[331]

يختلفون في هذه المسألة على حال من الاحوال وقد دللنا على أن إجماعهم حجة فيما تقدم .
وأيضا فنحن نعلم أن من حاربه كان منكرا لامامته ودافعا لها ودفع الامامة كفر كما أن دفع النبوة كفر لان الجهل بهما على حد واحد وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : "من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية "وميتة الجاهلية لا تكون إلا على كفر .
وأيضا روي عنه [ صلى الله عليه وآله وسلم ] أنه قال : "حربك يا علي حربي وسلمك يا علي سلمي "ومعلوم أنه إنما أراد أحكام حربك تماثل أحكام حربي ولم يرد أن أحد الحربين هي الاخرى المعلوم ضرورة خلاف ذلك ، فإن كان حرب النبي صلى الله عليه وآله كفرا وجب مثل ذلك في حرب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لانه جعله مثل حربه .
ويدل على ذلك أيضا قوله صلى الله عليه وآله "اللهم وال من والاه وعاد من عاداه "ونحن نعلم أنه لا يجب عداوة أحد بإطلاق إلا عداوة الكفار .
وأيضا فنحن نعلم أن من كان يقاتله يستحل دمه ويتقرب إلى الله بذلك واستحلال دم امرئ مسلم مؤمن كفر بالاجماع وهو أعظم من استحلال جرعة من الخمر الذي هو كفر بالاتفاق .
فإن قيل لو كانوا كفارا لوجب أن يسير فيهم بسيرة الكفار فيتبع موليهم ويجهز على جريحهم ويسبي ذراريهم فلما لم يفعل ذلك دل على أنهم لم يكونوا كفارا .
قلنا : لا يجب بالتساوي في الكفر التساوي في جميع أحكامه لانه أحكام الكفر مختلفة فحكم الحربي خلاف حكم الذمي وحكم أهل الكتاب خلاف حكم من لا كتاب له من عباد الاصنام فإن أهل الكتاب يؤخذ منهم الجزية ويقرون على أديانهم ولا يفعل ذلك بعباد الاصنام .

[332]

وعند من خالفنا من الفقهاء يجوز التزوج بأهل الذمة وإن لم يجز ذلك في غيرهم ، وحكم المرتد بخلاف حكم الجميع .
وإذا كان أحكام الكفر مختلفة مع الاتفاق في كونه كفرا لا يمتنع أن يكون من حاربه ( عليه السلام ) كافرا وإن سار فيهم بخلاف أحكام الكفار .
وأما المعتزلة وكثير من المنصفين من غيرهم فيقولون بفسق من حاربه ( عليه السلام ) ونكث بيعته ومرق عن طاعته و [ لكنهم ] إنما يدعون أنه تابوا بعد ذلك ويرجعون في ادعاء توبتهم إلى أمور غير مقطوع بها ولا معلومة ، من أخبار الآحاد .
والمعصية [ منهم ] معلومة مقطوع عليها وليس يجوز الرجوع عن المعلوم إلا بمعلوم مثله .
318 - 326 - وقد روى الواقدي ( 1 ) بإسناده أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لما فتح البصرة كتب إلى أهل الكوفة بالفتح : بسم الله الرحمن الرحيم من عبدالله علي أمير المؤمنين إلى أهل الكوفة سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فإن الله حكم عدل لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال .
[ وإني ] أخبركم عنا وعمن سرنا إليه من جموع أهل البصرة ومن تأشب إليهم ( 2 ) من قريش وغيرهم مع طلحة والزبير ونكثهم صفقة أيمانهم وتنكبهم

___________________________________________________________
( 1 ) وقد روى مثله الشيخ المفيد رفع الله مقامه في الفصل : ( 28 ) مما اختار من كلام أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب الارشاد ، ص 137 ، ط النجف .
( 2 ) ما بين المعقوفين مأخوذ من رواية الشيخ المفيد رحمه الله في كتاب الجمل ص 213 ، وقد ذكرناها في المختار : ( 34 ) من باب الكتب من كتاب نهج السعادة : ج 4 ص 73 ط 1 .
ويقال : إن القوم أشبوا وتأشبوا وانتشبوا "أي التقوا وخلط بعضهم ببعض .
( * )

