخاري، من شاء يرجع إلى مقدّمة ابن حجر لكتابه فتح الباري.
وأمّا المجسّمة الذين روى عنهم البخاري، فقد قدّمنا ذكر مقاتل بن سليمان الذي روى عنه البخاري في التاريخ الكبير، وكان مجسّماً كما ذكر ابن حبّان.
ونقول بعد هذا: إنّ صاحب كتاب كشف الجاني وغيره ممّن يحذو حذوه من المتعصّبين يسارعون في الطعن على غيرهم، مع جهلهم الشديد بما هو مسطور ومدوّن في أُمهات مصادرهم، فكان الأحرى بهم إصلاح عيوبهم قبل التفتيش عن عيوب الآخرين.
1- كما روى عن حمّاد بن حميد في صحيحه 8: 158 وقال الذهبي في ميزان الاعتدال 1: 589 رقم: 2243 "محدّث لا يدرى من هو" ومنهم عطاء أبو الحسن السوائي قال ابن حجر في تهذيب التهذيب 7: 195 "قرأت بخط الذهبي: لا يعرف".
قال في آخر الباب: لقوله تعالى {وَاُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} ، وقال عكرمة عن ابن عبّاس: إذا زنى بأُخت أمرأتِهِ لم تحرم عليه أمرأتُهُ، ويروى عن يحيى الكندي عن الشعبي وأبي جعفر فيمن يلعبُ بالصبىِّ إن أدخله فيه فلا يتزوّجنَّ أُمَّهُ.
وقد علّق على هذا الكلام شارح البخاري في الهامش بقوله: "اللاّئق بمنصب العلماء أن يجلّوا قدرهم عن كتب مثل هذا الكلام والتفوّه به".
كما أخرج في صحيحه من كتاب تفسير القرآن، باب "نساؤكم حرث لكم" عن نافع قال: كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا قرأ القرآن لم يتكلّم حتّى يفرُغُ منه، فأخذت عليه يوماً فقرأ سورة البقرة حتى انتهى إلى مكان، قال: تدري فيما أُنزلتْ؟ قلت: لا، قال: أُنزلت في كذا أو كذا، ثمّ مضى.
وعن نافع عن ابن عمر "فأتوا حرثكم أنّى شِئتم" قال: يأتيها في(1). وعلّق الشارح بقوله: قوله في... بحذف المجرور وهو الظرف أي في الدّبر، قيل: وأسقط المؤلّف ذلك لاستنكاره، كذا في الشارح.
كنت يوماً في جامعة السربون بباريس أتحدّث عن أخلاق النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وخُلقه العظيم الذي تحدّث عنه القرآن، وعُرفَ به النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى قبل البعثة
____________
1- صحيح البخاري 5: 160.
وخلال المناقشة التي شارك فيها نخبةٌ من الأساتذة والدكاترة المختصّين بالإسلام وتاريخ المسلمين وجلّهم مستشرقون، وانتصرتُ نوعاً ما على المناوئين الذين أثاروا بعض الشُبهات، ولكنّ أحدَهُم وهو عربي مسيحي طاعنٌ في السنّ (أعتقد أنّه لبناني) اعترض علىَّ بأُسلوب فيه خبث ودهاء، فكاد يقلب انتصاري إلى هزيمة نكراء.
قال هذا الدكتور بلسان عربي فصيح: بأنّ ما ذكرته في المحاضرة فيه كثير من المبالغة، وبالخصوص فيما يتعلّق بعصمة النبي، إذ أنّ المسلمين أنفسهم لا يوافقُونك على ذلك، وحتّى محمّد نفسه لا يوافق على ذلك، فقد قال عديد المرّات، بأنّه بَشَرٌ يجوز عليه الخطأ، وقد سجّل له المسلمون أخطاءً عديدة نحن في غِنىً عن التعريف بها، وكُتب المسلمين الصحيحة والمعتمدة عندهم تشْهَدُ على ذلك.
ثمّ قال: وأما بخصوص الحروب فما على حضرة المحاضر إلاّ مراجعة التاريخ، ويكفي أن يقرأ فقط كتب الغزوات التي قام بها محمّد في حياته، ثم واصلها الخلفاء الراشدون بعد وفاته حتى وصلوا إلى (poitier) مدينة بواتييه بغرب فرنسا، وفي كلّها كانوا يفرضون دينهم الجديد على الشعوب بالقهر وقوّة السّيف.
