×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

تاريخ السنة النبوية / الصفحات: ٢١ - ٤٠

فليست إذن بشاغلةٍ عن القرآن، ولا لقارئ القرآن عنها غنىً.

إذن ثمّة فرق كبير بين موقع السُـنّة من القرآن، وموقع كتب الاَحبار والرهبان من التوراة والاِنجيل!

* وممّا يثير الدهشة والاستفهام، أنّه في الوقت الذي كان يُشدّد فيه على المنع من رواية الحديث بحجّة شَـغْل القلوب بالقرآن وحده، كانت تصدر في الوقت ذاته وصايا بتعلّم الشعر والاهتمام به!

فقد كتب عمر بن الخطّاب إلى أبي موسى الاَشعري ـ عامله على البصرة ـ: «أنْ مُرْ مَنْ قِبَلَك بتعلّم العربية، فإنّها تدلُّ على صواب الكلام، ومُرْهم برواية الشعر، فإنّه يدلّ على معالي الاَخلاق»(١) .

تُرى والحديث النبويّ؛ ألا يدلّ على صواب فهم القرآن، ومعرفة الاَحكام والسنن، ومعالي الاَخلاق؟!

وأيّما أشغلُ للناس عن القرآن ومعرفته: رواية الحديث، أم رواية الشـعر؟!

ألا يثير هذا استفهاماً لا تحمل له كلّ أخبار المنع من التدوين وما قيل في تبريرها جواباً؟!

أهو مجرّد تناقض بين قولين؟! أم الاَمر كما ذهب إليه السـيّد الجلالي، حين رأى أنّ السبب الحقيقي لمنع رواية الحديث هو صدّ الناس عن أحاديث تُذكِّر بحقوق أهل البيت عليهم السلام ومنزلتهم، لِما في تذاكرها وتداولها من آثار غير خافية على الخليفة!(٢) .

(١) كنز العمال ١٠/٣٠٠ ح ٢٩٥١٠.

(٢) محمّـد رضا الحسيني الجلالي/ تدوين السُـنّة الشريفة: ٤٠٩ ـ ٤٢١.

٢١
فلنقل إذن: إنّ (مصلحة أمن الدولة) هي التي اقتضت منع رواية أحاديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وليس شيئاً آخر تعود فيه التهمة إلى الحديث النبوي نفسه، كما في هذا العذر الذي رأى الحديث يصدّ عن القرآن!!

أو تعود فيه التُهم والطعون على القرآن الكريم نفسه! كما في العذر الآخر، الآتي:

اختلاط السُـنّة بالقرآن:

هو ثاني أهمّ الحجج التي فُسّر بها المنع عن تدوين السُـنّة(١) .

فإذا كان في الصحابة من يقع في مثل هذا الوهم، كالذي حصل في دعاء الخَلع، ودعاء الحفد، وسُـنّة الرجم، وعدد الرضعات، وغيرها(٢) .

فإنّ هذا كلّه قد حسمه جمع القرآن في المصحف المرتّب، وقد حصل هذا مبكّراً جدّاً بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فلم يبق بعد ذلك أدنى قيمة لوهم يحصل من هذا النوع، فهذه الاَوهام المنقولة في الصحاح والسنن عن بعض الصحابة، لم تؤثّر شيئاً، ولا زادت في القرآن ولا نقصت منه.

أمّا إذا حصل الوهم والخلط بعد جيل الصحابة، فهو أَوْلى أن يهمل ولا يُعتنى به.

إنّ التمسّك بمثل هذه الشبهة يوقع أصحابه بأكثر من تناقض:

(١) انظر: تقييد العلم: ٥٦، أُصول الحديث: ١٥٩.

(٢) انظر: الاِتقان في علوم القرآن ١/١٨٤ ـ ١٨٥، صحيح البخاري/ كتاب المحاربين ـ باب رجم الحبلى من الزنى ح ٦٤٤٢.

٢٢
* فمرّة يناقضون ما سلّموا به من انتهاء جمع القرآن في مصحف على أتمّ صورة، وعلى شرط التواتر..!

* ومرّة يناقضون ما سلّموا به من إعجاز القرآن، وأنّ الحديث النبوي ليس معجزاً، بل ولا الحديث القدسي معجز!

* ومّرة يناقضون ما احتجّوا به لسلامة القرآن من أدنى تغيير أو تحريف، من قوله تعالى: (إنّا نحن نزلنا الذِكر وإنّا له لحافظون) فكيف يخشون اختلاط الحديث بالقرآن؟! وقد نزلت هذه الآية قبل هذا العهد تقول لهم: اكتبوا أحاديث نبيّكم، واكتبوا العلم ولا تخشوا اختلاط ذلك بالقرآن، لاَنّا (نحن نزّلنا الذِكر وإنّا له لحافظون) .

ومهما كان فلا تنجو هذه الحجّة من أن تمسّ سلامة القرآن الكريم، وهذا ما لا يريده أصحابها بحال، ولكن أوقعهم به من حيث لا يشعرون دفاعهم عن هذه السيرة وما رأوه من لزوم تبريرها، والحقّ أنّه ليس شيء من ذلك بلازم، فما كلّ رأي يتّخذه صحابيّ يلزمنا تبريره والدفاع عنه، ولا كلّ قرار يتّخذه الخليفة كذلك!

