×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

تصحيح القراءة في نهج البلاغة / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٢ فارغة
 كتاب تصحيح القراءة في نهج البلاغة للشيخ خالد البغدادي (ص ١ - ص ٢٤)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

مركز الأبحاث العقائدية :

إيران ـ قم المقدسة ـ صفائية ـ ممتاز ـ رقم ٣٤

ص . ب : ٣٣٣١ / ٣٧١٨٥

الهاتف : ٧٧٤٢٠٨٨ (٢٥١) (٠٠٩٨)

الفاكس : ٧٧٤٢٠٥٦ (٢٥١) (٠٠٩٨)

العراق ـ النجف الأشرف ـ شارع الرسول (صلى الله عليه وآله)

جنب مكتب آية الله العظمى السيد السيستاني دام ظله

ص . ب : ٧٢٩

الهاتف : ٣٣٢٦٧٩ (٣٣) (٠٠٩٦٤)

الموقع على الإنترنيت : www.aqaed.com

البريد الإلكتروني : [email protected]


شابِك ( ردمك ) :*-٩٦-٨٦٢٩-٩٦٤

تصحيح القراءة في نهج البلاغة ردّاً على «قراءة في نهج البلاغة» للدليمي

تأليف

الشيخ خالد البغدادي

الطبعة الأولى - ٢٠٠٠ نسخة

سنة الطبع: ١٤٢٧هـ

المطبعة : ستارة

* جميع الحقوق محفوظة للمركز *

٣

مقدّمة المركز:

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير الخلق أجمعين، أبي القاسم محمّـد صلّى الله عليه وآله، وعلى أهل بيته الطيّبين الطاهرين الّذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.

وبعـد..

يمثّل نهج البلاغة أكثر النصوص ثباتاً وديمومة وانتشاراً في فكرنا الإسلامي بعـد القرآن الكريم والسُـنّة النبوية الشريفة، ولعلّ سرّ خلود هذا " النهج " هو: مضـمونه الذي يعدّ " دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق "..

هذا المضمون الذي يعالج مواقف الإنسان المختلفة: كفاحه من أجل الحصول على لقمة العيش، تعاونه مع أفراد جنسه من أجل البقاء على قيد الحياة، صراعه مع الآخرين للتغلّب والترأس عليهم.

تعرّض نهج البلاغة لمختلف طبقات المجتمع: العسكر، القضاة، الولاة، الكتّاب، الزرّاع، التجّار، أصحاب الصناعات والعمّال، والعاطلين عن العمل وغيرهم.

وتعرّض أيضاً لطبيعة الحكم وضرورته لكلّ مجتمع، وشروط

٤
الحاكم، وطبيعة الحكم عند الإمام، وعلاقة الحاكم بالرعية، وحقوق كلّ منهما على الآخر.

وأشار أيضاً إلى بعض المغيّبات، كـ: غرق البصرة، وتسلّط الظالمين على الكوفة وتغلّب معاوية على الخلافة، ومصير الخوارج ونهاية أمرهم، وقتل الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء المقدّسة، وخلافة مروان وبنيه، وحرب الزنج، وولاية الحَجّاج، والأتراك، وخروج المهدي عليه السلام.

وفي هذا " النهج " أيضاً كلام للإمام عليّ عليه السلام عن علمه بالمغيّبات في مناسبات كثيرة..

منها: قوله عليه السلام: "فاسألوني قبل أن تفقدوني، فوالذي نفسي بيده! لا تسألوني عن شيء في ما بينكم وبين الساعة، ولا عن فئة تهدي مائة وتضلّ مائة إلاّ أنبأتكم بناعقها، وقائدها، وسائقها، ومُناخ ركابها، ومحطّ رحالها، ومَن يقتل من أهلها قتلا، ومَن يموت منهم موتاً، ولو قد فقدتموني، ونزلت بكم كرائه الأُمور وحوازب الخطوب، لأطرق كثير من السائلين، وفشل كثير من المسؤولين"(١).

