×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

البخاري وصحيحه / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٤ فارغة
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

مركز الأبحاث العقائدية :

إيران ـ قم المقدسة ـ صفائية ـ ممتاز ـ رقم ٣٤

ص . ب : ٣٣٣١ / ٣٧١٨٥

الهاتف : ٧٧٤٢٠٨٨ (٢٥١) (٠٠٩٨)

الفاكس : ٧٧٤٢٠٥٦ (٢٥١) (٠٠٩٨)

العراق ـ النجف الأشرف ـ شارع الرسول (صلى الله عليه وآله)

جنب مكتب آية الله العظمى السيد السيستاني دام ظله

ص . ب : ٧٢٩

الهاتف : ٣٣٢٦٧٩ (٣٣) (٠٠٩٦٤)

الموقع على الإنترنيت :www.aqaed.com

البريد الإلكتروني :[email protected]

شابِك ( ردمك ) :٨-٢٢٨-٣١٩-٩٦٤

البخاري وصحيحه

الشيخ حسين غيب غلامي

الطبعة الاُولى - سنة ١٤٢٠هـ

* جميع الحقوق محفوظة للمركز *

٥

مقدّمة المركز

لا يخفى أنّنا لازلنا بحاجة إلى تكريس الجهود ومضاعفتها نحو الفهم الصحيح والافهام المناسب لعقائدنا الحقّة ومفاهيمنا الرفيعة، ممّا يستدعي الالتزام الجادّ بالبرامج والمناهج العلمية التي توجد حالة من المفاعلة الدائمة بين الاُمّة وقيمها الحقّة، بشكل يتناسب مع لغة العصر والتطوّر التقني الحديث .

وانطلاقاً من ذلك، فقد بادر مركز الابحاث العقائدية التابع لمكتب سماحة آية الله العظمى السيد السيستاني ـ مدّ ظلّه ـ إلى اتّخاذ منهج ينتظم على عدّة محاور بهدف طرح الفكر الاسلامي الشيعي على أوسع نطاق ممكن .

ومن هذه المحاور: عقد الندوات العقائديّة المختصّة، باستضافة نخبة من أساتذة الحوزة العلمية ومفكّريها المرموقين، التي تقوم نوعاً على الموضوعات الهامّة، حيث يجري تناولها بالعرض والنقد والتحليل وطرح الرأي الشيعي المختار فيها، ثم يخضع ذلك الموضوع

٦

ـ بطبيعة الحال ـ للحوار المفتوح والمناقشات الحرّة لغرض الحصول على أفضل النتائج .

ولاجل تعميم الفائدة فقد أخذت هذه الندوات طريقها إلى شبكة الانترنت العالمية صوتاً وكتابةً .

كما يجري تكثيرها عبر التسجيل الصوتي والمرئي وتوزيعها على المراكز والمؤسسات العلمية والشخصيات الثقافية في شتى أرجاء العالم .

وأخيراً، فإنّ الخطوة الثالثة تكمن في طبعها ونشرها على شكل كراريس تحت عنوان «سلسلة الندوات العقائدية» بعد إجراء مجموعة من الخطوات التحقيقية والفنيّة اللازمة عليها .

وهذا الكرّاس الماثل بين يدي القارئ الكريم واحدٌ من السلسلة المشار إليها .

سائلينه سبحانه وتعالى أن يناله بأحسن قبوله .

مركز الابحاث العقائدية

فارس الحسّون   

٧

تمهيـد

الحمد لله والحمد حقه كما يستحقه حمداً كثيراً، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم:

(وَالَّذِيَن اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأنَابُوا إِلَى اللهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ اْلقَوْلَ فَيتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولِئكَ اِلَّذيَن هَدَاهُمُ اللهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو اْلاَلْبَابِ)(١).

بشارة من الله سبحانه وتعالى في هذه الاية المباركة تُقدّم للذين يخشعون لكلمة الله سبحانه، وهذه المنزلة السامية إنما يستحقها الانسان الذي لا يكابر ولا يجادل بالباطل والذي ينحني للحقيقة ويخضع للبرهان الساطع والمنطق القاطع والاستدلال الرصين.

وانساناً كهذا سيكون موفقاً في حياته كل حياته..

وإذ أقف أمام حضرات السادة الاجلاّء محاضراً وبإيجاز حول

(١) الزمر: ١٧ ـ ١٨.

٨

البخاري وكتابه المشهور بالصحيح وسائر كتبه الاخرى فانني أشعر بالاعتزاز والتقدير.

