×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

البدعة وآثارها الموبقة / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٤ فارغة
[image] - مركز الأبحاث العقائدية


قال الله تبارك وتعالى:

{ وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتِكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ }. النحل/١١٦


وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله):

"إنّ أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدى هدى محمد، وشرّ الأُمور مُحدثاتها وكلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة وكلّ ضلالة في النار". جامع الأُصول ٥: رقم ٣٩٧٤

٥

بسم الله الرحمن الرحيم
وبه وحده نستعين وعليه وحده نتوكل

والحمد لله ربّ العالمين، والصَّلاة والسلام على سيد رُسُله، وخاتم أنبيائه وآله ومن سار على خطاهم وتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

يولي المسلمون أهميّة كبرى للعقيدة الصحيحة لأنّها تشكّل حجر الزاوية في سلوكهم ومناراً يضيءُ دروبهم وزاداً لمعادهم.

ولهذا كرّسَ رسُولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الفترة المكيّة من حياته الرسالية نفسه لإرساء أُسس التوحيد الخالص، ومكافحة الشرك والوثنية، ثم بنى عليها في الفترة المدنية صَرحَ النظامِ الأخلاقي والاجتماعي والاقتصادي والسياسيّ.

ولهذا ـ ونظراً للحاجةِ المتزايدة ـ رأينا أن نقدّم للأُمةِ الإسلاميّة الكريمة دراسات عقائدية عابرة مستمدَّة من كتاب اللهِ العزيز، والسُنّةِ الشريفة الصحيحة، والعقل السليم، وما اتَّفق عليه علماءُ الأُمةِ الكرام، تُروي ظمأَ العطشانِ، وتلَبّي حاجةَ المشتاق، وتساعد على إيقاظ الأُمة، وتوحيد صفوفها، والله الموفِّق.


معاونيّة التعليم والبحوث الإسلاميّة

٦

بسم الله الرحمن الرحيم

تقديم


تعدّ البدعة في الدين من المعاصي الكبيرة والمحرّمات العظيمة، التي دلّ على حرمتها الكتاب والسنّة، كما واُوعِد صاحبُها النار على لسان النبيّ الأكرم، وذلك لأنّ المبتدع ينازع سلطان الله تبارك وتعالى في التشريع والتقنين، ويتدخّل في دينه ويُشرِّع ما لم يشرِّعه، فيزيد عليه شيئاً وينقص منه شيئاً في مجالي العقيدة والشريعة، كلّ ذلك افتراء على الله.

وقد بُعث النبيّ الأكرم بحبل الله المتين، وأمر المسلمين الاعتصام به، ونهى عن التفرّق، وقال:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ اِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ اِخْوَاناً}(آل عمران/١٠٣).

ولكن المبتدع يستهدف حبلَ الله المتين، ليوهنه ويخرجه من متانته بما يزيد عليه أو ينقص منه، وبالتالي يجعل من الأُمة الواحدة أمماً شتّى، يبغض بعضهم بعضاً ويلعن بعضهم بعضاً، فيتحوّلون إلى شيع

٧

وطوائف متفرّقين، فرائس للشيطان وأذنابه، وعلى شفا حفرة من النار، على خلاف ما كانوا عليه في عصر الرسالة.

إنّ المسلمين بعد رحيل الرسول تفرّقوا إلى أُمم ومذاهبَ مختلفة، ولم يكن ذلك إلاّ إثْر تلاعب المبتدعين في الدين والشريعة، بإدخال ما ليس من الدين في الدين. وكان عملهم تحويراً لصميم العقيدة الإسلامية وشريعتها. فلولا البدعة والمبتدعون وانتحالُ المبطلين، لكانت الأُمة الإسلامية أُمة واحدة، لها سيادتها على جميع الأُمم والشعوب في أنحاء المعمورة. وما أثنى ظهورهم إلاّ دبيبُ المبتدع بينهم، فشتَّتهم وفرَّقهم بعدما كانوا صامدين كالجبل الأشم.