ومنها: قال مخاطباً أصحابه: "والله! لو شئت أن أُخبر كلّ رجل منكم بمخرجه ومولجه وجميع شأنه لفعلت، ولكن أخاف أن تكفروا فيَّ برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ألا وإنّي مفضيه إلى الخاصّة ممّن يؤمن ذلك منه. والذي بعثه بالحقّ واصطفاه على الخلق! ما أنطق إلاّ صادقاً، وقد عهد إليّ بذلك كلّه، وبمهلك مَن يهلك ومنجى مَن ينجو، ومآل هذا الأمر، وما أبقى شيئاً يمرّ على رأسي إلاّ أفرغه في أُذني وأفضى

١- نهج البلاغة: ١٦٥ خطبة رقم ٩٢.

٥
به إليّ"(١).

وذكر عليه السلام أنّه استقى علمه هذا من رسول الله صلّى الله عليه وآله ; إذ قال له بعض أصحابه: لقد أُعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب.

فقال عليه السلام: "ليس هو بعلم غيب، وإنّما هو تعلّم من ذي علم، وإنّما علم الغيب: علم الساعة وما عدّد الله سبحانه بقوله: { إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْض تَمُوتُ إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ }(٢)، فهذا علم الغيب الذي لا يعلمه أحد إلاّ الله، وما سوى ذلك فعلم علّمه الله لنبيّه فعلّمنيه، ودعا لي بأن يعيه صدري وتضطم عليه جوانحي"(٣).

وهذا " النهج " في الواقع هو جزء يسير من كلام أمير المؤمنين عليّ ابن أبي طالب عليه السلام، الذي ملأ السهل والجبل، وانتقل في البدو والحضـر، رواه على كثرته الرواة، وحفظه العلماء والدارسون..

قال المسعودي: "والذي حفظ الناس عنه من خطبه في سائر مقاماته أربعمائة خطبة ونيّف وثمانون خطبة يوردها على البديهة، تداول عنه الناس ذلك قولا وعملا"(٤).

وظلّ كلامه عليه السلام طيلة قرون عديدة محفوظاً في الصدور، مرويّاً على الألسنة، وحاول كثير من العلماء والأُدباء على مرّ العصور أن يُفردوا لكلامه كتباً خاصّـة ودواويـن مستقلّة..

١- نهج البلاغة: ٣٠٧ خطبة رقم ١٧٥.

٢- سورة لقمان ٣١: ٣٤.

٣- نهج البلاغة: ٢٢٨ خطبة رقم ١٢٨.

٤- مروج الذهب ٢: ٤٣١.

٦
منهم: نصر بن مزاحم، وأبو المنذر هشام بن محمّـد بن السائب الكلبي، وأبو مخنف لوط بن يحيى الأزدي، ومحمّـد بن عمر الواقدي، وأبو الحسن علي بن محمّـد المدائني، وأبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، وأبو الحسن علي بن الحسين المسـعودي، وأبو عبـد الله محمّـد بن سلاّمة القضاعي، وعبـد الواحد بن محمّـد بن عبـد الواحد التميمي، ورشيد الدين محمّـد بن محمّـد المعروف بـ: الوطواط، وعزّ الدين عبـد الحميد بن أبي الحديد المعتزلي، وغيرهم.

إلاّ أنّ أفضل هذه المحاولات وأجودها وأدقّها وأحسنها أبواباً ما قام به الشريف الرضي أبو الحسن محمّـد بن الحسين الموسوي في كتابه نهج البلاغة.

وقد بيّن الشريف الرضي في طيّات هذا " النهج " المصادر التي رجع إليها، والمشايخ الّذين نقل عنهم، فذكر كتاب البيان والتبيين للجاحظ، و المقتضب للمبرّد، وكتاب المغازي لسعيد بن يحيى الأُموي، وكتاب الجَمل للواقدي، و المقامات في مناقب أمير المؤمنين لأبي جعفر الإسكافي، و تاريخ ابن جرير الطبري، وحكاية الإمام الباقر أبي جعفر محمّـد بن عليّ عليهما السلام، ورواية اليماني عن أحمد بن قتيبة، وما وجده بخطّ هشام بن الكلبي، وخبر ضرار بن حمزة الصدائي، ورواية أبي جحيفة، وحكاية ثعلب عن أبي الأعرابي.

