فهرس الكتاب

مكتبة فاطمة الزهراء

مكتبة الموقع

الصفحة الرئيسية

 

المدْخَل

فاطمة، وما أدراك من فاطمة؟

شخصية إنسان تحمل طابع الأنوثة لتكون آيةً على قدرة الله البالغة واقتداره البديع العجيب، فإن الله تعالى خلق محمداً (صلى الله عليه وآله) ليكون آية قدرته في الأنبياء، ثم خلق منه بضعته وابنته فاطمة الزهراء لتكون علامة وآية على قدرة الله في إبداع مخلوق أُنثى تكون كتلة من الفضائل، ومجموعة من المواهب فلقد أعطى الله تعالى فاطمة الزهراء أوفر حظ من العظمة، وأوفى نصيب من الجلالة بحيث لا يمكن لأية أنثى أن تبلغ تلك المنزلة.

فهي من فصيلة أولياء الله الذين اعترفت لهم السماء بالعظمة قبل أن يعرفهم أهل الأرض، ونزلت في حقهم آيات محكمات في الذكر الحكيم، تتلى آناء الليل وأطراف النهار منذ نزولها إلى يومنا هذا، وإلى أن تقوم القيامة.

شخصية كلما ازداد البشر نضجاً وفهماً للحقائق، واطلاعاً على الأسرار ظهرت عظمة تلك الشخصية بصورة أوسع، وتجلّت معانيها ومزاياها بصُوَر أوضح.

إنها فاطمة الزهراء، الله يثني عليها، ويرضى لرضاها ويغضب لغضبها. ورسول الله (صلى الله عليه وآله) ينوِّه بعظمتها وجلالة قدرها. وأمير المؤمنين (عليه السلام) ينظر إليها بنظر الإكبار والإعظام. وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) ينظرون إليها بنظر التقديس والاحترام.

وإنني أعتقد أن الكتاب - بما فيه - يكون عظيم النفع، غزير الفائدة، حلو الحديث، تستأنس به النفس، وتستعذبه الروح إلى غير ذلك مما يدركه القارئ ولا يمكن وصفه.

إذ أن التحدث عن حياة السيدة فاطمة الزهراء يشتمل على حوادث كلها عِبَر وحِكَم ودروس، يتعرف الإنسان بها على حياة أولياء الله وخاصته، وكيفية نظرتهم إلى الحياة، ويطلّع على جانب من التاريخ الإسلامي المتعلق بحياة السيدة فاطمة الزهراء بالرغم من قصر عمرها، وأنها كانت تعيش في خدرها، لا يطلَّع أحد على معاشرتها، وسلوكها في البيت إلا أسرتها وذووها.

وبالرغم من أن التاريخ ظلمها، ولم يُعِر لحياتها وترجمتها اهتماماً لائقاً بها. فالتحدث عن عبقرية السيدة فاطمة الزهراء يعتبر تحدثاً عن المرأة في الإسلام من حيث حفظ كرامتها، والاعتراف باحترامها وشخصيتها. ويشمل التحدث نموذجاً من المرأة بصفتها بنتاً في دار أبيها، وزوجة في دار بعلها، وأمًّا ومربيّة في البيت الزوجي.

ولا يخلو الكلام - هنا - عن التحدث عن المرأة في الإسلام بصفتها إنسانة يُسمح لها بالعمل في الحقل الاجتماعي، ولكن في إطار محدود بحدود الدين والعفة، والمحافظة على الشرف والكيان. ويتَّضح - ضمناً - أن الإسلام لا يحرم المرأة عن العلم والثقافة والأدب والمعرفة ولكن مع رعاية الابتعاد عن التبرج والاستهتار والاختلاط، وما شابه ذلك مما يسبّب الويلات على المرأة المسكينة ويدمِّر كيانها.

إنني أعتقد أن ليس من الممكن أن يوجد في العالم قانون أو نظام أو جهاز يحافظ على حرمة المرأة وكيانها وشرفها أكثر من محافظة الدين الإسلامي لذلك. فالجمعيات والمنظّمات النسائية في البلاد الإسلامية لم تنفع المرأة أبداً بل قد جلبت عليها الشقاء بصورة فظيعة.