خلاصـة ونتـائج:

من هذه القراءة السريعة لتاريخ السُـنّة في ربع قرن تحصّل أنّ السُـنّة في هذا العهد كانت تواجه معركة حقيقة متّصلة الحلقات:

* فالرجوع إليها في الفُتيا قد صدر فيه المنع مبكّراً.

* والتحدّث بها ونشرها لمن لم يسمعها صدر فيه أكثر من قرار بالمنع.

٢٣
* ومَن عُني بالحديث ونشره صدر بحقّه قرار الحبس في المدينة مع الاِنذار والتهديد.

* وما كُتب منها تعرّض للإحراق والاِتلاف، دون تمييز بين الاَحكام والفرائض، وبين الآداب والمفاهيم والعقائد، فكان الإحراق والاِتلاف يقعان على الكتاب بمجرّد العثور عليه، دون أدنى نظر فيه، كما مرّ عن عمر في ما جمعه من كتب الحديث التي كتبها بعض الصحابة.

وروي شيء من ذلك عن عبـدالله بن مسعود، في حديث عبـد الرحمن الاَسود عن أبيه، قال: جاء علقمة بكتاب من مكّة أو اليمن، صحيفة فيها أحاديث في أهل البيت، بيت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فاستأذنّا على عبـدالله فدخلنا عليه فدفعنا إليه الصحيفة، فدعا الجارية ثمّ دعا بطست فيه ماء، فقلنا له: يا أبا عبـد الرحمن، انظر، فإنّ فيها أحاديث حساناً.. فجعل يُميثُها فيها ويقول: (نحن نقصّ عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن) القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها بما سواه!!(١) .

لكن قد ثبت عن ابن مسعود أيضاً خلاف ذلك، إذ أخرج ابنه عبـد الرحمن كتاباً وحلف أنّه خطّ أبيه بيده(٢) .

فهذان موقفان متناقضان لابن مسعود من التدوين، على فرض صحّة الروايتين معاً، ويمكن تفسير هذا التناقض بوجوه، منها:

أ ـ أنّه قد عدل عن رأيه، فأجاز الكتابة، وكتب بنفسه بعد أن كان يمنع منها.

(١) تقييد العلم: ٥٤، وانظر: أُصول الحديث ١٥٥ ـ ١٥٦.

(٢) جامع بيان العلم: ٨٧ ح ٣٦٣.

٢٤
ب ـ أن يكون قد كتب لنفسه خاصّة لاَجل أن يحفظ فلا ينسى، كما كان يفعل بعضهم إذ يكتب ليحفظ ثمّ يمحو ما كتب.

ج ـ أن يكون واثقاً بحفظه وصحّة ما يكتبه، شاكّاً بضبط غيره إلى حدٍّ جعله كالمتيقّن من تسرّب الوهم والغلط إليهم، لشدّة اعتداده بضبطه، كما هو شأنه المعروف في القرآن الكريم إذ كان قد غضب غضباً شديداً على عثمان حين أسند مهمّة جمع المصحف إلى زيد بن ثابت ولم يسندها إليه، فكان يقول: لقد قرأتُ من في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبعين سورةً وزيدٌ له ذؤابة يلعب مع الغلمان!(١) .

د ـ أن يكون موقفه من تلك الصحيفة التي أماثها عائداً إلى موضوعها، فهي صحيفة جمعت أحاديث في موضوع واحد، وهو موضوع منازل وفضائل أهل البيت عليهم السلام، فأماثها لاَجل اختصاصها بهذا الموضوع، وليس لكونها صحيفة جمعت شيئاً من الحديث النبوي.

ولعلّ هذا هو أضعف الوجوه، خصوصاً حين يُنسَب إلى عبـدالله بن مسعود الذي ورد عنه حديث كثير في فضائل أهل البيت عليهم السلام، وقد أثبت في مصحفه (يا أيّها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربّك ـ أنّ عليّـاً مولى المؤمنين ـ وإنْ لم تفعل فما بلّغت رسالته)(٢) .

هـ ـ أن يكون معتقداً جواز التدوين فكتب بناءً على اعتقاده هذا، وهو في الوقت ذاته متحفّظ من نشر كتب الحديث لعلّةٍ كان يراها، وقد كشف هنا عنها بقوله: «القلوب أوعية، فاشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها بما

(١) مسند أحمد ١/٣٨٩ و ٤٠٥ و ٤١٤، سير أعلام النبلاء ١/٤٧٢.

(٢) الشوكاني/ فتح القدير ٢/٦٠.

٢٥
سـواه».

ولاَجل ذلك أتلف الكتاب الذي رآه. وهذا هو الراجح في تفسير موقفه، يدلّ عليه نفس حديث ولده عبـد الرحمن، فهو حين أخرج لهم الكتاب كان يحلف لهم أنّه بخطّ أبيه، فهذا كاشف عن أنّ الظاهر من حال أبيه والمعروف عنه هو المنع من تدوين الحديث، وهذا هو الذي ألجأه إلى القَسَـم.