ومع ذلك وعلى مرّ العصور والأزمان، فقد شكّك بعض المتعصّبين ـ الّذين أعمت العصبية بصيرتهم ـ في نسبة ما ورد في نهج البلاغة لأمير المؤمنين عليه السلام، وناقشوا بعض الخطب والمواعظ والحكم الواردة فيه..

٧
يقول ابن أبي الحديد المعتزلي في ردّهم: " كثير من أرباب الهوى يقولون: إنّ كثيراً من نهج البلاغة كلامٌ مُحدَث صنعه قوم من فصحاء الشيعة، وربّما عزوا بعضه إلى الرضيّ أبي الحسن أو غيره، وهؤلاء أعمت العصبية أعينهم فضلّوا عن النهج الواضح، وركبوا بُنيّات الطريق، ضلالا وقلّة معرفة بأساليب الكلام.

وأنا أُوضّح لك بكلام مختصر ما في هذا الخاطر من الغلط، فأقول: لا يخلو إمّا أن يكون كلّ نهج البلاغة مصنوعاً منحولا، أو بعضه..

والأوّل باطل بالضرورة ; لأنّا نعلم بالتواتر صحّة أسناد بعضه إلى أمير المؤمنين عليه السلام، وقد نقل المحدّثون ـ كلّهم أو جلّهم ـ والمؤرّخون كثيراً منه، وليسوا من الشيعة ليُنسبوا إلى غرض في ذلك.

والثاني يدلّ على ما قلناه ; لأنّ مَن قد أنِس بالكلام والخطابة، وشَدَا طرفاً من علم البيان، وصار له ذوق في هذا الباب، لا بُدّ أن يفرّق بين الكلام الركيك والفصيح، وبين الفصيح والأفصح، وبين الأصيل والمولّد، وإذا وقف على كرّاس واحد يتضمّن كلاماً لجماعة من الخطباء أو لاثنين منهم فقط، فلا بُد أن يفرّق بين الكلامين، ويميّز بين الطريقتين..

ألا ترى أنّا مع معرفتنا بالشعر ونقده، لو تصفّحنا ديوان أبي تمّام فوجدناه قد كتب في أثنائه قصائد أو قصيدة واحدة لغيره لعرفنا بالذوق مباينتها لشعر أبي تمّام نفسه، وطريقته ومذهبه في القريض!

ألا ترى أنّ العلماء بهذا الشأن حذفوا من شعره قصائد كثيرة منحولة إليه ; لمباينتها لمذهبه في الشعر، وكذلك حذفوا من شعر أبي نؤاس كثيراً لمّا ظهر لهم أنّه ليس من ألفاظه ولا من شعره، وكذلك غيرهما من الشعراء، ولم يعتمدوا في ذلك إلاّ على الذوق خاصّـة!

٨
وأنت إذا تأمّلت نهج البلاغة وجدته كلّه ماءً واحداً، ونَفَساً واحداً، وأُسلوباً واحداً، كالجسم البسيط الذي ليس بعض من أبعاضه مخالفاً لباقي الأبعاض في الماهيّة، وكالقرآن العزيز ; أوّله كوسطه، وأوسطه كآخره، وكلّ سورة منه وكلّ آية مماثلة في المأخذ والمذهب والفنّ والطريق والنظم لباقي الآيات والسِور.

ولو كان بعض نهج البلاغة منحولا وبعضه صحيحاً، لم يكن ذلك كذلك، فقد ظهر لك بالبرهان الواضح ضلال مَن زعم أنّ هذا الكتاب أو بعضه منحول إلى أمير المؤمنين عليه السلام.