يمكن القول إن كتب البخاري مصنّفة في ثلاثة محاور:

ـ فقهية.

ـ رجالية.

ـ كلامية.

فالبخاري ألّف فيها كتباً عديدة يمكن حصرها في ثمانية عشر كتاباً موزّعة كما يلي(١):

ـ اربعة كتب في الفقه والحديث: أحدها صحيح البخاري، والثاني رفع اليدين في الصلاة، فقه القراءة خلف الامام، وكتاب رابع مفقود هو كتاب الهبة، كتبه مستقلاً مشتملاً على خمسمائة حديث.

أما كتبه الرجالية فهي ثلاث كما هو المتوفر لدينا وكتاب آخر في الضعفاء وهو مفقود; فكتبه في الرجال هي: ١ ـ تاريخه الكبير والاوسط. ٢ ـ تاريخه الصغير.

(١) ١ ـ كتاب الصحيح; ٢ ـ رفع اليدين في الصلاة; ٣ ـ القراءة خلف الامام; ٤ ـ كتاب الهبة; ٥ ـ كتاب التاريخ الكبير; ٦ ـ التاريخ الاوسط; ٧ ـ التاريخ الصغير; ٨ ـ أدب المفرد; ٩ ـ خلق أفعال العباد; ١٠ ـ الضعفاء الكبير; ١١ ـ كتاب جامع الكبير; ١٢ ـ كتاب الاشربة; ١٣ ـ كتاب أسامي الصحابة; ١٤ ـ كتاب العلل; ١٤ ـ كتاب الوحدان; ١٦ ـ كتاب المبسوط; ١٧ ـ المسند الكبير; ١٨ ـ مختصر من تاريخ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم); ١٩ ـ الضعفاء الصغير والكنى. أنظر مختصر من تاريخ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ط الاولى هند سنة ١٣٢٥هـ.

٩

والاول مطبوع في مجلدات، والثاني في مجلدين، والثالث طبع بشكل كراس.

نستطيع تقسيم حديثنا في مسألة البخاري وبحسب تقسيمه هو إلى خمسة أقسام على الاقل فيما يخص هذه المناسبة، لاننا لو أردنا البحث في زوايا المسألة لاستغرق الوقت أكثر مما هو مخصص فعلاً ساعة واحدة..

لاننا لو بدأنا الحديث مثلاً في صحيح البخاري وتناولنا كلمته الاولى وهي: «حدثنا الحميدي» فقط، فربّما استغرق منا ذلك سنة بلياليها، لان «حدثنا الحميدي» هي أساس المصائب.

وأما الاقسام الخمسة فهي:

الاول:عناوين الصحيح وأبوابه ورجاله وإسناده ورواياته.

الثاني:في شخصيته وسيرته الذاتية وموقعه في علم الرجال ومنزلة مروياته.

الثالث:معارضة البخاري لفقه أبي حنيفة والاحناف وتناقضه كمحدّث مع أهل الرأي، حتى يمكن القول ان كتبه الفقهية جميعاً إنما جاءت ردّاً على أبي حنيفة.

الرابع:التأمل ودراسة تاريخ أهل الحديث في القرون الاول والثاني والثالث.

الخامس:إخبار اليهود والاسرائيليات التي تغلغلت في أخبار

١٠

المحدثين خاصّة في صحيح البخاري، إذ أننا نجد نفوذ الاسرائيليات في أحاديث الصحيح، حيث يتجلى التفكير اليهودي في تفضيل موسى(عليه السلام)على نبينا محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، ونقل حكايات لا تليق بمقام الانبياء والرسل(عليهم السلام).

هذه خمسة أقسام وزعنا عليها المواضيع...

* * *
١١

القسم الاول: صحيح البخاري

فيما يخص القسم الاول الذي يتعلق بصحيح البخاري ينبغي أن نعرف أن مؤلّفه صنفه في مدّة تتراوح بين ستة عشر إلى ثمانية عشر عاماً، زاعماً أنه كان يغتسل ويتوضأ ويصلّي ركعتين قبل أن يدوّن كل حديث فيه، وهذا يعني أن كل ما يرد فيه من أحاديث لا يعتورها سهو أو نسيان أو خطأ، فهناك إرادة حرّة في جمعه الاحاديث وضبطها.