[333]

عن الحق فنهضت من المدينة حين انتهى إلي خبرهم حين ساروا إليها في جماعتهم وما صنعوا بعاملي عثمان بن حنيف حتى قدمت ذاقار فبعثت الحسن بن علي وعمار بن ياسر وقيس بن سعد فاستنفرتكم بحق الله وحق رسوله فأقبل إلي إخوانكم سراعا حتى قدموا علي فسرت بهم حتى نزلت ظهر البصرة فأعذرت بالدعاء وقدمت بالحجة وأقلت العثرة والزلة واستتبتهم من نكثهم بيعتي وعهد الله عليهم فأبوا إلا قتالي وقتال من معي والتمادي في الغي فناهضتهم بالجهاد في سبيل الله ، فقتل الله من قتل منهم ناكثا وولى من ولى إلى مصرهم فسألوني ما دعوتهم إليه قبل القتال فقبلت منهم وأغمدت السيف عنهم وأخذت بالعفو عنهم وأجريت الحق والسنة بينهم واستعملت عبدالله بن عباس على البصرة وأنا سائر إلى الكوفة إنشاء الله تعالى .
وقد بعثت إليكم زحر بن قيس الجعفي لتسألوه وليخبركم عني وعنهم وردهم الحق علينا فردهم الله وهم كارهون والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
وكتب عبيدالله بن أبي رافع في جميدي سنة ست وثلاثين .
فكيف يكون طلحة والزبير تائبين وقد صرح [ أمير المؤمنين عليه السلام ] بأنهما تماديا في الغي حتى قتلا ناكثين ؟ ! وقد روي أبومخنف لوط بن يحيى هذا الكتاب بخلاف هذه الالفاظ وروى في جملته بعد حمد الله والثناء عليه وذكر بغي القوم ونكثهم : "وحاكمناهم إلى الله فأدالنا عليهم فقتل طلحة والزبير وقد تقدمت إليهما بالمعذرة وأبلغت إليهما في النصيحة واستشهدت عليهما صلحاء الامة ، فما أطاعا المرشدين ، ولا أجابا الناصحين .
ولاذ أهل البغي بعائشة فقتل حولها عالم جم وضرب الله وجه بقيتهم فأدبروا ، فما كانت ناقة الحجر بأشأم عليهم منها على أهل ذلك المصر مع ما جاءت من الحوب الكبير في معصية ربها ونبيها واغترارها في تفريق المسلمين

[334]

وسفك دماء المسلمين بلا بينة ولا معذرة ولا حجة ظاهره .
فلما هزمهم الله أمرت أن لا يتبع مدبر ولا يجهز على جريح ولا تكشف عورة ولا يهتك ستر ولا يدخل دار إلا بإذن وآمنت الناس .
وقد استشهد منا رجال صالحون ضاعف الله حسناتهم ورفع درجاتهم وأثابهم ثواب الصادقين الصالحين الصابرين ".
و [ ليتعمق المنصفون في هذا البيان ليتجلى لهم أنه ] ليست هذه أوصاف من تاب وقبض على الطهارة والانابة .
وفي تفريقه ( عليه السلام ) في الخبر بين قتلاه وقتلاهم ووصف من قتل من عسكره بالشهادة دون من قتل منهم ثم في دعائه لقتلى عسكره دون طلحة والزبير دلالة على ما قلناه ، ولو كانا مضيا تائبين لكانا أحق الناس بالوصف بالشهادة والترحم والدعاء .
و [ ايضا ] قد روى الواقدي أيضا كتاب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إلى أهل المدينة [ وهو أيضا ] يتضمن مثل معاني كتابه إلى أهل الكوفة وقريبا من ألفاظه ووصفهم بأنهم قتلوا على النكث والبغي ولولا الاطالة لذكرناه بعينه ( 1 ) .
و [ ايضا ] روى الواقدي أن ابن جرموز لما قتل الزبير نزل فاجتز رأسه وأخذ سيفه ثم أقبل حتى وقف على باب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وقال : أنا رسول الاحنف فتلا عليه هذه الآية * ( الذين يتربصون بكم ) * فقال : هذا رأس الزبير وسيفه وأنا قاتله .
فتناول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) سيفه وقال : "طال