واعلم أنّ قائل هذا القول يطرُق على نفسه ما لا قِبَل له به ; لأنّا متى فتحنا هذا الباب، وسلّطنا الشكوك على أنفسنا في هذا النحو، لم نثق بصحّة كلام منقول عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أبداً، وساغ لطاعن أن يطعن ويقول: هذا الخبر منحول، وهذا الكلام مصنوع، وكذا ما نقل عن أبي بكر وعمر من الكلام والخطب والمواعظ والآداب وغير ذلك، وكلّ أمر جعله هذا الطاعن مستنداً له في ما يرويه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وآله والأئمّة الراشدين والصحابة والتابعين والشعراء والمترسّلين والخطباء، فلناصري أمير المؤمنين عليه السلام أن يستندوا إلى مثله في ما يروونه عنه من نهج البلاغة وغيره، وهذا واضح "(١).

والكتاب الذي بين أيدينا " تصحيح القراءة في نهج البلاغة " هو ردّ على ما جاء في كتيّب صغير كتبه طه حامد الدليمي أسماه: " قراءة في نهج البلاغة "، تعرّض فيه لبعض ما ورد في نهج البلاغة ; إذ قرأ " النهج " قراءة

١- شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ١٠: ١٢٨ ـ ١٢٩.

٩
ناقصـة، وناقش بعض ما ورد فيه، وحاول تطبيقه على أفكاره ومعتقداته الغامضة التي تدلّ على سطحيته، وانخفاض مستواه العلمي إلى حدّ جهله بأشهر الأحداث التاريخية، وأحوال الرواة وقواعد علم الرجال، إضافة إلى تعمّـده في بتر النصوص التي ينقلها من " النهج " محاولة منه لإقناع القارئ بأفكارة البالية.

فقد تطرّق الكاتب إلى مواضيع طالما أثارها قبله كثير من المشكّكين، وأجاب عليها علماؤنا الأبرار بأجوبة مفحمة لا تدع للمخالف أيّ مجال للشكّ فيها، مثل: عدالة الصحابة، وحديث العشرة المبشّرة بالجنّة، وشدّة المحبّة بين الإمام عليّ عليه السلام وعمر بن الخطّاب التي وصلت إلى أن يقوم الإمام عليه السلام بتزويج ابنته أُمّ كلثوم من عمر، ويسمّي أولاده بأسماء: عمر وعثمان، ويكنّي أحدهم بـ: أبي بكر، وأنّ الإمام عليّ عليه السلام كان يعتقد بأنّ الخلافة بالشورى لا بالنصّ، كما تذهب إليه الإمامية، إلى غير ذلك من الأفكار التي باتت ـ والحمد لله ـ واضحة للجميع.

و مركز الأبحاث العقائدية، الذي أخـذ على عاتـقه الوقوف أمام الشبهات التي تثار ضـدّ التشـيّع وأئمّة أهل البيت عليهم السلام، وذلك بإصدار مجموعة من الكتب التخصّصية في هذا المجال عبر " سلسلة ردّ الشبهات "، يقوم بإصدار هذا الكتاب الذي ألّفه الأخ العزيز سماحة الشيخ خالد البغدادي، الذي استفاد من المعلومات التي جمعها المركز في هذا الموضوع، ومن الخبرات العلميّة والفنّية المتوفّرة فيه.

وفي الختام يدعو المركز الكتّاب المفكّرين والباحثين إلى المساهمة في رفد هذه السلسلة، ويُعلمهم بأنّه قام بعدّة خطوات كمقدّمة لهذا المشروع، يجعلها في متناول أيديهم، وهي:

١٠

أوّلا:

استقصاء وجمع الشبهات المثارة من داخل الدائرة الإسلامية أو المطروحة من خارجها، وإجراء دراسة دقيقة بشأنها، من أجل التوصّل إلى منشأ كلّ شبهة وسيرها التاريخي وتطوّرها، وقد تمّ هذا الأمر بعد أن أجرى المركز مسحاً ميدانياً لمئات من الكتب القديمة والحديثة، ونظّمت الشبهات حسب المواضيع وحسب الحروف الهجائية.

ثانياً:

تجميع الأدلّة وردّ الشبهات من مصادر المسلمين في مختلف المواضيع العقائدية والمسائل الخلافية، وترتيبها حسب المواضيع وحسب الحروف الهجائية أيضاً، مع مراعاة الأقدم فالأقدم في هذه الأقوال، ليتعرّف الباحث على منشأ الأدلّة وسيرها التاريخي وتطوّرها بمرور الزمان.

