فهرس الكتاب

مكتبة فاطمة الزهراء

مكتبة الموقع

الصفحة الرئيسية

 

التّسمِيَة

تعتبر تسمية الطفل المولود أو التسمية (بصورة عامة) من سنن الله تعالى الأولى وقد سمَّى الله تعالى آدم وحوَّاء يوم خلقهما، وعلَّم آدم الأسماء كلها، وقد سار الناس على هذه السنة أو السيرة. فالتسمية لا بدَّ منها عند البشر المتحضّر، ولعل البشر المتوحش في الغابات بسبب ابتعادهم عن الحضارة لا يعرفون التسمية ولا يسمُّون.

وتختلف أسماء البشر على مرِّ الأجيال والعصور، وعلى اختلاف لغاتها فقد توجد هناك مناسبة بين الاسم والمسمَّى، وقد لا توجد، وقد يكون للإسلام معنى في قاموس اللغة وقد لا يكون له معنى، بل هو اسم مخترع لا من مادة لغوية.

أما أولياء الله فإنَّ التسمية تعتبر عندهم ذات أهمية كبرى، ولا يخلو الأمر عن الحقيقة، أنَّ الإنسان ينادى ويدعى باسمه، فكم هناك فرق بين الاسم الحسن الجيِّد، وبين القبيح السيئ؟

وكم فرق بين تأثير نفس صاحب الاسم بهذا وذاك؟ وهكذا تأثر السامع للاسم؟ فهذه امرأة عمران ولدت بنتاً فقالت: (وإني سميتها مريم).

واختار الله لنبيه يحيى (عليه السلام) هذا الاسم قبل أن تنعقد نطفته في رحم أُمِّه، لأنَّ زكريا سأل ربه قال: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً * يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيّاً)(1) وأنت إذا أمعنت النظر في قوله تعالى: (لم نجعل له من قبل سمياً) يتضح لك أنَّ تعيين أسماء أولياء الله يكون من عنده عز وجل، وأنَّ الله يتولى تسميتهم ولم يكلها إلى الأبويْن.

إذا عرفت هذا فهلمَّ معي إلى طائفة كبيرة من الأحاديث التي تذكر اسم السيدة فاطمة الزهراء ووجه التسمية، وأنها إنما سميت بفاطمة لأسباب ومناسبات، وليست هذه التسمية ارتجالية، ولا وليدة إعجاب واستحسان فقط، بل روعي فيها مناسبة الاسم مع المسمى، بل صدق الاسم على المسمَّى، وبهذه الأحاديث يتضح ما نقول.

قال الإمام الصادق (عليه السلام): لفاطمة تسعة أسماء عند الله عز وجل: فاطمة والصدِّيقة والمباركة، والطاهرة، والزكية، والراضية والمرضية، والمحدَّثة، والزهراء.. إلخ(2).

فَاطمَة (عليها السلام)

1 - في العاشر من البحار عن الغمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: لما ولدت فاطمة (عليها السلام) أوحى الله عز وجل إلى ملك فأنطق به لسان محمد (صلى الله عليه وآله) فَسمَّاها فاطمة ثم قال: إني فطمتك بالعلم. وفطمتك عن الطمث ثم قال أبو جعفر (عليه السلام): والله لقد فطمها الله تبارك وتعالى بالعلم وعن الطمث بالميثاق(3).

2 - عن الإمامين: الرضا والجواد (عليهما السلام) قالا: سمعنا المأْمون يحدث عن الرشيد عن المهدي عن المنصور عن أبيه عن جدِّه قال ابن عباس - لمعاوية -: أتدري لِمَ سُمِّيت فاطمة؟ قال: لا: قال: لأنها فطمت هي وشيعتها من النار سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقوله.

3 - عن الإمام الرضا (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال: رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا فاطمة أتدرين لِمَ سُمِّيتِ فاطمة؟ قال علي (عليه السلام): لم سُميت؟ قال: لأنها فُطمت هي وشيعتها من النار.

4 - قال الإمام الصادق (عليه السلام): أتدرون أيُّ شيء تفسير فاطمة؟ قلت: أخبرني يا سيدي قال: فُطمت من الشر. ثم قال: لولا أن أمير المؤمنين تزوَّجها لما كان لها كفء إلى يوم القيامة على وجه الأرض، آدم فمن دونه.

وقد روي هذا الحديث من علماء العامة جماعة. منهم:

ابن شيرويه الديلمي عن أُم سلمة قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لو لم يخلق الله علياً لما كان لفاطمة كفء.

ورواه الخوارزمي في مقتل الحسين ص65.

والترمذي في المناقب. والمناوي في كنوز الحقائق.

والقندوزي في ينابيع المودة عن أُم سلمة وعن العباس عمّ النبي (صلى الله عليه وآله).

5 - وروى الخرگوشي في كتاب (شرف النبي) وابن بطة في كتاب (الإبانة) عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): هل تدري لِمَ سُمِّيت فاطمة؟ قال علي: لِم سُمِّيت؟ قال: لأنَّها فُطمت هي وشيعتها من النار.

6 - عن الإمام الرضا (عليه السلام) عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) قال: سمعت رسول الله يقول: سُمِّيت فاطمة لأن الله فطمها وذريتها من النار، من لقي الله منهم بالتوحيد والإيمان بما جئتُ به(4).

وقد روى الأحاديث جمع غفير من علماء العامة. منهم:

1 - الخوارزمي في مقتل الحسين ص51 عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنما سُمِّيت ابنتي فاطمة لأنَّ الله عز وجل فطمها وفطم من أحبَّها من النار.

2 - الطبري في (ذخائر العقبى) والقندوزي في (ينابيع المودة) والصفوري في (نزهة المجالس) عن علي رضي الله عنه: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا فاطمة أتدرين لم سُمِّيت فاطمة؟ قال علي: يا رسول الله لِم سُمِّيت فاطمة؟ قال: إنَّ الله عز وجل قد فطمها وذريَّتها من النار يوم القيامة.

ورواه القندوزي في (ينابيع المودة) ص194.

وكان هذا الاسم محبوباً عند أهل البيت (عليهم السلام) يحترمونه ويحترمون من سُمِّيت به، وسأل الإمام الصادق (عليه السلام) أحد أصحابه - وقد رزقه الله بنتاً - بِم سمَّيتها قال الرجل: سميتها فاطمة. قال الإمام الصادق: فاطمة؟ سلام الله على فاطمة أما إن سميتها فاطمة فلا تلطمها ولا تشتمها وأكرمها.

وفي الوسائل ج7 عن السكوني قال: دخلت على أبي عبد الله - الصادق - (عليه السلام) وأنا مغموم مكروب قال لي: يا سكوني ما غمك؟ فقلت: ولدت لي ابنة.. فقال: ما سمَّيتها قلت: فاطمة قال: آه آه آه ثم قال: أما إذا سميتها فاطمة فلا تسبها ولا تلعنها ولا تضربها.

وفي سفينة البحار عن أبي الحسن (الكاظم) قال: لا يدخل الفقر بيتاً فيه اسم محمد.. وفاطمة من النساء.

إن الحديث الأول الذي مرّ في تسميتها (عليها السلام) بفاطمة، عن الإمام الباقر (عليه السلام) قد ذيّله الإمام بقوله: (والله لقد فطمها الله تبارك وتعالى بالعلم وعن الطمث بالميثاق).

إن المقصود من كلمة (الميثاق) هنا هو عالم الذر، ذلك العالم الذي أشار إليه قوله تعالى: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألستُ بربكم قالوا بلى)(5) وملخص القول: إن الله تعالى أخرج ذرية آدم من صلبه كهيئة الذر، فعرضهم على آدم وقال: إني آخذ على ذريتك ميثاقهم أن يعبدوني ولا يشركوا بي شيئاً وعليَّ أرزاقهم، ثم قال لهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا أنك ربنا فقال للملائكة: اشهدوا فقالوا: شهدنا. وقيل إن الله تعالى جعلهم فهماء عقلاء يسمعون خطابه ويفهمونه ثم ردَّهم إلى صلب آدم، والناس محبوسون بأجمعهم حتى يخرج كل من أخرجه الله في ذلك الوقت، وكل من ثبت على الإسلام فهو على الفطرة الأُولى، ومن كفر وجحد فقد تغيَّر عن الفطرة الأُولى.

وهذا القول مستخلص من طائفة كبيرة من الأحاديث والأخبار المعتبرة وهذا العالم يسمَّى عالم الذر ويسمى عالم الميثاق، والإمام الباقر (عليه السلام) يشير في كلامه إلى أن الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء كانت طاهرة من العادة الشهرية من ذلك العالم ومن ذلك الوقت.

وأما الأحاديث التي تتحدث عن عالم الذر فكثيرة جداً، ونكتفي هنا بذكر بعضها: في تفسير البرهان عن الإمام أبي عبد الله (الصادق) (عليه السلام) قال: سُئل رسول الله (صلى الله عليه وآله): بأي شيء سبقت ولد آدم؟ قال: إنني أول من أقرَّ بربي، إن الله أخذ ميثاق النبيين وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا: بلى. فكنت أول من أجاب.

عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله الصادق (عليه السلام): كيف أجابوا وهم ذر؟ قال: جعل فيهم ما إذا سألهم أجابوه؛ وزاد العياشي: يعني في الميثاق.

وعن زرارة أنه سئل من الإمام الباقر (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم) قال: من ظَهرِ آدم ذريتَه إلى يوم القيامة فخرجوا كالذر، فعرَّفهم وأراهم صنعه، ولولا ذلك لم يعرف أحد ربه.

ولما حج عمر بن الخطاب واستلم الحجر قال: أما والله إني لأعلم أنك حجر، لا تضر ولا تنفع، ولولا أن رسول الله استلمك ما استلمتك فقال له علي: يا أبا حفص لا تفعل فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يستلم إلاَّ لأمر قد علمه ولو قرأت القرآن فعلمت من تأْويله ما علم غيرك لعلمت أنه يضر وينفع، له عينان وشفتان ولسان ذلق يشهد لمن وافاه بالموافاة، فقال له عمر: فأوجدني ذلك في كتاب الله يا أبا الحسن فقال علي (عليه السلام): قوله تبارك وتعالى: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا)، فلما أقروا بالطاعة أنه الرب وأنهم العباد أخذ عليهم الميثاق بالحج إلى بيته الحرام، ثم خلق الله رقا أرقَّ من الماء وقال للقلم: أُكتب موافاة خلقي ببيتي الحرام. فكتب القلم موافاة بني آدم في الرق ثم قيل للحجر: افتح فاك. ففتحه فألقم الرق. ثم قال للحجر: احفظه واشهد لعبادي بالموافاة. فهبط الحجر مطيعاً لله.