___________________________________________________________
( 1 ) وقد ذكرناه حرفيا - آخذا من كتاب الجمل ص 211 - في المختار : ( 31 ) من باب كتب أمير المؤمنين من نهج السعادة : ج 4 ص 69 .
( * )

[335]

ما جلا به الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وآله ولكن الحين ومصارع السوء ".
ولو كان تائبا ما كان مصرعه مصرع سوء لا سيما وقد قتله غادرا به وهذه شهادة لو كان تائبا مقلعا عما كان عليه .
و [ قد ] روى الشعبي عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أنه قال : ألا إن أئمة الكفر في الاسلام خمسه طلحة والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص وأبو موسى الاشعري ! ! و [ ايضا ] قد روى مثل ذلك عن عبدالله بن مسعود .
و [ قد ] روى نوح بن دراج عن محمد بن مسلم عن حبة العرني قال : سمعت عليا ( عليه السلام ) حين برز أهل الجمل وهو يقول : والله لقد علمت صاحبة الهودج أن أهل الجمل ملعونون على لسان النبي الامي ( صلى الله عليه وآله [ وسلم ] ) وقد خاب من افترى .
وقد روي هذا المعنى بهذا اللفظ أو بقريب منه من طرق مختلفة .
و [ قد ] روى البلاذري في تاريخه ( 1 ) بإسناده عن جويرية ابن أسماء أنه قال : بلغني أن الزبير حين ولى ولم يكن بسط يده بسيف اعترضه عمار بن ياسر بالرمح وقال : أين يا أبا عبدالله والله ما كنت بجبان ولكني أحسبك شككت ؟ قال : هو ذاك ومضى حتى نزل بوادي السباع فقتله ابن جرموز .
واعترافه بالشك يدل على خلاف التوبة لانه لو كان تائبا لقال له في

___________________________________________________________
( 1 ) رواه في أواسط عنوان : "مقتل الزبير "في الحديث : "324 "من ترجمة أمير المؤمنين .
عليه السلام من كتاب أنساب الاشراف : ج 2 ص 259 ط بيروت .
( * )

[336]

الجواب : ما شككت بل تحققت أنك وصاحبك على الحق وأنا على الباطل وقد ندمت على ما كان مني وأي توبة لشاك غير متحقق .
فهذه الاخبار وما شاكلها تعارض أخبارهم لو كان لها ظاهر يشهد بالتوبة وإذا تعارضت الاخبار في التوبة والاصرار سقط الجميع وتمسكنا بما كنا عليه من أحكام فسقهم وعظيم ذنبهم .
وليس لهم أن يقولوا : إن كل ما رويتموه من طريق الآحاد وذلك إن جميع أخبارهم بهذه المثابة وكثير مما رويناه أظهر مما رووه وأفشى فإن كان من طريق الآحاد فالامران سيان .
وأما توبة طلحة فالامر فيما أضيق على المخالف من الكلام في توبة الزبير لان طلحة قتل بين الصفين وهو مباشر للحرب مجتهد فيها ولم يرجع عنها حتى أصابه السهم فأتى على نفسه .
وادعاء توبة مثل هذه مكابرة .
فإن قيل : إليس قد روي أن أمير المؤمنين لما جاءه ابن جرموز برأس الزبير قال : "بشر قاتل ابن صفية بالنار "فلو لم يكن تائبا لما استحق النار بقتله .
قيل لهم : إن ابن جرموز غدر بالزبير وقتله بعد أن أعطاه الامان وكان قتله على وجه الغيلة والمكر وهذه منه معصية لا شبهة فيها وقد تظاهر الخبر بما ذكرناه حتى روي أن عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل وكانت تحت عبد الله بن أبي بكر فخلف عليها عمر ثم الزبير قالت في ذلك : غدر ابن جرموز بفارس بهمة * يوم اللقاء وكان غير معرد يا عمرو لو نبهته لوجدته * لا طائشا رعش اللسان ولا اليد فإنما استحق ابن جرموز النار بقتله إياه غدرا لا لان المقتول في الجنة .

