فهرس الكتاب

مكتبة فاطمة الزهراء

مكتبة الموقع

الصفحة الرئيسية

 

فاطِمَة الزّهْرَاء (عليها السلام) تطالب بحقها المغصوب

لما أنهت السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) حديثها عن فلسفة الإسلام، وعن علل الشريعة الإسلامية، عرّجت على كلامها المقصود وهدفها المنشود، وهو المطالبة بحقها والتظلم من السلطة الحاكمة، وقبل كل شيء وجّهت الخطاب إلى الشعب الحاضر في المسجد، في المؤتمر الإسلامي لأنهم بايعوا رئيس الدولة، ولم توجّه الخطاب إلى رئيس الدولة لأنه هو أحد طرفي المحاكمة، وهو المقصود بالمخاصمة والإدانة، ولهذا عرّفت نفسها للحاضرين كما هي الأصول المتبعة في المحاكمات ولأنها الطرف الآخر للمحاكمة، ولأنها تمثّل آل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعترته الطيبين بل هي ملكة الإسلام، والمحاكمة وقعت بمحضر من المهاجرين والأنصار وغيرهم، وهم يومذاك من الشخصيات الإسلامية البارزة المرموقة ومن الوزن الثقيل.

وموضوع المحاكمة هي الأراضي والمقاطعات التي كانت تحت تصرّف السيدة فاطمة الزهراء منذ سنوات، ثم استولى عليها رئيس الدولة وصادرها بدون مبرر شرعي، ولهذا وجّهت السيدة فاطمة الزهراء كلامها إلى الحاضرين في ذلك المؤتمر، فقالت:

أيّها الناس!

اعلموا أني فاطمةّ!

وأبي محمد

أقول عَوداً وبدءاً(1).

ولا أقول ما أقول غلطاً، ولا أفعل ما أفعل شططاً(2).

(لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنّتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم)(3).

فإن تعزوه وتعرفوه تجدوه أبي دون نسائكم(4).

وأخا ابن عمّي دون رجالكم.

ولنعم المعزِيُّ إليه(5) (صلى الله عليه وآله).

فبلّغ بالرسالة، صادعاً بالنذارة(6).

مائلاً عن مدرجة المشركين(7).

ضارباً ثَبجهم(8)، آخذاً بأكظامهم(9).

داعياً إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة.

يكسر الأصنام.

وينكت الهام(10).

حتى انهزم الجمع وولّوا الدبر.

حتى تفرّى الليل عن صبحه(11).

وأسفر الحق عن محضه(12).

ونطق زعيم الدين.

وخرست شقاشق الشياطين(13).

وطاح وشيظ النفاق(14).

وانحلت عُقد الكفر والشقاق(15).

وفُهتم بكلمة الإخلاص(16).

ونفرٌ من البيض الخِماص(17).

وكنتم على شفا حفرة من النار(18).

مذقة الشارب(19)، ونهزة الطامع(20).

وقبسة العجلان(21).

وموطئ الأقدام.

تشربون الطرق(22)، وتقتاتون القِدَّ والورق(23).

أذلّةً خاسئين.

تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم.

فأنقذكم الله تعالى بمحمد (صلى الله عليه وآله).

بعد اللتيّا والتي.

وبعد أن مُني بِبُهم الرجال(24).

وذُؤبان العرب

ومَرَدَة أهل الكتاب(25).

كلّما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله.

أو نَجَم(26) قرن للشيطان.

أو فَغرتْ(27) فاغرة من المشركين.

قَذف أخاه في لهواتها(28).

فلا ينكفئ حتى يطأ صِماخها بأخمصه(29).

ويخمد لهبها بسيفه(30).

مكدوداً في ذات الله(31).

مجتهداً في أمر الله.

قريباً من رسول الله.

سيداً في أولياء الله.

مُشمّراً ناصحاً، مجدّاً كادحاً(32).

وأنتم في رفاهية من العيش(33).

وادعون فاكهون آمنون(34).

تتربصون بنا الدوائر(35).

وتتوكفون الأخبار(36).

وتنكصون عند النزال(37).

وتفرّون من القتال.

شرحها

(أيها الناس اعلموا إني فاطمة) ذكرت اسمها للمستمعين، ذلك الاسم الذي لا يجهله أحد، ذلك الاسم الذي سمعه الناس مراراً وتكراراً من فم الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) مشفوعاً بالعواطف النبوية، مقروناً بكل تجليل وتعظيم وتقدير.