والحروب الدموية التي خاضها المسلمون في عصر الخلافة وبعدها، وخضّبت الأرض بالدماء الطاهرة، وسلّ المسلمون سيوفهم في وجه بعضهم، فسقط منهم آلاف القتلى والجرحى على الأرض هي من جراء البدع النابعة عن الأهواء والميول النفسانية حيث كانوا يتحاربون باسم الدين، ولم يكن الدين إلاّ في جانب واحد، لا في جوانب متكثرة.

إنّ صراط النجاة في الإسلام هو صراط واحد مستقيم دعا إليه المؤمنين عامّة وقال:{وَأَنَّ هذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهُ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(الأنعام/١٥٣).

وأمر المسلمين أن يدعوا الله سبحانه، أن يثبتهم على هذا الصراط كي لا ينحرفوا يميناً وشمالا كما يقول سبحانه تعليماً لعباده:{اِهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}ولكن المبتدع يسوق الناس إلى سبل منحرفة لاتنتهي

٨

إلى السعادة التي أراد الله سبحانه لعباده.

فحقّ التشريع والتقنين لله تبارك وتعالى، وقد استأثر به وقال:{إِنِ الْحُكْمُ اِلاَّ للهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا اِلاَّ اِيَّاهُ}(يوسف/٤٠). والمراد من الحكم هو التشريع بقرينة قوله:{أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا اِلاَّ اِيَّاهُ}. فالبدعة هو تشريك الناس في ذلك الحقّ المستأثر، ودفع زمام الدين إلى أصحاب الأهواء، كي يتلاعبوا في الشريعة كيفما شاءُوا، وكيفما اقتضت مصلحتهم ومصلحة أسيادهم وأربابهم، فذلك الحق المستأثر يقتضي ألاّ يتدخّل أحد في سلطان الله وحظيرته، قال سبحانه:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلاَ مُؤْمِنَة اِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلا مُبِيناً}(الأحزاب/٣٦).

والمبتدع يتصرّف في التشريع الإسلامي فيجعل منه حلالا وحراماً بدون إذن منه سبحانه في ذلك. يقول تعالى:

{قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْق فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلا قُلْ ءَاللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ}(يونس/٥٩) فالآية واردة في عمل المشركين، حيث جعلوا ما أنزل الله لهم من الرزق بعضه حراماً وبعضه حلالا، فحرّموا السائبة والبحيرة والوصيلة ونحوَها، لذا يردّ عليهم سبحانه:{ءَاللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ}أي أنّه لم يأذن لكم في شيء من ذلك، بل أنتم تكذبون على الله، ثمّ يهدّدهم بالعذاب فيقول:{وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ اِنَّ اللهَ لَذُو فَضْل عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ}(يونس/٦٠). ويؤكد عليه في آية أُخرى ويقول:{وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذَا حَلاَلٌ وَهذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى

٩

اللهِ الْكَذِبَ اِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ}(النحل/١١٦).

إنّ أصحاب الأهواء في كلّ زمان حتى في عصر الرسالة، كانوا يقترحون على النبيّ الأكرم أن يغيّر دينه، ويأتي بقرآن غير هذا، لكي يكون مطابقاً لما تستهويه أنفسهم، فأمر الله سبحانه أن يردّ اقتراحهم بقوله:{قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَآءِ نَفْسِي اِنْ أَتَّبِعُ اِلاَّ مَا يُوحَى اِلَيَّ اِنِّي أَخَافُ اِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْم عَظِيم}(يونس/١٥).

وكان في عصر الرسالة من يتقدّم على الله ورسوله، لا مشياً وإنّما يقدم رأيه على الوحي فنزل الوحي مندِّداً لهم وقال:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ اِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(الحجرات/١).

والكذب من المحرّمات الموبقة التي أوعدَ اللهُ عليها النار، والبدعة من أفحش الكذب، لأنّها افتراء على الله ورسوله، قال سبحانه:{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ اِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}(الأنعام/٢١). فالمبتدع يَظهر بزيّ المحق عند المسلمين فيفتري على الله تعالى دون أن يكشفه الناس فيضلّهم عن الصراط المستقيم.