[337]

وهذا الجواب يتضمن الكلام على قولهم : إن بشارته بالنار مع الاضافة إلى قتل الزبير يدل على أنه إنما استحق النار بقتله لانا قد بينا في الجواب أنه من حيث قتله غدرا استحق النار .
وقد قيل في هذا الخبر أن ابن جرموز كأن من جملة الخوارج الخارجين على أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في النهروان وأن النبي صلى الله عليه وآله قد كان أخبره بحالهم ودله على جماعة منهم بأعيانهم وأوصافهم فلما جاءه برأس الزبير أشفق أمير المؤمنين من أن يظن به لعظيم ما فعله الخير ويقطع له على سلامة العاقبة ويكون قتله الزبير شبهة فيما يصير إليه من الخارجية قطع عليه بالنار لتزول الشبهة في أمره وليعلم أن هذا الفعل الذي فعله لا يساوي شيئا مع ما يرتكبه في المستقبل .
وجرى ذلك مجرى شهادة النبي صلى الله عليه وآله على رجل من الانصار يقال له : قزمان أبلى في يوم "أحد "بلاءا شديدا وقتل بيده جماعة [ فبشره النبي صلى الله عليه وآله ] بالنار ( 1 ) فعجب من ذلك السامعون حتى كشفوا عن أمره فوجدوا أنه لما حمل جريحا إلى منزله ووجد ألم الجراح قتل نفسه بمشقص .
وإنما شهد النبي صلى الله عليه وآله بالنار عليه عقيب بلائه للوجه الذي ذكرناه .
والذي يدل على أن بشارته بالنار لم تكن لكون الزبير تائبا مقلعا بل
-بحار الانوار مجلد: 29 من ص 337 سطر 19 الى ص 345 سطر 18 لبعض ما ذكرناه هو أنه لو كان الامر كما أدعوه لاقاده أمير المؤمنين ( عليه السلام ) به ولما طل دمه وفي عدوله ( عليه السلام ) من ذلك دلالة على ما ذكرناه .

___________________________________________________________
( 1 ) ما بين المعقوين قد سقط من الاصل ولابد منه أو ما في معناه .
( * )

[338]

فأما طلحة فقد بينا أنه تضيق إقامة العذر له لانه قتل في المعركة في حال التوبة فيها بعيدة وظاهر الحال الاصرار .
وليس لاحد أن يقول : إنه روي عنه أنه قال بعدما أصابه السهم : ندمت ندامة الكسعي لما * رأيت عيناه ما صنعت يداه لان هذا بعيد من الصواب والبيت المروي بأن يدل على خلاف التوبة أولى لانه جعل ندامته مثل ندامة الكسعي وخبر الكسعي معروف لانه ندم بحيث لا ينفعه الندم وحيث فاته الامر وخرج عن يده ولو كان ندم طلحة واقعا على وجه التوبة الصحيحة لم يكن مثل ندامة الكسعي بل كان شبيها لندامة من تلافى ما فرط فيه على وجه ينتفع به .
وروى حسين الاشقر عن يوسف البزاز عن جابر عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : مر أمير المؤمنين بطلحة وهو صريع فقال : اقعدوه .
فأقعد [ وه ] فقال : لقد كانت لك سابقة لكن دخل الشيطان في منخريك فأدخلك النار .
ثم روى عن معاوية بن هشام عن صباح المزني عن الحارث بن حصيرة عن إبراهيم مولى قريش أن عليا ( عليه السلام ) مر بطلحة قتيلا يوم الجمل .
وساق الحديث في التكلم معه ومع كعب بن سور مثل ما مر .
ثم قال رحمه الله - بعد إيراد أسئلة وأجوبة تركناها حذرا من الاطناب - : فإن قيل قول النبي صلى الله عليه وآله : "عشرة من أصحابي في الجنة " يدل على أنهما تابا لانهما من جملتهم بلا شك .
قيل لهم : قد بينا فيما تقدم الكلام على بطلان هذا الخبر حيث تعلقوا به في فضائل أبي بكر وقلنا : إنه لا يجوز أن يعلم الله مكلفا ليس بمعصوم من الذنوب بأن عاقبته الجنة لان ذلك يغريه بالقبيح وليس يمكن أحدا إدعاء عصمة التسعة ولو لم ين إلا ما وقع من طلحة والزبير من الكبيرة لكفى .