(وأبي محمد صلى الله عليه وآله) وهذا النسب الشريف الأرفع، النسب الذي ليس فوقه نسب، النسب الذي هو مفخرة الكون، ودرّة تاج الوجود، وأشهر من الشمس.

نعم، إن فاطمة هي بنت محمد، سيد الأنبياء، أشرف الخلائق، أطهر الكائنات، أفضل المخلوقين.

نعم، بنت هذا العظيم تتكلم وتخطب. وتحتج وتتظلم.

لقد عرّفت نفسها لئلا يقول قائل: ما عرفناها، ولماذا ما صرّحت باسمها؟ ولماذا لم تعرّف شخصها؟ ولماذا لم تذكر نسبها؟

وبهذا أتمّت الحجة، ولم تُبق لذي مقال مقالاً، ذكرت اسمها الصريح ونسبها الواضح تعريضاً وتوبيخاً لهم.

نعم، إن فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله) جاءت تطالب بحقوقها وأموالها التي صودرت وغصبت منها.

(أقول عوداً وبدءاً) أي أتكلم آخراً وأولاً، وأولاً وآخراً، وأنا على يقين بما أقول وفي نسخة: (عَوداً على بدء) والمعنى واحد

(ولا أقول ما أقول غلطاً) وهو الخطأ في الكلام من كذب وخديعة ومغالطة.

(ولا أفعل ما أفعل شططاً) لا أتكلم جوراً وظلماً وتجاوزاً عن الحد.

(لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) افتتحت هذا البحث بذكر أبيها الرسول (صلى الله عليه وآله) وأدمجت كلامها بكلام الله تعالى، حيث يقول: إن الرسول من العرب، يشق ويعزّ عليه وقوعكم في الشدّة لأجله، حريص على توفير وسائل السعادة لكم، بالمؤمنين من هذه الأمة رؤوف رحيم، كلمتان مترادفتان، معناهما العطف واللطف والحنان.

(فإن تعزوه وتعرفوه) أي تنسبوه، وتقولوا فيه إنه أبو مَن؟ وأخو مَن؟ وفي نسخة: (فإن تعزروه وتوقروه) أي تعظموه.

(تجدوه أبي دون نسائكم) نعم، أنا ابنته الوحيدة، وهو أبي، ولا تشاركني نساؤكم في هذا النسب الطاهر الأعلى.

(وأخا ابن عمي دون رجالكم) نعم، إنه أخو زوجي، ولم يشارك أحد من رجالكم أبي في الأخوة ة وليس المقصود - هنا - أخوّة النسب، بل الأخوّة التي حصلت يوم المؤاخاة حينما آخى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين أصحابه، آخى بينه وبين عليّ وكان الرسول ينوّه بهذه الأخوة في شتى المناسبات ومختلف المجالات، ويركّز على كلمة: (أخي) كقوله (صلى الله عليه وآله): ادعوا لي أخي، وأين أخي؟ وأنت أخي، وإنه أخي في الدنيا والآخرة.

وكان عليّ (عليه السلام) يعتزّ بهذه الأخوة والمؤاخاة، ويذكرها نظماً ونثراً، ومنه قوله (عليه السلام):

أنا أخــــــو المصطفى لا شك في نسبي          معه ربيت، وسبـــــــطاه هــــــما ولدي

وقوله: محـــــــمد النبي أخي وصنــوي          وحمـــــــزة ســـــــيد الشــهــــداء عمي

وقوله: ومَن حــــين آخى بـين من كان          حاضراً دعاني وآخاني وبيّن من فضلي

وقوله: أنا عبد الله وأخو رسول الله، وأنا الصدّيق الأكبر والفاروق الأعظم لا يقوله غيري إلاّ كذاب(38).

(ولنعم المعزّي إليه صلى الله عليه وآله) نِعم المنسوب إليه والمنتمي إليه، أنه أشرف من ينتسب إليه، وأطهر من ينتمي إليه، لأنه علة الإيجاد، وبيُمنه رُزق الورى.

(فبلّغ الرسالة صادعاً بالنذارة) بلّغ الرسول كل ما أُمر بتبليغه مظهراً بالإنذار والتخويف بعذاب الآخرة.