ثالثاً:

أعدّ المركز قبل ذلك كلّه فهرسة موضوعية للكتب المختصّة بالعقائد والمعارف العامّة والمسائل الخلافية في بطاقات موزّعة حسب الحروف الهجائية.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على نبيّنا وحبيب قلوبنا محمّـد بن عبـد الله، وعلى أهل بيته الطيّبين الطاهرين.


محمّـد الحسّـون       
مركز الأبحاث العقائدية     
٢٧ محرّم الحرام ١٤٢٧ هـ 
[email protected]

١١

الإهداء


إلى سـيّد المظلومين، وإمام المتّقين، ووصي الصادق الأمين، وقائد الغرّ المحجّلين، ويعسوب الدين، وحجّة ربّ العالمين، أبي السبطين الحسن والحسين: أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله أجمعين.

سـيّدي ومولاي! هذا دفاع عن حياض " نهجك "، وتأكيد آخر أُقدّمه لصـريح حقّك، فامنُـن علَيَّ وتقبّله منّي بكرمك، وكن شفيعي في يوم لا يجوز أحـد الصراط إلاّ بكتاب ولايتك.


الراجي شفاعتك
خالد البغدادي 

١٢
١٣
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

تمهيد


تخرج علينا بين الفينة والأُخرى كتابات لإخواننا أهل السُـنّة تحاول النيل من مذهب العترة النبوية الطاهرة، مذهب أئمّة الهدى أهل البيت (عليهم السلام)..

والموالي لآل البيت (عليهم السلام) لا ينزعج ـ في واقع الأمر ـ من كثرة الكتب التي ترد عليه في هذا الجانب، لأنّه يعلم أنّها ضعيفة ركيكة واهية، وأنّ مذهبه من القوّة التي تغنيه بأن يكتب عنها ردّاً واحداً فقط ; إذ أنّ أغلب كتابات الإخوة في هذا المورد تدور في حلقة مفرغة، لا تنتهي إلاّ من حيث تبـدأ، ذلك لأنّهم يعتمدون في إثبات صحّة مذاهبهم، وفي نقض مذاهب الآخرين، على كتب أهل السُـنّة نفسها، وهو ما يستلزم الدور، كما لا يخفى(١).

والشيء الأكثر غرابة في الموضوع هو أنّ أرباب تلك الكتابات يحملون شهادات عالية، كما يثبتون ذلك في كتبهم، بحيث لا يخفى عليهم ـ كما هو المتصوَّر عمّن يحمل مثل تلك الشهادات ـ الاطّلاع على هذا الجانب الضعيف من بحوثهم واحتجاجاتهم ; إذ المعروف في صناعة الجدل

١- الدور في الاصطلاح ـ عند المناطقة ـ: توقّف الشيء على نفسه، ومثاله أن تقول: فلان صادق ; لأنّه قال: إنّه لا يكذب.

١٤
عند المناطقة أن تكون الأدلّة التي يواجه بها الخصـم لغرض الاحتجاج عليه من المصادر التي يثق بها الخصم ويعتبرها، لأنّ ذلك أقرب إلى إلزامه وإفحامـه، وأبلغ في الاحتجاج عليه لغرض إرغامه على الإقرار بخطإه وسـوء طريقته.

أمّا أن تكون أدلّة الاحتجاج من مصادر لا يثق بها الخصم ولا يعتبرها، بل يثبت من جانبه وضعها واختلاقها بأدلّة المخالف نفسـه، فأنّى للمخالف والحال هذه أن يقنع خصـمه بصواب ما يدّعيه؟!

بينما تجد في الجانب الآخر علماء مذهب أهل البيت (عليهم السلام) على العكس من ذلك تماماً ; فهم يثبتون دائماً صحّة مذهبهم، وقوّة عقائدهم من كتب أهل السُـنّة أنفسهم، بل ومن المصادر المعتبرة عندهم، ولم نجد إلى الآن مؤلَّفاً واحداً في مورد الاحتجاج مع المخالف يثبت صحّة مذهب التشـيّع لأهل البيت (عليهم السلام) من كتب الشيعة أنفسهم، وهي بين يديك، تعدّ بالآلاف، لا تجد فيها كتاباً واحداً ترد عليه مسألة الدور في الاحتجاج.

