×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

بناء المقالة الفاطمية في نقض الرسالة العثمانية / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٥ فارغة
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

مقدمة التحقيق:

لمحة موجزة عن آل طاووس

آل طاووس أسرة عراقية عريقة في السيادة والعلم بفنونه المختلفة الفقه، الحديث، الكلام، الأنساب، الأدب، الشعر... تولت الزعامة الدينية في أواخر عصور الدولة العباسية ثم في الدولة الإيلخانية المغولية.

قد تسنمت هذه الأسرة الجليلة مدارج الكمال ومراقي المجد وقبضت على ناصية الفخار والعز في المائتين السابعة والثامنة بحيث طار صيتها في المحافل العلمية والنوادي الأدبية وتصدرت قائمة فضلاء عصرها وعلماء دهرها وامتطت صهوات المجد والشرف الباذخ وعلت على دست الرئاسة والنقابة المنيف حقبة من الدهر فزانوا النقابة فتاهت بهم اعتزازا وافتخارا.

هذه الأسرة الشريفة قد تحلى أفرادها - بالإضافة إلى ميزتهم النسبية - بمؤهلات قلما تجتمع في شخص واحد، ذكاء حاد وحافظة قوية وفطنة نادرة وفضل واسع ونجابة ساطعة ورئاسة مقبولة ومرضية من قبل سلطات عصرهم فكانوا السادة والقادة والعلماء، ترمقهم عيون الفضيلة بالإكبار والإجلال ويصغي لهم سمع الدهر بالإطاعة والامتثال محطا لأنظار الخاص والعام تقصدهم قوافل ذوي الحاجات ويؤمهم ركب طالبي الفضيلة والكمال فلا تنكفئ إلا عن نيل مرادها وبلوغ مآربها المادية والمعنوية. تنحدر هذه الأسرة المباركة عن أصل زكي ونجار سني عن شجرة طيبة مباركة علوية إذ يتصل

٦

نسبها بالإمام الهمام أبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام عن طريق داود بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام فإن داود المذكور كان رضيع الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام وقد حبسه المنصور الدوانيقي فأفلت منه بالدعاء الذي علمه الصادق عليه السلام لأمه أم داود ويعرف بدعاء أم داود وبدعاء يوم الاستفتاح وهو النصف من رجب وأم داود هي أم كلثوم بنت الإمام زين العابدين علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب عليهم السلام وكان داود يلي صدقات أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام نيابة عن أخيه عبد الله المحض وقد توفي داود بالمدينة وهو ابن ستين سنة وعقبه من ابنه سليمان بن داود وأعقب سليمان من ابنه محمد بن سليمان ويلقب بالبربري وخرج بالمدينة أيام أبي السرايا.

قال النسابة الشهير ابن عنبة الداودي في كتابه عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب ص ١٨٩ في ذكر عقب داود بن الحسن المثنى: ومنهم أبو عبد الله محمد الطاووس بن إسحاق لقب بذلك لحسن وجهه وجماله وولده كانوا بسورا المدينة(١)ثم انتقلوا إلى بغداد والحلة وهم سادات وعلماء ونقباء معظمون منهم السيد الزاهد سعد الدين أبو إبراهيم موسى بن جعفر بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد الطاووس.

وقال العلامة المجلسي:

وجدت في بعض كتب النسب أن محمد الطاووس كان يكني أبا عبد الله وكان نقيب (سورا) وأبوه إسحاق كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة خمسمائة عن نفسه وخمسمائة عن والده وهو من أوائل من ولي النقابة بسورا.

