فهرس الكتاب

مكتبة فاطمة الزهراء

مكتبة الموقع

الصفحة الرئيسية

 

حُنوطُ الجَنّة

ولها وصايا أُخرى لزوجها بأن يتعهد قبرها، ويقرأ القرآن عند مرقدها وغير ذلك مما ليست لها أهمية كالبنود السابقة من وصاياها.

ثم طلبت السيدة فاطمة من أسماء بنت عميس الحنوط الذي جاء به جبرائيل من الجنة وقالت: يا أسماء ائتني ببقية حنوط والدي من موضع كذا وكذا، فضعيه عند رأْسي(1).

وأما الحنوط وهو السدر والكافور فقد روي عن علي (عليه السلام) أنه قال: كان في الوصية أن يدفع إليَّ الحنوط فدعاني رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبل وفاته بقليل: فقال: يا علي ويا فاطمة هذا حنوطي من الجنة دفعه إليَّ جبرئيل وهو يقرئكما السلام ويقول لكما: أقسماه، واعزلا منه لي ولكما. فقالت فاطمة (عليها السلام): يا أبتاه لك ثُلثه. وليكن الناظر في الباقي علي بن أبي طالب. فبكى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وضمَّها إليه وقال: موفَّقة، رشيدة، مهدية، ملهَمة، يا علي قل لي في الباقي. قال: نصف ما بقي لها، والنصف الآخر لمن ترى يا رسول الله!! قال (صلى الله عليه وآله): هو لك(2).

ثم دعت السيدة فاطمة سلمى امرأة أبي رافع وقالت لها: هيئي لي ماءً، وفي رواية: (اسكبي لي غسلاً) ثم دعت بثيابها الجدد فاغتسلت أحسن ما يكون، ثم قالت: افرشي فراشي وسط البيت(3).

أقول: لا أعرف السبب في اغتسال السيدة فاطمة وتبديل ثيابها وهي في أواخر ساعات الحياة، بل على أعتاب المنية.

ولعل السبب في ذلك (والله العالم) أنها (عليها السلام) أرادت أن تغسل آثار الجروح الموجودة على عضدها وعلى ضلعها، تلك الجروح التي حدثت لها عند باب بيتها من الضرب، كما تقدم الكلام عنه.

وهكذا نزعت الثياب الملطخة بالدماء والقيح، ولعلها (عليها السلام) أرادت أن تخفي ذلك عن ذويها الذين يحضرون ساعة تغسيلها، وزعم البعض أنها اغتسلت عوضاً عن غسل الميت الواجب بعد الموت، وأنها أوصت لأن لا تغسل بعد الموت، وهذا عجيب من المحدِّثين كيف يذكرون هذه الأُسطورة أو الأُكذوبة؟ مع العلم أن غسل الميت إنما يجب بعد الموت لا قبل الموت.

نعم، بالنسبة للمحكوم عليهم بالقتل يغتسلون قبل تنفيذ حكم الإعدام عليهم، وليس هذا المورد من تلك الموارد.

ثم أن الفقهاء إنما استدلوا على جواز تغسيل الزوج زوجته بعد الموت بتغسيل الإِمام أمير المؤمنين زوجته السيدة فاطمة (عليها السلام) بعد وفاتها بحيث صار هذا الأمر أوضح من الشمس، وأشهر من أمس، فما فائدة ذكر هذا القول الشاذ الذي لا يعبأْ به أحد؟

انتقلت السيدة فاطمة (عليها السلام) إلى فراشها المفروش قي وسط البيت، واضطجعت مستقبلة القبلة، واضعة يدها تحت خدِّها بعد أن هيأت طعاماً لأطفالها، وقيل: أنها أرسلت ابنتيها: زينب وأُم كلثوم إلى بيوت بعض الهاشميات لئلا تشاهدا موت أُمهما، كل ذلك من باب الشفقة والرأْفة، والتحفّظ عليهما من صدمة مشاهدة المصيبة.

يستفاد من بعض الأحاديث أن الإِمام علياً والحسن والحسين (عليهم السلام) كانوا خارج البيت في تلك الساعة، ولعل خروجهم كان لأسباب قاهرة وظروف معيّنة، وعلى كلٍّ لم يحضروا تلك الدقائق الأخيرة من حياة أُمِّهم، وإنما كانت أسماء حاضرة وملازمة لها، ويُستفاد من بعض الأحاديث أن خادمتها فضة أيضاً حاضرة.

حانت ساعة الاحتضار وحالة النزع، وانكشف الغطاء، ونظرت السيدة فاطمة نظراً حاداً ثم قالت:

السلام على جبرائيل.

السلام على رسول الله.

اللهم مع رسولك، اللهم في رضوانك وجوارك ودارك دار السلام.

ثم قالت: أترون ما أرى؟ فقيل لها: ما ترين؟ قالت: هذه مواكب أهل السماوات وهذا جبرئيل، وهذا رسول الله يقول: يا بنية اقدمي، فما أمامك خير لك.

وفتحت عينيها.. ثم قالت: وعليك السلام يا قابضْ الأرواح عجِّل بي ولا تعذبني، ثم قالت: إليك ربي لا إلى النار.

ثم غمضت عينيها، ومدت يديها ورجليها وفارقت الحياة فشقّت أسماء جيبها، ووقعت عليها تقبِّلها وهي تقول: يا فاطمة إذا أقدمت على أبيك رسول الله فأقرئيه عن أسماء بنت عميس السلام.

ودخل الحسن والحسين فوجدوا أُمهما مسجّاة فقالا: يا أسماء ما يُنيم أُمَّنا في هذه الساعة؟ قالت: يا بني رسول الله ليست أُمُّكما نائمة، قد فارقت الدنيا.

فألقى الحسن نفسه عليها يقبِّل رجلها ويقول: يا أُماه كلّميني قبل تفارق روحي بدني.

وهكذا الحسين كان يقبل رجلها ويقول: يا أُماه! أنا ابنك الحسين!! كلِّميني قبل أن يتصدَّع قلبي فأموت.

قالت لهما أسماء: يا بنَي رسول الله انطلقا إلى أبيكما فأخبراه بموت أُمكما. فخرجا حتى إذا كانا قرب المسجد رفعا أصواتهما بالبكاء.

فابتدر إليهما جمع من الصحابة وسألوهما عن سبب بكائهما فقالا: أو ليس قد ماتت أُمنا فاطمة!

فوقع الإِمام علي على وجهه يقول: بمن العزاء يا بنت محمد؟ وأقبل إلى البيت.

 

1 - العاشر من بحار الأنوار عن ابن شهر آشوب.

2 - المستدرك في أحكام الكفن.

3 - العاشر من بحار الأنوار.