وقد قرأت في بعض الصحف أن إحدى المنظَّمات النسائية تطالب حكومتها أن تضع قانوناً لمنع تعدد الزوجات!! إن المنظَّمة تعتبر تعدُّد الزوجات ظلماً واعتداءً على المرأة. فهي تطالب بإيقاف الرجل عند حدِّه، لئلا يطمع في أكثر من امرأة. إن المنظمة جاهلة أو متجاهلة إنها بعملها هذا تفتح على المرأة أبواب الفساد والشقاء، وتغلق عليها أبواب السعادة الزوجية ولذة الأمومة. فإذا خُيِّرت المرأة بين أن تتزوج برجل متزوج أو تبقى جليسة بيتها حتى يبيض شعرها كأسنانها، وإلى أن يأتيها الموت وهي واحدة من اثنتين: إما أن تقضي معظم حياتها - بما في ذلك من عنفوان شبابها - بالكبت والضغط والحرمان من ملاذ الحياة.

وإما إن تفسح لنفسها المجال، وتطلق لنفسها الحرية الكاملة، فتحضر السهرات، وتشترك في الحفلات وتراقص الرجال و و.. ثم تفتح عينها فإذا بها مفقودة الشرف، مسلوبة العفاف، محطّمة الشخصية، ملوثة الساحة، مشوّهة السمعة، يرغب بها الرجال ما دامت طريّة وشهيّة، فإذا فقدت محاسنها، وذبلت مفاتنها يمجّها كل أحد وينبذها كل رجل.

إذا خيّرت المرأة بين عدم الزواج وحياة العزوبة التي تنتهي بها إلى أحد المصيرين المذكورين، وبين أن تتزوج برجل متزوج، وتتمتع بالسعادة الزوجية تحت ظل العدالة الإسلامية، فهي محفوظة الشرف. سليمة العفاف، نزيهة السمعة، طاهرة الصحيفة والساحة تنتج أطفالاً، وتكوِّن أسرة، وتصلح أجزاء المجتمع، أيهما أفضل وأحسن؟؟

هذان طريقان، لا ثالث لهما، فإن عدد النساء في العالم أكثر من عدد الرجال، ولو اكتفى كل رجل بامرأة واحدة لبقيت هناك الملايين من النساء بغير أزواج. ثم هناك رجال لا تكفيهم امرأة واحدة، وهناك نساء لا تنسجم غرائزهن مع غرائز أزواجهن من حيث التجاوب والرغبة. أضف إلى هذا كله أن المرأة في معرض العقم والمرض والسفر إلى غير ذلك مما يطول الكلام بذكره، ولا أقصد في كتابي هذا التطرق إلى هذه المواضيع وإنما الكلام يجرُّ الكلام، والشيء بالشيء يذكر.

أعود - والعود أحمد - إلى حديثي عن الصدِّيقة فاطمة الزهراء، فلا عليك أن تعلم أن من أعجب الغرائب، وأغرب العجائب أن شخصية كشخصية فاطمة الزهراء التي هي في أوج العظمة، وذروة الشرف وقمّة الفضيلة تصبح هدفاً للأقلام المسمومة، والغارات القاسية التي شنّها بعض المسلمين وغيرهم.

ويظهر لك هذا بكل وضوح حينما تراجع كتب الأحاديث الزاخرة بفضائل هذه الشخصية، ترى إلى جانبها أحاديث افتعلتها يد الدسِّ والعداء، واختلقتها ألسنة الشحناء والبغضاء من سماسرة الحديث الوضّاعين الكذّابين، الذين كانوا أبواقاً للسلطات الماضية، ينفثون بما يوحي إليهم شياطينهم من زخرف القول والكذب والزور والبهتان، شأن من يشتري مرضاة المخلوق بسخط الخالق.

إنهم كتبوا بأقلام العداء ومحابر النفاق تلبية لمن اشترى منهم دينهم وضمائرهم، وهم غير مبالين بما في تزويرهم - هذا - من حطِّ مقام صاحب الشريعة النبي الأقدس (صلى الله عليه وآله) غير مكترثين بما في كلامهم ذاك من التناقض للأحاديث المتواترة المدوّنة في صحاحهم في فضل السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) وكأنهم يعجبهم المس بكرامة الصدِّيقة فاطمة الزهراء إجابة لنداء ضمائرهم، وهم يعلمون أنها عترة الرسول، وأحبُّ الناس إليه، وعزيزته وحبيبته وكأنهم لا يستطيعون التصريح بتدنيس ساحة الرسول الأعظم مباشرة فاختاروا الطريق الملتوي غير المباشر، كل ذلك إشباعاً لرغباتهم الجهنَّمية.

