×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

تاريخ السنة النبوية / الصفحات: ٦١ - ٨٠

ويظهرون بمظاهر النسك التي ألفوها في اليهودية والنصرانية.

المبحث الثالث: إحيـاء السُـنّة

في غير الرواية والتدوين، تُحدّثنا الاَخبار الدقيقة عن مشكلات أُخرى قد تعرّضت لها السُـنّة، فتداركها عليٌّ:

١ ـ قال أبو موسى الاَشعري: «لقد ذكّرنا عليّ بن أبي طالب صلاةً كنّا نصلّيها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إمّا نسيناها، أو تركناها عمداً»!!(١) .

إذن هذه الصلاة أيضاً قد أُصيبت في صورتها، وطريقة أدائها؟!

ثمّة شهادة أُخرى على ذلك، شاهدها الصحابي الجليل أبو الدرداء، الذي توفّي في خلافة عثمان!(٢) .

* قالت أُمّ الدرداء: دخل علَيَّ أبو الدرداء مغضباً، فقلتُ: مَن أغضبك؟!

قال: «والله لا أعرف فيهم من أمر محمّـد صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً إلاّ أنّهم يصلّون جميعاً»!(٣) .

إذن كلّ شيء قد تغيّر عن أمر محمّـد صلى الله عليه وآله وسلم ولم تَعُد تُـرَ تلك السنن التي ميّزت المجتمع أيّام الرسول، ولم يبق فيهم إلاّ صورة الاجتماع في الصلاة، الاجتماع وحده، لا سنن الصلاة التي تحدّث عنها أبو موسى

(١) مسند أحمد ٤/٣٩٢ من طريقين، وهما في الطبعة المرقّمة في ج ٥ ح ١٩٠٠٠ و ١٩٠٠٤.

(٢) انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء ٢/٣٥٣، والاِصابة ٣/٤٦.

(٣) مسند أحمد ٦/٤٤٣ من طريقين، وهما في الطبعة المرقّمة في ج ٧ ح ٢٦٩٤٥ و ٢٦٩٥٥.

٦١
الاَشعري.

٢ ـ وقبل قرأنا صلاة عثمان وعائشة في السفر تماماً، لا يُقصَران، وقد أبى عليٌّ ذلك، وأنكره نفر من الصحابة، وحين مرض عثمان في تلك الاَثناء ودعوا عليّـاً للصلاة بهم، قال: «إنْ شئتم صلّيت بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم». فقال أكثرهم: لا، إلاّ صلاة أمير المؤمنين!!

وهكذا تتغيّر السـنن وتختفي لتحلّ محلّها محدَثات ينصرها كثير وكثير من السلف، ثمّ تصل إلى اللاحقين فيأخذون عن سلفهم برضاً وتسليم لفرط حسن الظنّ بهم حتّى أعفاهم من النقد ومن ضوابط التحقيق والنظر!

٣ ـ وقصّة علي مع صلاة التراويح جماعةً، أيّام خلافته، هي الاَُخرى من هذا القبيل، فحين أمر عليه السلام بتفريقهم ليعيدهم على ما كان أيّام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قالوا: «وا سُـنّة عمراه»!!(١) .

فهم يعلمون أنّها سُـنّة عمر، وأنّ الذي يدعوهم إليه عليٌّ عليه السلام هي سُـنّة النبيّ!!

تقرأ ذلك صريحاً في صحيح البخاري، وغيره، أنّها سُـنّة عمر(٢) .

وفي صحيح البخاري أنّ عمر لمّا جمع الناس عليها قال: «نِعْمَ البدعة هذه!»(٣) .

قال القسطلاني في شرحها: سمّاها بدعة لاَنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يسـنَّ لهم، ولا كانت في زمن الصدّيق، ولا أوّل الليل، ولا هذا

(١) شرح نهج البلاغة ١٢/٢٨٣.

(٢) صحيح البخاري ـ كتاب صلاة التراويح.

(٣) صحيح البخاري ـ كتاب صلاة التراويح ـ ٢ ح ١٩٠٦.

٦٢
العـدد»!(١) .