(مائلاً عن مدرجة المشركين) وفي نسخة: (ناكباً عن سنن مدرجة المشركين) أي عدل عن طريقة المشركين ومسلكهم.

(ضارباً ثبجهم) أي كان الرسول ضارباً كواهل المشركين وظهورهم، والمقصود جهاد الكفار والمشركين.

(آخذاً بأكظامهم) أي ممسكاً على أفواههم، أو مخارج أنفاسهم، وهي كناية عن إيقافهم عند حدّهم، وإحباط مؤامراتهم، وتفنيد أباطيلهم.

(داعياً إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة).

كان يدعو إلى الله، لا إلى الدنيا، إلى سبيل ربه، لا سبيل غيره، ويراعي في دعوته مستويات الناس، فيدعو بالحكمة وهي المقالة الموضحة للحق والمزيحة للشبهة، هذا بالنسبة للطبقة الواعية المثقفة، ويدعو بالموعظة الحسنة وهي الخطابات المقنعة للنفوس، والعبر النافعة للحياة، وهذا بالنسبة للطبقة العامة.

ويجادلهم بالتي هي أحسن، وهي أحسن طرق المجادلة والتفاهم، وإقامة الأدلة والبراهين بالنسبة للمعاندين.

(ويكسر الأصنام) التي كان المشركون يعبدونها ويعتبرونها آلهة من دون الله (وينكت الهام) وفي نسخة: (ينكس الهام) إشارة إلى قتال رؤساء الكفر وأقطاب الشرك وقمعهم وإذلالهم، وهم الذين كانوا يؤججون نيران الحروب، ويثيرون الفتن أمثال: شيبة وعتبة وأبي جهل ونظرائهم، أو إذلال المفسدين والمشاغبين، وفي نسخة: (ينكث الهام) أي يلقي الرجل على رأسه.

(حتى انهزم الجمع وولّوا الدبر) أي استمر الكفاح والجهاد سنوات عديدة، تتكون خلالها الحروب والغزوات والاضطرابات حتى قضى الرسول على أصول الفتن وجراثيم الفساد فانكسرت شوكة الكفار، وضعفت معنوياتهم، وأخيراً حتى انهزم الجمع، أي جماعة الكفار وأدبروا فارّين.

(حتى تفرّى الليل عن صبحه) حتى انجلت ظلمات الكفر السوداء، وتجلى صبح الإسلام الأبيض الناصع.

(وأسفر الحق عن محضه) أي ارتفعت الحواجز الباطلة التي حجبت الحق عن الظهور فأضاء الحق الخالص الذي لا يشوبه شيء من الباطل، وكلها كنايات عن تجمّع القوى الدينية.

(ونطق زعيم الدين) تكلم رئيس الدين فيما يتعلق بأمور الدين وأمور المسلمين بكل حرية وصراحة.

(وخرست شقاشق الشياطين) قد ذكرنا في شرح ألفاظ الخطبة أن الشقاشق - جمع شقشقة - شيء يشبه الرئة يخرج من فم البعير عند هيجانه، والمقصود من (خرست شقاشق الشياطين) هو تبخّر نشاطات المفسدين، واختناق أصواتهم.

(وطاح وشيظ النفاق) المقصود سقوط المنافقين عن الاعتبار، وفشل مساعيهم.

(وانحلت عُقَد الكفر والشقاق) أي فشلت المحاولات والمحالفات والاتفاقيات التي قام بها الكفار والمخالفون ضد الإسلام والمسلمين كما في غزوة الأحزاب.

(وفُهتم بكلمة الإخلاص) وتلفظتم بكلمة: (لا إله إلا الله) بألسنتكم.

(في نفر من البيض الخماص) أي بيض الوجوه من النور، الضامري البطون من التجوع بسبب الصوم. أو الزهد، ويمكن أن يكون المقصود من هذين الوصفين أُناساً معيّنين، وهم الصفوة من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) أو أهل البيت (عليهم السلام).

(وكنتم على شفا حفرة من النار) بسبب الكفر والشرك بالله العظيم.

ثم أشارت (عليها السلام) إلى الحياة الاجتماعية التي كان الناس يعيشونها في ذلك الوقت وهي الفوضوية واختلال النظام، والهرج الذي كان مستولياً على كافة جوانب الحياة، فقالت: (مذقة الشارب) إذا مرّ الإنسان الظمآن من مكان، ووجد ماءً ليس له مالك، أو له مالك ولكنه لا يستطيع الدفاع والمقاومة فيطمع ذلك الإنسان أن يشرب من ذلك الماء ويبرّد غليله.