ومع أيّ واحد من هذه الوجوه الخمسة فإنّ الثابت في قناعة ابن مسعود هو أنّ الاَصلّ في السُـنّة جواز التدوين، وأنّ المنع منه كان لرأي رآه وليس هو بأمر من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا بعينه هو المستفاد من موقف أبي بكر وعمر.

* ولو رضينا بكلّ ما قيل في تبرير هذه السياسة والاعتذار عنها، فهل ستجيب تلك التبريرات على بضعة أسئلة تطرحها هذه الحالة؟!

ومن هذه الاَسـئلة:

١ ـ لماذا السُـنّة؟: هل ترك النبيّ سُـنّته للإحراق والاِتلاف؟! أم تركها نوراً وتبياناً وهدىً ودستوراً؟!

٢ ـ منزلة السُـنّة: هل يحقّ للصحابة مجتمعين تطويق السُـنّة النبويّة ومحاصرتها بهذه الطريقة أو بما هو أدنى منها؟!

٣ ـ الاَمانة على السُـنّة: هل وجد الصحابة الّذين واجهوا السُـنّة بهذه الطريقة، أو الّذين تحفّظوا عن روايتها خشية الوهم، هل وجدوا أنفسهم مستأمنين على السُـنّة النبويّة وحفظها وصيانتها ونشرها وتعليمها لمن لم يعلم، وتبيلغها لمن لم يبلغه منها إلاّ القليل في عصرهم، ولمن لم

٢٦
يبلغه منها شيء من الاَجيال اللاحقة؟!

٤ ـ السُـنّة لمن؟: هل الاَجيال اللاحقة ملزمة بهذه السُـنّة النبوية بكاملها؟! أم كانت السُـنّة خاصّة بجيل الصحابة ليحتفظوا بها لاَنفسهم عن طريق التورّع عن الحديث! أو سدّاً لباب الاختلاف في الرواية! أو خشية الانشغال عن القرآن! أو خشية الهلاك كما هلك أهل الكتاب؟!

المبحث الثاني: الموقع التشريعي.

والبحث هنا لا بُدّ أن يقع في قسمين، يتناول الاَوّل مدى تتبّع السُـنّة لاَجل العمل بها والالتزام بحدودها وضوابطها، ويتناول الثاني ما كان على خلاف ذلك، ليس على مستوى التجميد والتعطيل إذ هما داخلان في الاَوّل، بل على مستوى الخرق والاستبدال بأحكام جديدة في المسائل ذاتها التي أجابت عنها السُـنّة عملاً وقولاً، ممّا يمكن إدرجه تحت عنوان «الاجتهاد في قبال النصّ».

القسم الاَوّل:

له شواهد كثيرة إيجاباً وسلباً، وقد تقدّم في المبحث الاَوّل الشيء الكافي منها، إذ هناك بلا شكّ تطبيق لكثير من السنن،والتمسك بها، والتزام بها، ورجوع إليها، وتتبّع لها، فكثيراً ما تعرض المسألة على الخلفاء فيستدعون نفراً من علماء الصحابة يسألونهم إن كانوا قد سمعوا فيها شيئاً من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيقضون به. وقد حفظت كتب السنن من أمثلة هذا الشيء الكثير، وربّما كان ما أهملته أكثر، لاَنّه إنّما يجري وفق العادة المتوخّاة والمجرى الطبيعي

٢٧
لنظم الحياة وفق المنهج الديني، ومن طبيعة التاريخ أنّه لا يُعنى كثيراً بالاَمر المألوف والمعتاد وما يجري وفق السير الطبيعي للحياة.

وفي الجانب السلبي من هذا القسم تقدّمت أيضاً شواهد مهمة، كان أبرزها قرار أبي بكر بمنع الفتيا بالسُـنّة والاكتفاء بالقرآن، وقرار عمر بمنع رواية السُـنّة وحَبس الرواة لها.

من هنا رأينا أنّ الحديث في هذا القسم قد استوفي ضمناً في المبحث الاَوّل، لنبسط القول بالقدر المناسب في القسم الثاني.

القسم الثاني: الاجتهاد في قبال النصّ.

وهذا أوّل أنواع الرأي الباطل، كما أحصاها ابن القيّم(١) ، وقال: وهذا ممّا يُعلَم بالاضطرار من دين الاِسلام فساده وبطلانه، ولا تحلّ الفتيا به ولا القضاء وإنْ وقع فيه مَن وقع بنوع تأويل وتقليد.

غير أنّ هذا النوع من الرأي قد ظهر في هذا العهد أيضاً، ظهر تحت عنوان النظر إلى المصلحة كما يقدّرها صاحب الرأي!

أيّ أنّ المجتهد هنا يرى أنّ المصلحة ـ مصلحة الدولة والاَُمّة ـ هي الاَصل، وأنّ نصوص الكتاب والسُـنّة ما جاءت إلاّ لرعاية مصالح العباد، فعندما يرى أنّ النصّ القرآني أو الحديثي يضرّ بالمصلحة، وأنّ المصلحة بتعطيله واستبداله بما يوافقها، عندئذٍ يفتي بما يراه بديلاً عن النصّ!

