فهرس الكتاب

مكتبة فاطمة الزهراء

مكتبة الموقع

الصفحة الرئيسية

 

إتمَامُ الحجةِ عَلَى المُهاجرين وَالأنصَار

كان الأنسب أن يكون هذا البحث قبل خطبتها التي خطبت بها للنساء، ولكن رعايةً لتوالي خُطَبها ذكرنا كما سلف.

كان الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يسير على خطة حكيمة تتفقْ مع العقل والمنطق والدين، وينتهز الفرص لإحقاق حقه وإثبات مظلوميته وإتمام الحجة على ذلك المجتمع، بل وتسجيلها في سجل التاريخ، كي يعلم ذلك الشعوب التي جاءت بعد ذلك اليوم وإلى يومنا هذا وإلى ما شاء الله.

من الصحيح أن نقول: إن الإمام علياً (عليه السلام) كان يرى لزاماً عليه أن يتم الحجة على الناس، ويبيّن لهم أن الخلافة من حقه الذي جعله الله ورسوله له، وحتى إذا كان عالماً أن الناس لا يتجاوبون معه، وهكذا يبين لهم أن فدك من حق السيدة فاطمة الزهراء.

فهو (شرعاً) خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) سواءً أذعن له الناس أو لم يذعنوا، وسواء خضع له المجتمع أو لم يخضع وهكذا إن فدك مِلكٌ للسيدة فاطمة الزهراء سواءً أعطوها حقها أو لا.

والسيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) لها المكانة المرموقة والشخصية المشهورة في ذلك المجتمع، فلا بأس لو أن السيدة الزهراء تتكلف وتتجشم تأييد زوجها في إثبات الحق والحقيقة والمطالبة بحقها، فلا عجب إذا كانت ترافق زوجها العظيم، وولديها سيدي شباب أهل الجنة، وتستنجد بالصحابة لئلا يكون للناس على الله حجة، لئلا يقولوا: كنا غافلين ناسين أو جاهلين. ولماذا ما جاءنا عليٌّ ليذكِّرنا، ليخبرنا، ليعرّفنا الحق والحقيقة؟

ولهذا كان عليّ (عليه السلام) يحمل السيدة فاطمة الزهراء على أتان(1)، فيدور بها أربعين صباحاً على بيوت المهاجرين والأنصار، والحسن والحسين معها، وهي تقول:

يا معشر المهاجرين والأنصار، انصروا الله وابنة نبيكم، وقد بايعتم رسول الله يوم بايعتموه أن تمنعوه وذريته مما تمنعون منه أنفسكم وذراريكم.

فَفوا لرسول الله ببيعتكم!

فما أعانها أحد، ولا أجابها ولا نصرها.

فانتهت إلى معاذ بن جبل فقالت: يا معاذ بن جبل! إني قد جئتك مستنصرة، وقد بايعتَ رسولَ الله على أن تنصره وذريته، وتمنعه مما تمنع منه نفسك وذريتك، وإن أبا بكر قد غصبني على فدك وأخرج وكيلي منها.

قال: فَمعي غيري؟

قالت: لا، ما أجابني أحد.

قال: فأين أبلغ أنا من نصرك؟

خرجت السيدة من دار معاذ وهي تقول له: والله لا أُنازعنّك الفصيح من رأسي حتى أرِدَ على الرسول الله.

ودخل ابن معاذ فقال لأبيه: ما جاء بابنة محمد إليك؟

قال: جاءت تطلب نصرتي على أبي بكر، فإنه أخذ منها فدكاً.

قال: فما أجبتها؟

قال: قلت: وما يبلغ نصرتي أنا وحدي؟

قال: فأبيت أن تنصرها؟

قال: نعم!!

قال: فأي شيء قالت لك؟

قال: قالت لي: والله لا أُنازعنّك الفصيح من رأسي حتى أرِدَ على رسول الله.

فقال: أنا والله لا أُنازعنّك الفصيح من رأسي حتى أرد على رسول الله.

وذكر ابن قتيبة الدينوري في (الإمامة والسياسة) ص19: قال: وخرج علي (كرم الله وجهه) يحمل فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) على دابة ليلاً في مجالس الأنصار تسألهم النصرة، فكانوا يقولون يا بنت رسول الله قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، ولو أن زوجك وابن عمك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به. فيقول عليّ (كرم الله وجهه) أفكنت أدَع رسولَ الله (صلى الله عليه وآله) في بيته لم أدفنه، وأخرج أُنازع الناس سلطانه؟ فقالت فاطمة: ما صنع أبو الحسن إلاّ ما كان ينبغي له، ولقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم.

وكان معاوية يشمت بالإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) من حمله سيدة نساء العالمين واصطحابها إلى بيوت المهاجرين والأنصار يستنجدهم. فقد كتب معاوية إلى الإمام:

.. وأعهدك أمس تحمل قعيدة بيتك ليلاً على حمار، ويداك في يدي ابنيك حسن وحسين يوم بويع أبو بكر، فلم تَدَع أحداً من أهل بدر والسوابق إلاّ دعوتهم إلى نفسك، ومشيت إليهم بامرأتك، وأدليت إليهم بابنيك.. إلى آخر كلماته المنبعثة من قلبه الحقود(2).

 

1 - الأتان: الحمارة.

2 - شرح النهج ج1 ص131.