(ونهزة الطامع) وهكذا إذا مر الإنسان من مكان ووجد هناك طعاماً لا مالك له، أو مالكه ضعيف فترى الجائع يطمع في ذلك الطعام، فينتهز الفرصة ويستوفي نصيبه من ذلك الطعام.

(وقبسة العجلان) هي الشعلة أو الجذوة من النار يأخذها الرجل المسرع إذا احتاج إليها.

(وموطئ الأقدام) وكنتم أذلاّء، مستضعفين تدوسكم الأقوياء بأقدامها.

(تشربون الطرق) الماء الذي كنتم تشربونه هو الماء المتجمع في المستنقعات والحفائر تدخلها الحيوانات، وتبول فيها الإبل، مع العلم أن النفوس الشريفة تستقذر هذا الماء وتمجّه، ولا ترضى به، ولكنه الجهل، ولكنه الإحساس بالنقص، والخضوع للمذلة والهوان، كأنهم لم يعرفوا حفر الآبار، أو تفجير العيون، أو إيجاد القنوات تحت الأرض ولا تسأل عن مضاعفات هذه المياه وتلوثها بأنواع الجراثيم والميكروبات.

هذا ولا تزال الحياة بهذه الصفة موجودة في بعض البلاد الإسلامية المتأخرة عن ركب الحضارة كما نقرأ ذلك في بعض الصحف والمجلات.

(وتقتاتون القدّ والورق) أي كان قوتكم وطعامكم من القد وهو اللحم أو الجلد اليابس وأوراق الأشجار، فالأراضي الواسعة الشاسعة قاحلة جرداء، لا ضرع فيها ولا زرع ومفهوم الزراعة غير موجود عندكم.

(أذّلة خاسئين) الخاسئ هو المنبوذ المطرود الذي لا يُترك أن يدنو من الناس لحقارته.

(تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم) إن التفسخ والانحلال يؤدي إلى اختلال الحياة الاجتماعية وإلى الفوضوية وفقدان الأمن والأمان، وسلب القرار والاستقرار والطمأنينة في النفوس، فالقوي يطمع في الضعيف، والكثير يأكل القليل، والغني يستعبد الفقير، فلا يخاف أحد من القانون، ولا يهاب العقاب، ولا يخشى السلطة.

ونحن نرى أن حوادث الاختطاف والاغتصاب والاعتداء إنما تكثر في البلاد التي لا يطبق فيها القانون على الجميع. ولا ينفذ إلا في حق الفقير الضعيف فالدماء تراق والأعراض تهتك، والأموال تسلب، والكرامات تُهدر، وهكذا وهلم جرّاً.

وقد اقتبست السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) هذه الآية من القرآن وأدمجتها في حديثها عن العهد الجاهلي.

(فأنقذكم الله بأبي محمد صلى الله عليه وآله) إنه المنقذ الأعظم والمصلح الأكبر الذي أنقذ العباد من تلك الحياة التي كانت تشبه الجحيم، وأصلح البلاد من تلك المفاسد والويلات والمصائب وأحدث انقلاباً في العقائد والنفوس والأخلاق والعادات.

ولم تتحقق أهدافه إلا (بعد اللتيّا والتي) هذه الكلمة صارت مثلاً في هذه المناسبة، أي استطاع الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) أن يطهر المجتمع، وينقذ الناس من مصائب الجاهلية بعد شق الأنفس، بعد أن تحمّل المشاكل وأنواع الأذى، بعد الضغط والكبت والاضطهاد.

(وبعد أن مُني بِبُهم الرجال) استطاع الرسول (صلى الله عليه وآله) إنقاذ الناس بعد أن ابتلي بالرجال الأقوياء، والأبطال الشجعان الذين أججوا نيران الحروب، وحاربوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بكل ما يملكون من حول وقوة وهم أكثر عدداً من المسلمين، وأكثر عدّة وعتاداً.

(وذُؤبان العرب) إن الإنسان إذا تجرّد عن الإنسانية والأخلاق والفضيلة ينزل إلى مرتبة الحيوانات، فإذا فقد الفهم والعلم فإنه يُشبَّه بالحمار، وإذا فقد العاطفة والرأفة فإنه يُشبَّه بالسباع والحيوانات المفترسة، فيصح أن يقال في حقه: إنه ذئب.

