فهرس الكتاب

مكتبة فاطمة الزهراء

مكتبة الموقع

الصفحة الرئيسية

 

جَوَابُ أبي بَكْر والاعتَراف بِفَضَائِل الإمام عليّ (عليه السلام)

إلى هنا ذكرت السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) ما كان ينبغي لها أن تذكر وأدَّت ما يجب، على أتم وأكمل ما يمكن، وهنا تصدَّى رئيس الدولة ليجيبها:

يا ابنة رسول الله!

لقد كان أبوكِ بالمؤمنين عطوفاً كريماً، رؤوفاً رحيماً

على الكافرين عذاباً أليماً وعقاباً عظيماً

إن عزوناه وجدناه أباكِ دون النساء(1)

وأخا إلفِكِ دون الأخلاَّء(2)

آثره على كل حميم(3)

وساعده في كل أمر جسيم

لا يحبّكم إلاّ كل سعيد

ولا يبغضكم إلاّ كل شقي

فأنتم عترة رسول الله الطيبون

والخيَرة المنتجبون

على الخير أدِلّتنا

وإلى الجنة مسالكنا

وأنت يا خيرة النساء

وابنة خير الأنبياء

صادقة في قولك

سابقة في وفور عقلكِ

غير مردودة عن حقكِ

ولا مصدودة عن صدقك(4)

والله ما عدوتُ رأي رسول الله!!!(5)

ولا عملت إلاَّ بإذنه

وإن الرائد لا يكذب أهله(6)

وإني أُشهد الله وكفى به شهيداً

أني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول:

(نحن معاشر الأنبياء لا نورِّث ذهباً ولا فضة ولا داراً ولا عقاراً وإنما نورّث الكتاب والحكمة، والعلم والنبوة، وما كان لنا من طعمة فلولي الأمر بعدنا، أن يحكم فيه بحكمه).

وقد جعلنا ما حاولتِه في الكراع والسلاح(7)

يقاتل بها المسلمون

ويجاهدون الكفار

ويجالدون المردة الفجار(8)

وذلك بإجماع من المسلمين!!

لم أنفرد به وحدي

ولم أستبد بما كان الرأي فيه عندي(9)

وهذا حالي ومالي

هي لكِ، وبين يديك

لا تزوى عنكِ(10)

ولا تدَّخر دونكِ

أنت سيدة أُمّة أبيكِ

والشجرة الطيبة لبنيك

لا يُدفع مالَكِ من فضلكِ

ولا يوضع في فرعك وأصلكِ

حكمك نافذ فيما ملكت يداي

فهل ترينّ أن أُخالف في ذلك أباكِ (صلى الله عليه وآله)؟

شرح خطاب أبي بكر (عبد الله بن عثمان)

(يا ابنة رسول الله) سبحان الله! يعرفها ومع ذلك يكون موقفه ذلك الموقف.

(لقد كان أبوك بالمؤمنين عطوفاً كريماً، رؤوفاً رحيماً، على الكافرين عذاباً أليماً وعقاباً عظيماً) هذا كله واضح، وما المقصود من هذا الكلام.

(إن عزوناه وجدناه أباك دون النساء، وأخا إلفكِ دون الإخلاّء) هذا تصديق لكلامها في أول الخطبة حيث قالت: (فإن تعزوه وتعرفوه تجدوه أبي دون نسائكم وأخا ابن عمي دون رجالكم).

(آثره على كل حميم) أي فضّل رسول الله (صلى الله عليه وآله) علياً على كل قريب.

(وساعده في كل أمر جسيم) إن علياً ساعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) في كل أمر عظيم.

(لا يحبكم إلاّ كل سعيد، ولا يبغضكم إلاّ كل شقي) اعتراف عجيب من قائله، إن صح إسناد هذا الكلام إليه.

(فأنتم عترة رسول الله الطيبون، والخيرة المنتجبون) العترة التي لا يقبل كلامها ولا تمضي شهادتها في قطعة من الأرض، والخيرة التي تحمّلت أشد أنواع الأذى من الناس.

(على الخير أدلَّتنا) جمع دليل وهو الهادي أي أنتم الهداة المرشدون إلى الخير.

(وإلى الجنة مسالكنا) أنتم طرق النجاة والفوز بالجنة.