على أن هناك مسألة هامّة، وهي أن الصحيح لم يكتمل على يد مؤلّفه محمد بن إسماعيل البخاري، وإنما اكتمل على يد اثنين من تلامذته: محمد بن يوسف الفربري ومحمد بن ابراهيم المستملي، وهما يصرّحان بذلك قائلين إنهما شاهدا في الصحيح أوراقاً بيضاء «فأضفنا»، فهذا ما نجده في مقدمة فتح الباري التي فصّل فيها ابن حجر ولم يردّ على ذلك معترفاً بوجود بياض في صحيح البخاري وأنه أضيف إليه(١).

(١) منها: ما صرّح به المستملي المتوفى ٣٧٦هـ، فإنَّه قال: «إنتسخت كتاب البخاري من أصله الذي كان عند صاحبه «الفربري» فرأيت فيه أشياءً لم تتم وأشياءً مبيّضة.

وفي رواية أبي الوليد الباجي، كما ذكره ابن حجر: قال: إنتسخت كتاب البخاري من أصله الذي كان عند صاحبه «محمدبن يوسف الفَرْبري» فرأيت فيه أشياءً لم تتم ×

ط وأشياءً مبيّضة، منها:

ـ تراجم لم يُثبِتْ بعدها شيئاً.

ـ وأحاديث لم يترجم لها، فأضفنا بعض ذلك إلى بعض».

وقال الباجي أيضاً: «ومما يدل على صحة القول: أنّ رواية أبي إسحاق المستملي، ورواية أبي محمد السرخسي، ورواية أبي الهيثم الكشميهني، ورواية أبي زيد المروزي، مختلفةٌ بالتقديم والتأخير، مع أنّهم استنسخوا من أصل واحد; وإنّما ذلك بحسب ما قدّر كل واحد منهم فيما كان في طرَّة أَو رقعة مضافة أَنَّه من موضع ما، فأَضافه إليه، ويبيِّن ذلك أَنَّك تجد ترجمتين وأكثر من ذلك متصلة ليس بينهما أحاديث. وبه يعلم سبب اختلاف نسخ «الصحيح» وغموض المطابقة بين الترجمة والحديث في بعض المواضع، على أَنَّ كثيراً من العلماء المحققين خدموا تراجمه على حدة في كتاب خاصة، كالقاضي ناصر الدين بن المنير والقاضي بدر الدين بن جماعة، ومحمد بن حَمَامَة السلجماسى، في كتاب سمَّاه: «فَكُّ أغراض البخاري المبهمة في الجمع بين الحديث والترجمة»، ولابي عبدالله البستي كتاب سمَّاه: «ترجُمان التراجم»، وصل فيه إلى كتاب «الصيام»، دع عنك ما بيَّنه الشُراح».

١٢

كما أننا نجد روايات يرد فيها محمد بن إسماعيل البخاري كحلقة في سلسلة الرواة والاسناد; بمعنى أن المؤلّف يتحول إلى راو للحديث فقط كما هو الحال في كتاب العلم(١):

وهناك مسألة أخرى: هي تعدد نسخ البخاري، إذ يؤكد بعض المحدّثين من أهل السنة وجود روايات نسبت إلى الصحيح لا توجد في نسخه الاخرى.. أكتفي ولضيق الوقت بذكر بعض النماذج:

في استحباب الشرب بكأس النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ يورد ابن حجر قول

(١) وما ورد في كتاب «العلم» بما قال فيه «: حدَّثَنا عُبَيْدُاللهِ، وَ أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرَبْرِيُّ، وَ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْماعِيلَ الْبُخارِيُّ قالَ: حَدَّثَنا عُبَيْدُاللهِ بْنُ مُوسى عَنْ سُفْيانَ قالَ: إذا قُرِئ عَلَى الْمُحَدِّثِ...».

١٣

البخاري: رأيت كأس النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بالبصرة فشربت منه(١)(٢).

وهذه ليست موجودة في النسخة التي بين يديه، ويذكر وجودها في نسخة القرطبي.

وهناك أيضاً رواية «زنا قردة في الجاهلية ورجمها»، وقد وردت في نسخ صحيح البخاري بزيادة ونقصان(٣).

(١) فتح الباري ١٠: ١٠٣ كتاب الاشربة باب التبرك ـ الشرب بكأس النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).

(٢) وهذا نصه: «ذكر القرطبي في «مختصر البخاري» أنه رأى في بعض النسخ القديمة من صحيح البخاري: قال أبو عبدالله البخاري: رأيت هذا القدح بالبصرة وشربت منه، وكان اشتُري من ميراث النضر بن أنس بثمانمائة ألف.