وقابل الحاضرون كلامه بالتصفيق مؤيدين مقالتَهُ، وحاولتُ بدوري
وتدخّل الدكتور المسيحي من جديد ليقول لي بأنّ ما ذكره ليس من الكتب المطعون فيها، وإنّما هو في صحيح البخاري ومسلم.
وقلت: بأنّ هذه الكتب صحيحة عند أهل السنّة، أمّا عند الشيعة فلا يقيمون لها وزناً، وأنا مع هؤلاء.
فقال: نحن لا يهمّنا رأي الشيعة الذين يكفّرهم أغلب المسلمين، والمسلمون السنّة وهم أكثر من الشيعة عشر مرّات لا يقيمون لآراء الشيعة وزناً، ثمّ أضاف قائلا: إذا تفاهمتم أنتم المسلمون مع بعضكم البعض، وأقنعتم أنفسكم بعصمة نبيّكم، عند ذلك يمكن أن تُقنعونا نحن (قال ذلك ضاحكاً متهكماً).
ثمّ التفت إلىَّ من جديد قائلا: وأمّا بخصوص الأخلاق الحميدة، فأنا أسألك أن تقنع الحاضرين كيف تزوّج محمّد الذي بلغ من العمر أربعاً وخمسين بعائشة وعمرها ستّ سنين؟
وارتفعت من جديد ضجة الضّحك وأشرأبّت الأعناقُ تنتظر ردّي، وحاولتُ جهدي إقناعهم بأنّ الزواج عند العرب يتمّ على مرحلتين، المرحلة الأولى وهو العقد وكتب النّكاح، والمرحلة الثانية وهو البناء والدخول، وقد تزوّج النّبي عائشة وعمرها ستّ سنوات، ولكن لم يدخل بها إلاّ بعد أن بلغت تسع سنوات.
واستطردت بأنّ هذا ما يقوله البخاري إن كان مُناقشي يحتجّ علىَّ بما فيه.
وهنا قامت سيدةٌ وتدّخلت لتقول: نعم وعلى فرض أنّ ما أوردتَه قد يكون صحيحاً وهو صحيح علميّاً، ولكنْ كيف نقبل بزواج شيخ كبير أوشكّ عمره على نهايته بفتاة صغيرة ما زالت في العقد الأول من عمرها؟
قلتُ: إنّ محمّداً نبىّ الله ولا يفعل شيئاً إلاّ بوحي منه، ولا شكّ أنّ لله في كلّ شيء حكمة، وإن كنتُ شخصيّاً أجهل الحكمة في ذلك.
قال الدكتور المسيحي: لكنّ المسلمين اتّخذوا ذلك سنّة، فكم من فتاة صغيرة زوّجها أبوها غصْباً عنها برجل يوازيه في السنّ، ومع الأسف فإن هذه الظاهرة بقيت حتّى اليوم موجودة.
انتهزتُ هذه الفرصة لأقول: ولذلك أنا تركتُ المذهب السنّي واتّبعتُ
قال: دعنا من السنّة والشيعة ولنعد إلى زواج محمّد بعائشة، والتفت إلى الحاضرين ليقول بكلّ سخرية: إن محمّداً النبىّ والبالغ من العمر أكثر من الخمسين يتزوج بُنيّةً صغيرة لا تفهم من الزواج قليلا ولا كثيراً، والبخاري يحدّثنا بأنّها كانت في بيت زوجها تلعبُ بالدُّمَى، وهذا يؤكّد على براءة الطفولة، فهل هذه هي الأخلاق العالية التي يمتاز بها النّبي؟
وحاولت من جديد إقناع الحاضرين بأنّ البخاري ليس حجّة على النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكن بدون جدوى، فقد لعب هذا المسيحي اللّبناني بأفكارهم كما أرَادَ، وما كان لي إلاّ أنْ أوقفْتُ النّقاشَ متذرّعاً بأنّنا لا نتكلّم نفس اللّغة; لأنّهم يحتجّون علىّ بالبخاري في حين أنّني لا أؤمن بكلّ ما ورد فيه.
