×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

تاريخ التّشيّع الفكري والسّياسي / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٥ فارغة
كتاب تاريخ التشيّع الفكري والسياسي للسّيّد صدر الدين القبانچي (ص ١ - ص ٢٣)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

تمهيــد


١ ـ التشيّع في مفهومه الصحيح.

٢ ـ نشأة التشيّع.

٣ ـ عصر الرسول (ص) دور وضع النظريّة.

٦
٧

(١)
التشيّع في مفهومه الصحيح


يمكن اعطاء المفهوم الصحيح للتشيّع بالعبارة التالية:

إنّ التشيّع هو المدرسة التي تبنَّت زعامة أهل البيت (ع) فكرياً وسياسياً، ومن زاوية تأريخية هو الحركة التي ناضلت من أجل هذه الزعامة بوصفها القيادة الإسلامية الصادقة والمستوعبة، وبوصف اهل البيت (ع) الممثّلون الحقيقيون للإسلام.

فقد افترق المسلمون بعد عصر الرسول (ص) إلى اتجاهين:

الاتجاه الموالي فكرياً وسياسياً لأهل البيت (ع);

والاتجاه الذي لا يحمل هذا الولاء، ولا يعترف بالقيمومة المطلقة لمدرسة أهل البيت، وقد أخذت أصول هذا الاتجاه الثاني تتكامل بالتدريج، حتّى كان القرن الثاني فتكاملت أصوله، ومثلَّث مدرسة متكاملة يمكن أن نعطيها ـ من حيث جوهر افتراقها عن مدرسة أهل البيت ـ عنوان مدرسة الصحابة.

والتشيع هو الذي يمثل الاتجاه الأول سواء في مجال الفكر أو السياسة، فالائمة من أهل البيت (ع) هم القيّمون على الرسالة وعلى مسيرتها.

٨
غير أن هناك تصوراً شائعاً يقول: إنّ التشيّع ذو منطلق سياسي خالص.

والتشيع في بدايته التأريخية رأى في مسألة سياسية محضة يتلخص بالأيمان بأحقية علي بن أبي طالب (ع) بالحكم.

فهو إذن سياسي النشأة، ومن هنا تعتبر كل المواقف والتصورات الفكرية التي احتواها التشيع فيما بعد دخائل واعراض على جوهر التشيع، التشيع ـ في منطق هذا القول ـ لا يمثل مدرسة فكرية أصيلة، وإنّما الظروف والأحداث، وطبيعة الوضع السياسي هي التي أملت على العقلية الشيعية من الأفكار والتصورات ما يناسب تلك المرحلة، ويتلائم مع طبيعة الوضع السياسي، وبتراكم هذه التصورات، وضَمّ بعضها إلى بعض، استطاع التشيع أن يكوّن له استقلالية فكريّة.

انّ مفهوم العصمة، ومفهوم التقية، ومفهوم الغَيبة، ومفاهيم أخرى التزم بها الشيعة لم تكن الاّ ردود افعال تعكس صورة الظروف الحرجة والرهيبة التي عاشها الشيعة وجملة منها افكار مستوردة من اتجاهات اُخرى غير اسلامية!! وهذا المجموع الخليط هو الذي كوّن التشيع في جانبه الاعتقادي الفكري. أما بالأساس فليس التشيع سوى موقف سياسي وإنّما " تكوّنت هذه العقائد في ظل إظطهاد سياسي وفكري "(١).

وما يهمنا في هذا التصور سؤالان:

أولا: هل صحيح ان التشيّع سياسي النشأة؟

ثانياً: وهل صحيح ان التأخر الزمني لظهور جملة من الأفكار والتصورات دليل على عدم اصالة المذهب، وعلى عدم وجود وحدة مدرسيّة متكاملة ومتناسقة مع أصولها لديه!

١- نظرية الامامة، احمد محمود صبحي: ٥٠٣.

٩
فقد لوحظ من ناحية ان البداية التأريخية للتشيع كانت ذات صلة بالجانب السياسي كما لوحظ من ناحية اخرى ان مجموع التصورات والمعتقدات الشيعية ظهرت في فترة متأخرة. ولعله إلى نهاية القرن الأول للهجرة لم يكن التشيع يمثّل مدرسة فكرية متميّزة، ولم يكن أكثر من حركة سياسية!