وهكذا أولئك السفاكون الذين كانوا يستأنسون بالمذابح والمجازر التي كانوا هم السبب في تكوينها، أولئك الذين كانت هواياتهم إثارة الفتن وإيجاد الاضطرابات، أمثال أبي جهل وأبي سفيان ومن يدور في فلكهما، وقيل: المقصود من الذؤبان - هنا - اللصوص والصعاليك، أي السفلة من الناس الساقطين.

ابتلي الرسول (صلى الله عليه وآله) بهؤلاء المفسدين، بدءً من غزوة بدر إلى غزوة أحد إلى الخندق إلى حنين وغيرها، تجد هؤلاء المفسدين كانوا في طليعة أسباب الفتنة والاضطرابات والمشاغبات، وحتى الحروب التي خاضها المسلمون مع اليهود كان هؤلاء هم السبب في إثارتها.

(ومردة أهل الكتاب) إشارة إلى الحروب التي شبّ اليهود والنصارى نيرانها، أمثال: بني النضير، وبني قريظة وبني قينقاع، وبني الأصفر في مؤتة.

إن أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى لو كانوا يتبعون الكتاب السماوي الذي أنزل عليهم لما حاربوا الرسول؛ بل كانوا يسلمون على يديه في المرحلة الأولى، لأن أوصاف الرسول (صلى الله عليه وآله) مذكورة في كتبهم، وكان من السهل عليهم المقارنة بين تلك الصفات والعلائم وبين الرسول، وعند ذلك كانوا يجدون تلك الصفات تنطبق على الرسول مائة بالمائة، ولكن مردة أهل الكتاب وهم العتاة المتجبرون الذين منعهم الكبرياء من الخضوع للحق استمروا على عتّوهم وعنادهم وجحودهم.

(كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله) كانوا يحيكون المؤامرات ضد الرسول (صلى الله عليه وآله) ويجمعون الجيوش والعساكر ويحضّون القبائل والعشائر على محاربة الرسول، فكانت المساعي فاشلة، وكان الانتصار والغلبة والظفر حليفاً للرسول.

ولو استعرضنا تاريخ حياة الرسول (صلى الله عليه وآله) منذ البعثة حتى الوفاة لظهر لنا جانب كبير من إحباط المؤامرات والفشل الذريع الذي أحاط بأعداء الرسول.

(أو نَجَم قرن للشيطان) لو انكسر قرن الحيوان نبت له قرن آخر، وتقول السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام): إذا نهض أحد المفسدين للقيام بالأعمال الشيطانية، فتعتبر السيدة الزهراء تلك المعاكسات والمقاومات التي كانت المشركون يقومون بها أعمالاً شيطانية، أي ضارة ومضلة فهي تعطف هذه الجملة على جملة: (كلما أوقدوا) أي كلما نجم قرن للشيطان أو (فغرت فاغرة) أو فتحت حية الكفر فمها لتلسع وتلدغ المجتمع الإسلامي.

(قذف أخاه في لهواتها) أي كان الرسول يقضي على تلك النشاطات الجهنمية، والنعرات الشيطانية يقضي عليها بأخيه عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).

كان الرسول يأمر عليهاً أن يردّ عنه كتائب المشركين وعصابات المنافقين فكان عليّ (عليه السلام) يخاطر بحياته، ويغامر بنفسه، ويستقبل أولئك الذئاب المفترسة، كان يقاتلهم وحده، ويخوض غمار الحرب، فيصح التعبير بقولها: (قذف أخاه في لهواتها) في فم الموت بين أنياب السباع تحت سيوف الأعداء، والرماح الشارعة والسهام الجارحة.

(فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخمصه) لا يرجع عليّ (عليه السلام) من جبهة القتال حتى يسحق رؤوس الأعداء، ويدوس هامات الرؤساء بباطن قدمه، كالمصارع الذي ينزل إلى ساحة المصارعة فإذا تغلّب على خصمه وصرعه فلا بدّ من أن يلصق المصارع ظهر خصمه أو رأسه على الأرض ليثبت أنه أنهى المصارعة بأوفى صورة.