[339]

وقد ذكرنا أن هذا الخبر لو كان صحيحا لاحتج به أبوبكر لنفسه واحتج له به في [ يوم ] السقيفة وغيرها وكذلك عمر وعثمان .
ومما يبين أيضا بطلانه إمساك طلحة والزبير عن الاحتجاج به لما دعوا الناس إلى نصرتهما واستنفارهم إلى الحرب معهما وأي فضيلة أعظم وأفخم من الشهادة لهما بالجنة وكيف يعدلان مع العلم والحاجة عن ذكره إلا لانه باطل .
ويمكن أن يسلم مسلم هذا الخبر ويحمله على الاستحقاق في الحال لا العاقبة فكأنه أراد أنهم يدخلون الجنة إن وافوا بما هم عليه الآن ويكون الفائدة في الخبر إعلامنا بأنهم يستحقون الثواب في الحال .
وأما الكلام في توبة عائشة فما بيناه من الطرق الثلاث في توبة طلحة والزبير هي معتمدة فيما يدعونه من توبة عائشة .
أولها أن جميع ما يروونه من الاخبار لا يمكن ادعاء العلم فيها ولا القطع على صحتها وأحسن الاحوال فيها أن يوجب الظن وقد بينا أن المعلوم لا يرجع عنه بالمظنون .
والثاني أنها معارضة بأخبار تزيد على ما رووه في القوة أو تساويه .
فمن ذلك ما رواه الواقدي بإسناده عن شعبة عن ابن عباس قال : أرسلني علي ( عليه السلام ) إلى عائشة بعد الهزيمة وهي في دار الخزاعيين فأمرها أن ترجع إلى بلادها .
وساق الحديث نحوا مما مر برواية الكشي ( 1 ) إلى قوله : فبكت مرة أخرى أشد من بكائها الاول ثم قالت : والله لئن لم يغفر الله لنا لنهلكن .

___________________________________________________________
( 1 ) قد مرت رواية الكشي في الباب : ( 5 ) تحت الرقم : ( 191 ) ص 450 ط الكمباني .
( * )

[340]

ثم ساق الحديث إلى آخره ثم قال : فإن قيل : ففي هذا الخبر دليل على التوبة وهي قولها عقيب بكائها : لئن لم يغفر الله لنا لنهلكن .
قلنا قد كشف الامر ما عقبت هذا الكلام به من اعترافها ببعض أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وبغض أصحابه المؤمنين وقد أوجب الله عليها محبتهم وتعظيمهم وهذا دليل على الاصرار وأن بكائها إنما كان للخيبة لا للتوبة وما كان في قولها : "لئن لم يغفر الله لنا لنهلكن "من دليل التوبة وقد يقول المصر مثل ذلك إذا كان عارفا بخطائه فيما ارتكبه وليس كل من ارتكب ذنبا يعتقد أنه حسن حتى لا يكون خائفا من العقاب عليه وأكثر مرتكبي الذنوب يخافون العقاب مع الاصرار ويظهر منهم مثل ما حكي عن عائشة ولا يكون توبة .
وروى الواقدي بإسناده أن عمارا رحمة الله عليه استأذن على عائشة بالبصرة بعد الفتح فأذنت له فدخل فقال : يا أمة كيف رأيت صنع الله حين جمع بين الحق والباطل ألم يظهر الله الحق على الباطل ويزهق الباطل ؟ فقالت : إن الحروب دول وسجال وقد أديل على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولكن انظر يا عمار كيف تكون في عاقبة أمرك .
وروى الطبري في تاريخه ( 1 ) أنه لما انتهى إلى عائشة قتل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قالت : فألقت عصاها واستقرت بها النوى * كما قر عينا بالاياب المسافر

___________________________________________________________
( 1 ) ذكره في حوادث سنة الاربعين من الهجرة في أواخر عنوان : "ذكر الخبر عن مقتل علي ... "من تاريخ الامم والملوك : ج 5 ص 150 ، وفي ط 1 : ج 1 ، ص 3466 .
وأيضا حديث عائشة هذا وتمثلها عندما بلغها شهادة أمير المؤمنين عليه السلام رواها جماعة منهم ابن سعد في ترجمة أمير المؤمنين من الطبقات الكبرى : ج 3 ص 40 ط بيروت .
( * )