فهرس الكتاب

مكتبة فاطمة الزهراء

مكتبة الموقع

الصفحة الرئيسية

 

الإمام عليّ في انتِظَار فاطمَة الزهرَاء

كان الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ينتظر السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) زميلته في الجهاد، وشريكته في الآلام والآمال.

ينتظر رجوعها من ساحة الجهاد، من مسجد أبيها.

من المؤتمر الإسلامي الذي انعقد في أكبر مركز إسلامي يومذاك.

رجعت وهي مرهقة بأتعاب الجهاد المتواصل.

وحياتها كلها جهاد.

رجعت وهي منتصرة، وإن كانت - في الوقت نفسه - مغلوبة على أمرها مظلومة مهضومة، منكسرة القلب، متعبة الأعصاب، حزينة.

انتصرت لأنها أعلنت للجماهير، للأجيال، للتاريخ أنها مظلومة، مغصوب حقها أنها أدانت السلطة بالخطأ المكشوف، بالاعتداء المقصود.

انتصرت لأنها عرّفت الإسلام كما ينبغي.

تحدثت عن النقاط الرئيسية في الإسلام، عن التوحيد عن النبوة والإمامة، وعلل الأحكام، وفلسفة الشريعة الإسلامية، وبكل ما يدور في هذا الفلك الواسع الشاسع.

ووصلت إلى بيتها، وقد بقي الشوط الأخير من أشواط الجهاد.

رجعت لتكشف حقيقة أخرى لأهل العالم، للتاريخ.

واختارت - لكشف الحقيقة - هذه الطريقة وهذا الأسلوب أسلوب الحوار مع زوجها.

الحوار الذي يشبه العتاب.

وفي الوقت نفسه تتحدث عن الأحداث، عن موقف السلطة يومذاك.

عن موقف المسلمين الذين استولت عليهم الحيرة والدهشة والذهول.

الضمائر تؤنّبهم، والإحساس بالألم يُجري دموعهم، الخوف من السلطة يخرسهم، فهم في ذهول.

يرون شيئاً، ويسمعون أشياء.

يرون رئيس الدولة، وهو يدَّعي أنه يمثّل صاحب الشريعة الإسلامية ويسمعون من ابنة صاحب الشريعة (فاطمة) الآهات، وكلمات التظلّم والسخط على الحكام.

رجعت إلى الدار لتكشف موقف زوجها العظيم تجاه تلك الأحداث، فقالت: (يا بن أبي طالب).

ربما يتصور بعض أهل العلم من الخطباء وغيرهم أن الزهراء تحدّث زوجها العظيم بهذا التحدي الصريح اللاذع.

إذ إنها تخاطبه بكلمة: (يا بن العم) أو (يا أبا الحسن) أو (يا عليّ) أو ما أشبه ذلك من الكلمات التي تناسب للزوجة أن تخاطب بها زوجها.

فيحملون هذا التحدي على مدى تأثرها من الأحداث، وتألّمها مما جرى.

أقول: سبحان الله! وأي منقصة في هذا الخطاب؟

وأي عارٍ في هذا النسب؟

أبو طالب:

شيخ الأباطح، سيد أهل مكة، حامي الرسول، مفخرة التاريخ، عظيم قريش، كبير بني هاشم في عصره.

أبو طالب:

الشجاع الذي هابه المشركون، البطل الذي ظلَّ الرسول يدعو إلى الله، تحت حماية ذلك البطل.

أبو طالب:

رجل الحميّة، مثال الفتوة والشهامة، بطل الغيرة والعاطفة.

فما المانع أن يقال لشبله البار ونجله العظيم: يا بن أبي طالب؟!!.

أليس معنى: (يا بن أبي طالب) يا بن العظمة والسيادة؟

يا بن الشرف والمجد؟

يا بن البطولة والبسالة؟

يا بن الحميّة والحفاظ؟

يا بن الفضيلة، بل الفضائل كلها؟

أليس معناه هذا؟

نعم، إنها قالت: (يا بن أبي طالب) وكأنها تهيّج عزائمه

وكأنها تستنهضه للنجدة، وتذكره بنسبه الشريف الأرفع

تذكره أنه ابن أبيه.