وخرجتُ ناقماً على المسلمين الذين أعطوا لهؤلاء ولأعداء الإسلام وأعداء محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) السّلاح النافذ الذي يحاربوننا به وعلى رأس هؤلاء البخاري، ورجعت للبيت يومها مهموماً، وأخذت أتصفّح صحيح البخاري وما ذكره في فضائل عائشة وأحوالها، فإذا بي أقولُ: الحمد لله الذي فتح بصيرتي، وإلاّ لبقيتُ متحيّراً في شخصية الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وربّما داخلني الشكّ فيه والعياذ بالله.
ولابدّ من إظهار بعض الروايات التي أُثيرتْ خلال المناقشة، حتى يتبين للقارئ بأنّ هؤلاء المنتقدين لم يفتروا علينا، وإنّما وجدوا بغيتهم في صحاحنا فاستعانوا بها علينا.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: تزوجني النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنا بنتُ ستّ سنين، فقدمنا المدينة فنزلنا في بني الحرث بن خزرج، فوعكت فتمرّقَ شعري فوفى جميمةٌ، فأتتني أمّي أمّ رومان وإنّي لفي أرجوحة ومعي صواحبُ لي، فصرختْ بي فأتيتها لا أدري ما تريدُ بي، فأخذت بيدي حتى أوقفتني على باب الدّار، وإنّي لأنهجُ حتّى سكنَ بعض نفسي، ثمّ أخذت شيئاً من مَاء فمسحت به وجهي ورأسي، ثمّ أدخلتني الدار فإذا نسوةٌ من الأنصار في البيت، فقلن: على الخير والبركة وعلى خير طائر، فأسلمتني إليهنّ فأصلحن من شأني، فلم يرعني إلاّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ضُحىً فأسلمتني إليه، وأنا يومئذ بنتُ تِسْعِ سنينَ.
وأترك لك أيها القارئ لتعلّق بنفسك على أمثال هذه الرّوايات!!
كما أخرج البخاري في صحيحه من كتاب الأدب، باب الانبساط إلى النّاس:
عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنتُ ألْعبُ بالبناتِ عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان لي صواحِبُ يلعبْنَ معي، فكان رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا دخل يتَقمَّعْنَ منه فيسرَّ بهنَّ إلىَّ فيلْعَبْنَ مَعِي.
يقول الشارح: ألعب بالبنات، يعني التماثيل المسمّاة بلعب البنات، ويسربهنّ إلىَّ: أي يبعثهن ويرسلهن إلىَّ.
وأنت تقرأ مثل هذه الروايات في صحيح البخاري، أيبقى عندك
قل لي بربّك! عندما تقرأ قول عائشة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) "ما أرى ربّك إلاّ يُسَارِعُ في هواكَ"(1).
ماذا يبقى في نفسك من احترام وتقدير لامرأة كهذه التي تشكّك في نزاهته (صلى الله عليه وآله وسلم)؟! وهل لا يبعثُ ذلك في نفسك أنّها تصرّفات مراهقة لم يكتمل عقلها؟!
وهل يلامُ بعد ذلك أعداء الإسلام الذين كثيراً ما يثيرون حبّ محمّد للنّساء وأنّه كان شهوانيّاً، فإذا قرأوا في البخاري بأنّ الله يسارع في هواه، ويقرأون في البخاري بأنّه كان يجامع إحدى عشرة زوجة في ساعة واحدة وقد أُعطِيَ قوّة ثلاثين، فاللّوم على المسلمين الذين أقرّوا مثل هذه الأباطيل واعترفوا بصحّتها، بل واعتبروها كالقرآن الذي لا يتطرّق إليه الشكّ، ولكنّ هؤلاء مسيّرون في كلّ شيء حتّى في عقيدتهم، وليس لهم خيارٌ في شيء، لقد فرضتْ عليهم هذه الكتب من الحكّام الأوّلين، وهلّم بنا الآن إلى الرّوايات التي أخرجها البخاري للطّعن على أهل البيت:
فقد أخرج في صحيحه من كتاب المغازي، باب شهود الملائكة بدراً 5: 16:
عن علي بن حسين، أنّ حسين بن علي أخبره أنّ عليّاً قال: كانتْ لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أعطاني ممّا أفاء الله
____________
1- صحيح البخاري 6: 24، كتاب تفسير القرآن، باب قوله تعالى: (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ).