(١) الظاهر أن الصحيح (سورا) على وزن بشرى فإنه موضع بالعراق من أرض بابل وهي مدينة السريانيين وهي قريبة من الوقف والحلة المزيدية و (سوراء) كما ورد في بعض المصادر فإنها بالألف الممدودة موضع يقال هو إلى جنب بغداد وقيل هو بغداد نفسها. راجع معجم البلدان مادة (سور)

٧

وإنما لقب بالطاووس لأنه كان مليح الصورة وقدماه غير مناسبة لحسن صورته فلقب بالطاووس لذلك(١). ولقد برزت من هذه الأسرة الشريفة شخصيات علمية فذة قد أخذت على عاتقها مسؤولية الذب عن حريم الشريعة المحمدية والحقيقة الجعفرية فكانت على مستوى المسؤولية فبذلت في سبيل ذلك كل ما أوتيت من حول وقوة واستعداد قليل النظير فجندت في خدمة الدين فكرها الوقاد كسراج منير يزيح الظلمات وينير الطريق للفئة الخيرة السالكة درب الحق وسبيل الخير. ويراعها السيال الذي هو خير من ألف سيف ذرب وعسال مثقف فألفت وصنفت وجدت واجتهدت فتركت لنا تراثا علميا ضخما أغنت به المكتبة الإسلامية عموما والمكتبة الشيعية خصوصا فمنهم:

١ - سعد الدين أبو إبراهيم موسى بن جعفر بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد الطاووس.

وصفه صاحب عمدة الطالب بالسيد الزاهد(٢).

والذي يظهر من كلام ابنه رضي الدين علي بن موسى بن جعفر أنه كان محدثا رواية للأخبار جامعا لها فقد قال عنه في إجازاته عند ذكر مؤلفاته: ومن ذلك كتاب فرحة الناس!(٣)وبهجة الخواطر مما رواه والدي موسى بن جعفر ابن محمد بن طاووس قدس الله جل جلاله روحه ونور ضريحه ونقله في أوراق وأدراج وانتقل إلى الله جل جلاله وما جمعه في كتاب ينتفع به المحتاج فجمعته بعد وفاته تلقاه الله جعل جلاله بكراماته ويكمل أربع مجلدات لكل مجلد خطبة وسميته بهذا الاسم المذكور(٤).

(١) بحار الأنوار: ١٠٧ / ٤٤.

(٢) عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب: ١٩٠.

(٣) المطبوع باسم فرحة الناظر وبهجة الخواطر.

(٤) بحار الأنوار: ١٠٧ / ٣٩.

٨

وقد أعقب موسى بن جعفر المذكور أربعة بنين:

١ - جمال الدين أبا الفضائل أحمد بن موسى بن جعفر.

٢ - رضي الدين أبا القاسم علي بن موسى بن جعفر.

٣ - شرف الدين محمدا.

٤ - عز الدين الحسن.

وأم هؤلاء الأربعة على ما هو ظاهر عبارات أغلب من ترجم لهم ليست واحدة فقد قال الشيخ يوسف البحراني في ترجمة رضي الدين علي وجمال الدين أحمد: رضي الدين أبو القاسم علي وجمال الدين أبو الفضائل قدس سرهما ابنا السيد سعد الدين أبي إبراهيم موسى بن جعفر بن محمد بن أحمد ابن محمد بن أحمد بن محمد الطاووس وهما أخوان من أم وأب وأمهما - على ما ذكره بعض علمائنا - بنت الشيخ مسعود ورام بن أبي فراس بن فراس ابن حمدان(١)وأم أمهما بنت الشيخ الطوسي، أجاز لها ولأختها أم الشيخ محمد بن إدريس جميع مصنفاته ومصنفات الأصحاب.

ثم قال: ويؤيده تصريح السيد رضي الدين رضي الله عنه عند ذكر الشيخ الطوسي بلفظ " جدي " وكذا عند ذكر الشيخ ورام بلفظه وهو أكثر بكثير في كلامه كما لا يخفى على من وقف عليه(٢).

فظاهر عبارة الشيخ البحراني هو أن أم الأخوين علي وأحمد هي بنت الشيخ ورام وأما شرف الدين محمد وعز الدين الحسن فأمهما سواها.

وقال عبد الله الأفندي في ترجمة أبي الفضائل أحمد:

(١) الشيخ ورام بن أبي فراس المالكي النخعي المتوفى سنة ٦٠٥.

