فهرس الكتاب

مكتبة فاطمة الزهراء

مكتبة الموقع

الصفحة الرئيسية

 

قانُون الوراثة

من الأمور الثابتة قديماً وحديثاً أنّ صفات الأبوين تنتقل إلى الطفل وترتكز فيه منذ تكوُّنه في صلب أبيه إلى انتقاله إلى بطن أمه، ونشوّه ونُموِّه، وبعد الولادة والنموّ تظهر الصفات تدريجياً. بل وحتى الرضاع له تأثير عجيب في صفات الطفل المرتضع وفي الحديث عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (لا تسترضعوا الحمقاء فإن الرضاع يعدي) وقد كتب الكثيرون حول هذا القانون تفاصيل كثيرة.

على ضوء هذا القانون ينبغي أن أذكر شيئاً من ترجمة حياة والديّ السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) كي نستنتج منها بعض جوانب العظمة التي أحاطت بالسيدة فاطمة من ناحية الوراثة ولكن البحث سيطول، وينتقل الكتاب عن موضوعه إلى موضوع آخر، إلاَّ أننا نلخّص الكلام في هذه الجُمل الموجزة فنقول: سيد الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله) أطهر كائن وأشرف مخلوق، وأفضل موجود في العالم كله، لأجله خلق الله الكائنات، ولا يوجد في الكون شرف أو فضيلة أو مكرمة إلاَّ وأوفى نصيبٍ ممكنٍ منها متوفر في الرسول العظيم.

هذه عصارة الخلاصة مما يمكن أن يقال في حق الرسول، وليس في هذا التعبير شيء من الغلو والمبالغة، بل هو كقولنا: الشمس مشرقة، والعسل حلو.

هذا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقد انحدرت الزهراء من صلبه.

وأما السيدة خديجة، فكانت امرأة بيضاء، طويلة حسناء، شريفة في قومها، عاقلة في أمورها، لها نصيب وافر من الذكاء، وبصيرة في الأمور، تعتمد على نفسها وشخصها، تدير عجلة التجارة بفكرها الوقَّاد، وتعرف مبادئ الاقتصاد والتصدير والاستيراد.

هذا بصفتها إنسان أو بصفتها امرأة.

وأمَّا بصفتها زوجة فقد بذلت تلك الآلاف المؤلفة من أموالها لزوجها الرسول يتصرّف فيها حسب رأيه، وكان لأموال خديجة كل التأثير في تقوية الإسلام يومذاك إذ كان الدين الإسلامي في دور التكوين، وكان بأمس الحاجة إلى المال، فقيّض الله للإسلام أموال خديجة، وبالفعل تحقق الهدف.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (ما نفعني مالٌ قط مثل ما نفعني مال خديجة) وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يفك من مالها الغارم والعاني، ويحمل الكَلَّ، ويعطي في النائبة ويرفد فقراء أصحابه إذ كان بمكة، ويحمل من أراد منهم الهجرة، وكان ينفق منه ما شاء في حياتها، ثم ورثها هو وولُدها بعد مماتها(1).

وبهذا يتضح كلام الرسول (صلى الله عليه وآله): (ما قام ولا استقام الدين إلاّ بسيف علي ومال خديجة).

وكانت معاشرتها للرسول في حياتها الزوجية تستحق كل تقدير وتعظيم، ولهذا كان الرسول إذا ذكرها أو ذكُرت عنده بعد وفاتها ترحَّم عليها، وانكسر قلبه عليها وربما جرت عبرته على خده حزناً عليها.

وذات يوم ذكر رسول الله (صلى الله عليه وآله) خديجة فقالت عائشة: عجوز كذا وكذا قد أبدلك الله خيراً منها!! فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما أبدلني منها، لقد آمنت بي حين كفر بي الناس، وصدَّقتني حين كذّبني الناس، وأشركتني في مالها حين حرمني الناس، ورزقني الله ولدها، وحرمني ولد غيرها(2).

 

1 - أمالي الشيخ.

2 - الاستيعاب.