والمشكلة هنا تقع مرّةً في تشخيص المصلحة، ومرّةً في تقدير مدى موافقة أو مناقضة الحكم لها.

(١) أعلام الموقّعين ١/٦٧.

٢٨
ولقد كان هذا ظاهراً في فقه عمر أكثر ما يكون، وربّما ظهر منه ذلك حتّى بين يدي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ! كالذي كان يوم الخميس، قُبيل وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، والنبيّ يقول: «إيتوني أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعدي» فيصيح عمر بالحاضرين: «ما لَهُ؟! أَهَجَر؟! حسبنا كتاب الله!»! وما زال يمنع منها حتّى كثر التنازع فغضب النبيّ وأخرجهم من عنده.

فعل هذا عمر حين قدّر ما كان النبيّ يُضمِره، وقدّر أنّ ذلك سوف لا يحقّق المصلحة، وأنّ المصلحة في خلافه! هذا ما قاله هو في تفسير موقفه(١) .

إذن رأى لنفسه الحقّ في الوقوف أمام النبيّ وأَمْرِه! حين رأى أنّه كان أقدر من النبيّ على تشخيص المصلحة وإصدار الاَحكام المناسبة!

ولو جاز ذلك التصوّر، في منطق مّا، وكان الذي قدّره عمر هو الاَوفق بالمصلحة، لكانت تلك هي المصلحة العاجلة الظاهرة له، دون المصلحة الحقيقية التي كره عمر بواكيرها.

وماذا لو كره نفر من قريش ما أراده النبيّ اليوم لحفظ الدين وصونه؟!

ألم يكن ذلك النفر قد كره دعوة النبيّ في أيّامها الاَُولى، ثمّ صار بعد يقاتل دونها؟!

ألم يكن منهم مَن كره النبيّ ودعوته وأفنى خيله ورَجِله في محاربتها حتّى أُسقِط في يديه يوم دخلت عليه جيوش النبيّ مكّة؟!

(١) شرح نهج البلاغة ١٢/٢١ وقال: ذكر هذا الخبر أحمد بن أبي طاهر (ابن طيفور) صاحب كتاب «تاريخ بغـداد» في كتابه، مسنداً.

٢٩
فهل كانت المصلحة في ما يحبّون؟! أم كان الخير كلّه في ما يكرهـون؟!

ولئن كان الذي رآه عمر مصلحة عاجلة، هو حقّاً كما رآه، فلسريعاً ما كان مفتاحاً لمفسدةٍ وأيّ مفسدة!

إنّه الباب الذي كان مهيّئاً لكلّ ذي ضغينة على هذه الرسالة وصاحبها أن يقتحموه إلى حيث يطمحون، ألم يكن هو الباب إلى «الرزيّة، كلّ الرزيّة»؟!

هذا ما قاله حبر الاَُمّة ابن عبّاس(١) ، وهو الذي نقشته الاَحداث على جبين التاريخ الاِسلامي، أحَـبَّ ذلك أحدٌ أم كره!

* ولقد أخذ عمر على نفسه مرّةً ردّه على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بحسب تقديره للمصلحة، وذلك في قصّة الحكم بن كيسان، إذ جيء به أسيراً إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فجعل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يدعوه إلى الاِسلام، فأطال، فقال عمر: علامَ تكلّم هذا يا رسول الله؟! والله لا يُسلِم هذا آخر الاَبد، دعني أضرب عنقه ويقدم على أُمّه الهاوية!

فكان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لا يُقبِل على عمر، حتّى أسلم الحكم!

قال عمر: فما هو إلاّ أن رأيته أسلم حتّى أخذني ما تقدّم وما تأخّر، وقلتُ: كيف أردّ على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أمراً هو أعلم به منّي، ثمّ أقول إنّما أردتُ بذلك النصيحة لله ولرسوله؟!

قال عمر: فأسلم والله، فحسن إسلامه، وجاهد في الله حتّى قُتل

(١) صحيح البخاري/ كتاب المرضى ـ باب ١٧ ح ٥٣٤٥، صحيح مسلم ٣ ح ١٦٣٧، مسند أحمد ١/٢٢٢.

٣٠
شهيداً ببئر معونة ورسول الله راضٍ عنه، ودخل الجِنان!(١) .

هذا ما قاله عمر بإخلاص عن نفسه: «كيف أردّ على النبيّ أمراً هو أعلم به منّي، ثمّ أقول إنّما أردت بذلك النصيحة لله ولرسوله؟!».

فكيف يحقّ لمن جاء بعده أن يتمسّك بهذه المقولة ذاتها التي أنكرها عمر على نفسه، كلّما وقف على مسألة لعمر ردّ فيها على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أو ردّ فيها نصّاً من نصوص القرآن الكريم؟!

* وأُخــرى:

الله تعالى في كتابه الكريم قد عنّف عمرَ، وأبا بكر معه، لتقديمهما الرأي بين يدي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بغير إذن منه، وبحسب تقديرهما للمصلحة! عنّفهما بآيات شِـداد:

قال تعالى: (يا أيّها الّذين آمنوا لا تُقدّموا بين يدي الله ورسوله واتّقوا الله إنّ الله سميع عليم) .