(وأنت - يا خيرة النساء، وابنة خير الأنبياء - صادقة في قولك) لو كنتَ تعتبرها صادقة فلماذا لم ترد إليها حقها؟ لماذا سلبتها أموالها التي جعلها الله ورسوله لها؟

(سابقة في وفور عقلك، غير مردودة عن حقك ولا مصدودة عن صدقك) فلماذا رددتها عن حقها أيها الرجل؟ ولماذا صددتها عن صدقها؟ ما هذا التناقض بين القول والفعل.

(والله ما عدوتُ رأي رسول الله) نعم، والله لقد عدوتَ رأي رسول الله.

(ولا عملتُ إلا بإذنه) لا والله ما عملتَ بإذنه، لم يأذن لك رسول الله أن تغضب النحلة التي أنحلها رسول الله ابنته فاطمة، أو تمنعها إرثها من أبيها.

(وإن الرائد لا يكذب أهله) هذا المثل في غير مورده.

(وإني أُشهد الله وكفى به شهيداً) عجباً لحلم الله! هكذا يستشهد به في الباطل؟ هكذا يتجرّأ عليه؟

(إني سمعت رسول الله يقول: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ذهباً ولا فضة ولا داراً ولا عقاراً، وإنما نورّث الكتاب والحكمة والعلم والنبوة، وما كان من طعمة فلِولي الأمر بعدنا أن يحكم فيه ما يحكمه). الله يقول: الأنبياء يورثون. ورسول الله يقول: الأنبياء لا يورثون؟ أيهما الصحيح؟ وبعد هذا: أنت المدعي وأنت الشاهد وأنت الحاكم؟ وهل يوجد في العالم حكم هكذا؟ أو قانون كهذا القانون؟

أنت سمعت رسولَ الله يقول هكذا وابنته لم تسمع ذلك منه؟

الرسول أخبرك وما أخبر ابنته التي كانت أراضي فدك بيدها وتحت تصرّفها؟

وأي كتاب ورَّثه الرسول؟ القرآن؟ القرآن كان ملكاً للرسول حتى يورِّثه؟ وهل النبوة تورث؟ وهل كان نبي إذا مات تنتقل النبوة إلى أولاده وورثته؟ ومن الذي ورث النبوة من رسول الله؟

وهل أنت ولي الأمر أم الذي ولىّ الله بقوله: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) من ولي الأمر بعد الرسول؟

أنت ولي الأمر، أم الذي بايعته أنت يوم غدير خم بأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلّمت عليه بإمرة المؤمنين؟ وهو عليّ بن أبي طالب.

أترى أن تعلم هذا الحديث وعليّ بن أبي طالب لا يعلم؟ وهو أكثر التصاقاً وأشد اتصالاً والتزاماً بالرسول، حسب اعترافك، وهو باب مدينة علم الرسول.

وإن كان النبي لا يورّث فلماذا بقيتْ حجراته تحت تصرّف زوجاته؟

ولماذا لم تصادر تلك الحجرات؟ مع العلم أن تلك الحجرات كانت ملكاً لرسول الله (صلى الله عليه وآله) بصريح قوله تعالى: (لا تدخلوا بيوت النبي) فيتبين أن البيوت كانت للرسول، فبأي قانون شرعي وبأي مبرر ديني سكنت زوجات الرسول في تلك الحجرات إلى آخر حياتهن؟ ولماذا شمل التأميم السيدة فاطمة عزيزة رسول الله وبضعته ولم تشمل زوجاته.

(وقد جعلنا ما حاولتهِ في الكراع والسلاح يقاتل بها المسلمون، ويجاهدون الكفار، ويجالدون المردة الفجّار) وهل يجوز صرف الأموال المغصوبة في سبيل الله لتقوية المسلمين، وهل كانت جيوش المسلمين بحاجة إلى هذه الأموال التي أُخذت ظلماً؟

(وذلك بإجماع من المسلمين) ما قيمة هذا الإجماع المناقض لكتاب الله؟ وأي إجماع هذا وآل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعترته لا يعترفون بهذا الأمر ولا يوافقون بهذه التصرفات؟ وهل ينفع الإجماع على الظلم وعلى مخالفة كتاب الله وسنة النبي؟