التشيّع إتجاه فكري وسياسي:

الحقيقة أن التشيع لم يكن ـ حتّى في بدايته التأريخية ـ اتجاهاً سياسياً بمقدار ما هو اتجاه فكري في فهم الإسلام عموماً.

والتشيع في نهايته كما هو في بدايته، وفي حاضره كما هو في ماضيه، يعني الولاء الفكري والسياسي لأهل البيت، والايمان بزعامتهم في المجالين.

ومنذ ظهر التشيع كان يحمل هذا المحتوى وهذا المدلول.

ورغم انّ الجانب السياسي فيه كان هو البارز في الأعصار الأولى للتشيع من الامام علي (ع) ـ وحتّى الامام الحسين (ع) الاّ ان ذلك لا يدلل على ان التشيع لا يتجاوز القضية السياسية، ولا يحمل اصول المدرسة الفكرية.

انّ طبيعة المشكلة التي كان يعانيها الشيعة يومذاك هي التي أدت إلى هذه الظاهرة: ظاهرة بروز الجانب السياسي وتغطيته على الجانب الفكري فالشيعة كانا يواجهون مشكلة ابتعاد الحكم عنهم واستلاب السلطة من أيديهم، وفي رأي الشيعة تعتبر هذه القضية بالذات من أهم ما يتعين توجيه إهتمامهم إليه. ولذا فأنهم في الوقت الذي دعوا إلى الامام علي (ع) سياسياً آمنوا بزعامته وزعامة أهل البيت (ع) عموماً في المجال الفكري ودعوا إليها أيضاً.

غير ان المرحلة لمّا لم تشهد ظهور مدارس فكرية مختلفة، لم يكن هناك من المبررات ما يدعو لظهور الشيعة بشكل تكتل مدرسي مستقل.

ومن هنا كان الجانب السياسي للقضية هو البارز.

١٠
كما انّ رجال الشيعة الاقدمين أمثال أبي ذر، وسلمان، وعمّار، كانوا هم طليعة صحابة الرسول (ص) والمنقطعين إليه، وهم لذلك على مستوى كبير من اللياقة والكفاءة العلمية مما يساعد على ظهور الارتباط السياسي اكثر من ظهور الارتباط العلمي بالامام علي (ع).

ورغم كل ذلك يبدو للملاحظ تأريخياً وجود صلات علمية خاصة بين علي (ع) وشيعته، كما يلاحظ وجود وحدة فكرية متميّزة لرجال الشيعة.

الحركة التكاملية في المذهب الشيعي:

وأما بصدد السؤال الثاني عن التأخر الزمني لظهور بعض الأفكار في المذهب الشيعي ففي البداية لابدّ من التفرقة بين ظاهرتين:

ظاهرة تمذهب الحركة.

وظاهرة تكامل المذهب.

في الظاهرة الاولى نفترض انّا نواجه حركة سياسية وذات أهداف وأصول لا تتجاوز الأفق السياسي، لكن هذه الحركة وفي ظل ظروف معيّنة تتضخم وتنمو على مرّ التأريخ. مستعيرة افكار وتصورات غيرها، ومتجاوزة لأفقها السياسي، وتشكّل من خلال مجموع تلك الاستعارات والاضافات مذهباً في الفكر والسياسة والقانون والاجتماع...

وهنا تنقلب الحركة السياسية إلى مذهب شمولي مستوعب.

وقد شهد التأريخ نماذج من هذه الحركات، وقد تكون حركة الخوارج خير مثال لهذه الظاهرة فلم تكن حركة الخوارج في بدايتها اكثر من حركة سياسية تنادي بالخروج على الامام علي (ع).

غير أن هذه الحركة بدأت بالتدريج ترسم تفسها ضمن صيغ فكرية، والتزامات فقهية، ميزتها عن سائر المدارس المعاصرة.