«يقول: لا تعجلوا بقضاء أمرٍ في حروبكم أو في دينكم قبل أن يقضي الله لكم فيه ورسوله، فتقضوا بخلاف أمر الله وأمر رسوله»، «نُهوا أن يتكلّموا بين يدي كلامه»(٢) .

قال تعالى في الآية اللاحقة: (يا أيّها الّذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيّ ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعضٍ أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون)(٣) .. وقصّتها أنّه قدِم وفد تميم،

(١) الطبقات الكبرى ٤/١٣٧ ترجمة الحكم بن كيسان.

(٢) تفسير الطبري ١٣/١١٦.

(٣) الآيتان من سورة الحجرات ٤٩: ١ و ٢.

٣١
(تاريخ السنة النبوية) لـ صـائـب عبـد الـحـمـيـد (ص ٣٢ - ص ٣٧) ١ ـ المنع من رواية الحديث:

وقد حثّ عليها النبيّ كثيراً، وأوصى بها، وأمر بها:

«نضّر اللهُ امرءاً سمع مقالتي فبلّغها، فرُبّ حامل فقه غير فقيه، ورُبّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه»(١) .

«الناسُ لكم تَبَع، وسيأتيكم أقوام من أقطار الاَرض يتفقّهون، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيراً، وعلّموهم ممّا علّمكم الله»(٢) .

«يوشَك الرجل متّكئاً على أريكته يحدَّث بحديث من حديثي، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرّمناه!! ألا وإنّ ما حرّم رسول الله مثل ما حرّم الله»(٣) .

٢ ـ المنع من تدوين الحديث:

وقد أباحه النبيّ لاَصحابه:

حين كان عبـدالله بن عمرو بن العاص يكتب حديث النبيّ، فقالت له قريش: أتكتب عن رسول الله كلّ ما تسمع؟! وإنّما هو بشر! يغضب

(١) سنن ابن ماجة ١ ح ٢٣٠ ـ ٢٣٦، سنن الترمذي ٥ ح ٢٦٥٧ و ٢٦٥٨، سلسلة الاحاديث الصحيحة: ح ١٧٢١، وقد أحصى له بسيوني زغلول في موسوعة أطراف الحديث ٤٧ طريقاً.

(٢) انظر: كنز العمّال ١٠ ح ٢٩٥٣٣ ـ ٢٩٥٣٥.

(٣) سنن ابن ماجة ١ ح ١٢ و ١٣ و ٢١، وقد تقدّم مع مزيد من التوثيق ص ١٣٨.

٣٢
كما يغضب البشر!! فذكر ذلك للنبيّ، فقال له صلى الله عليه وآله وسلم وهو يشير إلى شفتيه الشريفتين: «أُكتب، فوالذي نفسي بيده ما يخرج ممّا بينهما إلاّ حقّ»(١) .

وشكا إليه صحابي كان يسمع الحديث فلا يحفظه، فقال له صلى الله عليه وآله وسلم: «استعن بيمينك» وأشار بيده إلى الخطّ(٢) .

وكما في كتبه الكثيرة في المدينة وإلى عمّاله، وهي مشحونة بالسنن.

* ولقد أمر بكتابة الحديث أيضاً، فقال: «قيّدوا العِلم بالكتاب»(٣) .

وقال: «اكتبوا لاَبي شاة» وقد طلب أبو شاة أن يكتب له خطبته صلى الله عليه وآله وسلم بمنى(٤) .

وقال: «إيتوني بكتاب، أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده»(٥) .

وكثير غير هذا، وقد تقدّم بحثه آنفاً، فهل يصحّ أن يقال إنّ المنع من رواية الحديث وتدوينه إنّما كان لمصلحة الدين والاَُمّة؟!

٣ ـ سهم ذوي القربى من الخمس:

وقد نزل به القرآن، وأعطاه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لبني هاشم وبني المطّلب، فمنعه أبو بكر وعمر! ونقلاه عن موضعه إلى موضع آخر في بيت المال باجتهاد رأياه، وربّما منح عثمان بعضه لبعض قرباه من بني أُميّة، مع أنّ عثمان هو الذي كان قد سأل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: لِمَ لَمْ يعطهم ـ أي بني أُميّة ـ

(١) مسند أحمد ٢/٢٠٧، وصحّحه الحاكم والذهبي/ المستدرك ١/١٠٤ ـ ١٠٥.

(٢) سنن الترمذي ٥ ح ٢٦٦٦، تقييد العلم: ٦٦ ـ ٦٨.

(٣) المستدرك ١/١٠٦، تقييد العلم: ٦٩ و ٧٠، المحدّث الفاصل: ٣٦٥ ح ٣١٨.

(٤) صحيح البخاري ـ كتاب العلم ـ باب ٣٩ ح ١١٢، سنن الترمذي ٥ ح ٢٦٦٧.

(٥) هذا نصّ البخاري في كتاب العلم ح ١١٤.

٣٣
شيئاً مع قرابتهم، فيما أعطى بني المطّلب مع بني هاشم؟!

