فهرس الكتاب

مكتبة فاطمة الزهراء

مكتبة الموقع

الصفحة الرئيسية

 

التّجَاسُرُ عَلَى أهْلِ بَيْتِ الرسُول

قال ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة: لما سمع أبو بكر خطبتها المذكورة وما وقع بين الناس من الاختلاف والهمهمة في سوء تلك المقدمة وخاف أن تنعكس القضية شق عليه ذلك فصعد المبر فقال:

أيها الناس! ما هذه الرعة إلى كل قاله؟ أين كانت هذه الأماني في عهد رسول الله؟ ألا! من سمع فليقل، ومن شهد فليتكلم، إنما هو ثعالة شهيده ذَنَبه مربّ لكل فتنة هو الذي يقول: كرّوها جذعة بعد ما هرمت يستعينون بالضعفة ويستنصرون بالنساء، كأم طحال أحبّ أهلها إليها البغي ألا: إني لو أشاء لقلت: ولو قلت لَبُحت، إني ساكت ما تُركت.

ثم التفت إلى الأنصار فقال: يا معشر الأنصار قد بلغني مقالة سفهائكم وأحق من لزم عهد رسول الله أنتم، فقد جاءكم فآويتم ونصرتم، ألا: إني لست باسطاً يداً ولساناً على من لم يستحق ذلك منا. ثم نزل.

ثم قال ابن أبي الحديد: قرأت هذا الكلام على النقيب أبي يحيى جعفر بن يحيى بن أبي زيد البصري وقلت له: بمن يعترض؟ فقال: بل يصرّح. قلت: لو صرّح لم أسألك. فضحك فقال: لعلي بن أبي طالب !! قلت: هذا الكلام كله لعلي يقوله؟ قال: نعم إنه المُلك يا بني. قلت: فما مقالة الأنصار؟ قال: هتفوا بقول عليّ، فخاف من اضطراب الأمر عليهم، فنهاهم. فسألته عن غريبة (أي شرح الكلمات) فقال:

أما الرعة - بالتخفيف - أي الاستماع والإصغاء. والقالة: القول. وثعالة: اسم الثعلب، مثل ذؤالة للذئب. وشهيده ذَنَبه: أي لا شاهد له على ما يدّعيه إلاّ بعضه وجزء منه، وأصله مَثَل: قالوا: إن الثعلب أراد أن يُغري الأسد بالذئب فقال له: إنه قد أكل الشاة التي كنت أعددتها لنفسك، وكنت حاضراً، قال: فمن يشهد لك بذلك؟ فرفع ذَنَبه وعليه دم. وكان الأسد قد افتقد الشاة، فقبل شهادته، وقتل الذئب. و(مربّ): ملازم من أربّ بالمكان و (كروها جذعة): أعيدوها إلى الحال الأولى يعني الفتنة والهرج و(أم طحال) امرأة بغي في الجاهلية يضرب بها المثل، فيقال: أزنى من أم طحال.

نحن لا نقول شيئاً على هذه الكلمات التي استعملها أبو بكر في آل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعترته الطاهرة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرّهم تطهيراً، ولا نعاتبه على أدبه في المنطق وتعبيره في الكلام!، ولكن نقول: قرّت عينك - يا رسول الله - فهكذا يقال في حق ابنتك وعزيزتك وحبيبتك فاطمة الزهراء وهكذا يقال في حق أخيك أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وكل هذا على منبرك وفي مسجدك وفي جوار مرقدك، قرّت عيناك يا أبا فاطمة الزهراء وبشراك بل بشريان!! فهذه كرامة أهل بيتك، وعترتك عند أبي بكر وأشباهه!

وفي الدر النظيم للشيخ جمال الدين الشامي قال - بعد خطبة فاطمة (عليها السلام) في المسجد وكلام أبي بكر -: فقالت أم سلمة (رضي الله عنها) حين سمعت ما جرى لفاطمة (عليها السلام): ألِمثل فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقال هذا القول؟ هي والله الحوراء بين الإنس، والنَفَس للنفس، رُبّيت في حجور الأتقياء، وتناولتها أيدي الملائكة، ونمت في حجور الطاهرات، ونشأت خير نشأة، وربيت خير مربى، أتزعمون أن رسول الله حرّم عليها ميراثه ولم يُعلمها، وقد قال الله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين) أفأنذرها وخالفت متطلبه؟

وهي خيرَة النسوان وأمّ سادة الشبّان، وعديلة مريم، تمّت بأبيها رسالات ربه، فوالله لقد كان يشفق عليها من الحرّ والقرّ، ويوسدها يمينه ويلحفها بشماله، رويداً ورسول الله (صلى الله عليه وآله) بمرأى منكم، وعلى الله تردون واهاً لكم، فسوف تعلمون.

قال: فَحُرمت عطاءها تلك السنة‍!