(٣) جامع الاصول ١٢: ٣٦٦ رقم ٩٤٤٧، روى ابن الاثير في «جامع الاصول»:

(خ ـ عمرو بن ميمون) قال الحميدي حكى أبو مسعود ـ يعني الدمشقي ـ أَنَّ للبخاري في الصحيح حكاية من رواية حصين، عنه قال: «رأيت في الجاهلية قردةً اجتمع عليها قردةٌ قد زنت; فرجموها; فرجمتها معهم». كذا حكى أبو مسعود ولم يذكر في أيِّ موضع قد أخرجه البخاري من كتابه، فبحثنا عنه فوجدناه في بعض النسخ ـ لا في كلها ـ قد ذكره في أيام الجاهلية، وليس في رواية النعيمي عن الفربري أصلاً شيٌ من هذا الخبر في القردة ولعلّها من المقحمات التي أُقحمت في كتاب البخاري والذي قاله البخاري في «التاريخ الكبير»: عن عمرو بن ميمون قال: «رأيت في الجاهلية قردة اجتمع عليها قردة، فرجموها، فرجمتها معهم»، وليس فيه: «قد زنت». فإن صحت هذه الزيادة فإنَّما أَخرجها البخاري دلالة على أَنَّ عمرو بن ميمون قد أدرك الجاهلية، ولم يُبالِ بظنِّه الذي ظنَّه في الجاهلية. هذا لفظ الحميدي في كتابه.

وترى في هذه العبارة: خلو بعض النسخ في عصر الحميدي من هذه الرواية; مع ما نرى في النسخ الموجودة المطبوعة ورودها في كتاب «بدء الخلق» في مناقب ×

ط الانصار، باب «أيام الجاهلية».

وروى ابن الاثير أيضاً: «ويح عمّار تَقْتُله الفئة الباغية» وقال: قال الحميدي: في هذا الحديث زيادة مشهورة لم يذكرها البخاري أصلاً من طريقَي هذا الحديث، ولعلَّها لم تقع إليه فيهما، أو وقعت فحذفها لغرض قصده في ذلك. وأخرجها أبو بكر البرقاني، وأبو بكر الاسماعيلي قبله، وفي هذا الحديث عندهما: أَنَّ رسول الله قال: «ويح عمار تقتُله الفئة الباغية; يدعوهم إلى الجَنَّة ويدعونه إلى النار». قال أبو مسعود الدمشقي في كتابه: «لم يذكر البخاري هذا الزيادة...» وعدم ذكر البخاري الذيل المذكور في حديث عمّار في إحدى الاحتمالات عند الحميدي (فحذفها لغرض) وهو أمر يبحث عنه في ترجمة البخاري نفسه وعقيدته ومذهبه.

١٤

وإنما أخرج البخاري حديث «ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار»(١).

وفي صحة حديث عمار قال ابن عبدالبر: «تواترت الاخبار بذلك وهو من أصح الحديث، وقال ابن دحية: لا مطعن في صحته، ولو كان غير صحيح لردَّه معاوية».

وفي تخريج الزركشي على أحاديث الرافعي ذكر الفاظ هؤلاء المخرجين للحديث، وقيل عن ابن دحية أنه قال: كيف يكون فيها اختلاف، وقد رأينا معاوية نفسه حين لم يقدر على انكاره قال: إنما قتله من أخرجه! ولو كان حديثاً فيه شك لرده وأنكره، وقد أجاب علي(عليه السلام)عن قول معاوية بأن قال: فرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قتل حمزة حين أخرجه وهذا من علي(عليه السلام) إلزام لا جواب عنه، انتهى بلفظه(٢).

وقال الزركشي: وقد صنف الحافظ ابن عبدالبر جزءاً سماه «الاستظهار في طريق حديث عمار» وقال هذا الحديث من إخبار النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بالغيب وأعلام نبوته، وهو من أصح الاحاديث، ثم قال

(١) توضيح الافكار لمعاني تنقيح الانظار ٢: ٢٥٦.

(٢) نفس المصدر ٢: ٢٥٧.

١٥

الزركشي: عماراً كان مع علي وقتله أصحاب معاوية(١).