ومن المسلّم به أنّ لله في كلّ واقعة حكماً إلهيّاً لا يتبدّل ولا يتغيّر الى يوم القيامة، فاذا حكم الحاكم وِفق ذلك الحكم فهو حاكم عادل معتمد على منصَّة الحق، إلاّ أنّ المبتدع يحكم على خلاف ذلك الحق، لذلك يصفه سبحانه بكونه كافراً وظالماً وفاسقاً، قال تعالى:{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}وقال عزّ من قائل:{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}وقال تعالى:{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}(المائدة/٤٤،٤٥،٤٦).

١٠

فما حال إنسان يحكم عليه القرآن بالكفر تارة، والظلم ثانياً والفسق ثالثاً؟ فهل ترجى له النجاة بعد أن أضلّ كثيراً من الناس، وشقّ صفوف المسلمين، وجعل السبيل الواحد سُبُلا كثيرة تضلّهم إلى مهاوي الهالكين.

ولعلّ هذا القدر من التقديم يكفي في بيان موضع البدعة وموقِف الله تعالى من المبتدع، ولأجل ذلك نرى أنّ النبيّ الأكرم قد شدّد على البدعة أو ندّد بالمبتدع بأفصح العبارات وأبلغها كما سيتّضح ذلك في الروايات الآتية.

وقد ألّف العلماء قديماً وحديثاً كتباً ورسائل حول البدعة نذكر بعضها:

١ ـ البدع والنهي عنها، لابن وضّاح القرطبي.

٢ ـ الحوادث والبدع، للطرطوشي.

٣ ـ الباعث، لأبي شامة.

٤ ـ الاعتصام، لأبي إسحاق الشاطبي الغرناطي في جزئين وقد أسهبَ الكلام فيها.

٥ ـ البدعة أنواعها وأحكامها، لصالح بن فوزان بن عبد الله فوزان طبع الرياض.

٦ ـ البدعة تحديدها وموقف الإسلام منها، تأليف الدكتور عبد الملك السعدي طبع بغداد.

٧ ـ البدعة في مفهومها الإسلامي الدقيق، تأليف الدكتور عبد الملك السعدي طبع بغداد.

١١

٨ ـ البدع، تأليف أبي الحسين محمّد بن بحر الرُّهني الشيباني، ذكرها النجاشي في رجاله برقم ١٠٤٤.

٩ ـ البدع المحدثة، للشريف أبو القاسم الكوفي المتوفى بفسا سنة ٣٥٢ هـ وطبع باسم الاستغاثة، في النجف الأشرف.

١٠ ـ البدع، تأليف الدكتور الشيخ جعفر الباقري، وهي دراسة موضوعية لمفهوم البدعة وتطبيقاتها على ضوء منهج أهل البيت وهو على وشك الصدور.

ومع احترامنا وتكريمنا لجهودهم، إلاّ أنّ أغلب هؤلاء الكُتّاب نظروا إلى المسألة على أساس إمام مذهبهم. فالأوّل والثاني من هذه الكتب اعتمدا على رأي الإمام مالك (رضي الله عنه) كما أنّ الكتاب الخامس اتّخذ من مذهب ابن تيمية مقياساً في حكمه، فخرج بنفس النتيجة التي خرج بها إمام مذهبه.

وأمّا الإمام الشاطبي فقد أطنب وأسهب كثيراً في تأليفه ولم يركّز على نفس البدعة تحديداً ومصداقاً.

ودراسة البدعة تتوقّف على دراسة منهجيّة غير منحازة لمذهب خاص، وهذا يتوقّف على الاجتهاد الحرّ، من دون أن يتّخذ رأي إمام مِحوراً، ورأي إمام آخر مسنداً، بل ينظر إلى الكتاب والسنّة وسيرة المسلمين نظرة عامة شمولية فاحصة.

نعم لا تفوتنا الإشارة إلى المِيزة الموجودة فيما كتبه الدكتور السعدي، فقد أفاض الكلام في الجزئيات التي ربّما وصفت بالبدعة، وأثبت بدليل قاطع كونها غير بدعة، كما لا تفوتنا الإشارة بمنهجيّة

١٢

البحث في كتاب الدكتور عزّت علي عطية، والذي نال به درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى، ولكنّه في بعض المواضيع افتقد الشجاعة الأدبيّة ولم يتجرّأ على تجاوز السدود التي فرضتها عليه البيئة، فتراه يتوقّف في التوسّل بالنبيّ (صلى الله عليه وآله) مع تضافر الروايات على جوازه.