كذلك عليّ (عليه السلام) كان يهرول نحو الأعداء لا يعرف معنى الخوف، وكأنه مستميت، وكأنّ غريزة الحياة قد سُلبت عنه، وبيده صحيفة يقطر منها الموت، تراها راكعة ساجدة، على الرؤوس، والخواصر وكان يقدّ الأبدان نصفين طولاً أو عرضاً، ويفري ويكسر ويهشم في طرفة عين، وقبل أن تنفجر الدماء من العروق كانت العملية قد انتهت.

(ويخمد لهبها بسيفه) كان يقضي على جراثيم الفساد، ويقلع الأشواك عن طريق المجتمع البشري، ويطفئ لهيب الحروب بسيفه السماوي، ويمهّد الطريق لكلمة: (لا إله إلا الله محمد رسول الله).

(مكدوداً في ذات الله) قد أخذ التعب والعناء منه كل مأخذ، كل ذلك لله وفي الله ولوجه الله وفي سبيل الله.

(مجتهداً في أمر الله) المجتهد - في اللغة - الذي يجهد نفسه أي يتعبها، كان عليّ (عليه السلام) يبذل ما في وسعه وطاقته وجميع إمكانياته لتحقيق أهدافه السامية، وتحصيل أمنياته، وهي إعلاء كلمة الله.

(قريباً من رسول الله) ليس المقصود القرب المكاني، بل القرب المعنوي، من حيث قرابة النسب، وانسجام الروح، واندماج النفس واتحاد الاتجاه، ووحدة النفس، فعليّ (عليه السلام) نفس الرسول (صلى الله عليه وآله) بنص القرآن الكريم بقوله تعالى: (وأنفسنا وأنفسكم) وهل هناك قرابة أو نسب أقوى من هذا؟

(سيداً في أولياء الله) وفي نسخة: (سيد أولياء الله) فيكون المقصود هو رسول الله (صلى الله عليه وآله).

(مشمّراً ناصحاً، مجدّاً كادحاً) هكذا تصف السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) زوجها العظيم، كأنه يشمّر عن ثيابه نشاطاً واستعداداً للعمل للإسلام ولصالح الإسلام، في سبيل إسعاد المسلمين. وبذل النصح، وهو حب الخير لهم، كان مجداً في العمل، ساعياً فيه، لا يمنعه التعب عن استمرار العمل.

نعم، كانت حياة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) كلها جهوداً وجهاداً، ونشاطاً وإنتاجاً وإنجازاً وخدمة للإسلام والمسلمين، فمواقفه في جبهات القتال مشهورة، وأعماله الفدائية في سبيل الإسلام مذكورة، وتفانيه وتضحياته في سبيل الله معروفة.

(وأنتم في رفاهية من العيش وادعون فاكهون آمنون) كان عليّ (عليه السلام) يستقبل الأخطار والأهوال في الوقت الذي كان المسلمون بعيدين عن تلك الأخطار، مشغولين بأنفسهم يتمتعون بالراحة، ويتفكرون في تحصيل الملذات، وإشباع الرغبات، لا يعرفون معنى الخوف.

أين كان المسلمون ليلة المبيت؟ تلك الليلة التي طوّق المشركون دار رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهم يريدون الهجوم عليه ليقتلوه؟

أما بات عليّ (عليه السلام) على فراش رسول الله (صلى الله عليه وآله) يفديه بنفسه وحياته وشبابه.

أين كان المسلمون يوم أحد حين انهزموا وتركوا الرسول في جبهة القتال، تحمل عليه عصابات الكفر والمشركين؟ وبقي عليّ (عليه السلام) يقاوم الأعداء حتى ضرب الرقم القياسي في المواساة والتضحية، حتى هتف جبرئيل بفُتَّوته وبسالته يوم هتف بين الأرض والسماء: لا فتى إلا عليّ ولا سيف إلا ذو الفقار.

وهكذا يوم حُنين، وهكذا يوم الخندق، وهكذا يوم خيبر. وهكذا هلم جراً.

قال عليّ (عليه السلام): (ولقد واسيته بنفسي في المواطن التي تزل فيها الأقدام، وتنكص فيها الأبطال، نجدة أكرمني الله بها..).

(تتربصون بنا الدوائر) كان بعض أولئك الأفراد مندسين في صفوف المسلمين يتوقعون هلاك الرسول، وينتظرون نزول المكاره وحلول الكوارث، برسول الله، والدوائر وصروف الزمان، والعواقب السيئة، وتحوّل النعمة وزوالها ونزول البلاء.