وقال ابن الوزير: وأما ترك البخاري لاول الحديث فغير قادح; لان آخره أشدُّ وعيداً من أوله، ولعله ترك أوله تقية من المتعصبين، فقد ثبت في ترجمته أنه امتحن(٢)، وذكر ابن حجر أنه مات وكتابه مسودة لم تبيض، ثم قال: ويدل على تقية البخاري في شأن عمار، أنه لم يذكر حديثه هذا في مناقبه وفي صحيحه، وإنما احتال لذكره في مواضع لا ينتبه الطلبة فيها، مثل باب: مسح الغبار في كتاب «الجهاد»(٣)والتعاون في بناء المساجد في كتاب «الصلاة»(٤)موهماً أنه ما أورده إلاّ للتعريف بهذه الاحكام المعلومة التي لا يهم محصل بايثارها على معرفة الحق من الباطل في فتنة أهل الاسلام، انتهى كلام المصنف في هوامش «التلخيص»(٥).

وقد علمنا أن ابن حجر أيضاً علَّم ذلك من البخاري في تغيير مواضيع الكلمات حيث نبَّه عليها بعض الاحناف في تعريضه عليه: «ومن دأبه في كتبه لا سيما «فتح الباري» أنه يغادر حديثاً في باب يكون مؤيداً للحنفية مع علمه به ثم يذكره في غير مظانه لئلا ينتفع به

(١) نفس المصدر ٢: ٢٥٧.

(٢) ولا يصح ذلك لان البخاري من الذين لبّى دعوة الخلفاء قبل المتوكل وبعده من دون محنة وزجر ولم يورد في امتحانه شيئاً كما ذكرنا في ترجمته.

(٣) و (٤) صحيح البخاري كتاب الصلاة ١: ١٢٢ باب التعاون في بناء المسجد رقم ٤٤٧، ٤: ٢٥ كتاب الجهاد باب مسح الغبار رقم ٢٨١٢.

(٥) المصدر السابق ٢: ٢٥٩.

١٦

الحنفية»(١).

وعلى كل ذلك، قال ابن حجر في «فتح الباري» في الاعتذار للبخاري عن عدم إخراجه (ويح عمار تقتله الفئة الباغية) ما لفظه: إعلم أن هذه الزيادة لم يذكرها الحميدي في الجمع، وقال إن البخاري لم يذكرها أصلاً، وكذا قال أبو مسعود، قال الحميدي: لعلها لم تقع للبخاري، أو وقعت فحذفها.

قال ابن حجر: قلت: يظهر لي أن البخاري حذفها عمداً، وذلك لنكتة خفية وهي أن أبا سعيد اعترف انه لم يسمع هذه الزيادة من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فدل على أنها في هذه الرواية مدرجة والرواية التي بينت ذلك ليست على شرط البخاري; وقد أخرجها البزار من طريق داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد فذكر الحديث في بناء المسجد وحملهم لبنة لبنة وفيه: «فقال أبو سعيد: فحدَّثني أصحابي، ولم اسمعه من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أنه قال: يا بن سمية تقتلك الفئة الباغية» ابن سمية وهو عمار وسمية اسم أمه وهذا الاسناد على شرط مسلم.

ثم قال: وقد عين أبو سعيد من حدَّثه بذلك، فعن مسلم والنسائي من طريق أبي سلمة عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: حدَّثني من هو خير مني أبو قتادة فذكره، فاقتصر البخاري على القدر الذي سمعه أبو سعيد من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) دون غيره، وهذا دالٌّ على دقَّة فهمه وتبحره في الاطلاع

(١) فقه أهل العراق وحديثهم: ١٠٩.

١٧

على علل الاحاديث، انتهى(١).

والعجب من الحافظ ابن حجر في قوله: «إنه حذفها البخاري بعد سماع أبي سعيد لها من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مع قوله: «حدثني أصحابي» وقوله: «حدثني من هو خير مني أبو قتادة» ولا يعلم أنهم يُعلّون حديثاً بكونه لم يشافه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) به الصحابي الذي رواه، أو بكون رواية سمعه من صحابي آخر يزكيه ويفضله على نفسه، فقوله: «إن حذفها دالّ على تبحر البخاري في الاطلاع على علل الاحاديث»!! أعجب، فايّ علة أبداها؟ ويلزم على جعل هذه علةً أن جميع رواية ابن عباس كلها معلولة، لتصريحهم بأنه لا يبلغ ما سمعه عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مشافهة عشرين حديثاً وكذلك غيره من صغار الصحابة.

إذا عرفت هذا، فعذر المصنف للبخاري أرفع من عذر ابن حجر، ولابن حجر في شرح الحديث في «فتح الباري» كلام تمجه الاسماع، عند من له تحقيق واطلاع، وقد بنيا ما فيه في حواشيه وروايته عن أحمد صحة الحديث وأمثال ذلك(٢).

