×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

تاريخ السنة النبوية / الصفحات: ٤١ - ٦٠

٦ ـ صلاة المسافر:

صلّى عثمان وعائشة في السفر تماماً، ولم يُقصرا، فيما كان القرآن والسُـنّة بالقَصر.

أتمّها عثمان بمنى، وفعلها معه طوائف، وكان ابن عمر إذا صلّى معه أربع ركعات، انصرف إلى منزله فأعادها ركعتين!

وسئل عروة بن الزبير: لِمَ كانت عائشة تتمّ في السفر وقد علمتْ أنّ الله تعالى فرضها ركعتين؟!

فقال: تأوّلتْ من ذلك ما تأوّل عثمان من إتمام الصلاة بمنى!

واعتلّ عثمان بمنى فأتى عليٌّ، فقيل له: صلّ بالناس. فقال: إنْ شئتم صلّيت بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. يعني ركعتين.

قالوا: لا، إلاّ صلاة أمير المؤمنين! يعنون عثمان، فأبى(١) .

فيما كان ابن عمر يقول: «صلاة السفر ركعتان، من ترك السُـنّة فقد كفر» رفعه مرّة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وروي مرّةً موقوفاً عليه(٢) .

٧ ـ وفي الطـلاق:

الذي نزل به القرآن: (الطلاق مرّتان) بينهما رجعة، فإنْ تراجعا بعد الطلاق الثاني ثمّ طلّقها ثالثاً (فلا تحلّ له حتّى تنكح زوجاً

(١) انظر ذلك كلّه في المحلّى ٤/٢٦٩ ـ ٢٧٠. وفي المطبوع بعد كلمة «أبى» زادوا «عثمان» وليست من الاَصل! انظر هامش الصفحة المذكورة من «المحلّى».

(٢) المحلّى ٤/٢٦٦ و ٢٧٠.

٤١
غيره)(١) . أمّا أن يكرّر لفظ الطلاق ثلاث مرّات، فهذا طلاق واحد، والتكرار هذا «لعب بكتاب الله» كما وصفه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم !(٢) .

ولقد كان هذا النوع الاَخير من الطلاق، والمعروف بالطلاق الثلاث في مجلس واحد، معدوداً طلاقاً واحداً على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر، حتّى قال عمر: إنّ الناس قد استعجلوا في أمر قد كان لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم»! فأمضاه عليهم(٣) .

فهذا الذي أمضاه عمر، ومضى عليه أصحاب المذاهب الاَربعة، ولم يخالف فيه إلاّ نفر من فقهائهم (شذّوا في ذلك)! منهم ابن تيميّة وابن القيّم، ووافقهم بعض المتأخّرين، هذا الحكم سوف يترتّب عليه حكم آخر هو في غاية الخطورة والشناعة:

فالطلاق الثالث لا رجعة بعده حتّى تتزوّج المرأة رجلاً آخر، ويقع بينهما طلاق بائن، بخلاف الطلاق الاَوّل إذ لهما أن يتراجعا ما لم تنقضِ العدّة، فبحسب اجتهاد عمر أُعطي الطلاق ـ الذي كان أوّلاً بحكم القرآن والسُـنّة ـ حكم الطلاق الثالث، فمنع رجوع الزوجين، وأوجب نكاحاً جديداً!

وأغرب ما قاله المتأخّرون في تبرير هذا الاجتهاد، قول ابن القيّم بأنّ هذا ممّا تغيّرت به الفتوى لتغيّر الزمان!!

(١) سورة البقرة ٢: ٢٣٠.

(٢) سنن النسائي ـ كتاب الطلاق ـ ٣ باب ٧ ح ٥٥٩٤، إرشاد الساري ٨/١٢٨ ولفظه: «أيُلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟!»، تفسير ابن كثير ١/٢٧٨.

(٣) صحيح مسلم ـ كتاب الطلاق ـ باب طلاق الثلاث ح ١٤٧٢، مسند أحمد ١/ ٣١٤، سنن البيهقي ٧/٣٣٦، وصححه الحاكم والذهبي على شرط الشيخين في المستدرك ٢/١٩٦.

٤٢
هذا القول الذي جعل فتوى الصحابي تشريعاً مقابِلاً للكتاب والسُـنّة!! كذا قال ابن القيّم صراحةً، قال: «فهذا كتاب الله، وهذه سُـنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهذه لغة العرب، وهذا عُرف التخاطب، وهذا خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والصحابة كلّهم معه في عصره، وثلاث سنين من عصر عمر على هذا المذهب، فلو عدّهم العادّ بأسمائهم واحداً واحداً لوجد أنّهم كانوا يرون الثلاث واحدة إمّا بفتوىً وإمّا بإقرار... ولهذا ادّعى بعض أهل العلم أنّ هذا إجماع قديم، ولم تُجمع الاَُمّة على خلافه، بل لم يزل فيهم من يُفتي به، قرناً بعد قرن، وإلى يومنا هذا» فذكر جماعة من الصحابة أفتوا بهذا بعد فتوى عمر، مخالفين رأيه، ماضين على ما كان على العهد الاَوّل، منهم: عليٌّ، وابن عبّاس، والزبير، وعبـد الرحمن، وابن مسعود، ثمّ ذكر بعض التابعين وتابعيهم، ثمّ قال:

«والمقصود أنّ هذا القول قد دلّ عليه الكتاب والسُـنّة والقياس والاِجماع القديم، ولم يأت بعد إجماع يُبطله، ولكن رأى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أنّ الناس قد استهانوا بأمر الطلاق، كثر منهم إيقاعه جملةً واحدة، فرأى من المصلحة عقوبتهم بإمضائه عليهم.. فرأى عمر أنّ هذا مصلحة لهم في زمانه، ورأى أنّ ما كانوا عليه في عهد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وعهد الصدّيق وصدراً من خلافته كان الاَليق بهم...

* فهذا ممّا تغيّرت به الفتوى لتغيّر الزمان!

* وعلم الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ حسن سياسة عمر وتأديبه لرعيّته في ذلك، فوافقوه على ما ألزم به..

* فليتدبّر العالِم الذي قَصْدُه معرفة الحقّ واتّباعه من الشرع والقَدَر: في قبول الصحابة هذه الرخصة والتيسير على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

٤٣
وتقواهم ربّهم تبارك وتعالى في التطليق، فجرت عليهم رخصة الله وتيسيره شرعاً وقدراً.

فلمّا ركبت الناس الاَُحموقة وتركوا تقوى الله.. أجرى الله على لسان الخليفة الراشد والصحابة معه، شرعاً وقدراً، إلزامهم بذلك وإنفاذَه عليهم... وهذه أسرار من أسرار الشرع والقدر لا تُناسب عقول أبناء الزمن»!(١) .

فهذا مصدر جديد من مصادر التشريع لم يعرّفنا به القرآن، ولا عرّفنا به النبيّ، بل الذي عرّفنا به القرآن والسُـنّة هو خلاف ذلك تماماً!

فهل عرّفنا القرآن أو السُـنّة أنّ الله تعالى سوف ينسخ أحكاماً منزلة بعد موت النبيّ، بوحيٍ جديد من نوع آخر، فيُجري على لسان الخليفة الراشد أحكامه الجديدة الناسخة لاَحكام القرآن والسُـنّة؟!

أليس هذا من جنس عقائد غلاة الباطنية بأئمّتهم؟!

* * *

(١) انظر: أعلام الموقّعين ٣/٣٤ ـ ٣٧.

٤٤

المرحلة الثانية
السُـنّة في عهد الاِمام عليّ عليه السلام

عليٌّ عليه السلام له مع السُـنّة علاقة أُخرى، يميّزها بُعدان:

البعد الاَوّل: عِلمه بها.. علماً شمولياً وتفصيلياً، مستوعباً لاَفرادها، عارفاً بحدودها ومواقعها، وليس هذا محض ادّعاء، بل حقيقة ثابتة لم يكن يخفيها، فلطالما أفصح عنها في خطب بليغة يلقيها على الملاَ العظيم وفيهم كثير من الصحابة الّذين عاشوا معه ومع الرسول، وعرفوه وعرفوا غيره من الصحابة، فمن ذلك قوله في كلام يصنّف فيه رواة الحديث إلى أربع طبقات، ثمّ يقول في مقارنة بينه وبين غيره من الصحابة: «وليس كلّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من كان يسأله ويستفهمه، حتّى إنْ كانوا ليُحبّون أن يجيء الاَعرابي والطارىَ فيسأله عليه السلام حتّى يسمعوا، وكان لا يمرّ بي من ذلك شيء إلاّ سألتُه عنه، وحفظتُه»(١) .

وفوق هذا قد كانت هناك عناية ربّانية خاصّة ترعاه، فإذا أنزل الله تعالى قوله: (وتعيَها أُذُنٌ واعية)(٢) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «سألتُ الله أن يجعلها أُذنك يا عليّ» فكان عليٌّ يقول: «ما سمعتُ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً فنسـيتُه»(٣) .

(١) نهج البلاغة: خ/٢١٠.

(٢) سورة الحاقّة ٦٩: ١٢.

(٣) الشوكاني/ فتح القدير ٥/٨٨٢، تفسير الطبري ٢٩/٥٥، تفسير الماوردي ٦/ ٨٠، تفسير القرطبي ١٨/١٧١.

٤٥
ويبرهن للناس على علمه التفصيلي الدقيق بالسُـنّة، كما هو في الكتاب، في خطاب يأخذ بمجامع القلوب، ما سمع الناس نظيراً له من صحابيّ غيره قطّ، فيقول: «وخلّف ـ نبيّـكم ـ فيكم ما خلّفت الاَنبياءُ في أُممها إذ لم يتركوهم هَمَلاً بغير طريق واضح ولا عَلَمٍ قائم: كتابَ الله(١) ، مبيّناً: حلاله وحرامه، وفرائضه وفضائله(٢) ، وناسخه ومنسوخه، ورخصه وعزائمه، وخاصّه وعامّه، وعِبَرَه وأمثاله، ومرسَلَه ومحدوده(٣) ، ومحكَمه ومتشابهه.. مفسّراً مجمله، ومبيّناً غوامضه..