كأنها تقول له: إن أباك أسعف أبي، ووقف له وقفة المدافع المستميت فلماذا لا تدافع عني؟ لا تسعفني؟

ثم ذكّرته بسوابقه البطولية، ومواقفه العظيمة، وإقدامه في جبهات القتال، وتحطيمه الأًسُود، وطحنه الأبطال طحن الرحى. ثم قارنت بين ماضيه وحاضره، وقالت:

(اشتملت شملة الجنين) الجنين المحبوس في غشاء المشيمة، لا يستطيع أن يعمل شيئاً.

(وقعدت حجرة الظنين) المتّهم، الذي يجلس في بيته فراراً من الناس، وخوفاً أن يلتقي به أحد.

(نقضت قادمة الأجدل) كنت - فيما مضى - تكسّر أجنحة الصقور، وهي بمنزلة العمود الفقري في الطائر.

(وخانك ريش الأعزل) صرت - في الحال - أعزلاً، لا سلاح لك، ضعيفاً حتى اعتدى عليك أفراد ليسوا في العير ولا في النفير، وكأنها تتعجب من سكوته في أول الأمر وعدم قيامه بطلب الحق، وفي نسخة: (خاتك) أي انقضَّ عليك.

ثم وضعت النقاط على الحروف، وشرحت الموضوع بالتفصيل، فقالت:
(هذا ابن أبي قحافة) كلمة (ابن أبي قحافة) معاكسة ومغايرة تماماً لكلمة (ابن أبي طالب) من حيث المغزى والمفهوم.

أما كان عبد الله بن جذعان صاحب المضيف في الطائف؟

أما كان أبو قحافة يحمل أواني الطعام من المطبخ إلى المضيف؟

أما كان يدعو الناس للطعام بأمر عبد الله بن جذعان.

ابن أبي قحافة (يبزّني نحلة أبي) يسلبني عطية والدي.

(وبُلغة ابنيَّ) وهي ما يكتفي به ولداي: الحسن والحسين لمعيشتهما من غلاّت فدك العوالي، أو من الخمس والفيء.

(لقد أجهر في خصامي) أعلن في مخاصمتي، وتجاوز الكلام حدّ التفاهم والاستدلال وبلغّ حدّ العناد والخصومة، فالحجة والدليل في المنطق غير مقبول، والتفاهم غير ممكن، لأنه أنكر قانون الميراث، والتوارث بين الأب وابنته.

(وألفيته الألدَّ في كلامي) لأنه افترى على الرسول بحديث ينافي القرآن وهو المدّعي، وهو الشاهد، وهو الحاكم، وجعل ذلك الحديث حجة له ودليلاً على ما يدّعي.

(حتى حبستني قيلة نصرها) إن الأنصار وهم الأوس والخزرج ابنا قيلة، وهي أمهما قد تركوا نصرتي بعد مواقفهم في نصرة المسلمين, تركوا نصرتي لأن الناس على دين ملوكهم.

(والمهاجرة وصلها) أي امتنع المهاجرون (وهم أهل مكة) عن وصلي وإسعافي وهنا نكتة لطيفة: في استعمال الوصل في مقابل الهجر.

(وغضَّت الجماعة دوني طرفها) يا للرزية، يا للهضمية!.

إن بقية الناس الحاضرين في المسجد أيضاً أعرضوا عني واتّبعوا غيرهم في التخاذل وكأنهم لا يعرفونني.

(فلا دافع ولا مانع) كي يدافع عني، ويضمُّ صوته إلى صوتي، أو يدفع عني اعتداء المعتدين، ويمنعهم عن ذلك، وفي نسخة: (ولا شافع).

(خرجت كاظمة، وعدت راغمة) خرجت من البيت إلى المسجد كاظمة للغيظ متجرعة للألم، ورجعت إلى الدار وقد عجزت عن الانتصار.

(أضرعت خدَّك يوم أضعت حدك) كأنها تعتبر سكوت عليّ (عليه السلام) أمام تلك الأحداث نوعاً من التذلل بسبب كبت النفس، وعدم استعمال القوة، وعدم إظهار القدرة.