يا عمر أو ليس إذا استلمت الحجر قلت: أمانتي أدَّيتها، وميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة؟ فقال عمر: اللهم نعم. فقال له علي: من ذاك.

وإنك تجد طائفة كبيرة من الأحاديث التي تتضمن البحث عن عالم الذر في كتاب الكافي للكليني والبحار للمجلسي وغيرها من موسوعات الأحاديث.

وقد التبس الأمر على بعض علمائنا. فلم يفهموا الآية فجعلوا يشككون في تلك الأحاديث (سامحهم الله) بالرغم من كثرتها بل بالرغم من صريح الآية.

وخلاصة الكلام أن عالم الذر هو عالم الميثاق، ومن ذلك العالم بل وقبل ذلك كانت الأفضلية لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الطاهرين، ومن جملتهم ابن الطاهرة فاطمة الزهراء.

ولا يصعب عليك قبول هذا القول، فإن هناك أحاديث كثيرة رواها علماء الفريقين من الشيعة والسنة قد بلغت أو تجاوزت حدَّ التواتر وهي تؤيِّد هذا الموضوع أما الأحاديث المذكورة في كتب الشيعة فيعسر إحصاؤها وعدُّها، وأما في كتب السنة فقد روى الصفوري الشافعي في (نزهة المجالس ج2 ص223) قال: قال الكسائي وغيره: لما خلق الله آدم.. إلى أن قال: وعليه جارية لها نور وشعاع، وعلى رأْسها تاج من الذهب، مرصَّع بالجواهر لم ير آدم أحسن منها. فقال: يا رب من هذه؟ قال: فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رب من يكون بعلها؟ قال: يا جبرئيل افتح له باب قصر من الياقوت. ففتح له، فرأى فيه قبَّةً من الكافور، فيها سرير من ذهب، عليه شاب حسنه كحسن يوسف فقال: هذا بعلها علي بن أبي طالب.. الحديث.

وروى العسقلاني في (لسان الميزان ج3 ص346):

عن الإمام الحسن بن علي العسكري (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) عن جابر بن عبد الله عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): لما خلق الله آدم وحوَّاء تبخترا في الجنة وقالا: من أحسن منَّا؟ فبينما هما كذلك. إذ هما بصورة جارية لم ير مثلها، لها نور شعشعاني يكاد يطفئ الأبصار. قالا: يا رب ما هذه؟ قال: صورة فاطمة سيدة نساء ولدك قال: ما هذا التاج على رأسها قال: علي بعلها. قال فما القرطان قال: ابناها، وجد ذلك في غامض علمي قبل أن أخلقك بألفي عام.

الصِّدِّيقة

لقد مرَّ عليك أن من جملة أسمائها (عليها السلام) الصدِّيقة، بكسر الصاد والدال المشدّدة (صيغة المبالغة) في التصديق أي الكثيرة الصدق.

والصِدِّيق أبلغ من الصدوق، وقيل: الصدِّيق: من كثر منه الصدق. وقيل: بل مَن لم يكذب قط. وقيل: الكامل في الصدق، الذي يصدِّق قوله بالعمل، البار، الدائم التصديق وقيل: مَن لم يتأت منه الكذب لتعوِّده الصدق. وقيل: مَن صدق بقوله واعتقاده، وحقق صدقه بفعله. كذا في تاج العروس.

وقيل: المداوم على التصديق بما يوجبه الحق، وقيل: الذي عادته الصدق. وقيل: إنه المصدِّق بكل ما أمر الله به وبأنبيائه، لا يدخله في ذلك شك، ويؤيده قوله تعالى: (والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصدِّيقون). سورة الحديد، الآية: 19.

هذه تعاريف في معنى الصدِّيق، ولكن المستفاد من الآيات الكثيرة والروايات المتعددة أن مرتبة الصدِّيقين في عداد مراتب الأنبياء والشهداء لهم حساب خاص بهم ودرجة مخصوصة بهم. استمع إلى هذه الآيات ليظهر لك ما قلنا:

(ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدِّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً) سورة النساء، الآية: 69.

(واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صدِّيقاً نبياً) سورة مريم، الآية: 39.

(واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صدِّيقاً نبياً) سورة مريم، الآية: 56.

(وما المسيح ابن مريم إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صدِّيقة) سورة المائدة، الآية: 75.

وفي تفسير قوله تعالى: (وأُمَّه صدِّيقة) قيل: سُميَّت صدِّيقة لأنها تُصدِّق بآيات ربها، ومنزلة ولدها وتصدِّقه فيما أخبرها به، بدلالة قوله تعالى: (وصدَّقت بكلمات ربها) وقيل: لكثرة صدقها، وعظم منزلتها فيما تصدق به من أمرها.

بعد استعراض هذه الآيات والأقوال يمكن لنا أن نستفيد أن التصديق بالله وبالأنبياء والكتب السماوية والأحكام الشرعية تارة يكون باللسان دون العمل.

ففي الوقت الذي يصدّق الإنسان بأن الله تعالى يراه مع ذلك يعصي الله عز وجل ويعلم بأن الله تعالى قد أوجب عليه حقوقاً مالية أو غير مالية مع ذلك لا يؤدي تلك الحقوق ويعلم بأن الله حرَّم الخمر والربا والزنا ومع ذلك لا يرتدع عن تلك المعاصي فهو مصدّق بالله وبالحلال والحرام، والثواب والعقاب، والجنة والنار، ولكن عمله لا يطابق هذا التصديق، أي لم يبلغ به التصديق درجة المطابقة بين القول والفعل أو بين الاعتقاد والعمل.

ولكنّ الصدِّيقين هم الذين يعتقدون الحق ويؤمنون به، ويعملون على ضوء تلك المعتقدات، وهؤلاء عددهم قليل ونادر في كل زمان وفي كل مكان.

وأنت إذا قارنت بين هذه التعاريف وبين أعمال الناس يظهر لك بكل وضوح أن عدد الصدِّيقين قليل جداً جداً، ولعل في بعض البلاد لا يوجد صدّيق واحد.

وبعد هذا كله سوف يسهل عليك أن تعرف أن السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) قد بلغت مرتبة الصدِّيقين، وسمَّاها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالصدِّيقة. كما في (الرياض النضرة ج2 ص202) وفي (شرف النبوة) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال لعلي: أُتيتَ ثلاثاً لم يؤتَهن أحد ولا أنا:

أُتيتَ صهراً مثلي ولم أُوت أنا مثلي.

وأُتيتَ زوجة صدِّيقة مثل ابنتي ولم أُوت أنا مثلها زوجة.

وأُوتيتَ الحسن والحسين من صلبك ولم أُوتَ من صلبي مثلهما.

ولكنكم مني وأنا منكم.

وسأل المفضل بن عمرو عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: قلت: من غسَّل فاطمة؟ قال: ذاك أمير المؤمنين فكأنني استعظمت ذلك من قوله، فقال كأنك ضقتَ بما أخبرتك به؟ فقلت: قد كان ذلك جعلت فداك!

قال: لا تضيقنَّ، فإنها صدِّيقة، ولم يغسِّلها إلا صدِّيق، أما علمت أن مريم لم يغسِّلها إلا عيسى.

المُبَارَكَة

البركة: النماء والسعادة والزيادة كما في (تاج العروس) وقال الراغب: ولما كان الخير الإِلهي يصدر من حيث لا يحبس، وعلى وجه لا يحصى ولا يحصر قيل - لكل ما يشاهَد منه زيادة محسوسة -: هو مبارك فيه، وفيه بركة.

ولقد بارك الله في السيدة فاطمة أنواعاً من البركات وجعل ذرية رسول الله (صلى الله عليه وآله) من نسلها، وجعل الخير الكثير في ذريَّتها، فإنها ماتت وتركت ولدين وابنتين فقط، وهم: الإمام الحسن والإمام الحسين (عليهما السلام) وزينب وأُم كلثوم، وجاءت واقعة كربلاء، وقتل فيها أولاد الحسين ولم يبق من أولاده إلاَّ علي بن الحسين (زين العابدين).

وقُتل من أولاد الإمام الحسن سبعة (على قول) واثنان من ولد زينب، وأما أُم كلثوم فإنها لم تعقب.

وبعد واقعة كربلاء تكررت الحوادث، وأُقيمت المذابح والمجازر في نسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وذرية فاطمة الزهراء من واقعة الحرَّة، إلى واقعة زيد بن علي بن الحسين إلى واقعة الفخ إلى مطاردة العلويين في عهد الأُمويين.

وجاء دَور بني العباس، فضربوا الرقم القياسي في مكافحة العلويين وإبادتهم واستئصال شأْفتهم، راجع كتاب (مقاتل الطالبيين) تجد بعض تلك الحوادث.

واستمرت المكافحة أكثر من قرنين حتى قُتل الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) وهو الإمام الحادي عشر مسموماً في مدينة سامراء، ولم يكن صلاح الدين الأيوبي بأقل من العباسيين في إراقة دماء آل رسول الله ودماء شيعتهم، فلقد أقاموا في المغرب العربي مجازر ومذابح جماعية تقشعر منها الجلود.

ومع ذلك كله فقد جعل الله البركة في نسل فاطمة الزهراء، وقد جعل الله منها الخير الكثير.

وفي تفسير قوله تعالى: (إنا أعطيناك الكوثر) أقوال للمفسرين، وإن كان المشهور أن الكوثر هو الحوض المعروف في القيامة، أو النهر المشهور في الجنة ولكن الكوثر على وزن فوعل - هو الشيء الكثير والخير الكثير.

وقد ذكر السيوطي في (الدر المنثور) في تفسير شرح الكوثر: وأخرج البخاري وابن جرير والحاكم عن طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (رضي الله عنهما) أنه قال: الكوثر: الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه، قال أبو بشر: قلت لسعيد بن جبير فإنّ ناساً يزعمون أنَّه نهر في الجنة. قال: النهر الذي في الجنة هو من الخير الكثير الذي أعطاه.

والأنسب بالمقام. وبمقتضى الحال - كما في التفسير للرازي - أن يكون المقصود من الكوثر هي الصدّيقة فاطمة الزهراء، فقد ذكر الطبرسي في (مجمع البيان) في تفسير سورة الكوثر: قال: قيل: الكوثر هو الخير الكثير، وقيل: هو كثرة النسل والذرية، وقد ظهرت الكثرة في نسله - رسول الله (صلّى الله عليه وآله) - من وُلد فاطمة حتى لا يحصى عددهم، واتصل إلى يوم القيامة مددهم.