بين مأخوذٍ ميثاق علمه، وموسّعٍ على العباد في جهله.. وبين مثبَتٍ في الكتاب فرضه، ومعلومٍ في السُـنّة نسخه.. وواجبٍ في السُـنّة أخذه، ومرخَّصٍ في الكتاب تركه.. وبين واجبٍ بوقته وزائلٍ في مستقبله..

ومباين بين محارمه: من كبير أوعد عليه نيرانه، أو صغير أرصد له غفرانه.. وبين مقبولٍ في أدناه موسَّعٍ في أقصاه»(٤) .

هذه أبواب من السـنن فتحت على علوم جمّة توفّر عليها، مع بصيرة لا يُخشى عليها لبس ولا توهّم.

فهذه صورة عن علمه الشمولي والتفصيلي بالسُـنّة، تلك المرتبة التي لا يشاركه فيها أحد من الصحابة، ومن هنا اشتهر عن تلميذه ابن عبّاس قوله: أُعطي عليٌّ تسعة أعشار العلم، وإنّه لاَعلمهم بالعُشر الباقي!(٥) .

البُعد الثاني: منهجه في التعامل مع السُـنّة.. والمنهج هو الذي

(١) أي خلّف فيكم كتاب الله.

(٢) الفضائل: المستحبّات والنوافل.

(٣) المرسَل: المطلق.. والمحدود: المقيّد.

(٤) نهج البلاغة: خ/١، وانظر مصادر نهج البلاغة وأسانيده ١/٢٩٥ ـ ٢٩٧.

(٥) طبقات الفقهاء: ٤٢.

٤٦
سيحدّد عنده موقع السُـنّة، وطريقته في التعامل معها روايةً وتدويناً.. لقد كانت السُـنّة عنده في المكان الذي وضعها الله ورسوله به، حاكمةً غير محكوم عليها، لا تنسخها (مصلحة) فالمصلحة كلّ المصلحة في تحكيمها واتّباعها، ولقد ضحّى بالخلافة مرّةً بعد مرّة حفاظاً على السُـنّة أن تنتهك أو يُساء الفهم في حقيقة مكانتها.

رفض أن يبايعوا له بالخلافة على عقدٍ يَقرن بسُـنّة النبيّ سنناً أُخرى، إذ عرض عليه عبـد الرحمن بن عوف أن يبايع له على «كتاب الله وسُـنّة رسوله وسيره الشيخين أبي بكر وعمر» فرفض أن يَقرن إلى كتاب الله وسُـنّة رسوله شيئاً آخر، فضحّى بالخلافة حفظاً لمكانة السُـنّة في درس بليغ لم تقف هذه الاَُمّة على جوهره حتّى اليوم!

ورفض أن يشتري استقرار الحكم أيّام خلافته بمداهنة أهل البدع والانحراف الّذين انتهكوا السـنن وعطّلوا الحدود، في درس عبقري يظنّه القشريّون حتّى اليوم إخفاقاً سياسيّاً!!

ورفض أن يعزّز جيشه بكتيبة جاءت تبايع له على خلاف السُـنّة يوم خرج عليه المارقون، قالوا: نبايعك على كتاب الله وسُـنّة رسوله وسيرة الشـيخين! فرفض أن يقرن بكتاب الله وسنّة رسوله شرطاً ولو أدّى رفضه إلى تمرّد هؤلاء والتحاقهم بالمارقين.

ورفض أن يعامل أعداءه ولو مرّةً بخلاف السُـنّة، وهم يمكرون وينكثون ويغدرون.

إنّه الرجل الذي كان منهاجه منهاج القرآن والسُـنّة، لقد كان التجسيد الحيّ لكتاب الله وسُـنّة رسوله.

ووفق هذا المنهج سوف نرى له ـ وباختصار شديد ـ مواقف وسياسة

٤٧
أُخرى مع السُـنّة غير التي رأيناها قبله، فلقد دخلت السُـنّة في عهده بحقّ في مرحلة أُخرى من تاريخها.

وسوف نتناول هذه المرحلة في ثلاثة مباحث بإيجاز تغني فيه الشواهد الحيّة عن السرد الطويل:

المبحث الاَوّل: تدوين السُـنّة

إنّه قبل كلّ شيء كان كاتباً للحديث بين يدي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وإذا كان قد اشتهر عنه أمر الصحيفة (صحيفة عليّ) التي كتبها من حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان يحملها معه في قائم سيفه، وذكرها البخاري ومسلم وأصحاب السنن بطرق شتّى، فلم تكن هي كلّ ما كتبه عليٌّ من حديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، بل كان له صحف أُخرى غير هذه، وكان له كتاب كبير ليس فيه إلاّ أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عُرف بـ (كتاب عليّ) وهو غير تلك الصحيفة التي اختلفوا في حجمها.

* قالت أُمّ سَلَمة: «دعا النبيّ بأديم، وعليّ بن أبي طالب عنده، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يُملي وعليٌّ يكتب، حتّى ملاَ بطن الاَديم وظهره وأكارعه»(١) .