وما أدري ما هي الدوافع إلى هذا الهجوم العنيف القاسي على شخصية فاطمة الزهراء؟ وما هي أسباب هذا العداء العميق العجيب؟ أليست ابنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقرّة عينه وثمرة فؤاده، وروحه التي بين جنبيه؟

فهل كانت الزهراء خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فدفعتهم الدوافع للمسّ من كرامتها كما أساءوا إلى زوجها العظيم بنفس تلك الدوافع؟

ثم ما هذا التركيز والإلحاح على محاربة شخصيتها؟

هل لكونها بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟

فلماذا لا نجد هذه الظاهرة في حق سائر بنات النبي؟

أم لأنها زوجة الإمام علي (عليه السلام)؟

فقد تزوَّج الإمام أمير المؤمنين بعدها بأربع نساء، فلماذا لا نجد هذا التهريج والإرجاف في حقهن؟ إنني لا أتصور للسيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) ذنباً سوى أنها كانت أحبُّ الناس إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهي المفضلَّة على بقية بناته وزوجاته وأنها كانت المدافعة والمحامية عن حقوق زوجها. وأنها حضرت في المسجد، وطالبت بحقوقها المغتصبة وأموالها التي جعلتها الله ورسوله لها وأنها احتجت على رئيس الدولة يومذاك(1). وأمثالها من الفضائل والفواضل التي خصّها الله بها دون النساء. فهل هذه ذنوب تبرّر وتبيح للمسلمين أن يذكروها بما لا يناسب قدسيّتها ونزاهتها؟

وقد كان للمستشرقين الأجانب (من اليهود والنصارى) دور مهم في هذا المجال فلقد حاولوا المسّ بكرامة مقدّسات الإسلام والمسلمين، فالتقطوا الأباطيل والأساطير سقطات القول ونشروها في أوساطهم.

وجاء بعض المسلمين وترجموا تلك الكتب المسمومة وطبعوها ونشروها في البلاد الإسلامية، بدون أي تعليق أو تهذيب أو تنقيح، كأن نواياهم تتفق مع المستشرقين حول محتويات تلك الكتب. والأفضل أن ننقل هنا مثالاً لما نحن فيه عن الجزء الثالث من كتاب الغدير ص10 للمرحوم شيخنا الأميني مع رعاية الاختصار:

كتب مستشرق نصراني يسمىّ (إميل درمنغم) كتاباً سماه (حياة محمد) والكتاب كله كذب وزور وضلال ودسٍّ ودجل، وتهجّم على الإسلام والقرآن والنبي (صلى الله عليه وآله).

وقد ترجم الكتاب أستاذ فلسطيني يسمى (محمد عادل زعيتر) ولم يعلّق على خرافات الكتاب وأساطيره وأكاذيبه، وهو يزعم أنه يراعي أمانة النقل، وليت شعري هل التعليق على الباطل ينافي أمانة النقل؟

ومن جملة أباطيل الكتاب وأضاليله قوله:

(كانت فاطمة عابسة، دون رقية جمالاً، ودون زينب ذكاء، ولم تدار فاطمة حينما أخبرها أبوها من وراء الستر: أن علي بن أبي طالب ذكر اسمها، وكانت فاطمة تعدُّ علياً ذميماً محدوداً مع عظيم شجاعته، وما كان أكثر رغبة فيها من رغبتها مع ذلك.

وكان علي غير بهيِّ الوجه لعينيه الكبيرتين الفاترتين وانخفاض قصبة أنفه، وكبر بطنه وصلعه، وذلك كله إلى أن علياً كان شجاعاً تقياً صادقاً وفياً مخلصاً صالحاً مع توان وتردُّد!

أضاليل وأباطيل بعض الكتب المسمومة

وكان علي ينهت فيستقي الماء لنخيل أحد اليهود في مقابل حفنة تمر، فكان إذا عاد بها قال لزوجته عابساً: كلي وأطعمي الأولاد!