وإن دلّ ذلك على شيء فهو يدلّ على قوّة وأصالة مذهب شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، بخلاف مذاهب وفرق المسلمين الأُخرى الّتي ظهرت نتيجة الأحداث المؤلمة التي أعقبت وفاة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، والصراع الدموي الّذي جرى على الموقع الأوّل عند المسلمين منذ وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى نهاية خلافة العبّـاسيّـين!!

والسبب في ذلك: أنّ التشـيّع لأمير المؤمنين (عليه السلام)، ومن ثمّ للأئمّة من ولده (عليهم السلام)، إنّما بُـذرت بذوره الأُولى ونمت مع بداية الدعوة تماماً، بل بأوّل إنذار قام به النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بتوجيه من الله عزّ وجلّ، وهو إنذار عشيرته الأقربين..

١٥
فقد روى الطبري في تأريخـه، وابن الأثير في كامله، والحلبي الشافعي في سـيرته، وآخـرون غيرهم:

إنّ النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) حين أنزل الله تعالى: { وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاَْقْرَبِينَ }(١) عليه، وذلك قبل ظهور الإسلام بمكّة، دعاهم إلى دار عمّه أبي طالب وهم يومئذ أربعون رجلا، يزيدون رجلا أو ينقصـون، وفيهم أعمامه: أبو طالب وحـمزة والعبّـاس وأبو لهب...

وفي آخـره: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا بني عبـد المطّلب! إنّي والله ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به، جئتكم بخير الدنيا والآخـرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر، على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم؟

فأحجم القوم عنها غير عليّ ـ وكان يومئذ أصغرهم ـ إذ قام فقال: أنا يا نبيّ الله! أكون وزيرك عليه.

فأخذ رسول الله برقبته وقال: إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم فاسـمعوا له وأطـيعوا...

فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطـيع(٢). انتهى.

١- سورة الشعراء: الآية ٢١٤.

٢- انظر: تاريخ الأُمم والملوك ٢ / ٦٤ بطرق مختلفة، الكامل في التاريخ ١ / ٥٨٥ ـ ٥٨٦ ; وقد أرسله إرسال المسلّمات عند ذكره أمر الله فيه بإظهار دعوته، السيرة الحلبية ١ / ٤٦١.

أخرج هذا الحديث بهذه الألفاظ كثير من حفظة الآثار النبوية، كـ: ابن إسحاق، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبي نعيم، والبيهقي في سُـننه و دلائله، والثعلبي في تفسـيره..

وأخرجه بهذا المعنى مع تقارب الألفاظ غير واحد من جهابذة الحديث عند أهل السُـنّة.

وسيأتي عند الحديث عن سـنده وشواهده ـ في ص ١٣٠ ـ أنّ رجال السند والشواهد من رجال الصحاح ومن الثقات المعتبرين عند أئمّة الحديث.

١٦
فمَن تأمّل هذا الحديث يجد أنّ النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) طلب من عشيرته الأقربين، بأمر الله تعالى، الاعتراف بالتوحيد لله تعالى، ثمّ الاعتراف برسالته (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثمّ أمرهم بالسـمع والطاعة لأخيه ووصـيّه وخليفته عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وهذا هو معنى التشـيّع لعليّ (عليه السلام) الّذي نصّ عليه أرباب اللغة(١).

فالمستفاد من هذا الحديث أنّ بذرة التشـيّع لعليّ (عليه السلام) وضعت مع بذرة الإسلام في يوم واحد وساعة واحدة، فالصحابة الّذين كانوا ممتثلين لجميع ما أمر به الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا شيعة للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وشيعة لعليّ (عليه السلام)في آن واحد، سواء سُمّوا بذلك أو لم يُسمّوا، وقد سُمّي بذلك جماعة من الصحابة الكرام ـ رضي الله عنهم ـ وذلك لِما كانوا يجهرون به من متابعة عليّ (عليه السلام) ومطاوعته، منهم: سلمان وأبو ذرّ والمقداد وعمّار وغيرهم.