وكأن أبا بكر أراد بكلامه هذا استمالة قلوب المسلمين كي لا يخالفه أحد، وإلا فقد ثبت أن أبا بكر هو المدّعي الوحيد لحديث: (نحن معاشر الأنبياء لا نورّث) ولم يجمع المسلمون على صحة هذا الحديث المخالف لصريح كلام الله تعالى، نعم في كتاب (كشف الغمة): إنه لما ولّي عثمان قالت عائشة: أعطني ما كان يعطيني أبي وعمر. فقال عثمان: لا أجد لها موضعاً في الكتاب ولا في السنة، ولكن كان أبو بكر وعمر يعطيانك من حصة أنفسهما، وأنا لا أفعل فقالت: فآتني ميراثي من النبي (صلى الله عليه وآله) قال: أليس جئتِ وشهدتِ أنتِ ومالك بن أوس النضري أن النبي لا يورّث؟ فأبطلتِ حق فاطمة وجئتِ تطلبينه؟.. الخ.

أقول: العجب أن شهادة عائشة بنت أبي بكر تقبل وشهادة فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا تقبل، وشهادة مالك بن أوس النضري البوّال على عقبيه تقبل وشهادة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب نفس رسول الله وأعز الخلق إليه لا تقبل ‍! اقرأ ثم احكم.

وبهذا اتضح لنا كلامه: (لم انفرد به وحدي، ولم أستبد بما كان الرأي فيه عندي) نعم، لم ينفرد به وحده، بل ساندته وشهدت له ابنته عائشة صاحبة المواقف المشهورة اتجاه فاطمة وزوجها عليّ.

(هذه حالي ومالي، هي لك وبين يديك، لا تزوي عنك ولا تدَّخر دونك) مجاملات فارغة لا حقيقة لها أصلاً، وما أكثر هذه المجاملات عند رجال السياسة.

(أنت سيدة أُمّة أبيك، والشجرة الطيبة لبنيك، لا يُدفع مالك من فضلك، ولا يوضع في فرعك وأصلك، حكمك نافذ فيما ملكت يداي) هذه الكلمات وإن كانت حقائق، إلاّ أنها استعملت للخداع، والتلوّن في الكلام، وسيأتيك - في المستقبل - كلام حول آراء السياسيين، والأساليب التي يستعملونها حسب الظروف.

(فهل ترين أن أُخالف في ذلك أباك (صلى الله عليه وآله)) أيها الناس! إن أبا بكر يجتنب مخالفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولكن سيدة نساء العالمين وبضعة رسول الله التي أذهب الله عنها الرجس وطهّرها تطهيراً تخالف رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ هل يقبل عقلك؟ هل يرضى وجدانك بهذا؟

وأية مخالفة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا خضع المسلم للقرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟ هل العمل بآيات المواريث بين الأنبياء يعتبر مخالفة لرسول الله؟ وهل تصديق كلام بنت رسول الله المعصومة بصريح القرآن، وتصديق كلام زوجها عليّ الذي كان نفس رسول الله (صلى الله عليه وآله) يكون مخالفة لرسول الله؟

ماذا أقول إذا انقلبت المفاهيم، وانعكست الحقائق، وتبدّلت المقاييس وتغيّرت الموازين، وصار المنكر معروفاً والمعروف منكراً؟

الرجل يدّعي على رسول الله (صلى الله عليه وآله) كلاماً مخالفاً للقرآن، مناقضاً للشريعة الإسلامية، وآل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعترته الطيبة لا يعترفون بهذا الكلام، بل يكذّبونه على ضوء القرآن، ثم يتورّع الرجل (على زعمه) من مخالفة ذلك الكلام المفترى على الرسول.

والآن استمع إلى ردّ السيدة فاطمة الزهراء لهذه المفتريات والأكاذيب.

 

1 - عزوناه: نسبناه.

2 - وفي نسخة: وأخا بعلك. والمعنى واحد.

3 - حميم: قريب.

4 - مصدودة: ممنوعة.

5 - عدوت: جاوزت.

6 - الرائد: الذي يتقدم القوم، يبصر لهم الكلأ ومساقط الثمار.

7 - الكراع - بضم الكاف -: جماعة الخيل.

8 - يجالدون: يضاربون.

9 - استبد: انفرد بالأمر من غير مشارك فيه.

10 - تزوى عنك: تقبض عنك.