وكان علي يحرد بعد كل منافرة، ويذهب لينام في المسجد، وكان حموه يربِّته على كتفه ويعظه ويوفق بينه وبين فاطمة إلى حين، ومما حدث أن رأى النبي ابنته ذات مرة، وهي تبكي من لكم علي لها!!

إن محمداً مع امتداحه قدم علي في الإسلام إرضاءً لابنته كان قليل الالتفات إليه، وكان صهرا النبي الأمويان: عثمان الكريم وأبو العاصي أكثر مداراة للنبي من علي، وكان علي يألم من عدم عمل النبي على سعادة ابنته، ومن عدّ النبي له غير قوّام بجليل الأعمال.

والنبي وإن كان يفوّض إليه ضرب الرقاب كان يتجنب تسليم قيادة إليه.. وأسوأ من ذلك ما كان يقع عند مصاقبة علي وفاطمة لعدَّواتهما أزواج النبي وتنازع الفريقين، فكانت فاطمة تعتب على أبيها متحسرة، لأنه كان لا ينحاز إلى بناته.. إلى غير ذلك من جنايات تاريخية سوداء سوَّد بها الرجل صحيفة كتابه.

وهنا يجب شيخنا الأميني (رضوان الله عليه) على مفتريات هذا النصراني: (أنا لا ألوم المؤلف - جدع الله مسامعه - وإن جاء بأذني عناق(2) إذ هو من قوم حناق على الإسلام، وهو مع ذلك جرف منهال وسحب منجال(3)، ينمُّ كتابه عن عجزه وبحره، وإنما العتب كل العتب على المترجم الجاني على الإسلام والشرق والعرب - وهو يحسب نفسه منهم - نعم، جدب السوء يلتجئ إلى نجعة سوء(4)، والجنس إلى الجنس يميل.

كل ما في الكتاب من تلكم الأقوال المختلفة والنسب المفتعلة إن هي كلم الطائش، تخالف التاريخ الصحيح، وتضاد ما أصفقت عليه الأمة الإسلامية وما أخبر به نبيها الأقدس.

فهل تناسب تقولاته في فاطمة مع قول أبيها (صلى الله عليه وآله): فاطمة حوراء إنسية، كلما اشتقت إلى الجنة قبلّتها(5)؟

أو قوله (صلى الله عليه وآله): ابنتي فاطمة حوراء آدمية(6)؟

أو قوله (صلى الله عليه وآله): فاطمة هي الزهراء(7)؟

أو قول أم أنس بن مالك؟: كانت فاطمة كالقمر ليلة البدر، أو الشمس كفر غماماً، إذا خرج من السحاب، بيضاء مشرّبة حمرة، لها شعر أسود، من أشد الناس برسول الله شبهاً، والله كما قال الشاعر:

بيضاء تســحب من قيام شعرها          وتغيب فيه وهو جثل أسحم(8)

فكأنها فــــيه نـــهار مشـــــرق          وكـأنه لـــيل عليــــها مظــلم(9)

ولقبها الزهراء المتسالم عليه يكشف عن جلية الحال.

وهل يساعد تلك التحكُّمات في ذكاء فاطمة وخُلقها قولُ أُم المؤمنين خديجة (رضي الله عنها): كانت فاطمة تُحدِّث في بطن أُمِّها، ولما وُلدت وقعت حين وقعت على الأرض ساجدة، رافعة إصبعها(10)؟!

أو يلائمها قول عائشة: ما رأيت أحداً أشبه سمتاً ودلاًّ وهدياً وحديثاً برسول الله في قيامه وقعوده من فاطمة الزهراء كانت إذا دخلت على رسول الله قام إليها فقبَّلها ورحّب بها، وأخذ بيدها وأجلسها في مجلسه(11)؟!

وفي لفظ البيهقي في (السنن: ج7 ص101): ما رأيت أحداً أشبه كلاماً وحديثاً من فاطمة برسول الله (صلى الله عليه وآله)..

وهل توافق مخاريقه في الإمام علي (صلوات الله عليه) وعدم بهاء وجهه وعدُّ فاطمة له دميماً، وكونه عابساً مع ما جاء في جماله البهي: أنه كان حسن الوجه كأنه قمر ليلة البدر، وكأن عنقه إبريق فضة(12) ضحوك السن(13) فإن تبسّم فعن اللؤلؤ المنظوم(14).