وللجميع منّا الشكر الجزيل، ولكن الحقيقة بنت البحث فلا عتب علينا إذا ناقشنا بعض آرائهم نتيجة الاجتهاد الحرّ، رزقنا الله توحيد الكلمة كما رزقنا كلمة التوحيد.


١٠ رمضان المبارك / عام ١٤١٥ هـ
جعفر السبحاني           

١٣

الفصل الأول

نصوص البدعة في الكتاب والسنّة


اتّفقت الأدلّة الشرعيّة على حرمة البدعة، وقد ذكرنا في المقدّمة قسماً وافراً من الآيات الكريمة وسنأتي بذكر ما تبقى منها:

البدعة في الكتاب

١ ـ قال سبحانه:{وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ اِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا}(الحديد/٢٧).

فالآية تعتبر الرهبانية من مبتدعات الرهبان التي لم تكن مفروضة عليهم من قبل، وإنّما تكلّفوها من عند أنفسهم وسيوافيك تفسير الاستثناء في مبحث تحديد البدعة.

١٤

٢ ـ{اِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء اِنَّمَا أَمْرُهُمْ اِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}(الأنعام/١٥٩).

وقد فُسّرت الآية بأهل الضلالة وأصحاب الشبهات والبدع من هذه الأُمة. قال الطبرسي: "ورواه أبو هريرة وعائشة مرفوعاً، وهو المروي عن الباقر (عليه السلام)، فجعلوا دين الله أدياناً لإكفار بعضهم بعضاً وصاروا أحزاباً وفِرَقاً، ويخاطب سبحانه نبيّه بقوله:{لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء}وانّه على المباعدة التامّة من أن يجتمع معهم في معنى من مذاهبهم الفاسدة، وليس كذلك بعضهم مع بعض، لأنّهم يجتمعون في معنى من معانيهم الباطلة، وإن افترقوا في شيء فليس منهم في شيء لأنّه بريءٌ من جميعهم"(١).

٣ ـ{قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْض}(الأنعام/٦٥).

والآية بعموم لفظها تبيّن أنواع النُّذُر التي أنذر الله بها عباده، فتبدأ من بعث العذاب من فوق، إلى بعثه من تحت الأرجل، وتنتهي بتمزيق الجماعة إلى شيع. فتفرّق الأُمة إلى فرق وشِيَع يعادل إنزال العذاب عليها من كلّ جهاتها. قال الحسن البصري: "التهديد بإنزال العذاب والخسف يتناول الكفّار وقوله:{أَو يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً}يتناول أهل الصلاة"(٢).

وقال مجاهد وأبو العالية: إنّ الآية لأُمّة محمد (صلى الله عليه وآله)، أربع ظهر اثنتنان بعد وفاة رسول الله فأُلبسُوا شِيعاً وأُذيق بعضكم بأس بعض

١- الطبرسي، مجمع البيان ٢: ٣٨٩.

٢- المصدر نفسه ٢: ٣١٥.

١٥

وبقيت اثنتان(١).

٤ ـ{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا اِلاَّ لِيَعْبُدُوا إلهاً وَاحِداً لاَ إلهَ اِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}(التوبة/٣١).

يظهر ممّا رواه الطبري وغيره أنّهم كانوا مشركين في مسألة التقنين، روي عن الضحاك:{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ}أي قرّاءهم وعلماءهم{أرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ}يعني سادة لهم من دون الله، يُطيعونهم في معاصي الله، فيُحلّون ما أحلّوه لهم ممّا قد حرّمه الله عليهم، ويُحرّمون ما يحرّمونه عليهم ممّا قد أحلّه الله لهم.

وروي أيضاً عن عدي بن حاتم قال: انتهيت إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله) وهو يقرأ في سورة براءة:{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ}قال: قلت: يا رسول الله إنّا لسنا نعبدهم، فقال: "أليس يُحرّمون من أحلّ الله فتحرّمونه، ويُحلّون ما حرّم الله فتحلّونه؟" قال: قلت: بلى، قال: "فتلك عبادتهم"(٢).