١١
فالحركة السياسية تمذهبت، بينما هي في الأصل سياسية خالصة. أما في الظاهرة الثانية فنفترض أنّا نواجه منذ البداية مذهباً يعتمد اصولا معينة تميّزه عن غيره، وعبر التأريخ وحسب الحاجات، تتوالد الأصول، وتجيب على كلّ الأسئلة المطروحة، وتملأ كافة الجوانب وهنا سوف يتسع المذهب فكرياً بالطبع وحول كل سؤال سيكون جواباً، وفي كل مسألة له رأى، الاّ انّه ليس شيءٌ من الاجابات والآراء مستورداً ومستعاراً. وإنّما متولداً عن الاصول الفكرية للمذهب ومنسجماً معها.

إذن فالمذهب هنا يتكامل، ويتشعّب ويبني اطاره التفصيلي تدريجياً. والحقيقة انّ هذه ظاهرة طبيعية وحتمية لكل مذهب.

والتدرّج هنا في الأفكار والتصوّرات والاجابات على الاسئلة المطروحة في كل مرحلة، هذا التدرّج لا يخلّ بوحدة المذهب، واعتباره مدرسة فكرية متناسقة ومتماسكة.

وعلى هذا الضوء يجب أن ندرس التشيع.

فهل هو حركة سياسيّة تمذهبت؟

أو أنه مذهب تكامل حسب حاجات كل مرحلة مرحلة من تأريخه، كما هو ظاهرة طبيعية وحتمية لكل مذهب، حتّى الإسلام نفسه؟

الشيء الذي يصح هو ذاك...

فمنذ كان التشيع، ومنذ ولد، كان يحمل اصوله الفكرية المتميّزة.

فهو يعتمد على قاعدة واحدة ميّزته عن سائر المذاهب، وهي امامة أهل البيت (ع)، واعتبارهم المصدر الأكمل والأتم في أخذ معالم الشريعة وتصوراتها، ومن هذه القاعدة تفرعت كل التفاصيل التي احتواها المذهب الشيعي فيما بعد.

ومعنى ذلك ان المحتوى التفصيلي للمذهب لم يكن مجموعة استعارات وزوائد وردود أفعال نفسية، غير منسّقة في وحدة مذهبية متكاملة، بل الحقيقة ان

١٢
المحتوى التفصيلي للمذهب إنّما هو امتدادات وتفريعات عن القاعدة الأساس وهي امامة أهل البيت (ع).

فليس التشيع إذن اتجاهاً سياسياً فحسب.

كما ليس حركة سياسية تمذهبت تأريخياً.

وإنّما هو مذهب متكامل ذو اطروحة متميّزة في فهم الإسلام، وهكذا كان منذ بدايته التأريخية وحتّى المرحلة المعاصرة.

الإمامة والوراثة:

ولكن ما معنى إمامة أهل البيت خاصة؟

وإذا كان الشيعة يؤمنون بطريقة (النص) فلماذا كان النص محصوراً في دائرة أهل البيت (ع) لا يتجاوزهم؟

إنّ بعض الباحثين حاول أن يفهم ذلك على أساس أنه التزام بقانون الوراثة في الحكم، فالامامة تنتقل من الأب إلى الابن على أساس التوارث، غير انّ الحقيقة شيء آخر.

فالنظرية الشيعية في الامامة لا تعترف بقانون الوراثة بعيداً عن ملاكات الامامة، وهي حينما تقرر امامة أهل البيت النبوي خاصة لا تأخذ بنظر الاعتبار الترابط النسبي بينهم وبين الرسول (ص) من دون أي تقييم موضوعي لأشخاص هؤلاء، وان من الخطأ أن نفسّر النظرية الشيعية بهذه الطريقة.

انّ الامامة في الفهوم الشيعي قائمة على أساس الكفاءة، والقابلية سواء في استيعاب الرسالة أو درجة الاخلاص لها أو مستوى التفاعل والاندماج معها.

وعلى اساس هذا التقييم الموضوعي تسلسلت الامامة في البيت النبوي وكان النص لا يتجاوز هذه الدائرة.

حينما اعلن الرسول (ص) عن استخلاف علي بعده، لم يكن ينظر للترابط

١٣
النسبي أو المصاهرة بينه وبين علي (ع).

لم يكن ينظر لسوى القابليات والمؤهلات التي اجتمعت في الامام علي (ع) ورشحته لقيادة التجربة الإسلاميّة بعد الرسول (ص).

لم يقل أن علياً صهري، أو ابن عمّي، إنّما كان يشيد بالعظمة، والاخلاص والاستيعاب، وسائر المؤهلات في علي (ع).