(٢) لؤلؤة البحرين: ٢٣٦.

٩

وقال بعض العلماء بعد نقل نسبه إلى الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام كما نقلناه: إن أمه أم أخيه رضي الدين علي بنت الشيخ مسعود الورام ابن أبي فراس بن حمدان وأم أمه بنت الشيخ الطوسي وأجاز لها ولأختها أم الشيخ محمد بن إدريس جميع مصنفاته ومصنفات الأصحاب(١).

وقال صاحب روضات الجنات عند ذكره لأبي الفضائل أحمد بن موسى:

أخو السيد رضي الدين علي من أبيه وأمه التي هي بنت الورام من ابنة الشيخ المجازة منه مع أختها التي هي أم ابن إدريس جميع مصنفات الأصحاب(٢).

وأيضا ذكر ذلك عند ترجمته لرضي الدين علي بن موسى فقال:

وأما أمه وأم أخيه السيد جمال الدين المتقدم ذكره فهي بنت الشيخ المسعود ورام بن أبي فراس المالكي صاحب كتاب " المجموع " المشهور وأم أمهما بنت شيخنا الطوسي وهي التي أجاز الشيخ لها ولأختها أم الشيخ محمد ابن إدريس الحلي جميع مصنفاته ومصنفات الأصحاب على ما نقله المحدث البحراني عن بعض علماءنا. ووقع النص على جديتهما له أيضا من جهة الأم في مواضع كثيرة من مصنفات نفسه فليلاحظ(٣).

وقد قال السيد محسن الأمين عند تعرضه لذكر أبي الفضائل أحمد بن موسى:

هو أخو السيد رضي الدين علي بن طاووس لأبيه وأمه، أمهما بنت

(١) رياض العلماء: ١ / ٧٤.

(٢) روضات الجنات: ١ / ٦٦.

(٣) روضات الجنات: ٤ / ٣٢٥.

١٠

الشيخ ورام بن أبي فراس بن حمدان وأمهما بنت الشيخ الطوسي المجازة هي وأختها أم ابن إدريس من أبيهما الشيخ الطوسي برواية جميع مصنفاته ومصنفات الأصحاب ولذلك يعبر ابن طاووس عن الشيخ الطوسي والشيخ ورام بجدي كما يعبر ابن إدريس عن الطوسي بذلك(١).

فظاهر العبارات السابقة كما هو واضح، صريح في أن أبا الفضائل أحمد ورضي الدين عليا فقط هما لأب وأم. وأما الشيخ محمد علي اليعقوبي فقد قال بعد ذكر أبناء موسى بن جعفر الأربعة:

وأمهم بنت الشيخ ورام بن أبي فراس المالكي صاحب المجموعة المشهورة وأم أبيهم بنت الشيخ الطوسي أبي جعفر محمد بن الحسن المتوفى سنة ٤٦٠ كما صرح السيد المترجم في (إقباله) ولذلك كان يعبر عن كل منهما بجدي(٢).

والعبارة كما ترى ظاهرة في أن الأربعة كلهم لأب وأم واحدة هي بنت الشيخ ورام. وقد تبعه في ذلك السيد عبد الرزاق كمونة في موارد الإتحاف(٣).

اللهم إلا أن يقال إنما خصت المصادر السابقة الأخوين أحمد وعليا بالذكر لكونهما الأشهر وأن الأخوين الآخرين محمدا وحسنا لا شهرة لهما.

ملاحظة:

ذكر العلامة المحقق الشيخ آغا بزرك الطهراني في حياة الشيخ

(١) أعيان الشيعة: ٣ / ١٨٩ (طبعة دار التعارف بيروت) (٢) البابليات: ١ / ٦٤.

(٣) موارد الإتحاف: ١ / ١٠٧.

١١

الطوسي(١). أن هذه النسبة غير صحيحة (يعني أن أمهما هي بنت الشيخ الطوسي).