فبينما أنا أجمعُ لشارفَىَّ من الأقتاب والغَرائرِ والحبالِ، وشارفايَ مُناخانِ إلى جنبِ حجرة رجل من الأنصار حتى جمعتُ ما جمعته، فإذا أنا بشارِفىَّ قد أُجبَّتْ أسنمتهُما، وبُقرتْ خواصِرُهُما، وأُخِذَ من أكبادهما، فلم أملك عينىَّ حين رأيت المنظرَ، قلتُ: من فعل هذا؟ قالوا: فعله حمزة بن عبد المطّلب، وهو في هذا البيت في شرب من الأنصار عنده قينةٌ وأصحابُه، فقالت في غنائها: (ألا يا حمزُ للشّرفِ النّواءِ)، فوثب حمزةٌ إلى السّيف فأجبَّ أسنمتهما وبقر خواصرهما وأخذ من أكبادهما.
قال علي: فانطلقت حتى أدخلَ على النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وعنده زيدُ بن حارثة، وعرف النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي لقيتُ، فقال: ما لك؟ قلتُ: يا رسول الله ما رأيتُ كاليوم، عَدَا حمزةُ على ناقتىَّ فأجبَّ أسنمتهما وبقر خواصرهما، وها هو ذا في بيت معه شرب، فدعا النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بردائه، فارتدى ثمّ انطلق يمشي واتبعتُه أنا وزيد بن حارثة حتّى جاء البيتَ الذي فيه حمزةُ، فاستأذن عليه فأُذِنَ له، فطفق النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يلُومُ حمزةَ فيما فعل، فإذا حمزةُ ثَمِلٌ محمرّةٌ عيناهُ، فنظرَ حمزةُ إلى النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم صعَّدَ النّظرَ فنظر إلى رُكبتيهِ، ثمّ صعّد النظر فنظر إلى وجهه، ثمّ قال حمزةُ: وهل أنتم إلاّ عبيد لأبي، فعرف النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه ثمِلٌ، فنكصَ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على عقبيه القهقرى، فخرج وخرجنا معه.
وحمزة عمّ النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي أعزّ الله به الإسلام، عندما كان المستضعفون من المسلمين يعبدون الله خفيةً، وقف وقفته المشهورة في وجه قريش، وانتصر لابن أخيه معلناً إسلامه على الملأ من قريش وما خاف أحداً.
حمزة الذي سبق هجرة النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومهّد لدخول ابن أخيه في يوم مشهود، حمزة الذي كان مع ابن أخيه علي أبطال بدر وأُحد.
أخرج البخاري في نفسه في صحيحه كتاب تفسير القرآن، باب قوله {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} 5: 242:
عن علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) قالَ: أنا أوّل من يجثوا بين يدي الرحمن للخصومةِ يوم القيامة، قال قيس: وفيهم نزلتْ "هذان خْصمان اختصموا في ربّهم" قال: هم الذين بارزوا يوم بدر، علىٌّ، وحمزة، وعبيدةُ، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عُتبة.
نعم، إنّ البخاري يعجبُه أن يروي مثل هذه المثالب في مفخرة أهل البيت، وسلسلة الوضّاعين الذين وضعوا مثل هذه الرواية طويلة، فقد قال البخاري:
حدثنا عبدانُ، أخبرنا عبد الله، أخبرنا يونسُ، وحدّثنا أحمد بن صالح،
فهؤلاء سبعة أشخاص يروي عنهم البخاري، قبل أن يصل السند إلى علي بن الحسين وهو زينُ العابدين وسيّد الساجدين، فهل يليق بزين العابدين أن يروي أكاذيب مثل هذه، فيكون سيّد الشهداء يشرب الخمر بعد إسلامه وبعد هجرته وقبل استشهاده بأيام قلائل، إذ تقول الرواية بأنّ علي ابن أبي طالب كان يعدّ وليمة عرسه على فاطمة (عليها السلام) التي بنى بها في السنة الثانية للهجرة النبوية، وأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أعطاه نصيبه من المغنم يوم بدر، وهل يليق بسيّد الشهداء أن تكون له قينةٌ عاهرةٌ تُغنِّيهِ، وتطلب منه أن يبقر النّاقتين، فيفعل بدون مبالاة؟
وهل يليق بسيّد الشهداء أن يأكل لحم حرام بدون ذبح، ويبقر الخواصر، ويأخذ الأكباد؟
وهل يليق برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يذهب ويستأذن على حمزة في ذلك المجلس الذي فيه الخمر والدّعارة؟ ويدخل في ذلك المكان؟
وهل يليق بسيّد الشهداء أن يكون ثملا محمرةٌ عيناه، فيشتم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: وهل أنتم إلاّ عبيد لأبي؟
وهل يليق برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ينكّص على عقبيه القهقرى، فيخرج دون تأنيب أو توبيخ، فالمعروف عنه أنّه كان يغضب لله؟!