الصحيفـة:

مشهورة جدّاً أنباء الصحيفة، لا يكاد يخلو منها واحد من كتب الحديث والسنن، البخاري وغيره(٢) ، نقلوا منها نصوصاً متفرّقة، بعضها

(١) الرامهرمزي/ المحدّث الفاصل: ٦٠١ ح ٨٦٨.

(٢) صحيح البخاري/ كتاب العلم ـ باب كتابة العلم، وكتاب الديات ـ باب الدية على العاقلة، سنن ابن ماجة ٢ ح ٢٦٥٨، سنن أبي داود: ح ٢٠٣٥.

٤٨
أشبه بعناوين لِما تحويه، وبعضها فيه تفصيل، وقد جمع ابن حجر العسقلاني كثيراً ممّا نُقل عن تلك الصحيفة، وقال: الجمع بين هذه الاَحاديث أنّ الصحيفة كانت واحدة، وكان جميع ذلك مكتوباً فيها، ونَقَلَ كلّ واحد من الرواة عنه ما حفظه(١) .

وجمع الدكتور رفعت فوزي ما نُقل عن هذه الصحيفة في كتب الحديث السُـنّيّة، في كتاب أسماه: «صحيفة عليّ بن أبي طالب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: دراسة توثيقية فقهية»(٢) .

كتاب عليّ:

حديث أُمّ سَلَمة المتقدّم يصف كتاباً أكبر من هذه الصحيفة التي لا تفارق قائم سيفه، أو قراب سيفه! وأصبح «كتاب عليّ» عَلَماً يتكرّر في أحاديث أهل البيت عليهم السلام، كتاب كبير كانوا يحتفظون به ويتوارثونه:

* أخبر أحمد بن حنبل أنّ كتاباً كهذا كان عند الحسن بن عليّ يرجع إليـه(٣) .

* وأخرج الاِمام محمّـد الباقر عليه السلام هذا الكتاب أمام طائفة من أهل العلم، منهم: الحكم بن عُتيبة، وسـلمة، وأبو المقدام، فرأوه كتاباً مدرجاً عظيماً، فجعل ينظر فيه حتّى أخرج لهم المسألة التي اختلفوا فيها، فقال

(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ١/١٦٦، والقسطلاني/ إرشاد الساري ١/٣٥٨ ـ ٣٥٩.

(٢) طبع سنة ١٤٠٦ هـ ـ ١٩٨٦ م.

(٣) كتاب العلل ومعرفة الرجال ١/٣٤٦ ح ٦٣٩، الجامع في العلل ومعرفة الرجال ١/١٣٧ ح ٦٢٤.

٤٩
لهم: «هذا خطّ علي وإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم» ثمّ توجّه إلى الحكم بن عُتيبة فقال له: يا أبا محمّـد! اذهب أنت وسلمة وأبو المقدام حيث شئتم يميناً وشمالاً، فوالله لا تجدون العلم أوثق منه عند قومٍ كان ينزل عليهم جبريل عليه السلام»!(١) .

* وعرض هذا الكتاب أيضاً الاِمام الصادق عليه السلام، والاِمام الهادي عليّ ابن محمّـد بن عليّ الرضا عليه السلام، غير مرّة، يقول: «إنّه بخطّ علي، وإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، نتوارثها صاغراً عن كابر»(٢) .

دعوته إلى تدوين السُـنّة:

دعوة صريحة يعلنها على الملاَ في مواضع كثيرة:

* خطب الناس مرّةً، فقال: «قيّدوا العلم، قيّدوا العلم» يكرّرها(٣) .. أي اكتبوه واحفظوه لئلاّ يُدرس.

* وقال في خطبة أُخرى له: «مَن يشتري منّي علماً بدرهم؟».

قال أبو خيثمة: يعني يشتري صحيفةً بدرهم يكتب فيها العلم..

فاشترى الحارث صحفاً بدرهم ثمّ جاء بها عليّاً عليه السلام فكتب له علماً كثيراً(٤) .

(١) رجال النجاشي: ٣٦٠ ت ٩٦٦ ترجمة محمّـد بن عُذافر الصيرفي.

(٢) الشيخ الطوسي/ تهذيب الاَحكام ١ ح ٩٦٣ و ٩٦٦، وج ٥ ح ١٣٣٧.. وقد أحصى السيّد محمّـد رضا الحسيني الجلالي عشرات الموارد عن أهل البيت عليهم السلام في ذِكر هذا الكتاب (كتاب عليّ)، انظر: تدوين السُـنّة الشريفة: ٦٥ ـ ٧٩.

(٣) تقييد العلم: ٨٩ و ٩٠.

(٤) الطبقات الكبرى ٦/١٦٨، تقييد العلم: ٨٩.

٥٠
وكانت الكتابة عند علي وبين يديه مشهورة، حدّث بها غير الحارث كثير، منهم الشعبي، وعطاء(١) ، وأبو رافع وولداه عبيدالله وعليّ وكانا كاتبين عند علي عليه السلام، والاَصبغ بن نباتة، وغيرهم(٢) . وعبـدالله بن عبّاس أيضاً(٣) ، وكان يكتب الحديث ويأمر بكتابته أيضاً(٤) .