وقال الفخر الرازي في تفسيره حول الآية:

(والقول الثالث): الكوثر أولاده، قالوا: لأن هذه السورة إنما نزلت ردَّاً علة من عابه (عليه السلام) بعدم الأولاد، فالمعنى أنه يعطيه نسلاً يبقون على مرِّ الزمان فانظر كم قُتل من أهل البيت؟ ثم العالم ممتلئ منهم، ولم يبق من بني أُمية في الدنيا أحد يُعبأُ به، ثم انظر كم كان فيهم من الأكابر من العلماء كالباقر والصادق والكاظم والرضا (عليهم السلام) والنفس الزكية وأمثالهم.

ووجه المناسبة: أن الكافر شمت بالنبي حين مات أحد أولاده وقال: إن محمداً أبتر، فإن مات، مات ذكره. فأنزل الله هذه السورة على نبيه تسلية له كأنه تعالى يقول: إن كان ابنك قد مات فإنا أعطيناك فاطمة، وهي وإن كانت واحدة وقليلة، ولكن الله سيجعل هذا الواحد كثيراً.

وتصديقاً لهذا الكلام ترى في العالم (اليوم) ذرية فاطمة الزهراء الذين هم ذرية رسول الله (صلى الله عليه وآله) منتشرين في بقاع العالم، ففي العراق حوالي مليون وفي إيران حوالي ثلاثة ملايين، وفي مصر خمسة ملايين وفي الجزائر وفي تونس وليبيا عدد كثير، وكذلك في الأردن وسوريا ولبنان، والسودان وبلاد الخليج والسعودية ملايين، وفي اليمن والهند وباكستان والأفغان وجزر إندونيسيا حوالي عشرين مليوناً.

وقلَّ أن تجد في البلاد الإسلامية بلدة ليس فيها أحد من نسل السيدة فاطمة الزهراء. ويقدَّر مجموعهم بخمسة وثلاثين مليوناً، ولو أجريت إحصائيات دقيقة وصحيحة فلعل العدد يتجاوز هذا المقدار.

هؤلاء ذرية رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهم من صلب علي وفاطمة وفيهم الملوك والأمراء والوزراء والعلماء والكتَّاب والشخصيات البارزة والعباقرة المرموقة.

ومنهم مَن يعتزُّ بهذا الانتساب ويفتخر به، ومنهم مَن يهمله ولا يبالي به، ومنهم مَن يسير على طريقة أهل البيت، ومنهم مَن يسير على خلاف مذهب أهل البيت.

وقد سمعت أنَّ بعض العلويين في إندونيسيا خوارج ونواصب!!

ومن أعجب العجب أن بعض المسلمين ما كان يعجبهم أن يعترفوا بهذا الانتساب أي انتساب ذرية علي وفاطمة على رسول الله (صلى الله عليه وآله) بل يعتبرون هذا الاعتراف كذباً وافتراءً، ويحاربون هذه الفكرة محاربة شعواء لا هوادة فيها، وكانوا يسفكون الدماء البريئة لأجل هذه الحقيقة.

انظر إلى موقف الحَجاج السفَّاك الهتَّاك تجاه هذا الأمر، وهكذا المنصور الدوانيقي، وهارون الرشيد وغيرهم ممن حذا حذوهم وسلك طريقتهم.

وفي العاشر من البحار: عن عامر الشعبي أنه قال: بعث إليَّ الحجاج ذات ليلة فخشيت فقمت فتوضأْت وأوصيت، ثم دخلت عليه، فنظرت فإذا نطع منشور والسيف مسلول، فسلَّمت عليه فردَّ عليَّ السلام فقال: لا تخف فقد أمنتك الليلة وغداُ إلى الظهر، وأجلسني عنده ثم أشار فأُتي برجل مقيَّد بالكبول والأغلال، فوضعوه بين يديه فقال: إن هذا الشيخ يقول: إنَّ الحسن والحسين كانان ابني رسول الله، ليأْتيني بحجة من القرآن وإلاَّ لأضربنَّ عنقه.

فقلت: يجب أن تحلَّ قيده، فإنَّه إذا احتج فإنَّه لا محالة يذهب وإن لم يحتج فإنَّ السيف لا يقطع هذا الحديد.

فحلّوا قيوده وكبوله، فنظرت فإذا هو سعيد بن جبير، فحزنت بذلك، وقلت: كيف يجد حُجَّةً على ذلك من القرآن؟ فقال الحجاج: ائتني بحجة من القرآن على ما ادعيت وإلاَّ أضرب عنقك.

فقال له: انتظر. فسكت ساعة ثم قال له مثل ذلك. فقال: انتظر. فسكت ساعة ثم قال له مثل ذلك فقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ثم قال: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب.. إلى قوله: وكذلك نجزي المحسنين) ثم سكت وقال للحجاج: اقرأْ ما بعده. فقرأ: (وزكريا ويحيى وعيسى) فقال سعيد: كيف يليق هاهنا عيسى؟ قال: إنَّه كان من ذريته قال: إن كان عيسى من ذرية إبراهيم ولم يكن له أب بل كان ابن ابنته فنُسب إليه مع بُعده فالحسن والحسين أولى أن يُنسب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع قربهما منه.

فأمر له بعشرة آلاف دينار، وأمر أن يحملوه إلى داره وأذن له في الرجوع قال الشعبي: فلما أصبحت قلت في نفسي: قد وجب عليَّ أن آتي هذا الشيخ فأتعلَّم منه معاني القرآن، لأني كنت أظن أني أعرفها، فإذا أنا لا أعرفها. فأتيته فإذا هو في المسجد، وتلك الدنانير بين يديه، يفرِّقها عشراً عشراً، ويتصدق بها ثم قال: هذا كله ببركة الحسن والحسين (عليهما السلام) لئن أغممنا واحداً لقد أفرحنا ألفاً وأرضينا الله ورسوله (صلى الله عليه وآله).

أقول: الآيات التي استدل بها سعيد بن جبير (رضوان الله عليه) هي: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلاّ هدينا ونوحاً هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين) سورة الأنعام؛ الآية: 85.

وهاك حديثاً آخر يكشف لك مدى العناد واللجاج والإلحاح على نفي هذه الفضيلة وتزييفها من الجانب المناوئ.

روى شيخنا المجلسي في البحار عن الاحتجاج وتفسير علي بن إبراهيم عن أبي الجارود عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: قال لي أبو جعفر: يا أبا الجارود ما يقولون في الحسن والحسين (عليهما السلام)؟ قلت: ينكرون علينا أنهما ابنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: فبأي شيء احتججتم عليهم؟

قلت: يقول الله عز وجل في عيسى ابن مريم: (ومن ذريته داود وسليمان إلى قوله وكذلك نجزي المحسنين) وجعل عيسى من ذرية إبراهيم.

قال: فأي شيء قالوا لكم؟

قلت: قالوا: قد يكون ولد الابنة من الوالد ولا يكون من الصلب.

قال: فبأي شيء احتججتم عليهم؟

قال: قلت: احتججنا عليهم بقول الله تعالى: (قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم).

قال: فأي شيء قالوا لكم؟

قلت: قالوا: قد يكون في كلام العرب ابني رجل واحد فيقول: أبناءنا. وإنما هما ابن واحد.

قال: فقال أبو جعفر (عليه السلام): والله يا أبا الجارود لأعطينَّكها من كتاب الله آية تسمّى لصلب رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يردّها إلاَّ كافر.

قال: قلت: جعلت فداك وأين؟

قال: حيث قال الله: (حرّمت عليكم أمهاتكم وبناتكم إلى أن تنتهي إلى قوله: وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم) فسلهم يا أبا الجارود هل حلَّ لرسول الله (صلى الله عليه وآله) نكاح حليلتيهما؟ (أي زوجة الحسن والحسين).

فإن قالوا: نعم، فكذبوا والله وفجروا، وإن قالوا: لا. فهما والله ابناه لصلبه، وما حرمتا عليه إلاّ للصلب.

ولقد جرى حوار بين هارون الرشيد والإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام) ذكره شيخنا المجلسي في البحار نقلاً عن عيون أخبار الرضا (عليه السلام) أن هارون الرشيد قال للإمام موسى بن جعفر (عليه السلام):

لِمَ جوَّزتم للعامة والخاصة أن ينسبوكم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويقولون لكم يا بني رسول الله، وأنتم بنو علي، وإنما ينسب المرء إلى أبيه، وفاطمة إنما هي وعاء والنبي (صلى الله عليه وآله) جدّكم من قِبَل أُمِّكم؟؟

فقال الإمام: لو أنّ النبي نُشر (أي بعث حياً) فخطب إليك كريمتك هل كنت تجيبه؟

قال الرشيد: سبحان الله! ولِمَ لا أُجيبهُ؟ بل أفتخر على العرب والعجم وقريش بذلك.

فقال الإمام: ولكنه (صلى الله عليه وآله) لا يخطب إليَّ ولا أزوِّجه.

قال الرشيد: ولِمَ؟

قال الإمام: لأني ولدني ولم يلدك.

قال الرشيد: أحسنت يا موسى.

ثم قال الرشيد: كيف قلتم إنا ذرية النبي، والنبي (صلى الله عليه وآله) لم يعقّب؟ وإنما العقب للذكر، لا للأنثى، وأنتم ولد الابنة، ولا يكون لها عقب؟

فاعتذر الإمام عن الإجابة على هذا السؤال المحرج وطلب من الرشيد إعفاءه عن الجواب رعاية للتقية. فقال الرشيد: لا، أو تخبرني بحجتكم فيه يا ولد علي وأنت يا موسى يعسوبهم وإمام زمانهم، كذا أنهي إلي ولست أَعفيك في كل ما أسألك حتى تأْتيني فيه بحجة من كتاب الله، فأنتم تدَّعون - معشر وُلد علي - أنَّه لا يسقط عنكم منه شيء ألِفٌ ولا واو إلاَّ وتأْويله عندكم، واحتججتم بقوله عز وجل: (ما فرَّطنا في الكتاب من شيء) وقد استغنيتم عن رأي العلماء وقياسهم.

فقال الإمام: تأذن لي في الجواب؟

قال الرشيد: هات.

قال الإمام: أعود بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم (ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى)، مَن أبو عيسى؟

قال الرشيد: ليس لعيسى أب.

قال الإمام: إنما ألحقناه بذراري الأنبياء (عليهم السلام) من طريق مريم (عليها السلام) وكذلك أُلحقنا بذراري النبي (صلى الله عليه وآله) من قَبِل أمِّنا فاطمة (عليها السلام).. إلى آخر الحديث.

هذه هي الآيات التي استدل بها الأئمة (عليهم السلام) حول انتسابهم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن طريق السيدة فاطمة الزهراء، وأما الأحاديث التي تصرّح بهذا المعنى فكثيرة جداً، ونكتفي هنا بما يلي:

1 - الخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد ج1ص316).

