فهرس الكتاب

مكتبة فاطمة الزهراء

مكتبة الموقع

الصفحة الرئيسية

 

تَطبيق الخَبَر مَعَ الوَاقِع

هذه نماذج قليلة وضئيلة بالنسبة لما جرى وحدث، وبعد استعراض تلك الفجائع التي يملّ الإنسان الحياة حين قراءتها، عند ذلك تتضح لنا صحة ما أنذرت به السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) الجماعة التي استبدلت تلك القيادة بقيادة آل رسول الله (صلى الله عليه وآله).

ويظهر لنا صدق كلامها حين المطابقة والمقارنة بين كلامها: (وابشروا بسيف صارم، وسطوة معتد غاشم، وهرج شامل، واستبداد من الظالمين يَدَع فيئكم زهيداً، وجمعكم حصيداً) وبين الحوادث والمآسي التي مرّت بها الأمة الإسلامية.

وأخيراً ختمت السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) خطابها للنساء بهذه الجملات: (فيا حسرة لكم) هذه الكلمة مأخوذة من قوله تعالى: (يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلاّ كانوا به يستهزئون) فالمعنى: يا لكم من حسرة وندامة على ما فاتكم من الخير والهداية، والأمن والأمان والأجر والثواب في الدنيا وفي الآخرة (وأنّى لكم؟) أي ما أدري إلى ما يصير أمركم وقد سلكتم عن طريق الهداية، ووقعتم في موارد الهلكة والخسران (وقد عميت عليكم) خفيت عليكم الحقائق بسبب قلّة تدبّركم فيها (أنلزمكموها وأنتم لها كارهون) هذه الجملة من قوله تعالى: (قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بيّنة من ربّي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون) أي أتريدون مني أن أُكرهكم على المعرفة وأُلجأكم إليها على كره منكم؟

هذا غير مقدور لي وإنّما الواجب عليّ أن أدلّكم بالبيّنة والطريق وليس عليّ أن أضطركم على معرفتها.

قطعت السيدة فاطمة شريط كلامها مع النساء - هنا - وقامت النساء وخرجن. قال سويد بن غفلة: (فأعادت النساء قولها على رجالهن، فجاء إليها قوم من وجوه المهاجرين والأنصار معتذرين).

من المؤسف أن القضية مجملة مبهمة، فليس هنا تصريح بأسماء النساء ولا بأسماء الرجال الذين هم من وجوه المهاجرين والأنصار.

وإنما المستفاد من مجموع الأحداث أن النساء ما كنّ يعرفن الألعاب السياسية وما كنّ يعرفن اتجاه رجالهن في تلك الفترة العاصفة، فحضرن عند السيدة فاطمة الزهراء لعيادتها، فخطبت فيهن السيدة الزهراء الخطبة التي مرت عليك، وصبّت جام غضبها على رجالهن، وبعد انتهاء الخطبة قامت كل امرأة وكأنها نائمة فاستيقظت، أو كانت غافلة فانتبهت وحصل عندهن شيء من الوعي والانتباه.

ويعلم الله ما جرى بين تلك النساء وبين رجالهن من الصياح والنزاع بعد رجوعهن من عيادة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) بحيث جاء رجالهن إلى دار فاطمة معتذرين.

معتذرين عن أي شيء؟ معتذرين عن تخاذلهم عن نصرة آل رسول الله (صلى الله عليه وآله) كأنهم لا يعلمون شيئاً، كأنهم لا يعرفون عن الأحداث شيئاً، كأنهم لم يبايعوا علياً (عليه السلام) يوم الغدير، وذلك قبل وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) بسبعين يوماً، كأنهم لم يسمعوا خطبة الزهراء في المسجد واحتجاجها مع رئيس الدولة ومع المهاجرين والأنصار كأنهم لم يسمعوا صرختها عند باب البيت، وكأنهم ما كانوا بالمدينة ولم يعلموا شيئاً أبداً، وكأنهم الآن عرفوا الحق فجاءوا معتذرين بأعذار تافهة تائهة باردة:

(وقالوا: يا سيدة النساء لو كان أبو الحسن ذكر لنا هذا الأمر من قبل أن نُبرم العهد ونُحكم العقد لما عدلنا عنه إلى غيره) استمع إلى هذا الاعتذار البعيد عن المنطق البعيد عن كل مقياس.

ما أدري أي شيء كان مفروضاً على أبي الحسن أن يذكره لهؤلاء؟

أما ذكر لهم الله تعالى قوله: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون)؟

أما سمعوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) رافعاً صوته يوم الغدير: (من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر مَن نصره، واخذلْ من خذله).

إلى غيرهما من الآيات نزلت في حق عليّ (عليه السلام) وكلمات الثناء والنصوص الصريحة التي سمعوها من فم رسول الله (صلى الله عليه وآله) الدالة على خلافة عليّ بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله).

أي شيء يذكره عليّ لهم؟ فهل كان هناك شيء مستور أو غير معلوم عند أولئك الشخصيات فيحتاجوا إلى مَنْ يذكر لهم ذلك؟ أو يخبرهم به؟

وبعد هذا كله، أما احتج الإمام أمير المؤمنين بأنواع الاحتجاج يوم أخذوه من بيته إلى المسجد ليبايع أبا بكر؟ أما سمعوا؟ أما علموا؟ أما فهموا؟

ثم انظر إلى كيفية الاعتذار وسخافة القول: (لو كان أبو الحسن ذكر لنا هذا الأمر من قبل أن نبرم العهد ونحكم العقد لما عدلنا عنه إلى غيره) سبحان الله ! أما أبرمتم العهد؟ أما أحكمتم العقد يوم الغدير؟ وبايعتم علياً بالخلافة بأمر الله وأمر رسوله؟ فهل كنتم تلعبون يومذاك تستهزئون بالله ورسوله؟

فالعجب أنه جاز لكم أن تنقضوا ذلك العهد وتنكثوا ذلك العقد ولكن اليوم لا يجوز لكم النكث والنقض لتلك البيعة التي كانت هي نقضاً ونكثاً للبيعة السابقة التي بايعتم علياً يوم الغدير!!.

نعم، هكذا اعتذروا، اعتذروا بهذه الأعذار المزيفة، ولهذا طردتم السيدة فاطمة من بيته، وقالت لهم: (إليكم عني) تباعدوا عني، أمسكوا كلامكم عني (فلا عذر بعد تعذيركم) التعذير: التقصير في الاعتذار، والمعذّر: المقصّر الذي يريك إنه معذور ولا عذر له، قال تعالى: (وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم)(1).

لعل المقصود ليس لكم عذر صحيح بعد تعذيركم وتقصيركم (ولا أمر بعد تقصيركم) أي ليس لنا أمر معكم بعد هذه المواقف التي كانت لكم.

وهكذا طردتهم السيدة فاطمة من بيتها بعد أن زيّفت أعذارهم.

 

1 - سورة التوبة: آية 90.