٤ ـ وتقرأ في أوّليّات عمر: «هو أوّل من حرّم المُتعة» وتقدّم حديثها(٢) ، وأمّا قول عليٌّ عليه السلام فيها فهو المشهور:«لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنى إلاّ شفىً» أو: «إلاّ شقيّ».

٥ ـ وفي أوّليّات عمر أيضاً: «وأوّل من جمع الناس على أربع تكبيرات في صلاة الجنائز»(٣) .

أخرج أحمد من حديث حذيفة بن اليمان، أنّه صلّى على جنازة فكبّر خمساً، ثمّ التفت إلى الناس، فقال: «ما نسيتُ ولا وهمتُ، ولكن كبّرت كما كبّر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم»!(٤) ، يريد أن يذكّرهم بأمر نسوه واستبدلوه بأمر محدَث مضوا عليه حتّى نسوا الاَمر الاَوّل، وكم توجّع حذيفة لهذا النسيان أو التناسي!

ومثله ثبت عن زيد بن أرقم، كبّر على الجنازة خمساً، فاستنكروا عليه، فقال: «سُـنّة نبيّـكم».. «ولن أدعها لاَحد بعده».. «ولن أدعها أبـداً»(٥) . والتكبيرات الخمس هي التي مضى عليها عليٌّ عليه السلام(٦) ، ومثله صنع

(١) إرشاد الساري ٤/٦٥٦.

(٢) هذا كلّه تقدّم في ص ١٦٠ ـ ١٦٤، وانظر أيضاً: الاَوائل ـ لاَبي هلال العسكري ـ: ١١٢، تاريخ الخلفاء ـ للسيوطي ـ: ١٢٨.

(٣) العسكري/ الاَوائل: ١١٣، ابن الاَثير/ الكامل في التاريخ ٣/٥٩ السيوطي/ تاريخ الخلفاء: ١٢٨.

(٤) مسند أحمد ٥/٤٠٦.

(٥) مسند أحمد ٤/٣٧٠ ـ ٣٧١، سنن الدارقطني ٢/٧٥.

(٦) مصنّف عبـد الرزّاق ٣/٤٨١، منتخب الكنز بهامش مسند أحمد ١/٢٢١ ـ ٢٢٢.

٦٣
الاِمام الحسـن عليه السلام(١) ، وعليها فقه أهل البيت عليهم السلام.

٦ ـ ومع عثمان، في أمر الزكاة، بعث إليه علي عليه السلام بكتاب فيه حكم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في الزكاة، بعثه بيد ولده محمّـد بن الحنفيّة، فقال له عثمان: أغنها عنّا!!

فرجع بها إلى أبيه عليه السلام، فقال له: ضع الصحيفة حيث وجدتها(٢) .

هذه سـنن طرأ عليها هذا النحو من التبديل والتغيير، فكان تداركها لاِحياء السُـنّة النبوية الثابتة هو من أهمّ ما وضعه عليّ عليه السلام نصب عينيه وهو يتولّى الحكم: «لنردّ المعالم من دينك».

وهكذا استعادت السُـنّة روحها ودورها في أيّامه، ليكون ذلك طريقاً إلى حفظها من الضياع وحفظ مكانتها في التشريع.

مقولات فيها مصادرة:

* الاَُستاذ الدكتور نور الدين عتر/ في كتابه «منهج النقد في علوم الحـديث».

* محمود أبو ريّة/ في كتابه «أضواء على السُـنّة المحمّـدية».

* الدكتور محمّـد سلام مدكور/ في كتابه «مناهج الاجتهاد في الاِسـلام».

(١) الاَحبار الطوال: ٢١٦، شرح نهج البلاغة ٦/١٢٢.

(٢) ابن حزم/ الاَحكام ١/٢٥٣.

٦٤
الاَُولى: قال بها الدكتور نور الدين عتر حين نسب منع تدوين السُـنّة إلى إجماع الصحابة!

فبعد أن نقل رغبة عمر في التدوين أوّلاً، واستشارته الصحابة وإشارتهم عليه بالتدوين، ثمّ تبدّل رأي عمر، قال: وقد أعلن عمر هذا على ملاَ من الصحابة رضوان الله عليهم وأقرّوه، ممّا يدلّ على استقرار أمر هذه العلّة في نفوسهم!(١) .