وأين هي من قول أبي الأسود الدؤلي من أبيات له:

إذا اســــــتقبلت وجــــــه أبــي تراب         رأيــــت البـــدر حار الناظرينا(15)

نعم، حسدوا الفتى إذ لم ينالوا فضله         فالـــــناس أعــــداء لـــــه وخصوم

كضرائر الحسـناء قلَــــــن لوجـــهها        حسداً وبغــــــضاً: إنـــــه لـــــدميم

أو يخبرك ضميرك الحرُّ في علي ما سلقه الرجل به من (التواني والتردد)؟ وعلي ذلك المقتحم في الأهوال والضارب في الأوساط والأعراض في المغازي والحروب؟

وهو الذي كشف الكُرب عن وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) في كل نازلة وكارثة منذ صدع بالدين الحنيف إلى أن بات على فراشه، وفداه بنفسه، إلى أن سكن مقرّه الأخير.

أليس علي هو ذلك المناضل الوحيد الذي نزل فيه قوله تعالى:

(أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله)؟

وقوله تعالى: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله)؟(16).

فمتى خلى علي عن مقارعة الرجال، والذبِّ عن قدس صاحب الرسالة حتى يصح أن يُعزى إليه توانٍ أو تردد في أمر من أمور الدين؟!.

غير أن القول الباطل لا حدَّ له ولا أمد.

وهل يتصور في أمير المؤمنين تلك العِشرة السيئة مع حليلته الطاهرة؟! والنبي يقول له: أشبهتَ خَلقي خُلقي وأنت من شجرتي التي أنا منها(17) وكيف يراه النبي (صلى الله عليه وآله) أفضل أمته وأعظمهم حلماً وأحسنهم خلقاً ويقول: علي خير أُمُّتي، وأعلمهم علماً، وأفضلهم حلماً؟(18).

ويقول لفاطمة: إني زوَّجتك أقدم أُمَّتي سلماً، وأكثرهم علماً، وأعظمهم حلماً؟(19).

ويقول لها: زوَّجتك أقدمهم سلماً، وأحسنهم خُلقاً؟(20).

يقول هذه كلها وعشرته تلك كما كانت بمرأى منه ومسمع؟ أفك الدجَّالون، كان علي (عليه السلام) كما أخبر به النبي الصادق الأمين (صلى الله عليه وآله). وهل يقبل شعورك ما قذف به الرجل (فضَّ الله فاه) علياً بلكْم فاطمة بضعة المصطفى؟! وعلي ذاك المقتص أثر الرسول، وملأ مسامعه قوله (صلى الله عليه وآله) لفاطمة: إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك(21).

وقوله (صلى الله عليه وآله) وهو آخذ بيدها: من عرف هذه فقد عرفها، ومن لم يعرفها، فهي بضعة مني، هي قلبي وروحي التي بين جنبيَّ، فمن آذاها فقد آذاني(22).

وقوله (صلى الله عليه وآله): فاطمة بضعة مني، يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها(23). وقوله (صلى الله عليه وآله): فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها فقد أغضبني(24).

وقوله (صلى الله عليه وآله): فاطمة بضعة مني، يقبضني ما يقبضها ويبسطني ما يبسطها(25).

وهل يقتصر امتداح النبي علياً بمدح إسلامه؟! حتى يتفلسف في سرِّه، ويكون ذلك إرضاءً لابنته، على أن امتداحه بذلك لو كان لتلك المزعمة لكان يقتصر (صلى الله عليه وآله) على قوله لفاطمة في ذلك، وكان يتأتى الغرض به، فلماذا كان يأخذ (صلى الله عليه وآله) بيد علي في الملأِ الصحابي تارة ويقول: إن هذا أول من آمن بي، وهذا أول من يصافحني يوم القيامة؟

ولماذا كان يخاطب أصحابه أخرى بقوله: أوَّلكم وارداً عليَّ الحوض أوَّلكم إسلاماً: علي بن أبي طالب؟

وكيف خفي هذا السرُّ المختلق على الصحابة الحضور والتابعين لهم بإحسان، فطفقوا يمدحونه بهذه الإثارة كما يروي عن سلمان الفارسي، أنس بن مالك، زيد بن أرقم، عبد الله بن عباس، عبد الله بن حجل، هاشم بن عتبة، مالك الأشتر، عبد الله بن هاشم، محمد بن أبي بكر، عمرو بن الحمق، أبو عمر عدي بن حاتم، أبو رافع، بريدة، جندب بن زهير، أم الخير بنت الحراش(26)؟

وهل القول بقلِّة التفات النبي إلى علي يساعده القرآن الناطق بأنه نفس النبي الطاهر؟! أو جعل مودته أجر رسالته؟!.

