فهرس الكتاب

مكتبة فاطمة الزهراء

مكتبة الموقع

الصفحة الرئيسية

 

عتَاب وخِطَابٌ مَعَ المُسْلِمين

إيهاً بني قيلة!(1)

أأُهضم تراث أبيه؟

وأنتم بمرأى منّي ومسمع

ومنتدى ومجمع(2)

تلبسكم الدعوة

وتشملكم الخبرة(3)

وأنتم ذوو العدد والعُدّة

والأداء والقوة

وعندكم السلاح والجُنّة

توافيكم الدعوة فلا تجيبون؟

وتأتيكم الصرخة فلا تعينون؟

وأنتم موصوفون بالكفاح، معروفون بالخير والصلاح

والنخبة التي انتخبت، والخيرة التي اختيرت(4)

قاتلتم العرب، وتحمَّلتم الكدَّ والتعب(5)

وناطحتم الأُمم

وكافحتم البُهَم(6)

لا نبرح أو تبرحون

نأمركم فتأْتمرون

حتى إذا دارت بنا رحى الإسلام

ودَرَّ حلب الأيام(7)

وخضعت ثغرة الشرك(8)

وسكنت فورة الإفك

وخمدت نيران الكفر(9)

وهدأت دعوة الهرج

واستوسق نظام الدين

فأنّى حِرتم بعد البيان؟(10)

وأسررتم بعد الإعلان؟

ونكصتم بعد الإقدام؟(11)

وأشركتم بعد الإيمان؟

(ألا تقاتلون قوماً نكثوا إيمانهم وهمــّوا بإخـــراج الرســـول وهــــم بدأوكم أوّل مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين)(12).

ألا: قد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض(13)

وأبعدتم مَن هو أحقُّ بالبسط والقبض

وخلوتم إلى الدعة(14)

ونجوتم من الضيق بالسعة(15)

فمججتم ما وعيتم(16)

ودسعتم الذي تسوّغتم(17)

فـ(إن تكفروا أنتم ومَن في الأرض جميعاً فإن الله لغني حميد)

ألا: قد قلتُ ما قلت على معرفة مني بالخذلة التي خامرتكم(18)

والغدرة التي استشعرتها قلوبكم(19)

ولكنها فيضة النفس(20).

ونفثة الغيظ(21).

وخَوَر القنا(22)

وبثَّة الصدر

وتقدمة الحجة

فدونكموها، فاحتقبوها دَبِرَة الظَّهر(23).

نقبة الخُف(24)

باقية العار

موسومة بغضب الله

وشنار الأبد(25)

موصولة بنار الله الموقدة التي تطّلع على الأفئدة

فبعين الله ما تفعلون

(وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون)

وأنا ابنة نذير لكم بين يدي عذاب شديد

فاعملوا إنا عاملون، وانتظروا إنا منتظرون

شرحها

(إيهاً! بني قيلة) إيهاً بمعنى هيهات، وبمعنى الأمر بالسكوت، أو بمعنى طلب الزيادة من التحدث. يا أولاد قيلة، وهم الأوس والخزرج، وقد تقدم الكلام عن شرحها.

(أأُهضم تراث أبي؟) وفي نسخة: (أبيه) وقد تقدم أن الهاء - هنا - للوقوف والسكون والمعنى: هل يظلمونني في إرث أبي؟

(وأنتم بمرأى مني ومسمع) والحال أنتم في مجلس ومكان يجمع بيني وبينكم، والمقصود: أنتم حاضرون وتسمعون كلامي وشكايتي، وترون حالي ومظلوميتي.

(تلبسكم الدعوة) تحيط بكم دعوتي وندائي.

(وتشملكم الخبرة) ويشملكم العلم وتعلمون الخبر، وفي نسخة: (الحيرة) أي متحيرون أمام هذه المخاصمة.

(وأنتم ذوو العدد والعدة) وأنتم أصحاب العدد الكثير والتأهب والاستعداد، أي لستم قليلين حتى تعتذروا بقلّة العدد، بل أنتم ذو العدد الكامل.

(والأداة والقوة) عندكم الوسائل والقدرة والإمكانية لإسعافي ونصرتي.

(وعندكم السلاح والجُنة) وعندكم الأسلحة التي حاربتم بها وجاهدتم في سبيل الله، وعندكم وسائل الدفاع.

(توافيكم الدعوة فلا تجيبون) تبلغكم دعوتي واستغاثتي فلا تجيبوني؟

(وتأتيكم الصرخة فلا تعينون) تأتيكم صرختي، صرخة المظلومية والاضطهاد فلا تعينوني؟

(وأنتم موصوفون بالكفاح) الجهاد في سبيل الله، واستقبال العدو ومباشرة الحرب.

(معروفون بالخير والصلاح) الأعمال الحسنة.

(والنخبة التي انتخبت) إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) انتخب المدينة وانتخبكم لهذه الغايات والصفات.

(والخيرة التي اختيرت) واختاركم رسول الله (صلى الله عليه وآله) لنصرته، ولهذا هاجر إليكم.