وهذا القول ناشىَ عن رؤية مثالية أوّلاً، وفيه مصادرة لآراء الصحابة ثانياً:

فالرؤية التي تصوّر سكوت الصحابة أمام أيّ قرار تصدره الخلافة، على أنّه إجماع إقراري، رؤية مثالية، وهذا الخبر هو واحد من أهمّ الاَدلّة على ذلك، فقبل شهر واحد فقط من صدور هذا القرار كانوا قد أعطوا رأيهم المؤيّد لتدوين السُـنّة بالاِجماع، ولم يظهر في ذلك أدنى خلاف حتّى صدر قرار الخليفة بعكسه، فبعد أن أعطوه الرأي ثمّ عزم على خلافه فلا محلّ إذن للمعارضة.

وإذا زعمنا أنّ سكوتهم كان إقراراً كاشفاً عن الاِجماع، فما هي قيمة إجماعهم السابق على خلافه؟!

هل سيبقي هذا التصوّر على شيء من قيمة (إجماع الصحابة)؟ لا في هذه المسألة وحدها، بل في كلّ مسألة!

وثمّة دليل عملي على عدم إقرار الصحابة بقرار المنع:

لقد راحوا من وراء الخليفة يكتبون الحديث والسـنن، حتّى كثرت

(١) منهج النقد في علوم الحديث: ٤٤.

٦٥
عندهم الكتب، فوصل خبرها إلى عمر، فقام فيهم خطيباً، فقال: «أيّها الناس، إنّه قد بلغني أنّه قد ظهرت في أيديكم كتب، فأحبّها إلى الله أعدلُها وأقوَمُها، فلا يُبقينّ أحدٌ عنده كتاباً إلاّ أتاني به، فأرى فيه رأيي».

فظنّوا أنّه يريد أن ينظر فيها ويقوّمها على أمر لا يكون فيه اختلاف، فأتوه بها، فأحرقها بالنار!(١) .

فما زال الصحابة إذن عند إجماعهم الاَوّل، وما زال عمر عند رأيه المخالف.

والثانية: ما خلص إليه محمود أبو ريّة في إثبات النهي عن تدوين السُـنّة، وانصياع الصحابة لهذا الاَمر انصياعاً تامّاً، ليقضي على السُـنّة كلّها بالضياع، ولم يُبقِ منها إلاّ حديثين صحّا عنده، وبلغا التواتر، وهما: حديث النهي عن التدوين، وحديث «من كذب علَيَّ فليتبوّأ مقعده من النار» مؤكّداً عدم ورود كلمة «متعمّداً» في هذا الحديث، ليجعل من الكذب عليه رواية الحديث بالمعنى! متمسّـكاً بأدلّة حاكمة عليه، لا له(٢) .

فكلّ ما ورد عن أبي بكر وعمر والصحابة في عهديهما كان صريحاً جدّاً بعدم ورود النهى عن تدوين السُـنّة من قبل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم..

أضف إلى ذلك ما هو ثابت من تدوينها بأمر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أو بإذنه، ومن ذلك:

* الصحيفة التي كانت في قائم سيفه صلى الله عليه وآله وسلم فيها بعض السنن، ثمّ

(١) الطبقات الكبرى ٥/١٨٨، تقييد العلم: ٥٢.

(٢) راجع كتابه «أضواء على السُـنّة المحمّـدية» والذي ارتضى أن يسمّيه في طبعته الثانية باسم «دفاع عن السُـنّة»!!

٦٦
صارت عند علي عليه السلام(١) .

* وما ثبت من كتابة عبـدالله بن عمرو بن العاص، قال: فنهتني قريش وقالوا: أتكتب كلّ شيء تسمعه ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتكلّم في الرضا والغضب؟! فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأومأ بإصبعه إلى فمه وقال: «أُكتبْ، فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلاّ حـقّ»(٢) .

* وقول أبي هريرة: إنّ عبـدالله بن عمرو كان يكتب، وكنت لا أكتب(٣) .