وأنا متيقّنٌ أنّ هذه الرواية لو كانت (على سبيل الافتراض طبعاً) تذكر أبا بكر أو عمر أو عثمان أو معاوية مكان حمزة، لما أخرجها البخاري لفظاعتها، ولو أخرجها لهذّبها على طريقته وابترها، ولكن ما الحيلة والبُخاري لا يحبّ هؤلاء الذين رفضوا مدرسة الخلفاء، حتى بعد وقعة
ولماذا لم يرو البخاري شيئاً من فقه أهل البيت، ولا من علومهم، ولا من خصالهم، ولا من زهدهم، ولا من فضائلهم التي ملأت الكتب، وطفحت بها مجاميع أهل السنّة قبل مجاميع الشيعة؟
ولنستمع إليه يروي رواية أُخرى تطعن في أهل البيت، وفي القمّة بالذات، إذ أنّ الرّواة بما فيهم البخاري لم يجدوا في علي بن أبي طالب نقيصة واحدة، ولا سجّلوا عليه طيلة حياته كذبة واحدة، ولا عرفوا له خطيئة واحدة، ولو كانتْ لملأوا الدنيا صياحاً وعويلا، فعمدوا لوضع رواية تتّهمه بأنّه كان يستخفّ بالصّلاة.
أخرج البخاري في صحيحه من كتاب الكسوف، باب تحريض النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على صلاة اللّيل، وطرق النبىُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فاطمة وعليّاً (عليها السلام) ليلةً للصّلاة 2: 43:
قال: حدّثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب عن الزهري، قال: أخبرني علي بن حسينُ أن حسين بن علي أخبره أن علي بن أبي طالب أخبره أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) طرقَهُ وفاطمة بنت النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليلةً فقال: ألا تُصَلِّيَان؟
فقلت: يا رسول الله أنفُسُنَا بيد الله فإذا شَاءَ أنْ يبعثنا بعثَنا، فانصرف حين قُلنا ذلك ولم يرجع إلىَّ شيئاً، ثمّ سمعته وهو مولّ يضربُ فخذَهُ وهو يقول: {وَكَانَ الإنسَانُ أكْثَرَ شَيْء جَدَلا}(1).
____________
1- الكهف: 54.
علي بن أبي طالب الذي أوضح للناس معالم القضاء والقدر، وحمّل الإنسان مسؤولية أفعاله، تصوّره أنت في هذه الرواية بأنّه جبرىٌّ يقول بالجبر، ويجادل بها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: "أنفسنا بيد الله إن شاء أن يبعثنا بعثنا" يعني ذلك لو شاء الله أن نصلّي لصلّينا.
علىّ بن أبي طالب الذي حبّه إيمان وبغضه نفاقٌ، توصفه أنت بأنّه أكثر شيء جدلا؟! إنّه كذبٌ مفضوح لا يوافقك عليه حتّى ابن ملجم قاتل الإمام، ولا مُعاوية الذي كان يأمر الناس بلعنه، إنه كذبٌ رخيص ولكنّك جنيت من ورائه الكثير إذ أرضيتَ بذلك حكّام زمانك وأعداء أهل البيت، فرفعوا قـدرك في هذه الدنيا الدنيئة، ولكنّك أسـخطْتَ ربّك بهذا الموقـف من أمير المؤمنين، وسيّد الوصيّين، وقائد الغرّ المحجّلين، قسـيم الجنة والنار، الذي يقـف يوم القيامة على الأعـراف، فيعرف كلاّ بسيماهم(1)،
____________
1- شواهد التنزيل للحسكاني الحنفي 1: 263 ح256، في تفسير قوله تعالى: (وَعَلَى الأعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيمَاهُمْ) أخرج الحاكم عن علي قال: نقف يوم القيامة بين الجنّة والنار فمن نصرنا عرفناه بسيماه فأدخلناه الجنّة، ومن أبغضنا عرفناه بسيماه فأدخلناه النار. (المؤلّف).