انّ علياً مع الحق والحق مع علي.

وانه الايمان كلّه.

وانه يقاتل على التأويل كما يقاتل على التنزيل.

وانه باب مدينة علم الرسول (ص).

إلى آخر ما شهدت به النصوص النبوية.

انّ علياً هو الرجل الوحيد بعد النبي (ص) الذي لم يتدنَّس بالشرك واخلاقيات الشرك، وهو الرجل الوحيد الذي لم تخالط نفسه نزعة من نزعات الجاهلية، وهو الوحيد الذي كان له من رسول الله (ص) مجلس في الليل ومجلس في النهار، يجيبه إذا سأل، ويبتدؤه إذا نفدت مسائله، ومن هنا كان علي بشهادة الجميع أقضى الناس، وأفقه الناس، وأعلمهم بالقرآن والسنّة.

وحينما استخلف الرسول (ص) عترته جميعاً كان يؤكد نفس المفهوم أيضاً، فقد اوضح للأمة انّ المعيار هو درجة العلاقة مع الرسالة، مع القرآن، ليس شيئاً آخر كان يقول:

" انّي تاركٌ فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض " الترابط مع القرآن، والترابط الدائم مع الرسالة، هو الذي رشح اشخاص الائمة من أهل البيت للامامة.

وقد كان الوحي ينزل " إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت

١٤
ويطهركم تطهيراً ".

ولو تجاوزنا هذه النصوص، والشهادات، وانتقلنا إلى تراجم الائمة من أهل البيت فماذا نجد؟

كانوا اكثر الناس اخلاصاً للرسالة، وفهماً لها واستعداداً للتضحية من أجلها، ومن هنا كانوا ائمة وقادة، وحدهم لا سواهم.

لأن قيادة الرسالة تحتاج إلى قمة في الوعي، والاخلاص، والطهارة.

وهذه القمميّة لا يبلغها من عاش الانحراف، وتأثّر بمفاهيمه وأطره وقيمه، ولا يبلغهامن أخذ الرسالة من أفواه الناس وآراء الناس ومن غير مصدرها الحقيقي.

ونحن نعلم ان الأمةَ بعد الرسول (ص) شهدت الواناً من الانحراف، في فهم القيم الدينية واستيعابها أو في فهم التشريع الإسلامي عموماً ومثل هذا الوضع لا يمكنه ان ينتج احسن منه، ويخلق رجالا اكثر استيعاباً وفهماً واخلاصاً للرسالة، وهم لم يفهموا الرسالة الاّ عن طريق الانحراف ومن هنا اتجهت العناية النبوية لخلق القيادات الكفوءة والنّقية والمملوءة علماً واخلاصاً وتضحية في داخل البيت النبوي، في بيت الامام علي (ع) حيث مصدر العلم الحقيقي والشامل.

وحيث التجسيد والاستيعاب التام لقيم الرسالة.

وحيث البعد عن الانحراف وانعكاسات الانحراف.

وهكذا تسلسلت الامامة إلى الحسن والحسين (عليهما السلام). ثم إلى بقية الأئمة الاثني عشر إعتماداً على خاصية الاستيعاب للرسالة، لا على اساس التوارث، ومن يعرف الائمة من أهل البيت يعرف حقيقة ما نقول.

فهناك الغزارة في العلم أقصى ما تكون الغزارة، حتّى ليجلس العلماء عندهم صغاراً. وفي ذات الوقت لا تجد أن أحداً من هؤلاء الائمة أخذ العلم عن أحد سوى البيت النبوي.

١٥
وهناك الغزارة في هضم الرسالة وتجسيدها، والالتحام معها حتّى لا تجد لهم هفوة، أو انحراف عن خط الرسالة في لحظة من لحظات حياتهم.

وهناك التضحية والفداء، والتفاني المطلق في سبيل مصلحة الرسالة كما ان هناك أقصى درجات الوعي لأساليب العمل.

ومن ذاك كانوا أئمة باعتراف جميع المسلمين.


(٢)
نشأة التشيع


متى نشأ التشيع؟

هل في عصر الرسول (ص)؟

أم في عصر الصحابة؟

أم في عصور متأخرة عن ذلك؟

والتشيع الذي نبحث عن نشأته ليس هو الدعوة لـ (علي) والانتماء له سياسياً، فقد وجد ذلك بعد عصر الرسول (ص) مباشرة إنما التشيّع هو (الايمان بالنص).