وقد ذكر ذلك: أبو حاتم سهل بن محمّـد السجستاني ـ المتوفّى سنة ٢٠٥ هـ ـ في كتابه: الزينة / ج ٣ باب: الألفاظ المتداولة بين أهل العلم ; فقال: أوّل اسـم ظهر في الإسلام على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هو: الشيعة، وكان هذا لقب أربعة من الصحابة، وهم: أبو ذرّ الغفاري، وسلمان

١- قال الفيروزآبادي في القاموس المحيط ٣ / ٤٩: شيعة الرجل ـ بالكسر ـ: أتباعه وأنصاره، ويقع على الواحد والاثنين والجمع والمذكّر والمؤنّث، وقد غلب هذا الاسم على من يتولّى عليّاً وأهل بيته حتّى صار اسماً خاصّاً لهم. انتهى.

وقال الزبيدي في تاج العروس ٥ / ٤٠٥: كلّ قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة، وكلّ مَن عاون إنساناً وتحزّب له فهو شـيعة ; فإذا قيل: فلان من الشيعة، عُرف أنّه منهم... وأصل ذلك من المشايعة، وهي: المطاوعة والمتابعة. انتهى.

١٧
الفارسي، والمقداد بن الأسـود الكندي، وعمّار بن ياسر، إلى أوان صِفّين، فانتشرت بين موالي عليّ (عليه السلام)(١). انتهى.

وقال محمّـد كرد عليّ(٢): عُرف جماعة من كبار الصحابة بموالاة عليّ في عصر رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، مثل: سلمان الفارسي، القائل: بايعنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على النصح للمسلمين والائتمام بعليّ بن أبي طالب والموالاة له.

ومثل: أبي سعيد الخدري، الّذي يقول: أُمر الناس بخمس، فعملوا بأربع وتركوا واحدة. ولمّا سئل عن الأربع، قال: الصلاة والزكاة وصوم شـهر رمضان والحجّ. قيل: فما الواحـدة الّتي تركوها؟ قال: ولاية عليّ ابن أبي طالب. قيل له: وإنّها لمفروضـة معهنّ؟ قال: نعم هي مفروضـة معهنّ.

ومثل: أبي ذرّ الغفاري، وعمّار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان،

١- أقول: إنّ ثلاثة من هؤلاء الّذين عُرفوا بتشيّعهم وموالاتهم لعليّ (عليه السلام) على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هم من الأصحاب الأربعة الّذين يحبّهم الله جلّ وعلا، والّذين أمر الله تعالى رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) بحبّهم بالإضافة إلى عليّ (عليه السلام)..

فـقد روى الترمذي في سُـننه، باب: مناقب عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " إنّ الله أمرني بحبّ أربعة، وأخبرني أنّه يحبّهم ". قال الترمذي: حديث حسن. وقال المباركفوري في تحفة الأحوذي في شرح جامع الترمذي ١٠ / ١٥١: وأخرجه ابن ماجة والحاكم. انتهى.

أقول: وقد صحّحه الحاكم.

كما أخرج هذا الحديث: أحمد في مسنده ٥ / ٣٥٦.

٢- محمّـد كرد عليّ: مؤسّـس ورئيس المجمع العلمي العربي بدمشـق، وصاحب مجلّة " المقتبس " والمؤلّفات الكثيرة، وأحد كبار الكتّاب، أصله من أكراد السليمانية (من أعمال الموصل) ومولده ووفاته في دمشـق.

انظر: الأعلام ـ لخير الدين الزركلي ـ ٦ / ٢٠٢.

١٨
وذي الشهادتين خزيمة بن ثابت، وأبي أيّوب الأنصاري، وخالد بن سعيد ابن العاص، وقيس بن سعد بن عبادة، وكثير أمثالهم(١). انتهى.

ولا أُريد هنا الاستطراد في بيان باقي الأدلّة ; فإنّ القارئ الكريم سيطّلع على شيء منها في ثنايا هذا الكتاب الّذي بين يديه، وذلك في ما يختصّ بالبحوث المطروحـة فيه..