وما يثير الدهشة إنه ومع كثرة المناقشات في حذف رواية عمّار المذكورة هو وجودها في النسخ التي بين أيدينا!! فمن أين مصدر ذلك إذن؟!! وقد بحثنا في ذلك في كتابنا وقفة مع البخاري فراجع.

(١) فتح الباري ١: ٤٣٠ باب التعاون على بناء المسجد.

(٢) توضيح الافكار لمعاني تنقيح الانظار ٢: ٢٦٠.

١٨

ومن هنا يمكن القول أن ما يوجد بين دفتي البخاري وفي جميع مجلداته ليس كلّه من تصنيف محمد بن إسماعيل البخاري، وهذه نقطة أخرى.

والثالثة تتعلق بنفس الكتاب أيضاً وهي مسألة تصحيحه، فالصحيح يعني إطلاق الصحة على جميع رواياته، مع أن تخصيص الاكثر في العمومات قبيحة، وفي الوقت الذي يؤكد فيه البعض خروج الاكثر أو القريب منها عن إطار الصحة وفيها: التعليقات، والتراجم، والشواهد، والمقرونات.

وتعليقات البخاري وهي على قسمين: تعليقات مجزومة معتبرة وتعليقات غير مجزومة ليست معتبرة(١)، وهكذا المتابعات والشواهد والتراجم والمكررات، وجميعها يشتمل على نصف الكتاب تقريباً،

وهذا العدد ليس قليلاً، لانه يشكل علامة استفهام كبرى، فهل يبقى صحيح البخاري على صحته بعد إخراج هذا الكم؟

وهناك روايات البخاري التي تنقسم إلى أربعة أقسام:

١ ـ مسندات(٢).

٢ ـ تعليقات(٣).

(١) انظر علوم الحديث: ٧٣، المقنع ١: ٢١١، التقييد والايضاح: ١١٥، فتح المغيث ١: ٥٥، تدريب الراوي ١: ٩١ ـ ٩٣.

(٢) المسند: هو ما اتصل سنده بسماع كل راو عن فوقه إِلى منتهاه إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).

(٣) المعلق: هو ما حذف مبتدأ سنده، سواء كان المحذوف واحداً أو أكثر على سبيل التوالي، ولو إلى آخر السند، وقد سمي «معلقاً» لانه ـ بحذف أوله ـ صار كالشيء المقطوع عن الارض المعلق بالسقف، وهذه الاحاديث في البخاري كثيرة وفي كتاب مسلم قليلة.

انظر المنهل الراوي من تقريب النووي: ٦١ وقواعد التحديث للقاسمي: ١٢٤.

١٩

٣ ـ متابعات(١).

٤ ـ شواهد، وهي في الاغلب من المرسلات(٢).

ولكل قسم منها حكمه الخاص.

وما ادعاه البخاري حول صحيحه ينحصر في الروايات المسندة، يعني اتصال السند بالمتون الخبرية، وما يخرج عن هذا العموم متابعات وشواهده وتعليقاته، ولذا فاننا وعندما نريد الاستدلال على صحيح البخاري فانه ينبغي الاشارة في الاستدلال إلى أي قسم من هذه الاقسام: الشواهد، التعليقات، المسندات؟

والمسألة الاخرى في هذا الكتاب، وتطرح بعنوان إشكال، وهي مسألة التراجم، والعناوين الواردة تحت الصحيح..

هناك مقولة مشهورة تقول: إن فقه البخاري يكمن في تراجمه،

(١) التابع: المتابعة في الرواية هي أن يوافق الحديث على ما رواه من قبل راو آخر وهي نوعان تامة وقاصرة.

(٢) الشاهد: هو حديث مروي عن صحابي آخر يشابه الحديث سواء في اللفظ والمعنى أو في المعنى فقط، فالفرق بين الشواهد والمتابعات الاختلاف في الصحابي في الشواهد واتحاده في المتابعات على الاصح.

انظر: علوم الحديث لابن الصلاح: ٧٤، الباعث الحثيث لابن كثير ١: ١٨٦، المقنع لابن الملقن ٢: ١٨٨، التقييد والايضاح للعراقي: ١٠٩، فتح المغيث للسخاوي ١: ١٠٨، تدريب الراوي للسيوطي ١: ٢٠٣، توضيح الافكار للصنعاني ٢: ١٤.

٢٠