فقال له النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: «إنّما بنو هاشم وبنو المطّلب شيء واحد»(١) .

ثمّ استقرّ رأي أبي بكر وعمر عند فقهاء المذاهب: أبي حنيفة ومالك وأحمد، وخالفهم الشافعي والطبري فأثبتا حقّ قربى الرسول فيه(٢) .

٤ ـ سهم المؤلّفة قلوبهم:

نزل به القرآن، وعمل به النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فمنع منه عمر في مطلع خلافة أبي بكر، فوافقه أبو بكر! فتُرِك هذا الباب لا يُنظَر إليه!

وأغرب ما في هذا الباب دعوى الاِجماع، لسكوت الصحابة وعدم مخالفة أحدهم! ناسين أنّ هذا الاَمر لم يُرفع إلى الصحابة ليُنظَر ما يقولون، ولا خرج مخرجاً يوحي بوجود مطمع في تعديله أو مناقشته، وإنّما صدر أمراً سلطانياً لا ترديد فيه: جاء نفر من مؤلَّفة المسلمين إلى أبي بكر يطلبون سهمهم، فكتب لهم به، فذهبوا إلى عمر ليعطيهم وأروه كتاب أبي بكر، فأبى ومزّق الكتاب، فرجعوا إلى أبي بكر، فقالوا: أنت الخليفة أم عمر؟! فقال: بل هو، إن شاء!!

فأيّ محلّ الآن لمراجعة صحابي ومعارضته؟! وكيف يسمّى مثل هذا إجماعاً؟!(٣) .

(١) صحيح البخاري/٣ كتاب الخمس ـ باب ١٧ ح ٢٩٧١، سنن النسائي/٣ كتاب الخمس ح ٤٤٣٨ و ٤٤٣٩.

(٢) انظر: د. أحمد الحصري/ السياسة الاقتصادية والنظم المالية في الفقه الاِسلامي: ١٩٥ ـ ٢٠٣.

(٣) انظر: تفسير المنار ١٠/٤٩٦.

٣٤
أمّا دعوى أنّ عثمان وعليّـاً لم يعطيا أحداً من هذا الصنف، فقد أُجيب عنها، بأنّها «لا تدلّ على ما ذهبوا إليه من سقوط سهم المؤلّفة قلوبهم، فقد يكون ذلك لعدم وجود الحاجة إلى أحد يتألّفوه آنذاك، وهذا لا ينافي ثبوته لمن احتاج إليه من الاَئمّة، على أنّ العمدة في الاستدلال هو الكتاب والسُـنّة، فهما المرجع الذي لا يجوز العدول عنه بحال»(١) .

وفسّر بعضهم رأي عمر بأنّه اجتهاد منه، إذ رأى أنّه ليس من المصلحة إعطاء هؤلاء بعد أن ثبت الاِسلام في أقوامهم، وأنّه لا ضرر يخشى من ارتدادهم عن الاِسلام.

وعلى هذا فلا يعدّ سهم المؤلّفة قلوبهم ساقطاً ليقال بمعارضة الكتاب والسُـنّة، وإنّما توقّف العمل به لانتفاء موضوعه، وإذا ما وجدت الحاجة إليه عاد للظهور في أيّ زمان ومكان.

وبهذا قال بعض فقهاء الجمهور(٢) ، وهو جيّد حين يكون تقدير الموضوع دقيقاً وحكيماً، فيكون حكمه حكم سهم (الرقاب) المخصّص لتحرير الرقيق، حين يمرّ على المسلمين عهد ليس فيهم رقيق يُطلب عتقهم، فسوف يتوقّف العمل بهذا السهم ولكن من غير أن يكون ذلك ناسخاً للحكم.

لكنّ السؤال ما زال قائماً: هل كانت علّة هذا الحكم هي ضعف الاِسلام وحاجته إلى قوّة هؤلاء، لا غير، لينتفي عند انتفاء علّته؟!

قال بعض فقهاء الجمهور: إنّ المقصود من دفعها إليهم ترغيبهم في

(١) سيّد سابق/ فقه السُـنّة ١/٣٤٣.

(٢) الدكتور وهبة الزحيلي/ الفقه الاِسلامي وأدلّته ٢/٨٧٢، محمّـد رشيد رضا/ المنار ١٠/٤٩٦ و ٤٩٧.

٣٥
الاِسلام لاَجل إنقاذ مهجهم من النار، لا لاِعانتهم لنا حتّى يسقط بفُشُوّ الاِسلام(١) .

وقال محمّـد رشيد رضا: «إنّنا نجد دول الاستعمار الطامعة في استعباد جميع المسلمين وفي ردّهم عن دينهم، يخصّصون من أموال دولهم سهماً للمؤلّفة قلوبهم من المسلمين؛ فمنهم من يؤلّفونه لاَجل تنصيره وإخراجه من حضيرة الاِسلام، ومنهم من يؤلّفونه لاَجل الدخول في حمايتهم ومشاقّة الدول الاِسلامية والوحدة الاِسلامية، ككثير من أُمراء جزيرة العرب وسلاطينها!!(٢) أفليس المسلمون أَوْلى بهذا منهم؟!»(٣) .