فليس الشيخ الطوسي الجد الأمي بغير واسطة لابني طاووس ولا لابن إدريس الحلي، فقد صرح السيد رضي الدين علي بن طاووس في كثير من تصانيفه ومنها (الإقبال) - الذي هو أحد الكتب العشرة التي هي تتمات لمصباح المتهجد لشيخ الطائفة الطوسي - في دعاء أول يوم من شهر رمضان ص ٣٣٤ (طبعة تبريز): بأن الشيخ الطوسي جد والده - السيد الشريف أبي إبراهيم موسى بن جعفر - من قبل أمه وأن الشيخ أبا علي خاله كذلك لكن ليس مراده الجد والخال أيضا بلا واسطة بأن تكون والدة أبيه الشريف موسى ابنة الشيخ الطوسي رحمه الله كما استظهره شيخنا الحجة الميرزا حسين النوري في مستدرك الوسائل: ٣ / ٤٧١.

وذلك لأن السيد رضي الدين علي بن طاووس ذكر في مقدمة كتابه (فلاح السائل) ما نصه:

(وجدت في المصباح الكبير الذي صنفه جدي لبعض أمهاتي أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي رحمه الله شيئا عظيما من الخير الكثير...).

وهذا منه صريح بأن شيخ الطائفة جده (لبعض أمهاته) لا جده لأمه بلا واسطة. كما أشار إلى ذلك المحقق السيد محمد صادق بحر العلوم مؤيدا كلام شيخه الطهراني(٢).

ثم إن الشيخ ورام توفي سنة ٦٠٦ والحال أن الشيخ الطوسي توفي سنة ٤٦٠ هـ فبين الوفاتين مائة وخمسة وأربعون سنة فكيف يتصور كونه صهرا

(١) الكتاب لم يكن في متناول يدي لذا أنقل العبارة عن المقدمة التي كتبها المحقق السيد محمد صادق بحر العلوم على كتاب رجال الطوسي ص ١٢٣.

(٢) مقدمة رجال الطوسي: ١٢٣

١٢

للشيخ على بنته وإن فرضت ولادة هذه البنت بعد وفاة الشيخ مع أنهم ذكروا أن الشيخ أجازها؟

ثم إن السيد رضي الدين قال في كتابه (الإقبال):

فمن ذلك ما رويته عن والدي قدس الله روحه ونور ضريحه فيما قرأته عليه من كتاب المقنعة بروايته عن شيخه الفقيه حسين بن رطبة عن خال والدي السعيد أبي علي الحسن بن محمد عن والده محمد بن الحسن الطوسي جد والدي من قبل أمه عن الشيخ المفيد... فظهر أن انتساب السيد إلى الشيخ من طرف والده أبي إبراهيم موسى الذي أمه بنت الشيخ لا من طرف أمه بنت الشيخ ورام. وهذا مما نبه عليه العلامة المحدث الشيخ عباس القمي في الفوائد الرضوية: ٣٣٤.

(٢) جمال الدين أبي الفضائل أحمد بن موسى بن جعفر (صاحب كتاب بناء المقالة الفاطمية) وسأذكر طرفا من ترجمته فيما يأتي قريبا إن شاء الله تعالى.

٣ - رضي الدين أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر.

وهو ألمع شخصية في هذه الأسرة وأشخص أفرادها بحيث إذا أطلق (ابن طاووس) فالمراد هو يكون غالبا. وقد كان عالما فقيها أديبا شاعرا منشئا ورعا زاهدا نقيبا محترما ومقدما عند السلاطين وهو صاحب الكرامات الذي ما اتفقت كلمة العلماء على اختلاف مشاربهم على صدور الكرامات عن أحد ممن تقدمه أو تأخر لبني زهرة:

ومن ذلك جميع ما صنفه السيدان الكبيران السعيدان رضي الدين علي

(١) البابليات: ١ / ٦٤.

١٣

وجمال الدين أحمد ابنا موسى بن طاووس الحسنيان قدس الله روحيهما وروياه وقرآه وأجيز لهما روايته عني عنهما وهذان السيدان زاهدان عابدان ورعان وكان رضي الدين علي صاحب كرامات حكى لي بعضها وروى لي والدي رحمه الله البعض الآخر(١).