(قاتلتم العرب) لأجل نصرة النبي، وإعلاء كلمة الإسلام.

(وتحملتم الكد والتعب) في الحروب والغزوات، ومضاعفاتها من الحر والبرد، والتضحية وتحمّل الجراح.

(وناطحتم الأمم) قاتلتم الملل المختلفة من يهود ونصارى وغيرهم، كل ذلك دافعاً عن الرسول.

(وكافحتم البُهم) قاتلتم الشجعان بدون ضعف وتواني.

(لا نبرح أو تبرحون) أي لا نبرح ولا تبرحون (نأمركم فتأتمرون) أي كنّا لم نزل آمرين وكنتم لأوامرنا مطيعين.

(وحتى إذا دارت بنا رحى الإسلام) أي قاتلتم وتحملتم وناطحتم وكافحتم بصورة مستمرة حتى إذا دارت بنا رحى الإسلام حتى إذا انتظم أمر الإسلام بمساعينا وسببنا، ودارت رحى الإسلام دوراناً صحيحاً منتظماً.

(ودرَّ حلب الأيام) وكثرت الخيرات والغنائم بسبب الفتوحات كاللبن الذي يدرّ أي يسيل بكثرة من الثدي.

(وخضعت ثغرة الشرك) ذلّت رقاب المشركين وخياشيمهم للإسلام وسقطوا عن الاعتبار.

(وسكنت فورة الإفك) وهي غليان الكذب وهيجانه.

(وخمدت نيران الكفر) أي نيران الحرب التي كان الكفار يؤججونها.

(وهدأت دعوة الهرج) سكنت دعوة الفتنة والباطل، وهدأت الإضطرابات.

(واستوسق نظام الدين) أي اجتمع وانتظم أمر الدين بعدما كان متشتتاً.

(فأنَّى حرتم بعد البيان؟) والآن وبعد هذه المقدمات كيف تحيرتم بعد بيان الحالة ووضوحها عندكم، وكيف وقعتم في وادي الحيرة؟

(وأسررتم بعد الإعلان؟) وكيف أخفيتم أشياء كانت معلنة، أو كنتم تتجاهرون بها.

(ونكصتم بعد الإقدام) وكيف رجعتم القهقري بعد إقدامكم على الإسلام.

(وأشركتم بعد الإيمان؟) أشركتم بالله بمخالفتكم للرسول (صلى الله عليه وآله) في أمر عترته.

(ألا تقاتلون قوماً نكثوا إيمانهم وهمّوا بإخراج الرسول وهم بدأوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين).

أدمجت السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) هذه الآية في حديثها، وإن كانت الآية نزلت في مشركي مكة الذين أرادوا إخراج رسول الله (صلى الله عليه وآله) من مكة أو نزلت في اليهود والنصارى الدين نقضوا عهدهم وهمّوا بإخراج الرسول من المدينة وعلى كل تقدير فإن السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) تستنفرهم وتستنهضهم لنصرتها، ولا تقصد بكلامها هذا إثارة الفتنة، ولا إراقة الدماء، ولا تريد أن تقود جيشاً، أو تتزعم حزباً، بل هي عارفة بأحوال الناس واتجاهاتهم، عالمة بأن الأمر دبّر بليل، ولهذا قالت:

(ألا: قد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض) أي أعلم أنكم قد أقمتم على الراحة وسعة العيش.

(وأبعدتم مَن هو أحق بالبسط والقبض) أبعدتم الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) الذي هو أحق وأولى بولاية الأمور، والتصرف في قضايا الإسلام من غيره.

(وخلوتم بالدعة) أي انفردتم بالراحة والسكون.

(ونجوتم من الضيق بالسعة) لأن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يهادن، ولا يصانع، ولا يفضّل أحداً على أحد بالعطاء، وهذا ضيق بالنسبة لكم، ولهذا نجوتم من هذا الضيق، وانتقلتم إلى مَن هو طوع أمركم، سلس القيادة، يفعل ما تشاءون، ويحكم بما تريدون.

(فمججتم ما وعيتم) أي رميتم من أفواهكم ما حفظتم.

(ودسعتم الذي تسوّغتم) أي تقيأتم الشيء الذي شربتموه بسهولة ولذة، والمقصود الانسحاب عن الدين، ورفض الإيمان ولهذا أردفت كلامها هذا بهذه الآية.

فـ(إن تكفروا أنتم ومَن في الأرض جميعاً فإن الله لغني حميد) ولا تضرون إلاَّ أنفسكم، ولا تخسرون إلاَّ دينكم.

(ألا: قد قلت ما قلت على معرفة مني بالخذلة التي خامرتكم) تقول: (عليها السلام) أنا أعلم اتجاهاتكم، وأعرف نفسياتكم، وحينما خطبت فيكم واستنهضتكم كنت أعلم بأنكم لا تنصرونني ولا تسعفونني.