عن ابن عباس قال: كنت أنا وأبي: العباس بن عبد المطلب جالسين عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذ دخل علي بن أبي طالب فسلّم، فردّ عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبشّ به، فقال العباس: يا رسول الله أتحبّ هذا؟ فقال النبي (صلى الله عليه وآله): يا عمَّ رسول الله! واللهِ اللهُ أشدُّ حُبَّاً له مني، إنَّ الله جعل ذرية كل نبي في صلبه، وجعل ذريتي في صلب هذا.

ورواه الخوارزمي في (المناقب ص229).

عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: إنَّ الله عز وجل جعل ذرية كل نبي في صلبه وجعل ذريتي في صلب علي.

ورواه محب الدين الطبري في (ذخائر العقبى).

والحمويني في (فرائد السمطين).

والذهبي في (ميزان الاعتدال).

وابن حجر في (الصواعق المحرقة ص74).

والمتقي الهندي في (منتخب كنز العمال).

والزرقاني في (شرح المواهب اللدنية).

والقندوزي في (ينابيع المودة ص183).

وذكر النسائي في كتاب (خصائص أمير المؤمنين) عن محمد بن أسامة بن زيد عن أبيه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أما أنت يا علي فختني وأبو ولدي وأنت مني وأنا منك.

وروى أيضاً عن أسامة قال: طرقت باب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليلة لبعض الحاجة، فخرج وهو مشتمل على شيء لا أدري ما هو؟ فلما فرغت من حاجتي قلت: ما هذا الذي أنت مشتمل عليه؟ فكشفه فإذا هو الحسن والحسين على وركيه، فقال: هذان ابناي، وابنا بنتي، اللهم إنك تعلم أني أحبُّهما فأحبهما.

والأحاديث التي تصرح بأن الحسن والحسين (عليهما السلام) كانا ابني رسول الله (صلى الله عليه وآله) كثيرة جداً، وجاء بعض الجهلاء يتفلسف ليُنكر أبوّة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لولديه: الحسن والحسين (عليهما السلام) مستدلاً بقوله تعالى: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم). فيزعم الجاهل أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليس بأب أحد، مع العلم أن الآية نزلت حول نفي نسب زيد الذي تبنَّاه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم زوَّجه زينب بنت جحش ثمّ طلّقها زيد وتزوجها النبي (فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً وكان أمر الله مفعولاً)(6) ففي هذا بيان أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليس بأب لزيد حتى تحرم عليه زوجته، فإن تحريم زوجة الابن معلق بثبوت النسب، فمن لا نسب له لا حرمة لامرأته، ولهذا أشار إليهم فقال: (من رجالكم) وقد ولد لرسول الله (صلى الله عليه وآله) أولاد ذكور إبراهيم والقاسم والطيب والمطهر، فكان (صلى الله عليه وآله) أباهم، وقد صح وثبت أنه (صلى الله عليه وآله) قال للحسن (عليه السلام): إن ابني هذا سيد. وقال أيضاً: إن كل بني بنت ينسبون إلى أبيهم إلاَّ أولاد فاطمة فإني أنا أبوهم.

وقيل: أراد بقوله: (من رجالكم) البالغين من رجال ذلك الوقت ولم يكن أحد من أبنائه رجلاً في ذلك الوقت.

وختاماً لهذا الفصل: كل ما تقوله في أبوَّة رسول الله لأولاده الذكور فهو الثابت في أبوَّة رسول الله لولديه الحسن والحسين، والكلام هناك نفس الكلام هنا.

الطّاهِرَة

لقد مرّ عليك أن من جملة أسمائها (عليها السلام) هي الطاهرة، وأحسن ما نبحث فيه حول هذا الموضوع هي آية التطهير، وهي قوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً). إن هذه الآية الكريمة تعتبر في طليعة الآيات ذات الأهمية الكبرى، وذلك لعظم معناها ومغزاها، لأنها منبع فضائل أهل البيت النبوي لاشتمالها على أمور عظيمة وقد كثرت الأقوال، وجالت الأقلام حول هذه الآية.

ولعل من الصحيح أن نقول: إن آية التطهير معترك الآراء المتضاربة والأقوال المختلفة، وخاصة حول كلمة: (أهل البيت) والمقصود منهم، ومدى شمول هذه الكلمة.

والأمر الذي لا شك فيه أن آية التطهير تشمل الصدِّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام) قطعاً، وبإجماع المفسرين والمحدِّثين من الشيعة والسنَّة، إلاَّ من شدَّ وندر.

إذ أن جميع الأحاديث الواردة حول نزول هذه الآية متفقة على شمولها لعليٍ وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) بالقدر المتيقن.

وإن كان هناك قول يشعر بشمولها لزوجات النبي (صلى الله عليه وآله) اعتماداً على ظاهر لفظ (أهل البيت) أو سياق الآية التي سبقتها ولحقتها خطابات لزوجات النبي، فإن جميع الأحاديث تصرّح بأن النبي لم يسمح حتى لزوجته السيدة أم سلمة أن تدخل تحت الكساء قبل نزول آية التطهير.

وقد ذكرنا الشيء اليسير - مما يتعلق بالآية - في كتاب (علي من المهد إلى اللحد) ونذكر هنا بعض الأحاديث ومصادرها من كتب علماء السُّنة، رعاية لأسلوب الكتاب وتتميماً للفائدة، وينبغي أن نعلم أن الذين رووا نزول أية التطهير في حق علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) يعسر إحصاؤهم، ولعلهم يتجاوزون المئات.

ولو أردنا استعراض أقوال المفسرين والمحدثين حول الآية لطال بنا الكلام، وخرج الكتاب عن أسلوبه، ولكننا نذكر هنا عشرين مصدراً من مشاهير مؤلفات علماء العامة وحفّاظهم ومفسريهم ومحدّثيهم، وفي ذلك كفاية لكل منصف:

1 - الخطيب البغدادي في تاريخه (ج10) بإسناده عن أبي سعيد الخدري عن النبي (صلى الله عليه وآله) في قوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) قال: جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) علياً وفاطمة والحسن والحسين، ثم أدار عليهم الكساء فقال: هؤلاء أهل بيتي، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وأم سلمة على الباب فقالت: يا رسول الله ألست منهم؟ فقال: إنك لعلى خير أو: إلى خير.

2 - الزمخشري في تفسيره (الكشاف ج1 ص193).

روى عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) خرج وعليه مرط مرجَّل من شعر أسود موشى منقوش، فجاء الحسن بن علي فأدخله. ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءَت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله ثم قال: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً).

3 - الإمام الرازي في تفسيره (ج2 ص700 طبع الأستانة).

روى أنه (عليه السلام) لما خرج في المرط الأسود، فجاء الحسن فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله ثم فاطمة ثم علي ثم قال: إنما يريد الله..الخ.

4 - ابن الأثير الجزري في كتابه: (أسد الغابة في معرفة الصحابة ج2 ص12): عن عمر بن أبي سلمة (ربيب النبي (صلى الله عليه وآله)) قال: لما نزلت هذه الآية على النبي (صلى الله عليه وآله): (إنما يريد الله.. ) في بيت أم سلمة فدعا النبي (صلى الله عليه وآله) فاطمة وحسناً وحسيناً فجللّهم بكساءٍ وعليّ خلف ظهره ثم قال: هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً. قالت أم سلمة: وأنا معهم يا رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ قال: أنتِ على مكانك، أنت في خير.

5 - سبط ابن الجوزي في (تذكرة الأئمة ص244) عن واثلة بن الأسقع قال: أتيت فاطمة (عليها السلام) أسألها عن علي فقالت: توجَّهَ إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله). فجلست أنتظره فإذا برسول الله قد أقبل ومعه علي والحسن والحسين، قد أخذ بيد كل واحدٍ منهم حتى دخل الحجرة فأجلس الحسن على فخذه اليمنى، والحسين على فخذه اليسرى، وأجلس علياً وفاطمة بين يديه ثم لفَّ عليهم كساه أو ثوبه ثم قرأ: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت..) ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي حقاً.

6 - الإمام الواحدي في كتابه: (أسباب النزول) بسنده إلى أم سلمة زوج النبي (صلى الله عليه وآله) ذكرت أن رسول الله كان في بيتها، فأتته فاطمة ببرمة فيها حريرة فدخلت بها عليه فقال لها: ادعي لي زوجك وابنيك، قال: فجاء علي الحسن والحسين فدخلوا، فجلسوا يأكلون من تلك الحريرة، وهو على دكان(7). وتحته كساء خيبري قالت: وأنا في الحجرة أصلّي، فأنزل الله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً)؛ قال: فأخذ فضلَ الكساء فغشّاهم به، ثم أخرج يديه فأَلوى بهما إلى السماء ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وحامتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً. قالت: فأدخلت رأسي البيت فقلت: أنا معكم يا رسول الله؟ قال: آئل إلى خير، آئل إلى خير.

ونقل الترمذي في صحيحه: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان من وقت نزول هذه الآية إلى قريب ستة أشهر إذا خرج إلى الصلاة يمر بباب فاطمة يقول: الصلاة أهل البيت إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس.. الخ.

7 - ابن الصباغ المالكي في كتابه: (الفصول المهمة ص7) يروي عن الواحدي قريباً من الحديث الذي مرّ، وذيّله بقوله: وقال بعضهم في ذلك شعراً:

إن النبـــــــي ووصــــيّه وابنــيه          وابنــــــته البــــــتـول الطــاهـــرة

أهل العـــــباء فإنــــني بولائهــم         أرجو السلامة والنجاة في الآخرة

8 - أبو بكر السيوطي في كتابه: (الدر المنثور ج5 ص198) و(الخصائص الكبرى ج2 ص 264) و(الإتقان ج2 ص200) روى هذا الحديث بطرق كثيرة، متعددة الأسانيد تنتهي أسانيدها إلى كل من أم سلمة وعائشة وأبي سعيد الخدري وزيد بن أرقم وابن عباس، والضحاك بن مزاحم، وأبي الحمراء وعمر بن أبي سلمة وغيرهم:

إن النبي (صلى الله عليه وآله) دعا فاطمة وعلياً وحسناً وحسيناً. لمّا نزلت: إنما يريد الله، فجلّلهم بكساء وقال: والله هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.

9 - الطبري في (ذخائر العقبى ص21): روى عن عمر بن أبي سلمة نزول الآية في الخمسة الطيبة، وروى عن أم سلمة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخذ ثوباً وجلّله فاطمة وعلي والحسن والحسين وهو معهم، وقرأ هذه الآية: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً). قالت: فجئت أدخل معهم فقال: مكانك إنك على خير.

وعنها أيضاً: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لفاطمة: ائتي بزوجك وابنيك. فجاءت بهم وأَكفأ عليهم كساء فدكياً، ثم وضع يده عليهم، ثم قال: اللهم هؤلاء آل محمد، فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد إنك حميد مجيد. قالت أم سلمة: فرفعت الكساء لأدخل معهم فجذبه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: إنك على خير.