وقال عنه الحر العاملي:

حاله في العلم والفضل والزهد والعبادة والثقة والفقه والجلالة والركوع أشهر من أن يذكر وكان أيضا شاعرا أدبيا منشئا بليغا له مصنفات كثيرة...

وعد قسما منها(٢).

وجاء في نقد الرجال ص ٢٤٤:

من أجلاء هذه الطائفة وثقاتها جليل القدر، عظيم المنزلة، كثير الحفظ نقي الكلام، حاله في العبادة والزهد أظهر من أن يذكر له كتب حسنة رضي الله عنه.

ولد السيد رضي الدين علي يوم الخميس منتصف شهر محرم الحرام سنة ٥٨٩ هـ بالحلة المزيدية(٣)وبها نشأ ودرس وتعلم وكان ذا ذهن وقاد وحافظة قوية بحيث كان من ابتداء أمره قد برع في الدروس التي أخذها وقد بز أقرانه وفاق أخدانه وهو بعد في ريعان الشباب ومقتبل العمر. ويحدثنا هو بنفسه عن ذلك فيقول:

أول ما نشأت بين جدي ورام ووالدي... وتعلمت الخط والعربية.

وقرأت في علم الشريعة المحمدية... وقرأت كتبا في أصول الدين واشتغلت

(١) بحار الأنوار: ١٠٧ / ٦٤.

(٢) أمل الآمل: ٢ / ٢٠٥.

(٣) لؤلؤة البحرين: ٢٤١.

١٤

بعلم الفقه وقد سبقني جماعة إلى التعليم بعدة سنين فحفظت في نحو سنة ما كان عندهم وفضلت عليهم.. وابتدأت بحفظ الجمل والعقود... وكان الذين سبقوني ما لأحدهم إلا الكتاب الذي يشتغل فيه وكان لي عدة كتب في الفقه من كتب جدي ورام، انتقلت إلي من والدتي رضي الله عنها بأسباب شرعية في حياتها فصرت أطالع بالليل كل شئ يقرأ فيه الجماعة الذين تقدموني بالسنين وأظن كل ما قاله مصنف عندي وأعرف ما بينهم من الخلاف على عادة المصنفين وإذا حضرت مع التلامذة بالنهار أعرف ما لا يعرفون وأناظرهم.... وفرغت من الجمل والعقود.. وقرأت النهاية فلما فرغت من الجزء الأول منها استظهرت على العلم بالفقه حتى كتب شيخي محمد بن نما خطه لي على الجزء الأول وهو عندي الآن... فقرأت الجزء الثاني من النهاية أيضا ومن كتاب المبسوط وقد استغنيت عن القراءة بالكلية.. وقرأت بعد ذلك كتبا لجماعة بغير شرح، بل للرواية المرضية... وسمعت ما يطول ذكر تفصيله(١).

وقد كان رضي الدين علي ورعا تقيا كثير الاحتياط، يقف عند أدنى شبهة حتى أنه ترك الفتيا وتحرج عنها بل تعدى ذلك إلى أنه لم يصنف كتابا في الفقه. قال هو بنفسه في ذلك:

طلبني الخليفة المستنصر - جزاه الله عنا خير الجزاء - للفتوى، على عادة الخلفاء فلما وصلت إلى باب الدخول.. تضرعت إلى الله عز وجل وسألته أن يستودع مني ديني وكل ما وهبنيه، ويحفظ علي كل ما يقربني من مراضيه فحضرت فاجتهد بكل جهد بلغ توصله إليه أنني أدخل في فتواهم فقواني الله جل جلاله على مخالفتهم والتهوين بنفسي(٢).

(١) كشف المحجة: ١٠٩ / ١٢٩ / ١٣٠.

(٢) كشف المحجة: ١١١.