البدعة في السنّة

روى الفريقان عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) حول البدعة والتشديد عليها روايات كثيرة نقتبس منها ما يلي:

١ ـ روى الإمام أحمد عن جابر قال: "خطبنا رسول الله فحمد الله

١- الشاطبي (أبو إسحاق)، الاعتصام ٢: ٦١.

٢- الطبري، التفسير ١٠: ٨٠ ـ ٨١.

١٦

وأثنى عليه بما هو أهل له ثمّ قال: أمّا بعد فانّ أصدقَ الحديث كتاب الله، وإنّ أفضل الهدى هدى محمّد، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة"(١).

٢ ـ روى أيضاً عن جابر قال: "كان رسول الله يقوم فيخطب فيحمد الله ويُثني عليه بما هو أهله ويقول: من يهدِ الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، إنّ خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هَديُ محمد(صلى الله عليه وآله) وشرّ الأمور محدثاتها وكلّ محدثة بدعة"(٢).

٣ ـ روى أيضاً عن عرباض بن سارية قال: "صلّى بنا رسول الله الفجر ثمّ أقبل علينا فوعظنا موعظة بيّنة، قال: أُوصيكم بتقوى الله... وإيّاكم ومحدثات الأُمور، فانّ كلّ محدثة بدعة وكلّ بدعة ضلالة"(٣).

٤ ـ روى ابن ماجة عن جابر بن عبد الله: "كان رسول الله إذا خطب احمرّت عيناه ثمّ يقول: أمّا بعد فانّ خير الأُمور كتاب الله وخير الهدى هَديُ محمّد، وشرّ الأُمور محدثاتها وكلّ بدعة ضلالة"(٤).

٥ ـ روى مسلم في صحيحه: "كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا خطب احمرّت عيناه وعلا صوته، واشتدّ غضبه، حتى كأنّه منذر جيش، يقول: صبّحكم ومسّاكم، ويقول: بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين، ويقرن بين

١- الإمام أحمد، المسند ٣: ٣١٠ بيروت، دار الفكر.

٢- المصدر نفسه: ٣٧١.

٣- المصدر نفسه ٤: ١٢٦ ; ولاحظ أيضاً ص ١٢٧ ـ ولاحظ البحار ٢: ٢٦٣ فقد جاءت فيها نفس النصوص وفي ذيلها: وكلّ ضلالة في النار.

٤- ابن ماجة القزويني، السنن ج ١ الباب ٧ الحديث ٣٦، ط بيروت دار إحياء التراث العربي ١٣٩٥ هـ.

١٧

أصبعيه: السبابة والوسطى، ويقول: أمّا بعد، فانّ خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هديُ محمد، وشرّ الأُمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، ثمّ يقول: أنا أولى بكلّ مؤمن من نفسه، من ترك مالا فلأهله، ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإليّ وعليّ"(١).

٦ ـ روى النسائي قال: "كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول في خطبته: نحمد الله ونثني عليه بما هو أهله، ثمّ يقول: من يهدِ الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، إنّ أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدى هديُ محمد، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة وكلّ ضلالة في النار، ثمّ يقول: بعثت أنا والساعة كهاتين، وكان إذا ذكر الساعة احمرّت وجنتاه، وعلا صوته، واشتدّ غضبه، كأنّه نذير جيش، يقول: صبّحكم ومسّاكم، ثمّ قال: من ترك مالا فلأهله، ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإليَّ، (أو عليّ) وأنا أولى بالمؤمنين"(٢).

٧ ـ روى ابن ماجة: "قال رسول الله: لا يقبل الله لصاحب بدعة صوماً ولا صلاة ولا صدقة ولا حجّاً ولا عمرة ولا جهاداً"(٣).

٨ ـ قال رسول الله: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ"(٤).

قال الشاطبي: وهذا الحديث عدّه العلماء ثُلث الإسلام لأنّه جمع

١ و ٢- ابن الأثير، جامع الأُصول ٥: الفصل الخامس، الخطبة رقم ٣٩٧٤.