10 - محمد بن أحمد القرطبي في كتابه: (الجامع لأحكام القرآن ج14 ص182) روى نزول الآية في حق أهل البيت (عليهم السلام).

11 - ابن العربي في كتابه: (أحكام القرآن ج2 ص166).

12 - ابن عبد البر الأندلسي في كتابه: (الاستيعاب ج2 ص460).

13 - البيهقي في كتابه: (السنن الكبرى ج2 ص149).

14 - الحاكم النيسابوري في كتابه: (المستدرك على الصحيحين ج2 ص416) روى عن أم سلمة قريباً ممّا تقدَّم.. إلى أن قالت: فقال (صلى الله عليه وآله): اللهم هؤلاء أهل بيتي قالت أم سلمة: يا رسول الله ما أنا من أهل البيت؟ قال: إنك أهلي إلى خير، وهؤلاء أهل بيتي.. الخ.

15 - الإمام أحمد بن حنبل في (مسند ج1 ص 331).

16 - النسائي في كتابه: (الخصائص ص4).

17 - محمد بن جرير الطبري في تفسيره (ج22 ص5).

18 - الخوارزمي في: (كتاب المناقب ص35).

19 - الهيثمي في: (مجمع الزوائد 9 ص166).

20 - ابن حجر الهيثمي في (الصواعق المحرقة ص 85).

انتخبنا هذا العدد وهذه العدة من جماعة كثيرة من المفسرين والمحدّثين، ولولا الخوف من الملل لأسهبنا في ذكر المصادر، وفي هذا المقدار تبصرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

لا أراني بحاجة إلى المزيد من التحدّث حول الموضوع بعد شهادة آية التطهير التي يستفاد منها أن الزهراء طاهرة - بجميع معنى الكلمة - وستأتيك الأحاديث الكثيرة حول كونها بتولاً ورعاية لأسلوب الكتاب وبمناسبة اسمها (الطاهرة) نذكر ما تيسّر:

لقد طهرّها الله عن العادة الشهرية، وعن كل دنس ورجس، وعن كل رذيلة، والرجس: كل أمر تستقذره الطباع، ويأمر به الشيطان، ويحق لأجله العذاب، ويشين السمعة وتقترف به الآثام، وتمجّه الفطرة، وتسقط به المروءة.

وذكر ابن العربي في (الفتوحات المكية باب 29) إن (الرجس فيها عبارة عن كل ما يشين الإنسان) وهذا معنى العصمة التي تعتقد به الشيعة في الأنبياء والأئمة والسيدة فاطمة الزهراء، وهي مرتبة عظيمة، ومنزلة سامية خصّ بها بعض عباده.

وليس من لوازم العصمة تبليغ الأحكام، فإن كانت العصمة لازمة للنبي والإمام لقيامهما بأعباء التبليغ فليس معنى ذلك أن غيرهما لا يتصف بالعصمة.

وقد احتج الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) على عصمة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) بآية التطهير، في حوار جرى بينه وبين أبي بكر، نذكر بعضه شاهداً لما نحن فيه:

قال علي (عليه السلام) لأبي بكر: يا أبا بكر أتقرأ كتاب الله؟ قال: نعم، قال: أخبرني عن قول الله عز وجل: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً). فيمن نزلت؟ فينا أو في غيرنا؟ قال: بل فيكم. قال: فلو أن شهوداً شهدوا على فاطمة بنت رسول الله بفاحشة ما كنت صانعاً؟ قال: كنت أقيم عليها الحدَّ كما أقيم على نساء المسلمين!! قال: كنت إذن عند الله من الكافرين. قال: ولِم؟ قال لأنك رددت شهادة الله لها بالطهارة، وقبلت شهادة الناس عليها.. الخ(8).

ومن لوازم هذه الطهارة عدم التنجس بالموت مع العلم أن كل إنسان مهما بلغ في التقوى والعبادة إذا مات نجس جسمه نجاسة مشدّدة، بحيث يجب الغسل على مَن مسَّ ذلك الميت بعد برده، ولا يطهر الميت إلا بالتغسيل، ولكن المعصومين كانوا مطهرين في حياتهم وبعد موتهم، ففي الوسائل عن الحسن بن عبيد قال: كتبت إلى الصادق (عليه السلام): هل اغتسل أمير المؤمنين حين غسَّل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عند موته؟ فأجاب: (النبي طاهر مطهَّر، ولكن فعل أمير المؤمنين وجرت به السُنة).

وسيأتيك المزيد من التفصيل في أواخر هذا الكتاب في باب تغسيلها، إن شاء الله. وقد روى في كتب الشيعة حول نزول آية التطهير حديث اشتهر بحديث الكساء وهو كما في عوالم الكبير عن جابر بن عبد الله الأنصاري:

عن فاطمة الزهراء بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنها قالت: دخل عليَّ أبي رسول الله (صلى الله عليه وآله) في بعض الأيام فقال: السلام عليك يا فاطمة. فقلت: وعليك السلام. فقال: إني أجد في بدني ضعفاً. فقلت له: أعيذك بالله يا أبتاه من الضعف. فقال: يا فاطمة ائتيني بالكساء اليماني وغطِّني به. قالت فاطمة (عليها السلام) فأتيته بالكساء اليماني فغطَّيته به وصرت أنظر إليه وإذا وجهه يتلألأ كأنه البدر في ليلة تمامه وكماله.

قالت فاطمة: فما كانت إلاَّ ساعة وإذا بولدي الحسن (عليه السلام) قد أقبل وقال: السلام عليك يا أماه. فقلت: وعليك السلام يا قرة عيني وثمرة فؤادي. قال لي: يا أماه إني أشم عندك رائحة طيبة كأنها رائحة جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقلت: نعم يا ولدي إن جدك نائم تحت الكساء فأقبل الحسن (عليه السلام) نحو الكساء وقال: السلام عليك يا جداه، السلام عليك يا رسول الله أتأذن لي أن أدخل معك تحت الكساء؟ فقال: وعليك السلام يا ولدي وصاحب حوضي قد أذنت لك. فدخل معه تحت الكساء.

قالت: فما كان إلاّ ساعة وإذا بولدي الحسين (عليه السلام) قد أقبل وقال: السلام عليك يا أماه. فقلت: وعليك السلام يا قرة عيني وثمرة فؤادي فقال لي: يا أماه إني أشم عندك رائحة طيبة كأنها رائحة جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقلت: نعم، إن جدَّك وأخاك تحت الكساء. فدنى الحسين (عليه السلام) نحو الكساء وقال: السلام عليك يا جدَّاه السلام عليك يا من اختاره الله أتأذن لي أن أكون معكما تحت هذا الكساء؟ قال (صلى الله عليه وآله): وعليك السلام يا ولدي وشافع أمتي قد أذنت لك. فدخل معهما تحت الكساء.

قالت فاطمة (عليها السلام) فأقبل عند ذلك أبو الحسن علي بن أبي طالب (عليه السلام) وقال: السلام عليك يا بنت رسول الله فقلت: وعليك السلام يا أبا الحسن يا أمير المؤمنين فقال: يا فاطمة إني أشم عندك رائحة طيبة كأنها رائحة أخي وابن عمي رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقلت: نعم، هاهو مع ولديك تحت الكساء. فأقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) نحو الكساء وقال: السلام عليك يا رسول الله أتأذن لي أن أكون معك تحت هذا الكساء؟ قال له: وعليك السلام يا أخي وخليفتي وصاحب لوائي قد أذنت لك. فدخل علي (عليه السلام) تحت الكساء.

ثم أتت فاطمة (عليها السلام) وقالت: السلام عليك يا أبتاه السلام عليك يا رسول الله أتأذن لي أن أدخل معكم تحت هذا الكساء؟ قال لها: وعليك السلام يا بنتي وبضعتي قد أذنت لكِ. فدخلت فاطمة معهم.

فلما اكتملوا واجتمعوا تحت الكساء أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بطَرفي الكساء وأومأ بيده اليمين إلى السماء وقال: اللهم إن هؤلاء أهل بيتي وخاصَّتي وحامَّتي لحمهم لحمي، ودمهم دمي، يؤلمني ما يؤلمهم ويُحرجني ما يُحرجهم، أنا حرب لمن حاربهم، وسلم لمن سالمهم، وعدوٌ لمن عاداهم، ومحب لمن أحبَّهم، إنَّهم مني وأنا منهم، فاجعل صلواتك وبركاتك ورحمتك وغفرانك ورضوانك عليَّ وعليهم، وأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.

قال الله عز وجل: يا ملائكتي ويا سكان سماواتي إني ما خلقت سماءً مبنية، ولا أرضاً مدحيَّة، ولا قمراً منيراً، ولا شمساً مضيئة، ولا فلكاً يدور، ولا بحراً يجري، ولا فُلكاً تسري إلاَّ في محبّة هؤلاء الخمسة الذين هم تحت الكساء.

فقال الأمين جبرئيل: يا رب من تحت الكساء؟ فقال الله عز وجل: هم أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة، هم فاطمة وأبوها وبعلها وبنوها.

فقال جبرئيل: يا رب أتأذن لي أن أهبط إلى الأرض لأكون لهم سادساً؟ فقال الله عز وجل: قد أذنت لك. فهبط الأمين جبرئيل فقال: السلام عليك يا رسول الله!‍ العلي الأعلى يقرئك السلام، ويخصّك بالتحية والإكرام ويقول لك: وعزتي وجلالي! إني ما خلقت سماءً مبنية، ولا أرضاً مدحيَّة، ولا قمراً منيراً ولا شمساً مضيئة، ولا فلكاً يدور، ولا بحراً يجري ولا فُلكاً تسري إلاَّ لأجلكم، وقد أذن لي أن أدخل معكم تحت الكساء، فهل تأذن لي أن أدخل أنت يا رسول الله؟

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): وعليك السلام يا أمين وحي الله قد أذنت لك. فدخل جبرئيل معهم تحت الكساء فقال: إن الله قد أوحى إليك يقول: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً.

فقال علي بن أبي طالب: يا رسول الله أخبرني ما لجُلُوسِنا هذا تحت الكساء من الفضل عند الله؟ فقال النبي (صلى الله عليه وآله): والذي بعثني بالحق نبياً، واصطفاني بالرسالة نجياً ما ذُكر خبرنا هذا في محفل من محافل أهل الأرض وفيه جمع من شيعتنا ومحبّينا إلاَّ ونزلت عليهم الرحمة وحفّت بهم الملائكة، واستغفرت لهم إلى أن يتفرقوا.