* عادت الحياة إذن إلى السُـنّة النبوية، وتبدّد خطر ضياعها ونسيانها.. تلك هي أمانة الرسالة ووعيها.

من أدب الكتابة عند علي عليه السلام:

تقرأ في أحاديثه اهتماماً كبيراً ورعاية لاَمر الكتابة، في أروع صورة لوعي حضاري بأمر الكتابة آنذاك:

* يقول: «الخطّ علامة، فكلّ ما كان أبْيَن كان أحسن»(٥) .

* ويقول للكاتب: «أَلْقِ دواتَك، وأَطِل شَقّ قلمِك، وأَفْرِج بين السطور، وقَرمِط بين الحروف»(٦) .

* ويقول: «أَطلِ جلفةَ قلمِك، وأَسمِنها، وأَيمِن قطّتَك، وأَسمِعني طنين النون، وحوّر الحاء، وأَسمِن الصاد، وعرّج العين، واشقق الكاف، وعظّم الفاء، ورتّل اللام، وأسلس الباء والتاء والثاء، وأقم الزاي وعَلِّ

(١) انظر: فؤاد سزگين/ تاريخ التراث العربي مج ١ ج ١/١٢٧.

(٢) الجلالي/ تدوين السُـنّة الشريفة: ١٣٧ ـ ١٤٣.

(٣) صحيح مسلم/ المقدّمة.

(٤) سير أعلام النبلاء ٣/٣٥٤ ـ ٣٥٥.

(٥) كنز العمّال ١٠ ح ٢٩٥٦٢.

(٦) كنز العمّال ١٠ ح ٢٩٥٦٣.. وقرمط: أي قارِب.

٥١
ذنبها، واجعل قلمَك خلف أُذنك يكون أذكر لك»(١) .

المبحث الثاني: رواية السُـنّة

الرواية، قبل التدوين، دخلت عهداً جديداً، رفع عنها الحظر، ودُعيَت إلى سماعها طوائف الناس:

* قال عليٌّ عليه السلام لاَصحابه: «تزاوروا وتدارسوا الحديث، ولا تتركوه يُدرَس»!(٢) .

* وخطب في الناس مرّة فقال: «خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: اللّهمّ ارحم خلفائي ـ ثلاث مرّات ـ قيل: يا رسول الله، ومن خلفاؤك؟ فقال: الّذين يأتون من بعدي، يروون أحاديثي وسُـنّتي ويعلّمونها الناس»!(٣) .

* وكم قام عليٌّ في الناس فذكّرهم أحاديث قد غابت عنهم زمناً طويلاً، مُنع التحديث بها لربع قرن! كمناشدته في الرحبة بحديث الغدير، وتذكيره بحديث «إنّ منكم من يقاتل على تأويل القرآن...» وأحاديث في ذِكر أهل البيت وفضلهم، والحديث الذي أعاده على الزبير يوم الجمل، وغيرها كثير..

هكذا كان عهده مع السُـنّة رواية وتدويناً، فهما السبيل إلى نشرها وحفظها، وإلاّ فمصيرها النسيان والضياع!

(١) كنز العمّال ١٠ ح ٢٩٥٦٤.

(٢) كنز العمال ١٠ ح ٢٩٥٢٢ عن الخطيب في الجامع.

(٣) شرف أصحاب الحديث: ٣١ ح ٥٨، كنز العمّال ١٠ ح ٢٩٤٨٨ عن الرامهرمزي، والقشيري، وأبي الفتح الصابوني، والديلمي، وابن النجّار، وآخرين.

٥٢

التحذير من الكذب:

في أثناء فتحه لباب الرواية والتدوين كان يكثر التحذير من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيقرع أسماعهم بين الحين والحين بحديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: «من كذب علَيَّ فليتبوّأ مقعده من النار»(١) .

وحتّى من كذب عليه في الرؤيا فادّعى مناماً يكذب فيه على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم(٢) .

مع القصّـة:

هذه الحرفة التي تستدرج أصحابها شيئاً فشيئاً نحو الكذب والسخرية والاَساطير، كانت ممنوعة في الاِسلام، وأوّل ما ظهرت في عهد عمر بن الخطّاب حين أذِن لتميم الداري بالجلوس في المسجد للقصّة! فكان تميم الداري أوّل قاصٍّ مأذون في الاِسلام!

وتميم الداري هذا هو الرجل النصراني الذي قدم في عشرة من قومه من أرض فلسطين إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في العام التاسع للهجرة، بعد فتح مكّة بعام، وهو صاحب قصّة «الجسّاسة» التي يرويها عنه مسلم وأحمد(٣) هذه القصّة التي لم يحدّث بها أحدٌ من الصحابة خلا فاطمة بنت قيس!

(١) انظر: البخاري/ كتاب العلم ـ باب من كذب على النبيّ، فتح الباري ١/١٦١ ـ ١٦٢، مسند أحمد ١/٧٨ و ١٣٠، كنز العمّال ١٠ ح ٢٩٤٩٨.