(وتتوكفون الأخبار) تتوقعون وصول الأخبار الدالة على هلاكنا.

(وتنكصون عند النزال، وتفرون من القتال) ففي يوم أُحد كانت المأساة من فرار المسلمين، ويوم حُنين كانت الفضيحة ويوم خيبر كان العار منطبعاً على جبهات المنهزمين، ولا تسأل عن يوم الخندق حين استولى الرعب على القلوب، والفزع على النفوس حينما برز عمرو بن عبد ودّ، فكفى الله المؤمنين القتال بعلي (عليه السلام).

هذا ولو أردنا استعراض الأحداث التاريخية بهذا الشأن لطال بنا الكلام وخرج الكتاب عن أسلوبه.

وخلاصة القول هذا موقف عليّ (عليه السلام) تجاه الإسلام والرسول، وهذه مواقف غيره من أولئك الشخصيات التي ظهرت شجاعتهم بعد وفاة الرسول! وبرزت مواهبهم حين خلا لهم الجو، وساعدتهم الظروف على ما يحبون!

 

1 - عوداً وبدءاً: آخراً وأولاً.

2 - شططاً: ظلماً وجوراً.

3 - سورة التوبة: آية 129

4 - تعزوه: تنسبوه.

5 - المعزي إليه: المنسوب إليه.

6 - صادعاً: مُظهراً. النذارة: الإنذار والتخويف.

7 - مدرجة المشركين: طريقهم ومسلكهم.

8 - الثبج - بفتح الثاء والباء -: الكاهل، ووسط الشيء.

9 - الكظم: - بفتح الكاف والظاء -: الفم أو الحلق أو مخرج النفس.

10 - نكته على هامته: إذا ألقاه على رأسه.

11 - تفرّى: انشقّ.

12 - أسفر: إذا انكشف وأضاء. والمحض: الخالص.

13 - شقاشق - جمع شقشقة - وهي شيء يشبه الرئة يخرج من فم البعير إذا هاج.

14 - الوشيظ: الأتباع والخدم.

15 - الشقاق: الخلاف.

16 - فُهتم: تلفظتم.

17 - البيض - جمع أبيض - والخماص - جمع خميص - وهو الجائع. وفي نسخة: (في نفرٍ).

18 - شفا حفرة: جانبها المشرف عليها.

19 - المُذقة - بضم الميم - شربة من اللبن الممزوج بالماء.

20 - النُهزة - بضم النون -: الفرصة.

21 - قبسة العجلان: الشعلة من النار التي يأخذها الرجل العاجل.

22 - الطرق - بفتح الطاء وسكون الراء -: الماء الذي خوضته الإبل، وبوّلت فيه.

23 - تقتاتون: تجعلون قوتكم. القد - بكسر القاف -: قطعة جلد غير مدبوغ، ويحتمل أن يكون بمعنى القديد وهو اللحم المجفف في الشمس.

24 - مني - فعل ماضي مجهول -: ابتلي. والبهم - على وزن الغرف - جمع بهمة، وهو الشجاع الذي لا يهتدي من أين يؤتى.

25 - مردة - بفتح الميم والراء والدال -: جمع مارد وهو العاتي.

26 - نجم - فعل ماضي -: طلع. وقرن الشيطان: اتباعه.

27 - فغر: فتح. فاغرة فاها: أي فاتحة فمها.

28 - اللهوات - جمع لهاة -: لحمة مشرفة على الحلق في أقصى الفم.

29 - ينكفئ: يرجع يطأ: يدوس. ضماخها: أذنها. بأخمصه: بباطن قدمه.

30 - يخمد: يطفئ. لهبها: اشتعالها.

31 - المكدود: المتعب.

32 - شمّر ثوبه: رفعه. مجد - بضم الميم وكسر الجيم -: مجتهد. والكادح: الساعي.

33 - رفاهية: سعة.

34 - وادعون: مرتاحون. فاكهون: ناعمون.

35 - الدوائر: العواقب المذمومة وحوادث الأيام.

36 - تتوكفون: تتوقعون بلوغ الأخبار.

37 - تنكصون: ترجعون وتتأخرون. والنزال: القتال.

38 - راجع كتابنا (علي من المهد إلى اللحد) لمزيد من المعلومات حول البحث.