فقال علي (عليه السلام): إذن - والله فزنا - وفازت شيعتنا وربِّ الكعبة، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): والذي بعثني بالحق نبياً، واصطفاني بالرسالة نجياً ما ذكر خبرنا هذا في محفل من محال أهل الأرض وفيه جمع من شيعتنا ومحبّينا وفيهم مهموم إلاَّ وفرّج الله همَّه، ولا مغموم إلاَّ وكشف الله غمه، ولا طالب حاجة إلاَّ وقضى الله حاجته.

فقال علي (عليه السلام) إذن - والله - فُزنا وسعدنا وكذلك شيعتنا فازوا وسعدوا في الدنيا والآخرة.

وقد نظم هذا الحديث الشريف السيد الأجل السيد محمد القزويني بن السيد مهدي القزويني النجفي الحلي:

روت لـــــنا فاطــــــمة خير النساء          حديـث أهل الفضل أصحاب الكساء

تقـــــــول: إن ســـــيد الأنــــــــــام          قد جـــــاءني يومــــــاً مــــن الأيام

فقال لــــــي: إنـــــي أرى في بدني          ضعفاً أراه اليــــــوم قــــد أنحــلني

قومي عَليَّ بالكســـــاء اليمــــــاني          وفيـــه غطــــيني بــــــلا تـــــواني

قالــــت: فجــــــئته وقـــــد لبـــيته          مســــــرعةً وبالكــــــساء غـــطيّته

وكنـــــت أرنــــــو وجــــهه كالبدر          فـــــي أربــــــع بعــــد ليـــال عشر

فما مضـــــى إلاَّ يســـــير من زمن          حتـــــى أتـــــى أبو محــمد الحسن

فقال: يا أمـــــــاه إنـــــــي أجــــــد          رائـــــــحة طـــــــــيبة أعتـــــــــقد

بأنـــــــها رائــــــــــحة النـــــــــبيِّ          أخ الوصــــــي المرتـــــــضى علي

قلــــــــت: نعم هاهو ذا تحت الكسا          مـــــــــدثَّرٌ به، معــــــطىً واكتسى

فجــــــاء نحــــــوه ابــــــنه مسلماً          مستأذناً قــــــال لـــه: أدخل مكرماً

فما مضـــــــــى إلاَّ القــــــــــليل إلاَّ          جاء الحســـــــين الســــبط مستقلا

فقال يـــــــا أم أشـــــــــمّ عـــــندكِ          رائحـــــــة كأنـــــــها المسك الذكي

وحـــــــــقِّ مــــن أولاك منه شرفاً          أظنـــــــــها ريـــح النبي المصطفى

قلت: نعــــــــم تحـــــت الكساء هذا          بجنــــــــبه أخـــــــــوك فــــيه لاذا

فأقـــــــبل الســــــــــبط له مستأذناً          مسلّــــــــماً قــــــال له: أدخل معنا

وما مضــــــى مــــن ساعة إلاًَّ وقد          جـــــــاء أبوهـــــما الغضنفر الأسد

أبو الأئــــــــمة الهــــــــــداة النُّجبا          المرتـــــــضى رابع أصحـاب الكسا

فقال يا ســــــــــــيدة النــــــــــساء          ومـــــن بهــــــا زُوِّجتُ في السماء

إني أشــــــــمّ فــــــي حماك رائحة          كأنها الـــورد النــــــــديّ فايــــــحة

يحكي شـــــــذاها عَرف سيد البشر          وخـــــــير مــن لبَّى وطاف واعتمر

قلت: نعــــــــــم تحت الكساء التحفا          وضــــــــمّ شبلـــــــيك وفيه اكتنفا

فجاء يســـــــتأذن مـــــــنه ســـائلاً          منه الدخــــــول قال: فأدخل عاجلا

قالت: فجـــــــئت نحــــوهم مسلّمة          قال: ادخـــــــلي محبــــــوّة مكرّمة

فعندما بـــــــهم أضــــــاء الموضع          وكلّهم تحـــــــت الكســـاء اجتمعوا

نادى إلـــــه الخــــــــــلق جل وعلا          يُسمــــــع أملاك الســـماوات العلى

أقســــــم بالعـــــــزة والجــــــــلال          وبارتفـــــــــاعي فـــــوق كل عالي

ما مـــــــن ســــــــما رفعتها مبنية          وليس أرض فــــــــي الثرى مدحية

ولا خلــــــــقت قمــــــــراً منـــــيرا          كلاًّ ولا شمـــــــساً أضــــاءت نورا

وليس بحــــــر فـــــي المياه يجري          كلاًّ ولا فُـــــــلك البـــــــحار تسري

إلاَّ لأجــــــــل مــــن هم تحت الكسا          من لــــــــم يكـــــــن أمرهم ملتبسا

قال الأمــــــــين: قلت: يا رب ومن          تحــــــت الكســـــــا؟ بحقهم لنا أبِن

فقال لـــــــــي: هـــم معدن الرسالة          ومهـــــــبط التـــــــــنزيل والجلالة

وقال: هــــــــم فاطــــــــمة وبعلها          والمصــــــطفى والحســـنان نسلها

فقلت: يا ربــــــــاه هـــــل تأذن لي          أن أهبــــــط الأرض لــــذاك المنزل

فأغتــــــدي تحــــت الكساء سادساً          كما جعــــــــلتُ خادمـــــاً وحارسا؟

قال: نعــــــــم. فجـــــــاءهم مسلّما          مسلــــــماً يتـــــــــــــلو عليهم إنما

يقول: إنَّ الله خصّــــــــــكم بــــــها          معجـــــــزة لــــــــــمن غدا منتبها

أقرأكـــــــم ربُّ العـــــــــــلا سلامه          وخصّــــــــــكم بغـــــــــاية الكرامة

وهو يقـــــــــول معـــــــلناً ومفهما          أملاكه الغــــــــــر بمــــــــــا تقدما

قال علــــــــي: قلـــــــت: يا حبيبي          ما لجلـــــــــوسنا مــــــن النصيب؟

قال النــــــبي: والـــــذي اصطفاني          وخصّـــــــني بالـــــوحي واجتباني

ما إن جــــــــرى ذكــــر لهذا الخبرِ          في محــــــفل الأشـــياع خير معشر

إلاَّ وأنــــــــزل الإلـــــــــــه الرحمة          وفيـــــــــهم حفَّت جــــــــنود جمَّة

من المـــــــــلائكة الـــــذين صدقوا          تحــــــــرسهم فـي الدهر ما تفرقوا

كلاًّ ولـــــــــيس فيـــــــــهم مغموم          إلاَّ وعــــــــنه كُشـــــــــــفت هموم

كلاَّ ولا طـــــــالب حاجـــــــــة يرى          قضـــــــاؤها علــــــــــيه قد تعسّرا

إلاَّ قضــــــــى الله الكـــــريم حاجته          وأنزل الرضــــــــوان فضلاً ساحته

قال علــــــــيٌ: نحــــــــن والأحباب          أشياعنا الــــــــذين قـــــــدماً طابوا

فُزنا بمــــــا نلــــــــــنا وربِّ الكعبة          فليشــــــــكرنَّ كــــــــلُ فَــــردٍ ربَّه

يا عجــــــــباً يســــــــــتأذنُ الأمين          علــــــــيهم ويهـــــــــجمُ الخــؤون

قال سُلــــــيمٌ: قلــــــــتُ: يا سلمان          هل دخــــــــلوا ولـــــم يك استئذان

فقال: أي وعــــــــــزَّة الجـــــــــبار          ليس علــــــــى الزهــراءِ من خمار

لكنـــــــها لاذت وراء الــــــــــــباب          رعايـــــــة للســـــــــــتر والحجابِ

فمذ رأوها عَصَــــــــــروها عصرة          كادت - بـروحي - أن تموت حسرة

تصيــــــــح: يا فضـــــــةُ أسنديني          فقد وربـــــــــي قتـــــــــلوا جــــنيني

فأسقطت بنـــــــت الهــــدى واحزنا          جنيـــــــنها ذاك المســــمَّى مُحسنا

الزّكِيّة

الزكاة: النموّ والزيادة، وقد ذكرنا الشيء اليسير مما يتعلق بهذا الموضوع حول اسمها (عليها السلام): المباركة.

الراضِيَة

الرضا بما قدَّر الله تعالى لعبده يعتبر من أعلى درجات الإيمان بالله عز وجل، وقد رضيت السيدة فاطمة الزهراء بما قدر لها من مرارة الحياة، وهذا الكتاب كله يحدثك عن المصائب والنوائب التي انصبّت على فاطمة الزهراء منذ نعومة أظافرها إلى أن فارقت الحياة في عنفوان شبابها، وهي في جميع تلك المراحل راضية بما كتب الله لها من خوف واضطهاد وحرمان وفقر وأحزان وهموم وغموم ومآسي وآلام، وستجد شيئاً من تلك المكاره التي امتزجت بحياتها تجدها في هذا الكتاب، ويجدر بها أن يشملها قوله تعالى: (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية) لأنها راضية بثواب الله، راضية عن الله بما أعد الله لها، راضية بقضاء الله في الدنيا حتى رضي الله عنها.

المرضية

إن درجة المرضيين عند الله تعالى درجة عالية، ومنزلة سامية فهناك القليل من عباد الله الذين رضي الله عنهم فكانوا مرضيين عند الله تعالى بسبب اعتدالهم واستقامتهم، ومن جملة الذين فازوا بتلك المنزلة الرفيعة والدرجة الراقية هي سيدتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام) فإن الله تعالى قد رضى عنها، فكانت مرضية عند الله عز وجل، مرضية أعمالها التي عملتها مرضية رضي عنها ربها بما عملت من طاعته.

المُحَدّثَة

قبل كل شيء ينبغي أن نعلم: هل تتحدث الملائكة مع غير النبي؟ وهل يراهم غير النبي؟ أو يسمع أصواتهم؟

للإجابة على هذه الأسئلة نراجع القرآن الكريم للتحقيق عن الجواب الصحيح:

1 - قال تعالى: (وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهَّرك واصطفاك على نساء العالمين يا مريم اقنتي لربِّك واسجدي واركعي مع الراكعين) (سورة آل عمران: 43).

إن صريح هذه الآية أن الملائكة خاطبت مريم بما مرّ عليك من كلمات الثناء والأوامر الإلهية، وباليقين أنها كانت تسمع نداءهم وتفهم خطابهم وإلا فما فائدة هذا الخطاب؟ وقيل: الذي خاطبها هو جبرئيل وحده(9).

2 - (واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً فاتخذت من دونهم حجاباً فأرسلنا إليها روحنا فتمثَّل لها بشراً سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً قال إنما أنا رسول ربِّك لأهب لك غلاماً زكياً قالت أنِّي يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أكُ بغيّاً قال كذلك قال ربك هو عليَّ هيِّن ولنجعله آية للناس ورحمةً وكان أمراً مقضياً)(10).