(٢) انظر: مسند أحمد ١/٩٠ و ١٢٩.

(٣) صحيح مسلم/ كتاب الفتن ـ قصّة الجسّاسة ـ ح ٢٩٤٢ و ٢٩٤٣، مسند أحمد ٦/٣٧٣ و ٣٧٤.

٥٣
ولا حفظها عنها سوى الشعبي، رغم ما فيها من الوصف الخطير والتهويل، إذ تقول: إنّ منادي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نادى: الصلاة جامعة، فهُرع الناس إلى المسجد، وكانت هي في من حضر، فقام النبيّ على المنبر خطيباً وهو مستبشر، يزفّ إليهم بشرىً، فيقول: «ليلزم كلّ إنسان مصلاّه ـ ثمّ قال: ـ أتدرون لم جمعتكم؟ جمعتكم لاَنّ تميماً الداريّ كان رجلاً نصرانياً فجاء فبايع وأسلم، وحدّثني حديثاً وافق الذي حدّثتكم عن مسيح الدجّال»!

ثمّ ينقل لهم بنفسه ما حدّث به تميم الداري من أنّه قذفت به السفينة إلى جزيرة لا يدري ما هي! فرأى فيها دابّة لا يعرف قُبلها من دبرها من كثرة شعرها! وهذه الدابّة تتكلّم، فكلّمته بلسان طليق! وأمرته أن يتوجّه إلى رجل في دير في تلك الجزيرة، فتوجّه إليه فوجده مكبّلاً بأصفاد الحديد! فحدّثه هذا الرجل بأشياء من الغيب! ثمّ عرّفه بنفسه، إنّه المسيح الدجّـال!!

هذا الخبر، على هذه الصورة، ينبغي أن يرويه غير واحد، فالنبيّ يجمع له الناس ويأمرهم أن يلزموا أماكنهم حتّى يحدّثهم بحديث مصدّق لحديثه!

ومنذ ذلك الحين والبحر يُمخَر كلّ يوم مرّات، تجوبه السفن المدنية والعسكرية، وتحلّق فوقه الاَقمار الصناعية، ولم يزل أمر هذه الجزيرة مجهولاً! وما بلغ داروِن وأصحابه نبأ هذه الدابّة الناطقة باللسان العربي!!

لكنّ البسطاء وذوي القلوب الغافلة طفقوا يستلهمون من هذه القصّة العبر، فوجدوا فيها درساً متقدّماً في الدراية، فهي مثال رائع لرواية الفاضل عن المفضول، فهذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحدّث عن نصرانيّ أسلم لتوّه!

وأيضاً فقد كشفت عنهم كرباً وحلّت لغزاً كان يحيّرهم وهم يقرأون:

٥٤
(وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابّةً من الاَرض تكلّمهم أنّ الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون)(١) حتّى أتاهم تميم بنبأ «الجسّاسة» هذه! وقالوا: إنّما سمّيت الجسّاسة لاَنّها تجسّ الاَخبار للمسيح الدجّال!!(٢) .

* فلمّا أسلم قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنّ الله مُظهرك على الاَرض كلّها، فهب لي قريتي من بيت لحم!

فقال له النبيّ: هي لك.. وكتب له بها، فلمّا فُتحت فلسطين جاء تميم بالكتاب إلى عمر، فقال عمر: أنا شاهد ذلك.. فأمضاه! وذكروا أنّ النبيّ قال له: «ليس لك أن تبيع» فهي في أيدي أهله إلى اليوم(٣) .

ولم تُجعل هذه الاَرض في بيت المال، ولا صُرف ريعها في الكراع والسلاح.. فلا الاَرض كانت فدكاً، ولا تميم كان فاطمة الزهراء!!

لكن هل احتاج النبيّ إلى بشرى تميم هذه ليهب له تلك القرية؟! أم أنّ تميماً قد أحرز لغده ثمن إسلامه كما فعل النبيّ مع المؤلّفة قلوبهم؟!

لا غرابة، فإنّ تميماً لم يزل في المدينة حتّى قُتل عثمان، فلمّا قُتل عثمان فرّ تميم إلى الشام!!(٤) .

ذلك لاَنّه حسن إسلامه جدّاً! فهو لا يطيق أن يرى عليّـاً في الخلافة! ولا يسـعه إلاّ جوار معاوية!

ولاَجل تأكيد حسن إسلامه وعظمة إيمانه، قالوا: إنّه كان يختم القرآن

(١) سورة النحل ١٦: ٨٢.

(٢) انظر هذا كلّه في صحيح مسلم بشرح النووي مج ٩ ج ١٨: ٧٨ ـ ٨٤ قصّة الجسّاسة.. ومن المعاصرين الّذين اطمأنّوا إلى هذا التفسير: د. محمّـد السيّد حسين الذهبي، في كتابه/ الاِسرائيليات في التفسير والحديث: ٩٣!!

(٣) سير أعلام النبلاء ٢/٤٤٣.

(٤) سير أعلام النبلاء ٢/٤٤٣، الطبقات الكبرى ٧/٤٠٩.