وهذا الكتاب ـ في الواقع ـ ردّ على كتيّب طرح منذ فترة، اسمه: (قراءة في نهج البلاغة)، لكاتبه: طه حامد الدليمي، حاول صاحبه فيه أن ينقض عقائد الشيعة وما هم عليه في الأُصـول والفروع، وبخاصّة في ما يتعلّق بمسألة الإمامة وتفرّعاتها، ولكن هذه المرّة من كتب الشيعة نفسها، لا من كتب أهل السُـنّة ; إذ أنّ نهج البلاغة الجامع لخطب وكلمات وكتب أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) هو من الكتب الموّثقة والمعتبرة عندهم..

ولكن مع ذلك فإنّ الكاتب لم يخرج تماماً من شرنقة الدور الّتي أشرنا إليها سابقاً ; لأنّه حاول أن يثبت مدّعاه في مواضع عديدة من كتيبه هذا، وخصوصاً في ما يتعلّق بخيرية الصحابة جميعاً، بأحاديث جاء بها من كتب أهل السُـنّة نفسها، ومع اعتراضنا على هذه الطريقة ـ غير العلمية وغير العملية في آن واحد ـ في الاحتجاج، وهو حقّ مشروع في مقام طلب اعتبار الأدلّة، فإنّنا سايرنا الكاتب في دعاويه وناقشناه بها من كتبه نفسها، ولم نبخل عليه بالإرشاد إلى المصادر الّتي تعينه على البحث والتحقيق الجادّيْن.

وممّا يؤاخذ أيضاً على الكاتب، في كتيبه هذا، والّذي يقول عنه في

١- خطط الشام ٥ / ٢٥٦.

١٩
بداية مقدّمته:

" هذه جـمل مختارة من جواهـر كلام سـيّدنا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه)، انتقيتها من كتاب نهج البلاغة، دعاني إلى اختيارها وأغراني بانتقائها أنّ هذه الكلمات المباركات تصحّح كثيراً من الأوهام الفاسدة والمفاهيم الباطلة الّتي تنسب إلى سيّدنا عليّ نفسه بوصفها مسلّمات لا تخطر مناقشتها على بال، ولا يدور شكّ في صحّتها على خيال ; لكثرة ما تردّدت على الأسماع ولُقّنَت في الأذهان.

وكنت أقرأ القرآن الكريم، وأقف عند آياته المحكمات ودلائله البيّنات، فأجد مصادمة واضحة بين تعاليمه وما يدعو إليه وبين تلك المفاهيم فتأخذني الدهشة، ويعتريني الريب لهذا الّذي أقرأ وذلك الّذي لُقّنْت.

ثمّ شاءت الأقدار أن أطّلع على كتاب نهج البلاغة(*) وإذا بي أجد فيه كثيراً من النصوص الهادية والكلمات المبصرة توافق القرآن، وتصحّح ما علق بالأذهان، فهششت لها وسعدت بها برهة من الزمن كنت فيها أعرض هذه النصوص والكلمات على بعض أحبابي وإخواني ممّن عانوا ما عانيت وارتابوا ممّا ارتبت فيأخذهم العجب، وكان بعضهم لا يطمئن حتّى يمسك بالكتاب نفسه ليتأكّد ممّا سـمع، ثمّ بعد لحظات أراه يهزّ رأسه ثمّ تنفرج أساريره لتظهر على قسمات وجهه ابتسامة الرضا وعلامة اليقين وقد هدأت نفسـه وقرّت عينه، فأحمد الله على ذلك.

ثمّ رأيت أن أُسجّل بعضها في رسالة أُوجّهها إلى إخواني في الله... ".

* ينبغي على كلّ طالب لعلوم العربية ومباحث التوحيد والعدل الإلهي ومباحث الإمامة ومختلف العلوم الدينية الأُخرى، بل وغير الدينية، أن لا يفوته الاطّلاع على هذا السِفر الخالد، ومع ذلك يقول الدليمي هنا: شاءت الأقدار أن أطّلع!!

٢٠