فليس الاَمر إذن منوط بعلّة واحدة استطاع عمر استنباطها بدقّة، فوقف الحكم عليها.

ولقد قسّم فقهاءُ الاِسلام المؤلّفة قلوبهم إلى أصناف عديدة، لا يكاد يخلو زمان من بعضها، ولا تشترك صفاتهم بالصفة التي اعتمدها عمر في اجتهاده، بل لكلّ صنفٍ صفته الخاصّة، ولقد كان تصنيفهم قائماً أساساً على اختلاف صفاتهم، حتّى جعلوهم سـتّة أصناف على هذا الاَساس(٤) .

وأخيـراً، حتّى عند الرضا بما قيل في تصحيح اجتهاد عمر، فإنّ مثله لا يصلح جواباً عن اجتهاده وأبي بكر السابق في إسقاط سهم ذوي القربى من الخمس وصرفه إلى أيّ جهة أُخرى، فإنّ الله تعالى الذي أنزل هذا

(١) راجع: الدكتور وهبة الزحيلي/ الفقه الاِسلامي وأدلّته ٢/٨٧٢.

(٢) علامتا التعجّب منه.

(٣) المنار ١٠/٤٩٥.

(٤) انظر الاَصناف السـتّة في: تفسير المنار ١٠/٤٩٤ ـ ٤٩٥، الفقه الاِسلامي وأدلّته ٢/٨٧١ ـ ٨٧٢.

٣٦
النصّ أنزله على علم بمصالح عباده، وحكمة في وضع الاَشياء في مواضعها، علم وحكمة غنيّان عن استدراكات البشر، سواء كانوا حكّاماً أو لم يكونوا، بل كلّ استدراك من هذا القبيل فهو ردٌّ على الله تعالى، وليس تقديماً بين يديه وحسب!!

٥ ـ متعة النساء ومتعة الحجّ:

قال عمر بن الخطّاب في خطبة له: «متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنا أنهى عنهما وأُعاقب عليهما: متعة النساء، ومتعة الحـجّ»(١) …؟.

أمّا متعة النساء: فقد نزل بها القرآن: (فما استمتعتم به منهنّ فآتوهنّ أُجورَهنّ)(٢) .

وأخرج الطبري أنّ في قراءة أُبَيّ بن كعب وابن عبّاس: (فما استمتعتم به منهنّ ـ إلى أجلٍ مسمّىً ـ فآتوهنّ أُجورَهنّ)(٣) .

وأذِن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بها، قال عبـدالله بن مسعود: كنّا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليس لنا نساء، فقلنا، ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثمّ رخَّص لنا أن ننكِح المرأةَ بالثوب إلى أجل. ثمّ قرأ عبـدالله: (يا أيّها الّذين آمنوا لا تُحرّموا طيّبات ما أحلَّ اللهُ لكم ولا تعتدوا إنّ

(١) البيهقي/ السنن الكبرى ٧/٢٠٦، الجصّاص/ أحكام القرآن ١/٣٤٢ و ٣٤٥، ابن القيّم/ زاد المعاد ١/٤٤٤، ٢/٢٠٥، الرازي/ التفسير (مفاتيح الغيب) ١٠/٥٠، القرطبي/ التفسير (الجامع لاَحكام القرآن) ٢/٢٦١.

(٢) سورة النساء ٤: ٢٤.

(٣) تفسير الطبري ٥/١٢ ـ ١٣.

٣٧
(تاريخ السنة النبوية) لـ صـائـب عبـد الـحـمـيـد (ص ٣٨ - ص ٧٣) * قيل لعبـدالله بن عمر في متعة الحجّ: كيف تخالف أباك وقد نهى عن ذلك؟!

فقال: ويلكم! ألا تتّقون الله؟! إنْ كان عمر نهى عن ذلك فيُبتغى فيه الخير؟! فلِمَ تُحرّمون ذلك وقد أحلّه الله وعمل به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ أفرسول الله أحقّ أن تتّبعوا سُـنّته، أم سُـنّة عمر؟!(١) .

* قال عروة بن الزبير لابن عبّاس: ألا تتّقي الله! تُرخّص في المتعة؟!

قال ابن عبّاس: سَلْ أُمّك يا عُرَيَّة!

فقال عروة: أمّا أبو بكر وعمر فلم يفعلا.

قال ابن عبّاس: والله ما أراكم منتهين حتّى يعذّبكم الله، نحدّثكم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتُحدّثون عن أبي بكر وعمر!! أو قال: أراهم سيهلكون، أقول: قال رسول الله، ويقولون: قال أبو بكر وعمر!!(٢) .

وقد أخرج مسلم نحو هذا النزاع بين ابن عبّاس وابن الزبير، فيدعو ابن عبّاس الحضورَ أن يسألوا أُمّ ابن الزبير، فيسألونها فتصُدِّق قوله.. ثمّ ذكر للحديث وجهين آخرين، في أحدهما ذكر «المتعة» ولم يقل متعة الحجّ، وفي الآخر يقول راويه: لا أدري متعة الحجّ أو متعة النساء؟(٣) .