هو الايمان بأن الرسول (ص) نص على إمامة علي واهل البيت عموماً، الامامة في المجال السياسي والمجال الفكري العلمي.

١٦
هذا هو التشيع. فالسؤال إذن يجب ان يطرح بهذه الصياغة: متى انبثقت فكرة النص؟ ومتى ظهر الالتزام بها؟

والذين دعوا لعلي (ع) من الصحابة، أمثال أبي ذر، وسلمان وعمار والمقداد هؤلاء هل كانوا يؤمنون بالنص، وينطلقون من هذه النظرية؟ أم انهم آمنوا بعلي لمؤهلاته المتميزة النادرة، لسبقه في الإسلام وقربه من الرسول وحجم استيعابه للرسالة. فهناك قضية فرغ عنها الباحثون وهي: ان اتجاهاً عميقاً وعريقاً ظهر بعد وفاة الرسول (ص) ينتمي إلى علي، ويدعو لأمامته، وكان ممثلوا هذا الاتجاه من خيار الصحابة وكبارهم، وقد ناهضو في البداية حكم ابي بكر، وامتنعوا عن البيعة له. غير ان هذا السؤال هو: هل كان هذا الاتجاه يؤمن بفكرة النص، ليعتبر هو البداية التأريخية للتشيع؟ هناك من يذهب ـ بالطبع ـ إلى ان فكرة النص لم تكن معروفة لدى جيل الصحابة، وإنّما هي فكرة اصطنعها شيعة علي في مرحلة متأخرة وفي ظل ظروف سياسية وفكرية معيّنة.

في البداية لم تكن فكرة النص.

لم يكن سوى اشخاص دعوا لعلي على أساس قابلياته الشخصية، وقربه من الرسول (ص) وسبقه إلى الإسلام.

واستمرت الحركة لعشرات السنين، وهي لا تتجاوز هذا الأفق غير ان الشيعة من أجل تحصين حركتهم واسباغها طابع الشرعية، اصطنعوا فكرة النص، وتذرعوا بها. بينما لم يكن لهذه الفكرة اي اساس من قبل، وفي ضوء هذا التصور يفقد التشيع شرعيته وحقانيته، لانه لا نص من الرسول ولا استخلاف، إنّما هي مزاعم صنعها رجال متأخرون. هذا الرأي يذهب إليه باحثون من أهل السّنة.

أما الشيعة فأنهم يؤكدون باصرار ممثال ان الدعوة لعلي منذ ان بدأت كانت تؤمن بالنص، وتعتمد عليه وان الصحابة الذين التزموا جانب علي بعد الرسول (ص) هم الروّاد الأوائل للتشيع.

١٧
ومنذ كانت الحركة كان الايمان بالنص.

فهي فكرة ليست مستحدثة، أو مصطنعة، أو دخيلة على أصل الحركة. وعلى ذلك يصح القول إنّ البداية التأريخية للتشيع بوصفه مذهباً ونظرية كانت في عصر الرسول (ص)، وتحوّل إلى ممارسة سياسية في عصر الصحابة كما اصطلح عليه أو عصر ما بعد الرسول مباشرة.

والرأي الأول مسؤول عن تحديد الفترة التي ظهرت فيها فكرة النص. والباحثون من اهل السنة لا يتفقون على تحديد معيّن فبينما يرى بعضهم انّ هذه الفكرة ظهرت أيام فتنة عثمان وعلى يد عبد الله بن سبأ، يرى آخرون أنها ظهرت بعد التحكيم وبعد حركة الخوارج، وبينما يرى قسمٌ ثالث ان التشيع بشكله الأخير نشأ بعد مقتل الحسين (ع).

وعلى اي حال فهذه آراء سنستعرضها فيما بعد ان شاء الله، ونعرف مداها من الصحة.

كما انّ هذه الآراء ستبقى بلا اساس موضوعي إذا اكتشفنا وجود فكرة النص لدى جيل الصحابة أنفسهم والتزم بها المنتصرون لعلي منهم، فانه يصبح بلا معنى أن نبحث عن فترة متأخرة نحدّد ظهور فكرة النص فيها.