* وحين طلب أبو شاة اليماني من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أن يكتبوا له خطبة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يوم فتح مكّة، وكان أبو شاة قد شهدها، فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: «اكتبوا لاَبي شاة»(٤) .

* وحديث أنس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «قيّدوا العلم بالكتاب»(٥) .

* وكان أنس قد كتب حديثاً كثيراً بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحفظه حتّى وقت متأخّر من عهد الصحابة، فكان يملي الحديث، حتّى كثر عليه الناس يوماً يطلبون الحديث، فجاء بمجالٍّ(٦) من كتب، فألقاها،

(١) ذكرها البخاري ومسلم وأصحاب السنن.

(٢) مسند أحمد ٢/٢٠٧، سنن أبي داود ٣/٣١٨ ح ٣٦٤٦، المستدرك ١/١٠٤ ـ ١٠٥ ووافقه الذهبي.

(٣) صحيح البخاري ـ كتاب العلم ١/٤٠ ح ١١٣.

(٤) صحيح البخاري ـ كتاب العلم ـ باب ٣٩ ح ١١٢، سنن الترمذي ٥ ح ٢٦٦٧، سنن أبي داود ـ كتاب العلم ٣/٣١٩ ح ٣٦٤٩.

(٥) جامع بيان العلم ١/٨٦ ـ ٨٧.

(٦) المجالّ: جمع مجلّة، وهي الصحيفة التي يُـكتب فيها.

٦٧
ثمّ قال: «هذه أحاديث سمعتها وكتبتها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعرضتها عليه»(١) .

* وكتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أكثر من كتاب في الصدقات، والديات، والفرائض، والسـنن، لعمّاله(٢) .

* وقال صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه الاَخير: «هلمّوا أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعـده»(٣) .

وغير هذا كثير، وقد تناولت الكتابة في عهده صلى الله عليه وآله وسلم قسماً كبيراً من الحديث يبلغ في مجموعه ما يضاهي مصنّفاً كبيراً من المصنّفات الحديثـة(٤) .

أمّا موقف الصحابة من الكتابة فقد عرفناه، وقد ذكر ابن عبـد البرّ وغيره عدداً كبيراً من كتب الصحابة، ومنهم عبـدالله بن مسعود الذي عدّوه في المانعين من الكتابة، فقد أخرج ابنه عبـد الرحمن كتاباً وحلف أنّه خطّ أبيه بيده(٥) .

وأمّا حديث أبي سعيد الخدري الذي يرفعه إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تكتبوا عنّي شيئاً إلاّ القرآن، فمن كتب غير القرآن فليمحه» والذي عدّوه أصحّ ما ورد في النهي عن كتابة الحديث(٦) ، وهو أصحّ حديث عند

(١) تقييد العلم: ٩٥ ـ ٩٦.

(٢) نور الدين عتر/ منهج النقد: ٤٧ ـ ٤٨.

(٣) متّفق عليه.

(٤) نور الدين عتر/ منهج النقد: ٤٥، وانظر: د. محمّـد عجاج الخطيب/ أُصول الحديث: ١٨٧ ـ ١٩٠.

(٥) جامع بيان العلم: ٨٧، أُصول الحديث: ١٦٠ ـ ١٦٥، و ١٩١ ـ ٢٠٥.

(٦) محمود أبو ريّة/ أضواء على السُـنّة المحمّـدية: ٤٨.

٦٨
أبي ريّة، فقد رآه كثير من المحقّقين موقوفاً على أبي سعيد، وليس حديثاً عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا قول البخاري وآخرين(١) .

بل ثبت عن أبي سعيد نفسه خلافه، حين شهد أنّه كان يكتب التشهّد ـ تشهّد الصلاة ـ عند النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم(٢) .

والثالثة: مقولة الدكتور محمّـد سلام مدكور.

إذ مثّل لاختلاف الصحابة في فهم النصّ بما وقع بالنسبة لتدوين السُـنّة، لمّا قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في ما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري: «لا تكتبوا عنّي غير القرآن، ومن كتب عنّي غير القرآن فليمحه، وحدّثوا عنّي ولا حَرَج، ومن كذب علَيَّ فليتبوّأ مقعده من النار».