(١) مسند أحمد ٢/٩٥، سنن الترمذي ٣ ح ٨٢٤، البداية والنهاية ٥/٥٩، تفسير القرطبي ٢/٢٥٨، جامع بيان العلم: ٤٣٥ ح ٢١٠٠ و ٢١٠١.

(٢) مسند أحمد ١/٣٣٧، جامع بيان العلم: ح ٢٠٩٥ و ٢٠٩٧ و ٢٠٩٩، رفع الملام ـ لابن تيميّة ـ: ٢٧ ـ ٢٨.

(٣)صحيح مسلم/ ٣ ـ كتاب الحجّ ـ باب ٣٠ في متعة الحجّ ح ١٩٤ ـ ١٩٥ (١٢٣٨).

٣٨
* وجمع الاَمر كلّه عمران بن حصين فقال: نزلت آية المتعة في كتاب الله ـ يعني متعة الحجّ ـ وأمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثمّ لم تنزل آية تنسخ آية متعة الحجّ، ولم ينهَ عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتّى مات، قال رجلٌ برأيه بعدُ ما شاء!(١) .

وعلى قرار المنع منها ـ خلافاً للكتاب والسُـنّة ـ سار عثمان أيضاً(٢) ، وتابعه معاوية في أيّامه(٣) ، حتّى ظنّ الناس ـ وفيهم صحابة ـ أنّها السُـنّة! كالضحّاك بن قيس، وهو صاحب معاوية ويزيد ثمّ صاحب ابن الزبير بعدهما(٤) ، فقد ذكر متعة الحجّ فقال: لا يصنع ذلك إلاّ مَن جهل أمر الله!

فقال له سعد بن أبي وقّاص: بئس ما قلت يا ابن أخي! قال: فإنّ عمر بن الخطّاب قد نهى عن ذلك!

قال سعد: قد صنعها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصنعناها معه(٥) .

هكذا تصبح السنن في نظر هؤلاء حين يعتريها التغيير، وتتوالى عليها العهود!

* أمّا أصل هذا الموقف من متعة الحجّ فهو أقدم من عهد عمر، وإنّ له سرّاً خطيراً وقد كشف عنه البخاري ومسلم عن ابن عبّاس، قال: كانوا

(١) صحيح البخاري/ ٢ ـ كتاب الحجّ ـ باب ٣٥ ح ١٤٩٦، تفسير القرطبي ٢/٢٥٨ والنصّ منه.

(٢) صحيح البخاري/ ٢ ح ١٤٨٨ و ١٤٩٤.

(٣) سنن الترمذي ٣ ح ٨٢٢.

(٤) انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء ٣/٢٤٢ و ٢٤٣.

(٥) سنن الترمذي ٣ ح ٨٢٣، تفسير القرطبي ٢/٢٥٨.

٣٩
يرون ـ أي في الجاهلية ـ أنّ العُمرة في أشهر الحجّ من أفجر الفجور في الاَرض. ويجعلون المحرّم صَفَراً(١) ، ويقولون: إذا برأ الدَبَر، وعفا الاَثر(٢) ، وانسلخ صفر، حلّت العُمرة لمن اعتمر.

فقدِم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه صبيحة رابعة مهلّين بالحجّ، فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم! فقالوا: يا رسول الله! أيّ الحِلّ؟! قال: «الحِلُّ كلّه»(٣) .

وفي حديث البراء، قالوا: كيف نجعلها عمرة(٤) وقد أحرمنا بالحجّ؟! فقال لهم صلى الله عليه وآله وسلم: «انظروا الذي آمركم به فافعلوه» فردّوا عليه القول، فغضب، ثمّ انطلق حتّى دخل على عائشة غضبان، فرأت الغضب في وجهه، فقالت: مَن أغضبك؟! أغضبه الله!

قال: «وما لي لا أغضب وأنا آمُر بالاَمر فلا أُتّبع؟!»(٥) .

فهل يصحّ أن يقال: كان هذا الخلاف والردّ على الرسول اجتهاداً، ولاَجل المصلحة التي رآها هؤلاء الصحابة؟!

(١) وهذا هو النسيء الذي كانوا يفعلونه، يؤخرّون المحرّم ويقدّمون مكانه صَفَراً ليحلّونه.

(٢) يريدون: إذا شفيت ظهور الاِبل من «الدبر» الذي يصيبها من أثر الحمل ومشقّة السفر، وذلك بعد الانصراف من الحجّ، وعنذئذٍ يكون أثر سيرها قد ذهب وامّحى من الطرق لطول المدّة.

(٣) صحيح البخاري /٢ ـ كتاب الحجّ ـ باب ٣٣ ح ١٤٨٩، صحيح مسلم/ ٣ ـ كتاب الحجّ ـ باب ٣١ ح ١٩٨ (١٢٤٠).

(٤) وفي لفظ البخاري عن جابر «متعة» بدل «عمرة». صحيح البخاري ح ١٤٩٣.

(٥) مسند أحمد ٤/٢٨٦، سنن ابن ماجة ح ٢٩٨٢، سير أعلام النبلاء ٨/٤٩٨ وقال الذهبي: هذا حديث صحيح من العوالي.

٤٠