لقد أجمع المفسرون أن المقصود من (روحنا) هو جبرئيل، تمثّل لها بصورة آدمي صحيح، لم ينقص منه شيء فانتصب بين يديها، وجرى بينهما الكلام والحوار.

3 - (وامرأته قائمة فضحكت فبشّرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب قالت يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إنّ هذا لشيء عجيب قالوا أتعجبين من أمر رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد)(11).

إن هذه الآيات تتعلق بمجيء الملائكة إلى دار إبراهيم الخليل (عليه السلام) لتبشّره بالولد، وكانت زوجته سارة تخدم وتحمل الطعام إليهم ظناً منها أنهم ضيوف فلقد تكلمت مع الملائكة، وخاطبتها الملائكة بما مرّ عليك من الآيات.

4 - (وأوحينا إلى أمّ موسى أن أرضعيه فإذا خفتِ عليه فألقيه في اليم) (سورة القصص: 7) وقد ذكر المفسرون معنى (أوحينا) أي ألهمنا، وقذفنا في قلبها، وعلى قول: إنها نوديت بهذا الخطاب.

وقد ذكر المنّاوي في شرح الجامع الصغير ج2 ص270 عن القرطبي قال: (محدَّثون) بفتح الدال اسم مفعول، جمع محدَّث أي مُلهَم، أو صادق الظن وهو مَن أُلقي في نفسه شيء على وجه الإلهام والمكاشفة من الملأ الأعلى، أو مَن يجري الصواب على لسانه بلا قصد، أو تكلِّمه الملائكة بلا نبوة، أو من إذا رأى رأْياً أو ظنَّ ظناً أصاب كأنه حُدِّث به وألقي في روعه من عالم الملكوت، فيظهر على نحو ما وقع له، وهذه كرامة يكرم الله بها من يشاء من صالحي عباده، وهذه منزلة جليلة من منازل الأولياء.

أقول: بعد هذه المقدمات سوف لا يصعب عليك أن تعرف أن السيدة فاطمة الزهراء كانت محدَّثة، إذ ليست سيدة نساء العالمين وبنت سيدة الأنبياء والمرسلين بأقلِّ شأناً من مريم بنت عمران أو سارة زوجة إبراهيم أو أم موسى، وليس معنى ذلك أن مريم أو سارة أو أم موسى كنَّ من الأنبياء، وهكذا ليس معنى ذلك أن السيدة فاطمة الزهراء كانت نبية.

وقد روى الشيخ الصدوق في (علل الشرائع) عن زيد بن علي قال: سمعت أن أبا عبد الله (الصادق) يقول إنَّما سمِّيت فاطمة محدَّثة (بفتح الدال) لأن الملائكة كانت تهبط من السماء فتناديها كما تنادي مريم بنت عمران، فتقول الملائكة: يا فاطمة إن الله اصطفاك وطهَّرك واصطفاك على نساء العالمين.

وفي البحار (ج10) قال الإمام الصادق (عليه السلام) لأبي بصير: وإن عندنا لمصحف فاطمة، وما يدريهم ما مصحف فاطمة؟ قال: فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد وإنما هو شيء أملاه الله عليها وأوحى إليها.. الخ.

إن هذا الحديث يكشف لنا أموراً قد تحتاج إلى بحث وتحقيق، فكلام الإمام (عليه السلام): (فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات) يريد بذلك حجم المصحف، وكمية المواد الموجودة فيه، وحيث أن القرآن كتاب معروف ومشهور عند جميع المسلمين في كل زمان ومكان من حيث الحجم والسور والآيات والكمية ولهذا جعل الإمام (عليه السلام) القرآن مقياساً وميزاناً يقيس عليه مصحف فاطمة (عليها السلام) من حيث الحجم وكمية المواد.

فمثلاً: لو أن قرآناً طبع بحروف متوسطة، وصفحات حجمها متوسط، فلنفرض أن عدد تلك الصفحات تبلغ خمسمائة صفحة فلو طبعنا مصحف فاطمة (عليها السلام) بنفس تلك الحروف ونفس حجم تلك الصفحات لبلغ عدد صفحات مصحف فاطمة (عليها السلام) ألفاً وخمسمائة صفحة، أي ثلاثة أضعاف صفحات القرآن، وهذا معنى كلام الإمام (عليه السلام): (فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات) وليس معناه أن القرآن الموجود بين أيدينا ناقص، وأن مصحف فاطمة مكمِّل له، كلاّ وألف كلاّ، وليس معناه أن الله أنزل على السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) قرآناً، وكل من ادَّعى غير هذا فهو إمَّا جاهل أو معاند مفتر كذّاب.

وأما كلمة: المصحف (وإن كان هذا الاسم) يستعمل في زماننا هذا اسماً للقرآن ولكنه في اللغة يستعمل في الكتب.

قال الرازي في مختار الصحاح: (والمصحف - بضم الميم وكسرها - وأصله الضم، لأنه مأخوذ من (أصحف) أي جُمعت فيه الصحف).

وفي المنجد: المَصحف والمُصحف جمعه مصاحف: ما جُمع من الصحف بين دفَّتي الكتاب المشدود.

وفي صراح اللغة: مصحف بالكسر والضم كراسة قال الفراء وقد استثقلت العرب الضمة في حروف فكسروا ميمها وأصلها الضم من ذلك مصحف ومخدع ومطرف.. لأنها في المعنى مأخوذة من أصحف أي جمعت فيه الصحف.

وفي المصباح المنير: والصحيفة قطعة من جلد أو قرطاس كتب فيه.. والجمع صُحُف بضمتين وصحائف.. والمصحف بضم الميم أشهر من كسرها.

وفي أقرب المُوارد: المُصحف اسم مفعول.. وحقيقتها مجمع الصحف أو ما جمع منها بين دفتي الكتاب المشدود.. وفيه لغتان أخريان وهما المِصحف والمَصحف ج مصاحف.

وفي لسان العرب: المُصحف والمِصحف الجامع للصُّحف المكتوبة بين الدفتين كأنه أُصحِف، والكسر والفتح فيه لغة.

وهذا حديث آخر يفسر معنى المصحف بمزيد من التوضيح:

في العاشر من البحار أيضاً: وسأله بعض أصحابه عن مصحف فاطمة، فسكت الإمام طويلاً، ثم قال: إنكم لتبحثون عما تريدون وعما لا تريدون!

‍إن فاطمة مكثت بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) خمسة وسبعين يوماً، وكان دخلها حزن شديد على أبيها، وكان جبرئيل يأتيها فيحسن عزاها على أبيها، ويطيب نفسها ويخبرها عن أبيها ومكانه ويخبرها بما يكون بعدها، وكان علي (عليه السلام) يكتب ذلك، فهذا مصحف فاطمة.

والحسين بن أبي العلا يروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله:.. ومصحف فاطمة، ما أزعم أن فيه قرآناً، وفيه ما يحتاج الناس إلينا، ولا نحتاج إلى أحد، حتى أن فيه الجلد بالجلدة، ونصف الجلدة، وربع الجلدة وأرش الخدش.. الخ.

وفي حديث آخر قال (عليه السلام): وأما مصحف فاطمة (عليها السلام) ففيه ما يكون من حادث، وأسماء من يملك إلى أن تقوم الساعة.

بقي الكلام حول جملة (أوحى إليها) فالمستفاد من القرآن أن الوحي من الله لا يختص بالأنبياء، بل يوحي الله تعالى إلى غير الأنبياء أيضاً، استمع إلى هذه الآيات البيِّنات:

(فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبّحوا بكرة وعشيا)(12).

(فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها)(13).

(وإذا أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي)(14).

(إذ يوحي ربّك إلى الملائكة أني معكم فثبَّتوا الذين آمنوا)(15).

(وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً)(16).

(وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه)(17).

(وإذ أوحينا إلى أمك ما يوحى)(18).

هذه بعض الآيات التي تصرح بأن الوحي لا يختص بالأنبياء، بل لا يختص بالبشر، فلقد أوحى الله تعالى إلى كل سماء، وأوحى إلى الحواريين وإلى الملائكة وإلى النحل وإلى أم موسى، فلا يصعب عليك أن تقبل بأنَّ الله تعالى أوحى إلى سيدة نساء العالمين وبنت سيد الأنبياء والمرسلين فاطمة الزهراء (عليها السلام) وكما تقول في تفسير الوحي إلى أم موسى قل في تفسير الوحي إلى فاطمة الزهراء.

وختاماً لهذا البحث: إن مصحف السيدة فاطمة الزهراء كتاب ضخم، يحتوي على جميع الأحكام الشرعية بالتفصيل، ويستوعب قانون العقوبات في الإسلام، حتى بعض المخالفات التي عقوبتها جلدة واحدة أو نصف جلدة أو ربع جلدة، بل وحتى غرامة من خدش جسم أحد من الناس خدشة واحدة.

وفيه أسماء ملوك العالم الذين حكموا البلاد من ذلك اليوم وسيحكمون إلى قيام القيامة، كل ذلك كان في علم الله الذي هو بكل خلق عليم وبكل شيء خبير بصير محيط.

وفيه ذكر الحوادث المهمة من الملاحم والمجازر التي تحدث في الكون وغير ذلك من القضايا الهامة.

وليس فيه شيء من القرآن كما هو صريح الحديث.

ولقد أطلنا البحث والكلام حول هذا الموضوع لأن بعض أصحاب النفوس المريضة والقلوب السقيمة اعتبروا هذا الحديث مرتعاً خصباً للتهريج والتشنيع ضد الشيعة والتشيّع، كـأنهم لم يقرأوا هذه الآيات أو لم يفهموها أو تناسوها فهاجموا الشيعة مهاجمة شعواء فقالوا ما قالوا، وحسابهم على الله يوم فصل القضاء.

الزّهرَاء

في العاشر من البحار عن أمالي الصدوق (عليه الرحمة) عن ابن عباس قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): وأما ابنتي فاطمة فإنها سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، وهي بضعة مني وهي نور عيني، وهي ثمرة فؤادي وهي روحي التي بين جنبيّ، وهي الحوراء الإنسية متى قامت في محرابها بين يدي ربها (جل جلاله) زهر نورها لملائكة السماوات كما يزهر نور الكواكب لأهل الأرض.

وبهذا الحديث اتضح لنا سبب تسميتها (عليها السلام) الزهراء، وهناك أحاديث أخرى بهذا المضمون، وإنها كانت تتمتع بوجه مشرق مستنير زاهر، وفيما ذكرنا كفاية.

ولسيدتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام) أسماء غير التي مرّت عليك وكل اسم يدل على فضيلة ومزية امتازت بها السيدة الزهراء منها: البتول، العذراء الحانية (من الحنان) بسبب كثرة حنانها على أولادها، وكنيتها، أم أبيها، وهي من أفضل كناها.