(افترست الذئاب وافترشت التراب) هذه الجملة تفسير وتفصيل للجملة السابقة، لأن الرجل البطل المقدام الذي يفترس الذئاب أي يجدّل الأبطال ويقتل الشجعان كيف يبلغ به الأمر إلى درجة أنه يفترش التراب للجلوس أو النوم، أي ليس له فراش يجلس عليه سوى التراب، وهو منتهى الفاقة والبؤس، وفي بعض النسخ: (افترست الذئاب وافترستك الذباب) أي صرت فريسة للضعفاء.

(ما كففت قائلاً ولا أغنيت باطلاً) يمكن أن يكون:

(ما كففت ولا أغنيت) بصيغة المتكلم أي ما كففت أنا ويمكن أن يكون بصيغة الخطاب أي ما كففت أنت، وعلى الوجه الأول فالمعنى: لم أستطع أن أمنع قائلاً عن قوله، وأن أصرف باطلاً، وفي بعض النسخ: (ولا أغنيت طائلاً) أي ما فعلت شيئاً نافعاً، أي ما ينفعك السكوت والقعود، وعلى الوجه الثاني: (إنك لم تدفع عني قائلاً، ولم تصرف عني باطلاً).

(ولا خيار لي) أي لا قدرة لي على الدفاع واسترجاع الحق، أو لا اختيار لي في المقاومة والمكافحة أكثر من هذا، لأنني امرأة، والمرأة محدودة في تصرفاتها وإمكانياتها.

(ليتني متُّ قبل هينتي ودون ذلّتي) حقّ لها أن تتمنى الموت قبل أن ترى ذلك الجفاء من أمة أبيها، من تلك الأفراد الذين كوَّنهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومنحهم العز والسيادة، وأنقذهم من شفا جرف الهلكات.

قبل أن تشاهد الذل والهوان من ذلك المجتمع الجاف الذي لا يؤمن بالقيم ولا بالكرامة.

(عذيري الله منك عادياً ومنك محامياً) لهذه الجملة احتمالات: الأول: الله يعتذر منك بسبب إساءتي إليك أو إيذائك بهذا النوع من الكلام.

الثاني: عذري أنك قصرت في إعانتي وحمايتي. وهناك احتمالات أخرى بعيدة جداً.

(ويلاي في كل شارق) ويلاي: كلمة تقال عند الشدة والمصيبة فهي إذن تدل على شدة حال قائلها من حيث التألّم والتوجّع، تقول (عليها السلام): ويلاي في كل صباح تشرق فيه الشمس وفي نسخة: (ويلاي في كل شارق ويلاي في كل غارب) أي في كل صباح ومساء وعند كل شروق وكل غروب، بسبب المصيبة، وهي:

(مات العمد ووهن العضد) أي مات الذي كان يسند به ويعتمد عليه في الأمور وبموت العماد ضعف العضد، أي: بموت الرسول ضعف الإمام أمير المؤمنين (عليهما السلام) وفي نسخة: (وذلَّ العضد).

(شكواي إلى أبي) أي ليس أحد أشكو إليه ما جرى عليَّ سوى أبي (صلى الله عليه وآله).

(وعدواي إلى ربي) أي: من الله أطلب النصرة والانتقام.

(اللهم أنت أشد قوة وحولاً) في الدفع والمنع، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

(وأحدُّ بأْساً وتنكيلاُ) أي: أشد عذاباً وعقوبة.

انتهى كلام الصدّيقة فاطمة الزهراء (عليها السلام) حول الأحداث وموقف السلطة والناس منها، وكان الإمام يستمع إلى شكواها.. إلى آلامها.. إلى كلماتها المنبعثة من قلب ملتهب ونفس متألمة!..

والآن آن للإمام أن يجيبها على كلامها، ويذكر موقفه تجاه تلك القضايا والوقائع التي ألّمت ببنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال لها:

(لا ويل عليكِ) هذا جواب من الإمام على كلامها حيث قالت: (ويلاي) فيقول الإمام لها: (لا ويل عليك) أي لا ينبغي أن تقولي (ويلاي).