٥٥
كلّه في ركعة!!(١) هكذا، كلّه في ركعة واحدة!!

وأساطير مضحكة نسجوها حول تميم، صاحب القصص والاَساطير.

قالوا: كان عمر يسمّيه «خير المؤمنين»! لقد جاءه رجل كان قد أذنب ذنباً، فلبث في المسجد ثلاثاً لا يأكل، ثمّ جاء عمرَ فقال: تائب من قبل أن تقدر عليه. فقال له عمر: إذهب إلى خير المؤمنين فانزل عليه. فذهب الرجل طوعاً إلى تميم الداري، فهو خير المؤمنين لا يشكّ هذا الرجل!!(٢) ) .

وذات ليلة خرجت نار بالحرّة، ناحية المدينة، فجاء عمر إلى تميم، فقال: قم إلى هذه النار!

قال: يا أمير المؤمنين، ومَن أنا؟! ومَن أنا؟! فلم يزل عمر به حتّى قام معه، فانطلقا إلى النار، فجعل تميم يحوشها بيده حتّى دخلت الشعب ودخل تميم خلفها، فجعل عمر يقول: ليس من رأى كمن لم يرَ! قالها ثلاثاً!

هاتان أُسطورتان يرويهما معاوية بن عجلان، قال الذهبي: رجل قالوا إنّه لا يُعرَف(٣) .

لكن ابن حجر العسقلاني سمّاه «معاوية بن حرمل» وعدّه في الصحابة، وقال: هو صهر مسيلمة الكذّاب! وكان مع مسيلمة في الردّة، ثمّ قدم على عمر تائباً!

ثمّ يقول ابن حجر عن هذه القصّة: «له قصّة مع عمر فيها كرامة

(١) سير أعلام النبلاء ٢/٤٤٥.

(٢) سير أعلام النبلاء ٢/٤٤٦.

(٣) سير أعلام النبلاء ٢/٤٤٧.

٥٦
واضحة لتميم، وتعظيم كثير من عمرَ له»!!(١) .

ومن هنا يستدلّون على وثاقة تميم وعلوّ منزلته(٢) .. من شهادة صهر مسيلمة الكذّاب الذي كان معه في الردّة!!

وأمّا قصّته هو عن «الجسّاسة» ومسيح الدجّال، فلولا ما حظي به صحيح مسلم من قداسة لَما ارتاب فيها عاقل!

وهذه القداسة هي التي حالت دون السؤال: كيف صحّح مسلم هذه الرواية؟!

إنّ مسلماً رجلٌ نشأ في وسط يوثّق رجالاً ويأخذ عنهم الحديث، فوثّقهم مسلم.. لقد وثّقهم ذلك التاريخ الذي عرفناه، وعرفنا كيف وثّقهم!

وحين تُغفل هذه الحقيقة فقط تنفذ مثل هذه الاَساطير...

وأغرب ما في الدفاع عن هذه القصّة، دفاع الناقد الدكتور الذهبي الذي عاد إلى فقرات من القصّة نفسها، وأكثر فقراتها محل للتهمة والريبة، ليجعلها دليلاً على صحّتها، إذ يقول.. «وهل يُتصوّر من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو المؤيدّ بوحي السماء أن يتقبّل من رجل يلوّث الاِسلام بمسيحيّاته حديثاً كحديث الجسّاسة، ثمّ هو لا يكتفي بذلك بل يجمع أصحابه ويحدّثهم به ويقرّر من فوق منبره صدق حديثه؟!»!!(٣) .

(١) انظر: الاِصابة/ ترجمة تميم الداري ١/١٨٤، وترجمة معاوية بن حرمل ٣/ ٤٩٧.

(٢) انظر: د. محمّـد سيّد حسين الذهبي/ الاِسرائيليات في التفسير والحديث: ٩١ ـ ٩٤ وهو يكافح لاَجل توثيق تميم! وانظره في ص ٩٥ ـ ٩٦ وهو يوثّق كعب الاَحبار، ويجعل واحداً من أهمّ أدلّته: أنّ معاوية بن أبي سفيان كان يعظّمه!!

(٣) الاِسرائيليّات في التفسير والحديث: ٩٣.

٥٧
فانظر كيف أخذ أهمّ علامات كذب الرواية ليجعله الشاهد على صدقها!!

فمن قال لك أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قد قام مصدّقاً لهذه الرواية؟! هل سمعته من أحد غير هذه الرواية نفسها؟!

إنّ مثل هذه القصّة ليست ممّا يرتاب العقل في تكذيبها بعد المسح العلمي الدقيق، إنّها تماماً من قبيل روايات تقول: إنّ الاَرض تقف على قرن ثور، والثور على ظهر حوت، وهو النون التي في قوله تعالى: (ن والقلم) !!

فإذا كان يصدّقها بالاَمس ناس عمدتهم وثاقة الرواة، فليس لهذه الوثاقة اليوم محلٌّ أمام الكشف العلمي الدقيق والمباشر.. ولا يعاب في ذلك المتقدّمون! ولكن يعاب الّذين قرضوا القرن التاسع عشر والقرن العشرين وما زالوا يلتمسون ذلك وراء وثاقة الراوي وأهمّـيّة المصدر، بدلاً من أن يضع ذلك كلّه موضع الاختبار بناءً على هذه الحقائق الملموسة.