قال: فقد اتّجه فقهاء الصحابة في ذلك إلى وجهتين متعارضتين:

* فريق منهم، وكانت له الغَلَبة: فهموا أنّ ذلك نهي عامّ وليس قاصراً على كُتّاب الوحي! فامتنعوا عن تدوين السُـنّة، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب... وقالوا: إنّ ما دوّنه بعض الصحابة منها إنّما كان تدويناً مؤقّتاً حتّى يحفظه ثمّ يُمحى المكتوب بعد ذلك.

* بينما ذهب الفريق الآخر إلى أنّ ذلك كان خاصّاً بكُتّاب الوحي دون سواهم، خشية أن يختلط بالقرآن ما ليس منه، بدليل أنّه أباح الكتابة عند أمن الاختلاط، كما ثبت في حديث عبـدالله بن عمرو(٣) ..

وهذا التفصيل كلّه لا يقوم على حجّة صحيحة، بل الحجّة الصحيحة تنقضه بكامله، كما سنتابعه في الفقرات الآتية:

(١) انظر: فتح الباري: ١/١٦٨، تدريب الراوي ٢/٦٣.

(٢) تقييد العلم: ٩٣.

(٣) مناهج الاجتهاد في الاِسلام: ٨٥.

٦٩
أ ـ الحديث الذي رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري، تقدّم أنّه موقوف عليه وليس من حديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كما قال البخاري وغيره.

ب ـ إنّ الفريق الاَوّل، والذي كانت له الغلبة، لم يحتجّ يوماً ما بأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قد نهى عن كتابة السُـنّة، فهذا لم يحدث منهم ألبتّة.

ج ـ إنّ هذا الفريق نفسه قد باشر تدوين السُـنّة أحياناً ابتداءً، كما صنع أبو بكر، أو أمر بتدوينها وشاور الصحابة على ذلك فأجمعوا على كتابتها دون تردّد. وفي ذلك كلّه لم يظهر لهذا الحديث المرويّ عن أبي سعيد ذِكر ولا أثر.. بل فعلهم هذا، وهم الفريق المانع، لهو أوضح دليل على أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يمنع من تدوين السُـنّة قطّ، لا منعاً خاصّاً ولا عامّاً.

د ـ الحديث المذكور عن أبي سعيد الخدري يقول فيه أيضاً: «وحدّثوا عنّي ولا حرج» وهذا الفريق الغالب قد منع عن التحديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم بنفس القوّة التي منع فيها عن التدوين! فكيف يُدّعى أنّهم امتنعوا عن التدوين تمسّـكاً بنهي النبيّ عنه؟! فماذا عن رواية حديثه وسُـنّته التي أمر بها على أيّ حال إلاّ أن يقعوا بالكذب؟!

هـ ـ إنّ الاعتذار بخوف اختلاط القرآن بالسُـنّة اعتذار واهٍ ومتهافت، وقد مرّ نقده مفصّلاً.

و ـ إنّ هذا التمييز بين كُتّاب الوحي وغيرهم في شأن كتابة السُـنّة تمييز لم يُعرف في عهد الصحابة قطعاً، ولا يستطيع أحد نسبته إليهم بصدق، وإنّما هو من تبرير المتأخّرين دفعاً لِما يلزمهم من تخطئة المانعين من كتابة السُـنّة، ليس أكثر من ذلك.

وهنا ملاحظتان تجدر الاِشارة إليهما:

٧٠
١ ـ المقولات الثلاث هذه جامعة لغيرها متضمّنة لها، لذا اكتفينا بذِكرها عن غيرها.

٢ ـ نسبة هذه المقولات إلى الاَعلام المذكورين لم تأت من كونهم أوّل مَن قالوا بها، فهي آراء قديمة تتّصل بعصر التابعين، وبعضها بعصر الصحابة، لكنّ الاَعلام المذكورين انتخبوها من بين الرؤى وحاولوا تدعيمها بالدليل والبرهان، فحظيت على أيديهم بالرواج نظراً لاَهمّـيّة وسعة انتشار كتبهم التي تضمّنتها، وعلى هذا الاَساس الاَخير كان تصنيفنا.