(والغدرة التي استشعرتها قلوبكم) استشعر الثوب إذا جعله شعاراً أي جعله متصلاً لجسده، ملاصقاً لبدنه، تقول (عليها السلام) أنا أعرف الغدر الملاصق بقلوبكم، الغدر الذي جعلتها قلوبكم شعاراً لها، والغدر ضد الوفاء، أي لا أنتظر منكم الوفاء لمعرفتي بالغدرة الموجودة في قلوبكم.

(ولكنها فيضة النفس) أي تعبير عن الآلام في النفس، فكما أن الإناء يفيض إذا امتلأ بالماء كذلك النفس تفيض من كثرة الحزن واستيلاء الهم.

(ونفثة الغيظ) ظهور آثار الغضب الموجود كالنزيف الذي يدل على القرحة في الباطن (وخور القنا) أي ضعف الرمح، والمقصود عدم تحمّل لأكثر من هذه.

(وبثة الصدر) قال يعقوب (عليه السلام): (إنما اشكو بثّي) أي همّي، وهو الهم الذي لا يقدر صاحبه على كتمانه فيظهره.

(وتقدمة الحجة) إني خطبتُ فيكم، وقلتٌ ما قلت لا طمعاً في نصرتكم، ولا رجاءً في حمايتكم، وإنما كان ذلك لأسباب نفسية ودينية، أما الأسباب النفسية فقد ذكرتها، وأما الأسباب الدينية فهي تقدمة الحجة، أي إعلامكم بكل ما يلزم، وذكر كل دليل وبرهان وحجة على ما أقول، لئلا تعتذروا يوم القيامة، إنا كنا عن هذا غافلين أو ناسين، أو جاهلين، ما أبقيتُ لذي عذر عذراً، ولا لذي مقال مقالاً، عرَّفت نفسي ونسبي لكم، وذكرت ما يتعلق بالإمامة، وذكرت حقي في فدك، واستشهدت بالآيات البينات الثابتة عندكم حول الميراث بصورة عامة وحول ميراث الأنبياء بصورة خاصة، واستنهضتكم لنصرتي والطلب بحقي، فلم أجد فيكم مجيباً مُعيناً.

(فدونكم إياها فاحتقبوها دبرة الظهر) خذوا الخلافة وشدّوا عليها حقائبكم، وكأنها ناقة مجروحة الظهر، (نقبة الخف) رقيقة الخف.

(باقية العار) دائمة الخزي في الدنيا على مرّ التاريخ، وفي الآخرة وإلى الأبد.

(موسومة بغضب الله وشنار الأبد) على تلك الناقة علامة غضب الله وسخطه، وعليها علامة العار الأبدي الذي ينتهي بكم إلى:

(نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة) التي تتوقد وتؤجج نارها بصورة دائمة التي تحرق الظاهر والباطن، وتصل إلى الأفئدة والقلوب.

(فبعين الله ما تفعلون) إن الله تعالى يرى أعمالكم وأفعالكم ولا يغيب عنه ولا يخفى عليه شيء فكأنَّ أفعالكم هذه بمحضر من الله تعالى.

(وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) وأي جزاء سيجازون وأي جحيم وعذاب سيصيرون إليه.

(وأنا ابنة نذير لكم بين يدي عذاب شديد) إشارة إلى قوله تعالى: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً) أنا ابنة محمد (صلى الله عليه وآله) الذي أنذرتكم بعذاب الله الذي أعدّه للظالمين.

(فاعملوا إنا عاملون) اعملوا ما شئتم من ظلمنا فإنا عاملون ما يجب علينا من الصبر والتحمل (وانتظروا إنا منتظرون) انتظروا عواقب أفعالكم ونحن ننتظر عواقب الصبر على المحن.

 

1 - إيهاً: بمعنى هيهات أو مزيداً من الكرم.

2 - منتدى: مجلس القوم.

3 - الخبرة: العلم بالشيء

4 - الخيرة - بكسر الخاء وسكون الياء - المفضّل من القوم.

5 - الكد: الشدة.

6 - البهم - جمع بهمة -: الشجاع.

7 - حلب البلاد (خ ل).

8 - فورة الشرك (خ ل).

9 - خبت نيران الحرب (خ ل).

10 - أفتأخرتم بعد الإقدام (خ ل).

11 - وفي نسخة: وناكصتم بعد الشدة، وجبنتم بعد الشجاعة عن قوم نكثوا إيمانهم.

12 - سورة التوبة: آية 13.

13 - الخفض: الراحة.

14 - الدعة: خفض العيش.

15 - وفي نسخة: إلى السعة.

16 - مججتم: رميتم. ووعيتم: حفظتم.

17 - دسعتم: تقيأتم وتسوّغتم. شربتم بسهولة.

18 - خامرتكم: خالطتكم.

19 - استشعرتها: لبستها.

20 - فاض صدره بالسر: باح به.

21 - كالدم الذي يرمي به من الفم ويدل على القرحة.

22 - ضعف النفس عن التحمل.

23 - دونكموها: خذوها. دبرة: مقروحة.

24 - نقبة الخف: رقيقه.

25 - شنار: العيب العار.