٣- ابن ماجة القزويني، السنن ١: ١٩.

٤- مسلم، الصحيح ٥: ١٣٣ كتاب الأقضية الباب ٨ ـ ومسند أحمد ٦: ٢٧٠.

١٨

وجوه المخالفة لأمره (عليه السلام) ويستوي في ذلك ما كان بدعة أو معصية(١).

٩ ـ روى مسلم عن أبي هريرة قال: "قال رسول الله: من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أُجور من تبعه لا ينقص ذلك من أُجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من يتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً"(٢).

١٠ ـ روى مسلم عن جرير بن عبد الله: "من سنّ في الإسلام سنّة حسنة فعُمل بها بعده، كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أُجورهم شيء ومن سنّ في الإسلام سنّة سيئة فعمل بها بعده كتب له مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء"(٣).

١١ ـ روى مسلم عن حذيفة أنّه قال: "يا رسول الله هل بعد هذا الخير شرّ؟ قال: نعم، قوم يستنّون بغير سنّتي ويهتدون بغير هداي..."(٤).

١٢ ـ روى مالك في الموطأ من حديث أبي هريرة: "أنّ رسول الله خرج إلى المقبرة فقال: السّلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون ـ إلى أن قال: ـ فليُذادنَّ رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أُناديهم ألا هلمّ! ألا هلمّ! ألا هلمّ! فيقال: إنّهم قد بدّلوا بعدكم، فأقول: فسحقاً! فسحقاً! فسحقاً!"(٥). وعموم اللفظ يشمل أهل البدع

١- الشاطبي (أبو إسحاق)، الإعتصام ١: ٦٨.

٢- مسلم، الصحيح ٨: ٦٢ كتاب العلم ـ ورواه البخاري في الصحيح ج٩: كتاب الإعتصام بالكتاب والسنّة.

٣- مسلم، الصحيح ٨: ٦١ كتاب العلم.

٤- مسلم، الصحيح ٥: ٢٠٦ كتاب الإمارة.

٥- مالك، الموطأ، كتاب الطهارة، الحديث ٣٠ باب جامع الوضوء ـ مسلم، الصحيح ١: ١٥٠ كتاب الطهارة.

١٩

أيضاً. وإن لم يرتدّوا عن الدين.

نكتفي بهذا القدر من الأحاديث التي رواها الحفاظ من المحدّثين من هذا الطريق، وأمّا ما رواه أصحابنا عن النبي الأكرم أو عن أئمة أهل البيت فكثير وربما تكون هناك وحدة في اللفظ واختلاف جزئي في التعبير:

١٣ ـ روى الكليني عن محمد بن جمهور رفعه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "إذا ظهرت البدع في أُمتي فليظهر العالم علمه، فمن لم يفعل فعليه لعنة الله"(١).

١٤ ـ وبهذا الاسناد قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "من أتى ذا بدعة فعظّمه فإنّما يسعى في هدم الإسلام"(٢).

١٥ ـ وبهذاالاسنادقال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): "أبى الله لصاحب البدعة التوبة" قيل: يا رسول الله وكيف ذلك؟ قال: "إنّه قد أُشرِبَ قلبه حبّها"(٣).

١٦ ـ روى محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) الناس فقال: "أيّها الناس إنّما بَدءُ وقوع الفتن، أهواءٌ تُتَّبَع، وأحكام تُبتدع، يُخالَف فيها كتاب الله، يتولّى فيها رجال رجالا، فلو أنّ الباطل خلص من مزاج الحق لم يخف على المرتادين، ولو أنّ الحق خلص من لبس الباطل انقطعت عنه ألسن المعاندين، ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان فهناك يستولي الشيطان على أوليائه، وينجو الذين سبقت لهم من الله الحسنى"(٤).

١ - ٤) الكليني، الكافي ١: ٥٤ ـ ٥٥ ح ٢ و ٣ و ٤ و ١ باب البدع. ولفظ الأخير مطابق لما في نهج البلاغة الخطبة ٥٠، دون الكافي لكونه أتمّ.

٢٠