١٥

وقال أيضا عند ذكره لمؤلفاته وكتبه:

واعلم أنه إنما اقتصرت على تأليف كتاب غياث سلطان الورى لسكان الثرى من كتب الفقه في قضاء الصلوات عن الأموات وما صنفت غير ذلك من الفقه وتقرير المسائل والجوابات، لأني كنت قد رأيت مصلحتي ومعاذي في دنياي وآخرتي في التفرغ عن الفتوى في الأحكام الشرعية لأجل ما وجدت من الاختلاف في الرواية بين فقهاء أصحابنا في التكاليف الفعلية وسمعت كلام الله جل جلاله يقول عن أعز موجود عليه من الخلائق عليه محمد (ص):

(ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين) فلو صنفت كتابا في الفقه يعمل بعدي عليها كان ذلك نقضا لتورعي عن الفتوى ودخولا تحت حظر الآية المشار إليها لأنه جل جلاله إذا كان هذا تهديده للرسول العزيز الأعلم لو تقول عليه فكيف يكون حالي إذا تقولت عليه جل جلاله وأفتيت أو صنفت خطأ أو غلطا يوم حضوري بين يديه(١).

انتقل المترجم له إلى بغداد وهو في ريعان شبابه وبقي فيها نحوا من خمس عشرة سنة(٢).

وفي بغداد اتصل بالمستنصر العباسي وكان عنده من المقربين والمحترمين وقد أنعم عليه الخليفة بدار يسكن فيها وتقع بالجانب الشرقي عند المأمونية في الدرب المعروف بدرب الجوبة(٣).

وهناك توثقت صلاته بالوزير ابن العلقمي وأخيه وولده صاحب المخزن

(١) بحار الأنوار: ١٠٧ / ٤٢.

(٢) بحار الأنوار: ١٠٧ / ٢٠٨.

(٣) سعد السعود: ٢٣٣.

١٦

وكذلك بالوزير القمي وولده(١).

وهنا عرض عليه الخليفة أمر الفتوى فأبى ورفض ذلك كما أشار هو إلى ذلك كما مر سلفا كما عرض عليه أمر نقابة الطالبيين ففرض أيضا وهو يحدثنا عن ذلك بنفسه:

(ثم عاد الخليفة ودعاني إلى نقابة جميع الطالبيين على يد الوزير القمي وعلى يد غيره من أكابر دولتهم وبقي على مطالبتي بذلك عدة سنين، فاعتذرت بأعذار كثيرة، فقال الوزير القمي: ادخل واعمل فيها برضا الله، فقلت له: فلأي حال لا تعمل أنت في وزارتك برضا الله تعالى، والدولة أحوج إليك منها إلي، ثم عاد يتهددني، وما زال الله جل جلاله يقويني عليهم حتى أيدني وأسعدني)(٢).

(وعاد المستنصر... وتحيل معي بكل طريق وقيل لي: إما أن تقول أن الرضي والمرتضى كانا ظالمين أو تعذرهما فتدخل في مثل ما دخلا فيه فقلت: إن أولئك كان زمانهم زمان بني بويه... وهم مشغولون بالخلفاء والخلفاء بهم مشغولون، فتم للرضي والمرتضى ما أرادوا من رضى الله)(٣).

وبقي على رفضه حتى عاد بعد ذلك كله إلى الحلة وبقي فيها مدة من الزمن ثم انتقل منها إلى النجف الأشرف فبقي فيها ثلاث سنين(٤)ثم انتقل إلى كربلاء وبقي فيها مدة غير معلومة ثم عاد إلى بغداد سنة ٦٥٢ هـ وبقي فيها إلى حين احتلال بغداد من قبل المغول.

وهو يحدثنا عن ذلك:

(١) كشف المحجة: ١١٢ و ١١٣.

(٢) كشف المحجة: ١١٢.

(٣) كشف المحجة: ١١٢.

(٤) المصدر السابق: ١١٨.

١٧

(تم احتلال بغداد من قبل التتر في يوم الاثنين ١٨ محرم سنة ٦٥٦ وبتنا في ليلة هائلة من المخاوف الدنيوية فسلمنا الله جل جلاله من تلك الأهوال)(١).

