فهرس الكتاب

مكتبة فاطمة الزهراء

مكتبة الموقع

الصفحة الرئيسية

 

فاطِمَةُ الزهْرَاء تُوجّهُ الخِطَابَ إلى الحَاضِرين

في عِتَابِهَا مَعَ المُتَخَاذِلين

وجهت السيدة فاطمة عتابها الأخير إلى تلك الجماهير المتجمهرة التي كانت تستمع إلى ذلك الحوار الحادّ فقالت:

معاشر الناس

المُسرعة إلى قيل الباطل

المُغضية على الفعل القبيح الخاسر(1)

أفلا تتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها؟

كلا، بل ران على قلوبكم ما أسأتم من أعمالكم

فأخذ بسمعكم وأبصاركم

ولبئس ما تأوّلتم

وساء ما به أشرتم

وشر منه اعتضتُّم(2)

لتجدنَّ - والله - محمله ثقيلاً

وغبَّه وبيلاً(3)

إذا كشف لكم الغطاء وبان ما وراءه الضرّاء

وبدا لكم من ربكم ما لم تكونوا تحتسبون، وخسر هنالك المبطلون.

شرح الخطاب

(معاشر الناس المسرعة إلى قيل الباطل) أي القول الباطل، أي أسرعتم إلى قول باطل إذ أنكم قلّدتم هذا الرجل ما قلّدتم، واتفقتم معه - حسب ادعائه - على غصب حقوقي.

(المغضية على الفعل القبيح الخاسر) الإغضاء هو إدناءِ الجفون على العين، كالذي ينظر إلى الأرض أو ينظر في حِجره، كناية عن السكوت والرضا بالفعل القبيح الخاسر الذي هو سبب خسران صاحبه.

(أفلا تتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها؟) هل نسيتم الآيات النازلة فينا؟ أو لم تفهموا الآيات التي تلوتها في وراثة الأنبياء؟ أم قلوبكم مقفلة مغلقة فلا تنفتح لكلام الله وأحكامه في القرآن؟

(كلاَّ) ليس السبب عدم التدبر في القرآن (بل ران على قلوبكم ما أسأتم من أعمالكم) أي غلب على قلوبكم وغطّاها سوء أعمالكم كالحجاب الكثيف، كما تغطّي الخمرة عقل شاربها فلا يفهم ولا يشعر، وتختل عنده الأمور.

(فأخذ بسمعكم وأبصاركم) كالغفلة المستولية على القلب، المؤثّرة على السمع والبصر، فلا يسمع الغافل الصوت ولا يبصر الشيء بسبب انشغال قلبه وغفلته.

(ولبئس ما تأوَّلتم) في آيات القرآن وأحكام الإسلام وتغييرها عن مجراها الحقيقي (وساء ما به أشرتم) تقصد التعاون والاتفاق على غصب حقوق آل محمد (عليهم السلام).

(وشرّ ما منه اعتضتم) أي ساء ما أخذتم به عوضاً عما تركتم أي بئس الباطل الذي أخذتموه عوضاً عن الحق، وكلها كنايات وإشارات يفهمها الأذكياء.

(لتجدَّن - والله - محمله ثقيلاً وغبّه وبيلاً) إشارة إلى المسؤولية الكبرى يوم القيامة، والحمل الثقيل والأمر الشديد الذي يعاقبون عليه أشد العقاب، ويعذّبون عليه أشد العذاب.

(إذا كشف لكم الغطاء) إذ متّم وانتقلتم إلى عالم الجزاء.

(وبان ما وراءه الضرّاء) وظهر لكم الشيء الذي وراءه الشدّة.

(وبدا لكم من ربكم ما لم تكونوا تحتسبون، وخسر هنالك المبطلون) وهكذا أدمجت السيدة فاطمة حديثها وخطابها مع الآيات المناسبة للمقام.

لقد أتمت السيدة فاطمة الحجة على الجميع، وأدّت ما عليها من الواجبات، وسجلت آلامها في سجل التاريخ والآن:

ثم عطفت على قبر أبيها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقالت:

قد كــــان بعــدك أنـــــــباء وهنبثة(4)          لو كنــــت شاهدها لم تكثر الخطبُ(5)

إنا فقدناك فــــقدَ الأرض وابلــــــها(6)          واختل قومك فاشهدهم وقد نكبوا(7)

وكل أهل لــــــــه قُـــــربى ومنــــــزلة          عند الإلـــــه علـــــــــى الأدنين مقتربُ

أبدَتْ رجـال لـــــنا نجوى صدورهم(8)          لما مضيتَ وحـــــــالت دونـــــك التُّربُ

تجهّمـتنا رجـــــــال واستُـــــــــخفّ بنا          لما فُقــــدتَ، وكل الإرث مغتصَبُ(9)

وكنتَ بــــــــدراً ونـــــوراً يُستضاء به          عليك تنـــــــزل مـــــن ذي العزّة الكتبُ

وكان جــــــــبريل بالآيات يــــــــؤنسنا          فقد فُقدتَ، فكـــــــلّ الخـــــــير مُحتجبُ

فليتَ قبلكَ كــــــــان المــــــوت صادَفَنا          لمّا مضــــيت وحالت دونك الكُثُبُ(10)

إنا رُزينا بما لـــــــــم يُرزَ ذو شَجَن(11)          مِن البريــــــــة لا عجـــــــــم ولا عربُ

وفي ناسخ التواريخ زيادة هذه الأبيات:

سيعــــــلم المتـــــــولي ظلم حامتنا          يوم القيامة أنّــــــى ســـــوف ينقلبُ

وسوف نبكـــيك ما عشنا وما بقيت          له العـــــــيون بتهـــــــمال له سكبُ

وقد رزُينا بـــــه محــــــضاً خليقته          صافي الضـرائب والأعراق والنسبُ

فأنت خـــــــــير عبـــــــاد الله كلهم          وأصدق الناس حين الصدق والكذبُ

وكان جــــبريل روح القدس زائرنا          فغاب عـــــــنا فــــكل الخير محتجبُ

ضاقت علــــيَّ بلادٌ بعـــــدما رحبتْ          وسيــم سبطاك خسفاً فيه لي نَصَبُ

وفي كشف الغمة وغيره: ثم عطفت على قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فتمثّلت بقول هند بنت أثاثة: قد كان بعدك.. الخ.

وقيل هذه الأبيات لهند بنت أبان بن عبد المطلب تمثلت بها السيدة فاطمة، وعلى كلٍ فقد ألقت السيدة فاطمة نفسها على قبر أبيها وهي تنشد هذه الأبيات.

وفي كشف الغمة: فما رأينا أكثر باك ولا باكية من ذلك اليوم.

 

1 - المغضية: الساكتة الراضية.

2 - اعتضتّم: من الاعتياض وهو أخذ العوض.

3 - الغبّ - بكسر الغين -: العاقبة. الوبيل: الشديد الثقيل.

4 - الهنبثة: الأمر الشديد المختلف.

5 - الخطب - بضم الخاء والطاء - جمع خطب - بفتح الخاء - وهي المصائب الشديدة.

6 - الوابل: المطر الغزير الكثير.

7 - نكبوا: عدلوا عن الطريق.

8 - نجوى - هنا -: الأحقاد.

9 - مغتصب: مغصوب.

10 - الكثب - بضم الكاف والثاء - جمع كثيب وهو الرمل.

11 - رزينا: من الرزية وهي المصيبة. والشجن: الحزن.