ولا أدري إن كان كتابك يوم القيامة شبيه بكتابك اليوم الذي يُزوَّق ويُجلّد ويُنمّق، ليخرج في أبهى حلّة عرفها الكتاب.
نعم، كَبُرتْ على البخاري أن يظهر سيّدهُ عمر بن الخطاب تاركاً للصّلاة المفروضة عندما فقد الماء، وبقي على مذهبه ذلك حتّى في خلافته، فقال: "أمَّا أنا فلا أُصلّي"(2)متحدّياً بذلك القرآن والسنّة.
ففتّش عند الدجّالين الوضّاعين فوضعوا له هذا الحديث الذي يتّهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنّه تثاقل فلم يصلّ صلاة الليل، وعلى فرض واحتمال صحة روايته، فلا ضير ولا إثم ولا ذنب على علي لأنّها تتعلّق بصلاة النّافلة التي يثاب على فعلها ولا يعاقبُ على تركها، ولا يمكن أن يُقاسَ فعل عمر بتركه للصّلاة المفروضة على ترك علي لصلاة النّافلة إن صحّت الرّواية، ولكنّ أنّى لهذه الرواية أن تكون صحيحة، ولو أخرجها صحيح البخاري!!
فالبخاري صحيح عند أهل السنّة، وأهل السنّة هم المؤيّدون لمدرسة الخلافة التي قامتْ على سياسة بني أُمية وبني العبّاس، والمتتبّع يعرف هذه
____________
1- ابن حجر الشافعي في الصواعق المحرقة 3: 369 في فضائل علي (عليه السلام) روى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: يا علي أنت قسيم الجنة والنار، فيوم القيامة تقول للنار: هذا لي وهذا لك. وأضاف ابن حجر أنّ أبا بكر قال لعلي رضي الله عنهما: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: لا يجوز أحد الصراط إلاّ من كتب له علي الجواز. (المؤلّف).
2- سنن أبي داود، كتاب الطهارة، باب التيمم، حديث: 322.
والسؤال الذي يُطرح على أهل السنّة هو: ما الذي أحرز عليه البخاري زيادة على بقية المحدّثين لينال عندكم هذا التفضيل؟!
وأعتقد أن الجواب الوحيد على هذا السؤال هو أنّ البخاري:
1 ـ دلّس الأحاديث التي تمسّ كرامة الصّحابة خصوصاً، منهم أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية، وهذا ما دعا إليه معاوية والحكّام بعده.
2 ـ أبرز الأحاديث التي تطعن في عصمة الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتصوّره بأنّه بشرٌ عادىٌّ يخطىء، وهذا ما أراده الحكّام على طول الدهر.
3 ـ أخرج أحاديث موضوعة في مدح الخلفاء الثّلاثة، وفضّلهم على علي بن أبي طالب، وهو بالضبط ما أراده معاوية للقضاء على ذكر علي حسب زعمه.
4 ـ أخرج أحاديث مكذوبة تمسّ بكرامة أهل البيت.
5 ـ أخرج أحاديث أُخرى تؤيّد مذهب الجبر والتجسيم، والقضاء والقدر في الخلافة، وهو ما أشاعه الأمويون والعباسيون ليتحكّموا بمصير الأُمّة.
وعلى سبيل المثال إليك أيها القارئ العزيز هذه الرواية:
أخرج البخاري في صحيحه من كتاب بدء الخلق، باب أيام الجاهلية من جزئه الرابع الصفحة 238:
قال البخاري: حدّثنا نُعيم بن حمّاد، حدّثنا هُشيم، عن حصين، عن عمرو بن ميمون، قال: رأيتُ في الجاهلية قردةً اجتمع عليها قردةٌ قد زنتْ، فرجموها فرجمتُها معهم.
ونحن نقول للبخاري: لعلّ الله سبحانه ورحمةً بالقردة قد نسخ حكم الرّجم الذي فرضه عليهم بعد طردهم من الجنّة، وأباح لهم الزنا في عهد الإسلام بعدما كان محرّماً عليهم في الجاهلية، ولذلك لم يدّع أي مسلم أنّه حضر أو شارك في رجم قردةً، منذ بُعِثَ محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) وحتى يوم النّاس هذا!!