البَتُول

اعلم أنَّ الله تعالى قد جعل في مخلوقاته - من الجماد والنبات والحيوان والإنسان - قوانين وسُنَن، وجعل تلك المخلوقات خاضعة لتلك القوانين. فالنار طبيعتها الإحراق وهذه سُنّة الله في النار.

والنبات يحتاج إلى زمان محدود ومكان معيّن بشروط خاصة حتى ينمو ويكبر ويثمر، أنظر إلى الحبة التي تزرع، والعوامل التي تساعدها على أن تنبت من الأرض، والزمان المعيّن لنموِّها، وهذه سُنّة الله في النباتات.

وكذلك الحيوانات جعلها الله خاضعة لقوانين خاصة وأحجامها وألوانها وغير ذلك.

والإنسان كذلك خاضع لقوانين كونية، وطبائع جسمية ونفسية وروحية، ولكن الله تعالى جعل أولياءه فوق تلك القوانين والسنن في ظروف خاصة لحكمته البالغة.

وبعبارة أخرى: جعل الله تلك القوانين هي الخاضعة لأوليائه بإذنه.

أنظر إلى النار المحرقة، التي تحرق كل ما أصابته، ولكن الله تعالى جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم الخليل (عليه السلام).

وكذلك أنبت الله على نبيه يونس (عليه السلام) شجرة من يقطين، بعد أن نبذه الحوت بالعراء وهو سقيم، مع العلم أن حبة اليقطين تحتاج إلى مدة غير قصيرة، حتى تنبت وتورق وتستر بوَرقها جسم إنسان أو غير إنسان، وهكذا جعل الله النبات خاضعاً لوليه يونس (عليه السلام).

والتناسل لا يمكن إلاّ بالتلقيح، وانتقال نطفة الرجل إلى رحم المرأة، وتطوُّر النطفة إلى علقة إلى مضغة إلى عظام إلى خلق آخر، وإلى أن يكمل الجنين خلال ستة أشهر على أقل التقادير، أو تسعة أشهر كما هو الغالب.

هذه سنة الله في قانون التناسل بين البشر، ولكن هذه السُنة وهذا القانون كان خاضعاً لمريم إذ حملت بعيسى (عليه السلام) ولم يمسسها بشر، وحملت وبلدها فانتبذت به مكاناً قصياً، فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة، فوضعت بعيسى، كل ذلك خلال تسع ساعات أو ست ساعات فقط(19).

وعلى هذا الغرار كانت المعجزات تصدر عن الأنبياء والأوصياء عن طريق خرق العادة والطبيعة.

هذا والأمثلة كثيرة جداً، تجد في القرآن الكريم طائفة كبيرة من القصص التي تحدّى فيها الأنبياء والأوصياء قانون الطبيعة، كهبوط آدم من الجنة إلى الأرض، وفوران التنور بالماء في قصة نوح (عليه السلام) وحمْل سارة بإسحاق (عليه السلام) بعد أن كانت عجوزاً عقيماً، وانقلاب العصا حيَّة تسعى في قصة موسى (عليه السلام) وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى في قصة عيسى (عليه السلام) وقصة الإسراء والمعراج في قصة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وغير ذلك من القضايا الخارقة للعادة والطبيعة، وقد ذكرت هذه الفقرات كمقدمة تمهيدية لما يلي:

إن العادة الشهرية التي تراها المرأة في كل شهر منذ بلوغها حدِّ الأنوثة إلى الخمسين أو الستين من العمر ما هي إلاَّ دم فاسد، قد تخزنه في الأوعية والأجهزة التي جعلها الله في جسم المرأة ليكون ذلك الدم غذاء للجنين، فإذا لم يكن جنين في الرحم سال الدم إلى الخارج، وربما انقلب إلى اللبن إذا كانت المرأة مرضعة.

قال تعالى: (ويسألونك عن المحيض قل هو أذىً) أي إن دم الحيض مادة ضارّة، مؤذية في جسم المرأة، فلابدَّ من خروجها لتنجو المرأة من أمراض وأعراض.

وفي فترة العادة الشهرية تحدث حوادث جسمية وروحية للمرأة تغيِّر ملامحها، ولون وجهها، بل وأخلاقها ونفسيِّتها ومن الممكن معرفة الحائض من ملامح وجهها وعينيها، بل من نظراتها وحركاتها، وهذا النزيف لا يشبه النزيف الطبيعي العادي الذي يصاب به الإنسان، بل يختلف عن ذلك اختلافاً كبيراً.

إن العادة الشهرية حينما تحدث للمرأة تشعر بشيء من الانفعال والخجل والانكسار وإن كان الأمر خارجاً عن إرادتها واختيارها، ولكنها تتألم بهذا الحادث الذي لا يحسن التصريح به لكل أحد، وخاصة للرجال، والنزيف وحالة الانفعال توجد في المرأة ضعفاً وانكساراً في جسمها وروحها.

ولهذا سقط عنها حكم الصلاة والصوم خلال فترة العادة، وحرَّم الله عليها اللبث في المساجد ودخول المسجد الحرام والمسجد النبوي وقراءة سُوَر العزائم الأربع وهي السور التي فيها آيات السجدة الواجبة وغير ذلك مما هو مذكور في الكتب الفقهية.

ونفس هذه الأحكام تجري في أيام النفاس لنفس الأسباب التي مرّ ذكرها، ولكن الله تعالى كره لسيدة النساء فاطمة الزهراء أن تتلوّث بهذه القذارة المعنوية، فأذهب الله عنها الرجس وطهَّرها تطهيراً.

وهاك طائفة من الأحاديث الصحيحة التي تصرّح بهذا المعنى:

1 - روى القندوزي في ينابيع المودة ص260 عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنما سمِّيت فاطمةُ البتول لأنها تبتَّلت في الحيض والنفاس.

2 - روى محمد صالح الكشفي الحنفي في (المناقب) عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: وسميت فاطمة بتولاً لأنها تبتلت وتقطَّعت عما هو معتاد العورات في كل شهر.

3 - روى الأمرتسري في (أرجح المطالب): أن النبي (صلى الله عليه وآله) سئل عن بتول وقيل: إنَّا سمعناك - يا رسول الله - تقول: مريم بتول وفاطمة بتول؟ فقال: البتول التي لم تر حمرة قط، أي لم تحض، فإن الحيض مكروه في بنات الأنبياء. أخرجه الحاكم.

4 - وروى الحافظ أبو بكر الشافعي في (تاريخ بغداد ج13 ص331) عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ابنتي حوراء آدمية لم تحض ولم تطمث.. الخ ورواه النسائي أيضاً.

5 - وروى ابن عساكر في (التاريخ الكبير ج1 ص391) عن أنس بن مالك عن أم سليم قالت: لم تر فاطمة (رضي الله عنها) دماً في حيض ولا في نفاس.

6 - الحافظ السيوطي: ومن خصائص فاطمة (رضى الله عنها) أنها كانت لا تحيض، وكانت إذا ولدت طهرت من نفاسها بعد ساعة حتى لا تفوتها صلاة.

7 - وروى الرافعي في التدوين عن أم سلمة (رضي الله عنها) قالت: ما رأت فاطمة (رضي الله عنها) في نفاسها دماً ولا حيضاً.

8 - روى الطبري في (ذخائر العقبى) عن أسماء بنت عُميس قالت: قبلت (أي ولدت) فاطمة بالحسن فلم أر لها دماً في حيض ولا نفاس، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): أما علمت أن ابنتي طاهرة مطهرة، لا يُرى لها دمٌ في طمث ولا ولادة، ورواه الصفوري في (نزهة المجالس) ص227.

وفي العاشر من البحار عن أبي بصير عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: حرَّم الله عز وجل على علي النساء ما دامت فاطمة حيَّة (في قيد الحياة) قلت: وكيف؟ قال: لأنها طاهرة لا تحيض.

قال شيخنا المجلسي: هذا التعليل يحتمل وجهين:

الأول: أن يكون المراد أنها لما كانت لا تحيض حتى يكون له عذر في مباشرة غيرها فلذا حرَّم الله عليه غيرها رعاية لحرمتها.

الثاني: أن جلالتها منعت من ذلك، وعبَّر عن ذلك ببعض ما يلزمه من الصفات التي اختصت بها.

أقول: ونزاهة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) عن هذه الدماء تُعتبر من مصاديق آية التطهير التي تُصرِّح بإذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم تطهيراً.

العَذْرَاء

لقد مرّ عليك أن من جملة أسمائها: العذراء أي أنها كانت عذراء دائماً، وقد مرّت عليك أحاديث كثيرة تصرِّح بأنَّ السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) خُلقت من طعام الجنة، وصرَّح النبي (صلى الله عليه وآله) بأنها حوراء إنسية، وليس في هذا التعبير شيء من المجاز أو الغلوّ، بل هي الحقيقة والحق، ونجد إلى جانب تلك الأحاديث قوله تعالى: (إنَّا أنشأناهن إن شاء فجعلناهنَّ أبكاراً) ومعنى ذلك أنَّ الحور العين أبكار دائماً، وفي مجمع البيان في تفسير الآية: لا يأتيهن أزواجهن إلاّ وجدوهن أبكاراً.

وهذا حديث يفسِّر الموضوع تفسيراً كاملاً، فقد سأل رجل من الإمام الصادق (عليه السلام) في ضمن مسائل - قال: فكيف تكون الحوراء في كل ما أتاها زوجها - عذراء؟ قال: لأنها خلقت من الطيب، لا يعتريها عاهة ولا تخالط جسمها آفة.. ولا يدنسها حيض، فالرحم ملتزقة.. الخ(20).

 

1 - سورة مريم: الآية 5-7. 

2 - بحار الأنوار: ج10.

3 - سيأتيك شرح هذه الكلمة قريباً.

4 - اقتطفنا هذه الأحاديث من الجزء العاشر من بحار الأنوار للمجلسي.

5 - سورة الأعراف: آية 172.

6 - سورة الأحزاب: آية 37.

7 - الدكان: شيء كالمصطبة يقعد عليه.

8 - العاشر من بحار الأنوار.

9 - مجمع البيان في تفسير الآية.

10 - سورة مريم: الآيات 16 - 21.

11 - سورة هود: الآيات 71 - 73.

12 - سورة مريم: آية 11.

13 - سورة فصلت: آية 12.

14 - سورة المائدة: آية 111.

15 - سورة الأنفال: آية 12.

16 - سورة النحل: آية 68.

17 - سورة القصص: آية 7.

18 - سورة طه: آية 38.

19 - (مجمع البيان) سورة مريم.

20 - الخامس من بحار الأنوار.