وتميم هذا هو الذي ابتدأ فاستأذن عمر أن يقصّ، فأذِن له بعد أن ردّه أوّلاً، فهو أوّل قاصٍّ مأذون في الاِسلام(١) ، فكان يقوم في المسجد كلّ جمعة يعظ أصحاب رسول الله! قبل أن يخرج عمر إلى الجمعة.. فلمّا جاء عثمان طلب منه تميم أن يزيده، لاَنّ موقفاً واحداً في الاَُسبوع لا يكفيه، فزاده عثمان يوماً آخر يُتحف فيه أصحاب رسول الله بمزيد من مواعظه!

لكن في تلك السنين كان التحدّث بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

(١) انظر ترجمة تميم بن أوس الداري في: الاستيعاب، أُسد الغابة، الاِصابة، سير أعلام النبلاء.

٥٨
ممنوعاً! وكان خيار الصحابة من أُولي السابقة والجهاد يُحبَسون في المدينة إذا ما حدّثوا خارجاً عنها بشيء من سـنن النبيّ ومواعظه!!

إنّ لتميم سرّاً هو من صنف سرّ كعب الاَحبار، لكنّ تميماً تقدّم على كعب حين أدرك النبيّ فسُمّي صحابياً!

ولمّا قُتل عثمان لم يعد أمر تميم بتلك الدرجة من الخفاء؛ إنّه لم يأت عليّـاً يستأذنه في المضيّ على شأنه، أو يسـتزيده، كلاّ، بل ترك المدينة كلّها، ضاقت عليه بما رحبت أرضٌ يحكمها عليّ، فليس أمامه إلاّ الشام في أجواء تنتظر تميماً ونظراءه، فخرج إلى الشام دون أن يضيع مزيداً من الوقت!

لقد كان عمر يمنع من القصص، ويكذّب محترفيها، حتى أقنعه تميم في نفسه خاصّة، لكنّ عليّـاً لم يأذن بشيء من ذلك، ولم يكن تميم بالرجل الساذج أو الغبيّ الذي يلتمس مثل ذلك من علي! ولا هو بتارك مهنته، فترك بلاداً تدين لعلي، قافلاً إلى حيث تنفق سلعته، وله في كنف معاوية أوسع جوار!

* والذي لا نزاع فيه أنّ القصص قد انتشرت في أواخر عهد عثمان، وبرز قصّاصون يقصّون في المساجد، حتّى طردهم عليّ عليه السلام، كما أثبته المروزي وغيره(١) .

والشيخ الغزالي يثبّت ذلك أيضاً، ويقول: إنّ عليّـاً عليه السلام منع القصّ في المساجد، ولم يأذن إلاّ للحسن البصري(٢) .

(١) انظر: كنز العمّال ١٠ ح ٢٩٤٤٩، وبعده.

(٢) كيف نتعامل مع القرآن:

٥٩
والشيخ أبو زهرة يثبّت ذلك بشكل أكثر وضوحاً، فيقول: ظهر القصص في عهد عثمان رضي الله عنه، وكرهه الاِمام عليّ رضي الله عنه حتّى أخرج القصّاصين من المساجد، لِما كانوا يضعونه في أذهان الناس من خرافات وأساطير، بعضها مأخوذ من الديانات السابقة بعد أن دخلها التحريف وعراها التغيير!

قال: وقد كثر القُصّاص في العصر الاَُموي، وكان بعضه صالحاً وكثير منه غير صالح، وربّما كان هذه القصص هو السبب في دخول كثير من الاِسرائيليات في كتب التفسير وكتب التاريخ الاِسلامي..

وإنّ القصص في كلّ صوره التي ظهرت في ذلك العصر كان أفكاراً غير ناضجة تلقى في المجالس المختلفة، وإنّ من الطبيعي أن يكون بسببها خلاف، وخصوصاً إذا شايعَ القاصُّ صاحب مذهب أو زعيم فكرة أو سلطان، وشايع الآخر غيره، فإنّ ذلك الخلاف يسري إلى العامّة، وتسوء العُقبى، وكثيراً ما كان يحدث ذلك في العصور الاِسلامية المختلفة(١) .

فلماذا لا يكون كِلا الاَمرين قد أرادهما تميم الداري: دخول الاِسرائيليات والاَساطير في التفسير والتاريخ، وظهور الخلافات والنزاعات بين المسلمين؟!

لماذا إذن فرّ من علي إلى معاوية؟!

والاَمران اللذان أرادهما تميم، ونشط فيهما كعب الاَحبار أيضاً في عهد عثمان، وساهم فيهما آخرون، كلاهما قد أراد عليٌّ عليه السلام أن يقطع دابرهما، ويخيّب آمال هؤلاء الّذين يكيدون للاِسلام وأهله كلّ شرّ،

(١) محمّـد أبو زهرة/ المذاهب الاِسلامية: ٢٠.

٦٠