وجاء في مجموعة الشهيد رحمه الله تعالى:

تولى السيد رضي الدين أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن محمد الطاووس العلوي الحسني صاحب المقامات والكرامات والمصنفات نقابة العلويين من قبل هلاكو خان وذكر أنه كان قد عرضت عليه في زمان المستنصر العباسي فأبي وكان بينه وبين الوزير مؤيد الدين محمد بن أحمد بن العلقمي وبين أخيه وولده عز الدين أبي الفضل محمد بن محمد صاحب المخزن صداقة متأكدة أقام ببغداد نحوا من خمس عشرة سنة ثم رجع إلى الحلة ثم سكن المشهد الشريف برهة ثم عاد في دولة المغول إلى بغداد ولم يزل على قدم في الطاعات والتنزه عن الدنيات إلى أن توفي بكرة الاثنين خامس ذي القعدة سنة ٦٦٤ وكان مولده يوم الخميس منتصف المحرم سنة ٥٨٩ وكان مدة ولاية النقابة ثلاث سنين وأحد عشر شهرا)(٢).

وأما توليه نقابة الطالبيين من قبل هلاكو فقد ذكر ذلك ابن الطقطقي فقال:

لما فتح السلطان هلاكو بغداد في سنة ٦٥٦ هـ أمر أن يستفتي العلماء أيما أفضل: السلطان الكافر العادل أو السلطان المسلم الجائر؟ ثم جمع العلماء بالمستنصرية لذلك فلما وقفوا على الفتيا أحجموا عن الجواب وكان رضي الدين علي ابن طاووس حاضرا هذا المجلس وكان مقدما محترما فلما رأى إحجامهم تناول الفتيا ووضع خطه فيها بتفضيل العادل الكافر على المسلم

(١) الإقبال: ٥٨٦.

(٢) بحار الأنوار: ١٠٧ / ٤٤.

١٨
١٩

بالفرات ولم تطل أيامه في النقابة وتوفي سنة ٦٥٦. انظر القصة في كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين المبحث الثالث للعلامة الحلي والحوادث الجامعة لابن الفوطي: ٣٣٠ توفي المترجم له كما مر في بكرة الاثنين خامس ذي القعدة سنة ٦٦٤ هـ واختلف المترجمون في موضع قبره فقيل إنه في آخر بساتين (الجامعين) بالحلة مشهد يعرف بقبر السيد علي ابن طاووس يزوره الناس وقيل أنه دفن بالكاظمية وقال ابن الفوطي في حوادثه ص ٣٣٠ إنه حمل إلى مشهد جده علي (ع) فيجوز أنه نقل بعد دفنه من الحلة إلى النجف الأشرف والأثر الموجود هو موضع تربته وإذا تحقق هذا فالقبر الموجود في الحلة هو قبر ولده أبي القاسم رضي الدين علي بن طاووس فإن اسمه وكنيته كاسم أبيه وكنيته وكان يلقب بلقبه في حياته(١).

وقد أرخ وفاته العلامة السيد مهدي بحر العلوم بقوله:

فقيه أهل البيت ذو الشمائلهو ابن طاووس أبو الفضائل
هو ابن موسى شيخ ابن داودفي باخع مضى إلى الخلود(٢)

وقد ذكر المترجمون له أنه كان شاعرا ولم يعثر على شعر له سوى أبيات هي منسوبة له وربما كان قد أنشدها وهي:

خبت نار العلى بعد اشتعالونادى الخير حي على الزوال
عد منا الجود إلا في الأمانيوإلا في الدفاتر والأمالي
فيا ليت الدفاتر كن قومافأثرى الناس من كرم الخصال
ولو أني جعلت أمير جيشلما حاربت إلا بالسؤال
لأن الناس ينهزمون منهوقد ثبتوا لأطراف العوالي(٣)

(١) البابليات: ١ / ٦٦.

(٢) عن موارد الإتحاف: ١ / ١١٠.

(٣) غاية الاختصار عنه موارد الإتحاف: ١ / ١٠٨.

٢٠