(بل الويل لشانئك) لمبغضك الذي خسر الدنيا والآخرة، الويل لعدوك الذي ظلمك، وكسر قلبك وآذاك.

(نهنهي عن نفسك يا ابنة الصفوة) أي: كُفّي وامنعي نفسك عن الحزن والغضب يا ابنة الذي اصطفاه الله واختاره على العالمين.

(وبقية النبوة) أنت بضعة النبي، وقد أُوذي النبي من أمته، كما قال (صلى الله عليه وآله): ما أُوذي نبي بمثل ما أُوذيت.

أنت - يا فاطمة - بعض من ذلك الكل، وجزء من سيد الرسل. فاصبري على ما أصابكِ.

ثم أنه (عليه السلام) ذكر موقفه، وبيّن تكليفه الشرعي اتجاه تلك الأحداث فقال:

(فما ونيتُ عن ديني) أي: ما عجزت عن القيام بما يجب، وما ضعف ديني واعتقادي، أي لم أصنع شيئاً استحق عليه اللوم والعتاب، لأنني مأمور بالصبر والسكوت، لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد أمرني بالصبر إن لم أجد أعواناً، وليس غصب فدك والعوالي بأعظم من غصب الخلافة والاستيلاء على منصة الحكم، والجلوس على مسند السلطة.

(ولا أخطأْت مقدوري) أي: ما تركت ما دخل تحت قدرتي وإمكانيتي، كأنه (عليه السلام) يعتذر عن سبب تقاعده عن نصرتها.

والمقدور - هنا - ليس المقدور العقلي بل المقدور الشرعي، ولنضرب لذلك مثلاً: المريض الذي يضره استعمال الماء للاغتسال والوضوء قادر على استعمال الماء عقلاً وعاجزاً شرعاً، وأمير المؤمنين (عليه السلام) كان يستطيع أن ينهض ويحمل سيفه ويهاجم المغتصبين، ويقتل منهم أفراداً لا يتجاوزون العشرة ويستولي على فدك والعوالي، وعلى الحكم.

أما قتل عليّ (عليه السلام) يوم بدر حوالي خمسة وثلاثين رجلاً من الشجعان؟ مع العلم أن رجال السلطة يومذاك لم يكونوا بأشجع من الذين حضروا يوم بدر لمحاربة رسول الله.

هذه القدرة العقلية المتوفرة للإمام (عليه السلام).

وأما القدرة الشرعية: فإن علياً إذا نهض لأجل القضاء على تلك الأفراد فمعنى ذلك وقوع الفتن والمصائب والاضطرابات الداخلية واتساع نطاق الفتنة وخاصة وأن هناك أفراداً يتربصون بالإسلام وينتهزون الفرصة للإطاحة بذلك الدين الذي كان غضاً جديداً لم تستقر أركانه بعد، ولم يضرب بجرانه الأرض.

أضف إلى ذلك وصية النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) بالصبر والسكوت.

إذن: فالأفضل التضحية بفدك والعوالي، والسكوت عن المغتصبين رعاية للإسلام وحفظاً للدين من الضياع والانهيار.

(فإن كنتِ تريدين البلغة) أي: إن كان هدفك من مطالبة الأراضي هو البُلغة وهي ما يتبلغ به من العيش بمقدار الكفاف لك ولأولادك.

(فرزقك مضمون) والضامن هو الله الذي تكفّل رزق كل ذي روح.

(وكفيلك مأمون) وهو الله تعالى لا يخلف وعده فيما تكفّله وضمنه.

(وما أُعدَّ لكِ) من الأجر. وتهيأ لك من الثواب في الآخرة والعظمة يوم القيامة والدرجات العالية التي أحرزتيها في مقابل هذه المصائب والاضطهاد والمظلومية.

(أفضل مما قطع عنكِ) من الأراضي، وأفضل مما منعوكِ من حقوقكِ.

(فاحتسبي الله) اصبري طلباً لرضاه.

(فقالت: حسبي الله. وأمسكتْ) امتثلت أمر إمامها، وأطاعت زوجها، وقالت: حسبي الله. أي: الله كافئي وعليه أعتمد في أموري. وسكتت ورضيت (سلام الله عليها).