أو قوله (صلى الله عليه وآله) في حديث الطير المشوي، المروي في الصحاح والمسانيد: اللهم ائتني بأحبِّ خلقك إليك ليأكل معي.

أو قوله (صلى الله عليه وآله) لعائشة: إنّ علياً أحبُّ الرجال إليَّ، وأكرمهم عليَّ، فاعرفي له حقه، وأكرمي مثواه(27).

أو قوله (صلى الله عليه وآله): أحبُّ الناس إليَّ من الرجال علي(28).

أو قوله (صلى الله عليه وآله): علي خير مَن أتركه بعدي(29).

أو قوله (صلى الله عليه وآله): خير رجالكم علي بن أبي طالب، وخير نسائكم فاطمة بنت محمد(30).

أو قوله (صلى الله عليه وآله): علي خير البشر، فمن أبى فقد كفر!(31).

أو قوله (صلى الله عليه وآله): من لم يقل علي خير الناس فقد كفر(32).

أو قوله (صلى الله عليه وآله): في حديث الراية المتفق عليه: لأعطيَّن الراية غداً رجلاً يحبه الله ورسوله، ويحب الله ورسوله.

أو قوله (صلى الله عليه وآله): علي مني بمنزلة رأسي من بدني أو جسدي(33).

أو قوله (صلى الله عليه وآله): علي مني بمنزلتي من ربي(34).

أو قوله (صلى الله عليه وآله): علي أحبَّهم إليَّ، وأحبَّهم إلى الله(35).

أو قوله (صلى الله عليه وآله) لعلي: أنا منك وأنت مني، أو: أنت مني وأنا منك(36).

أو قوله (صلى الله عليه وآله): علي مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن من بعدي(37).

أو قوله (صلى الله عليه وآله) في حديث البعث بسورة البراءة المجمع على صحته: لا يذهب بها إلا رجل مني وأنا منه(38).

أو قوله (صلى الله عليه وآله): لحمك لحمي ودمك دمي والحق معك(39).

أو قوله (صلى الله عليه وآله): ما من نبي إلاَّ وبه نظير في أُمته، وعلي نظيري(40).

أو ما صحّحه الحاكم وأخرجه الطبراني عن أم سلمة قالت: كان رسول الله إذا أُغضب لم يجترئ أحد أن يكلَّمه غير علي(41).

أو قول عائشة: والله ما رأيت أحداً أحبُّ إلى رسول الله من علي ولا في الأرض امرأة كانت أحبُّ إليه من امرأته(42).

أو قول بريدة وأُبي: أحب الناس إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) من النساء فاطمة، ومن الرجال علي(43).

أو حديث جميع بن عمير، قال: دخلت مع عمتي على عائشة فسألت: أي الناس أحب إلى رسول الله؟! قالت: فاطمة. فقيل: من الرجال؟ قالت: زوجها، إن كان ما علمت صوَّاماً قوَّاماً.

وكيف كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقدِّم الغير على علي في الالتفات إليه؟! وهو أول رجل اختاره الله بعده من أهل الأرض لما اطَّلع عليهم، كما أخبر به (صلى الله عليه وآله) لفاطمة بقوله: إن الله اطلع على أهل الأرض فاختار منه أباك فبعثه نبياً، ثم اطلع الثانية فاختار بعلك فأوحى إليَّ فأنكحته واتخذته وصياً(44).

وبقوله (صلى الله عليه وآله): إن الله اختار من أهل الأرض رجلين أحدهما أبوك والآخر زوجك(45).

إلى آخر ما ذكره شيخنا الأميني (عليه الرحمة) في سرد الأحاديث الصحيحة في تزييف أباطيل ذلك الكتاب التائه.