* * *
٧١

خلاصـة في نقـاط

١ ـ كان تدوين الحديث أمراً مألوفاً يمارسه الصحابة في عهد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، برضاً منه، وبإذنه أحياناً، وبأمره أحياناً أُخرى.

أمّا رواية الحديث ونشره فقد أمر بها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أمراً صريحاً ومكرّراً.

٢ ـ ظهر في عهد أبي بكر أوّل أمر بالمنع من الحديث، لعلّة أو أُخـرى.

٣ ـ أحرق أبو بكر كتاباً يضمّ خمسمئة حديث كان قد كتبها بيده، وهذا أوّل كتاب حديث أُحرق.

٤ ـ واصل عمر المنع من الحديث، مؤكّداً ذلك بعهوده على عمّاله، وبحبسه بعض الصحابة في المدينة حين لم يأمن امتثالهم أمره.

٥ ـ أحرق عمر مزيداً من كتب الحديث، جمعها من عدد كبير من الصحابة.

٦ ـ ابتدأ عثمان سيرته مع الحديث بقوله: «لا يحلّ لاَحد يروي حديثاً لم يُسمَع به في عهد أبي بكر ولا في عهد عمر». لكنّه لم يدقّق في ذلك كما فعل أبو بكر وعمر، فلا أحرق شيئاً من كتب الحديث، ولا تتبّع كُتّابه ورواته، بل على العكس، فقد وجد أبو هريرة وكعب الاَحبار خاصّة في عهده ما لم يحلما ببعضه في عهد عمر.

٧ ـ وافق الخلفاء على المنع نفر قليل من الصحابة لا يتجاوزون

٧٢
الاَربعة: عبـدالله بن مسعود، وأبو سعيد الخدري، وأبو موسى الاَشعري، وزيد بن ثابت(١) .

٨ ـ كانت السيرة المذكورة سبباً في ضياع حديث ليس بالقليل، إن اقتصر حفظه على هذه المصادر التي أُحرقت وأُتلفت، ليس على يد أبي بكر وعمر فقط، بل مارس غيرهم نحو ذلك، فقد جاء علقمة بصحيفة(٢) من اليمن أو من مكّة، فيها أحاديث في أهل البيت، بيت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فدخل ومعه جماعة على عبـدالله بن مسعود، قالوا: فدفعنا إليه الصحيفة، فدعا بطست فيه ماء! فقلنا: يا أبا عبـد الرحمن، انظر فيها، فإنّ فيها أحاديث حساناً! قالوا: فجعل يُميثها فيها!(٣) .

وكتب أبو بردة، عن أبيه ـ أبي موسى الاَشعري ـ كتباً كثيرة، فقال له أبوه: ائتني بكتبك، فلمّا أتاه بها غَسَلَها!(٤) .

٩ ـ وعلى خلاف ذلك فإنّ الاَكثرين من الصحابة ما زالوا على الاَمر الشرعي برواية الحديث والاِذن بكتابته، فحدّثوا وكتبوا، منهم من عُرِّضت كتبه للاِحراق أو الغسل، ومنهم من حفظها عن عيون الخليفة فبقيت بعده، كما هو مشهور عن: صحيفة علي عليه السلام، وصحيفة جابر بن عبـدالله الاَنصاري، وكتاب أبي رافع مولى رسول الله، وكتب أنس بن مالك، وصحيفة سعد بن عبادة، وصحيفة عبـدالله بن عمرو، وكتاب عبـدالله بن

(١) انظر: تدوين السُـنّة الشريفة: ٢٦٩ عن مقدّمة ابن الصلاح: ٢٩٦، وعلوم الحديث ـ لابن الصلاح/ تحقيق عتر ـ: ١٨١.

(٢) تكرّر ذِكر الصحيفة في هذه الفقرة، والمراد بالصحيفة:الكتاب

(٣) تقييد العلم: ٥٤. وقوله: «جعل يميثها فيها»: أي يفركها في طست الماء لتذوب فيه الكتابة.

(٤) جامع بيان العلم: ٧٩ ح ٣١٧ و٨٠ ح ٣٢٥.

٧٣