وعادة يمكن الاستدلال على هذه الحقيقة بما تحويه كتب التأريخ والحديث من نصوص الرسول (ص) في امامة علي (ع) واهل البيت عموماً. فأن ذلك شاهد على ان فكرة النص ليست مختَلَقَة، ومتأخرة الحدوث. وقد تكلفت الكتب المذهبية هذا الجانب بالذات فاستعرضت النصوص المدوَّنة في كتب التأريخ والحديث لأهل السّنة أنفسهم، وحاسبتها في سندها وفي دلالتها فكانت من ناحية السند متواترة وقطعية ومن ناحية دلالتها واضحة.

غير انا هنا نريد أن نعتمد طريقة البحث التأريخي.

فما هو الدليل التأريخي على وجود فكرة النص لدى جيل الصحابة وخاصة

١٨
من دعا منهم لعلي وانتصر له؟

أنا اعتقد انّ دراسة الحركة الشيعية الداعية لعلي بعد الرسول (ص) هي التي تقدّم لنا هذا الدليل، وتؤكد لنا بكل وضوح ان الحركة كانت مؤمنة بالنص ومنطلقة من هذا الأساس.

سندرس هنا:

أ ـ منطق الحركة.

ب ـ طبيعة الحركة.

ونرى من خلال هذه الدراسة وجود فكرة النص لدى جيل الصحابة.

أ ـ منطق الحركة:

ما هو منطق الحركة؟

وماذا يقول الدعاة للامام علي (ع)؟

والإمام علي (ع) بالخصوص حينما كان يرشح نفسه للحكم ماذا كان يقول؟ وأي مفهوم كان يعطي لهذا الترشيح؟ هل ذكرت هنا فكرة النص والاستخلاف؟

وهل ذكرت فكرة الاختيار الإلهي الذي يؤمن به الشيعة في امامة علي واهل البيت؟

الحقيقة ان هناك تصحريحات عديدة لرجال الحركة تضمنت فكرة النص، والاختيار الإلهي، مما لا يدع اي مجال للشك في ان الدعوة لعلي لم تكن رأياً شخصياً رآه بعض الصحابة، وإنّما الرسول (ص) هو الذي استخلف علياً واهل البيت (ع).

انظروا...

ذات مرّة تحاور (ابن عباس) ـ وهو الناطق باسم الشيعة يوم ذاك ـ مع الخليفة الثاني، وتذاكروا موضوع الخلافة.

١٩
قال عمر: ان قريشاً اختارت لأنفسها فاصابت ووفقت.

فأجاب (ابن عباس): لو أن قريشاً اختارت لأنفسها حيث اختار الله عزّ وجلّ لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود...(١).

ولأبي ذر موقف مماثل، فقد كان يقول:

" أيتها الأمة المتحيّرة بعد نبيّها أما لو قدَّمتم من قدّم الله، وأخَّرتم من أخَّر الله، وأقررتم الولاية والوراثةَ في اهل بيت نبيكم لأكلتم من فوق رؤوسكم ومن تحت أقدامكم ".

ما معنى الاختيار الالهي الذي أشار له ابن عباس؟

وما معنى التقديم الالهي الذي ذكره ابوذر إذا كانت دعوتهم رأياً شخصياً؟

إنّ الاختيار الالهي هو الذي نطق عنه الرسول (ص) حينما استخلف علياً وهو الذي كان يقصده الشيعة. وكان سلمان الفارسي يقول:

" بايعنا رسول الله على النصح للمسلمين، والائتمام بعلي بن أبي طالب والموالاة له "(٢).

وكان ابو سعيد الخدري يقول: " أمر الناس بخمس فعملوا بأربع وتركوا واحدة. ولما سئل عن الأربع، قال: الصلاة والزكاة والصوم والحج. فقيل: فما الواحدة التي تركوها؟ قال: ولاية علي بن أبي طالب "(٣).

وهناك محاورة فيها تصريح بفكرة النص، جرت بين عمر وابن عباس.

لقد سأله عمر يوماً عن علي،

١- عبد الله بن سبأ: ٧٦.

٢- خطط الشام.

٣- بحار الانوار: ج ٤٣.

٢٠