هذا، والتهجُّمات القاسية ضدَّ آل رسول الله (صلى الله عليه وآله) كثيرة جداً وسنشير أيضاً إلى بعضها في المستقبل بمناسبة المقام إن شاء الله.

وقبل الخوض في صميم البحث لا بأس بذكر مقدمة كمدخل في الموضوع، وحيث أن التحدث في هذا الكتاب إنما هو عن شخصية فوق المستويات التي عرفها البشر فلابدَّ من تمهيد أمور لعلها تعتبر من (الماورائيات) فلا بأس فالشخصية المترجمة عبقرية ماورائية، وسيتَّضح لك صدق هذا القول وصحة هذا الكلام.

 

1 - سيأتيك التفصيل في شرح خطبتها في مسجد أبيها والرسول.

2 - أي جاء بالكذب والباطل.

3 - مثل يضرب، يراد أنه لا يطمع في خيره.

4 - يعي أن الأمور تتشاكل في الجودة والرداءة.

5 - تاريخ الخطيب البغدادي: ج5 ص86.

6 - الصواعق: ص96 إسعاف الراغبين ص173.

7 - نزهة المجالس: ج2 ص222.

8 - جثل الشعر: كثر والتف واسود. والأسحم: الأسود.

9 - مستدرك الحاكم: ج3 ص161.

10 - سيرة الملا، ذخائر العقبى.

11 - الترمذي، وابن عبد ربه في العقد الفريد: ج2 ص3.

12 - الاستيعاب: ج2 ص469.

13 - تهذيب الأسماء واللغات.

14 - حلية الأولياء: ج1 ص84.

15 - تذكرة السبط ص104.

16 - سورة البقرة: الآية 203.

17 - تاريخ بغداد للخطيب ج21 ص171.

18 - الطبري، الخطيب، الدولابي كما في كنز العمال: ج6 ص153. 

19 - مسند أحمد: ج5 ص26 الرياض النضرة: ج2 ص194.

20 - الرياض النضرة: ج2 ص182.

21 - مستدرك الحاكم:ج3 ص154، تذكرة السبط 175 مقتل الخوارزمي ج1 ص52، كفاية الطالب ص219، كنز العمال ج7 ص111، الصواعق ص105 وغيرها.

22 - الفصول المهمة 150 نزهة المجالس ج2 ص228 نور الأبصار ص45.

23 - صحاح البخاري ومسلم والترمذي، مسند أحمد ج4 ص328 الخصائص للنسائي ص35.

24 - صحيح البخاري، خصائص النسائي ص35.

25 - مسند أحمد ج4 ص323 الصواعق المحرقة 113.

26 - أكثر المصادر التاريخية.

27 - الرياض النضرة ج2 ص161 ذخائر العقبى 62.

28 - وفي لفظ: أحب أهلي.

29 - مواقف الأيجي ج3 ص276 مجمع الزوائد ج9 ص113.

30 - تاريخ بغداد للخطيب ج4 ص392.

31 - تاريخ بغداد، كنوز الحقائق، هامش الجامع الصغير، ص16 كنز العمال ج6 ص159.

32 - تاريخ بغداد ج3 ص192 كنز العمال ج6 ص159.

33 - تاريخ بغداد ج7 ص12 الصواعق 75، الجامع الصغير للسيوطي، نور الأبصار: ص80.

34 - السيرة الحلبية ج3 ص391 الرياض النضرة ج2 ص163.

35 - تاريخ بغداد ج1 ص160.

36 - مسند أحمد ج5 ص204، الخصائص للنسائي 36و51.

37 - مسند أحمد ج5 ص356.

38 - الخصائص للنسائي 8 وغيره.

39 - المحاسن والمساوئ ج1 ص31، مناقب الخوارزمي 76، 83، 87.

40 - الرياضة النضرة ج2 ص164.

41 - الصواعق 73، تاريخ الخلفاء للسيوطي 116.

42 - مستدرك الحاكم ج3 ص154، الخصائص للنسائي 29.

43 - الخصائص للنسائي 29، مستدرك الحاكم ج3 ص155.

44 - الطبراني، كنز العمال ج6 ص153، مجمع الزوائد ج9 ص165.

45 - مواقف الآيجي ص8.