×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

تطبيق المعايير العلمية / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحة: ١ فارغة
كتاب تطبيق المعايير العلمية للسيد ثامر هاشم حبيب العميدي
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على نبيّـنا محمّـد، وعلى آله الطيّبين، وصحبه المخلَصين ومن اتّبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعـد:

فإنّ من دواعي كتابة هذا البحث هو التطاول على الحقائق الاِسلامية الثابتة ببعض الكتيّـبات النقدية في الحديث الشريف، لاَسماء نكرة طفحت على الساحة الثقافية فجأة، مع خلوّها من أبسط المعايير العلمية لنقد الحديث، إذ لم تتّصف بشيء منها البتّة، حتّى عادت تلك الكتيّـبات عقبة كَـأْداء من عقبات التواصل الوحدوي على صعيد المجتمع المسلم، بل وأشبه ما تكون بمحاولة جادّة للقضاء على أيّ وسيلة من شأنها أنْ تقرِّب بين وجهات نظر المسلمين، وتلمّ شعثهم، وترأب صدعهم!

وذلك لابتذال المعايير العلمية في النقد ابتذالاً واضحاً خصوصاً عند من

٢
يمثّل ثقافة تلقينية أصابها اليأس والاِحباط المستمرّ، مع افتقاره التامّ إلى معرفة الاَُسـس والقواعد العلمية النقدية الثابتة ـ خصوصاً في علم الحديث الشريف ـ التي تؤطّر كلّ دراسة حديثية نقدية بشروط القبـول.

ولا عذر لمثل هذا، إذ لم تعد مسألة نقد الحديث، مسألة نسـبية تختلف باختلاف الناس وتباين ثقافاتهم.

ومن ثَـمَّ فإنّ السُـنّة المطهّرة نفسها قد أرست بعض القواعد النقدية العامة، والتي يمكن توظيفها لمواجهة الخطأ.

فالنبيّ الاَعظم صلى الله عليه وآله وسلم علّمنا مكارم الاَخلاق، وهو ـ بأبي وأُمّي ـ لم يكن فظّـاً غليظ القلب، وإلاّ لانفضّوا من حوله، وإنّما كان في مواجهته للفكر الجاهلي المتعسّف على خُلُق عظيم بشهادة السماء.

والاَُمّة التي استطاعت أن تواجه الخطأ بهدي سيرته صلى الله عليه وآله وسلم حتّى استطاعت ـ وبمدّة وجيزة ـ أن تقيم صرح حضارة امتدّت جذورها إلى أقصى الاَرض، لَقادرة على هذا أيضاً.

والذي يحزّ في النفس ألماً، أنّ أُمّتنا قد فقدت المواجهة الصحيحة للخطأ، وعادت رويداً رويداً إلى جاهليةٍ من نوع آخر، فيها من روح الابتعاد عن القرآن الكريم والسُـنّة المطهّرة الشيء الكثير، فما أحوجنا اليوم إلى حوار صادق، ونقد بنّاء، ورجوع حثيث إلى الكتاب والسُـنّة!

كما أنّنا بحاجة ماسّة إلى معرفة تراثنا الحديثي، لا فرق في ذلك بين كتب الحديث السُـنّية أو الشيعية، فهي كلّها في نظر غير المسلم من تراث الاِسلام؛ وإلى كيفية تنمية المهارات العلمية والقدرات الكفوءة وتوظيفها لخدمة هذا التراث وبنقدٍ يجيد صاحبه التعامل مع الآخرين من منطلق واع يهدف إلى تحقّق غرض النقد وأهدافه، مع التحلّي بأدب الاِسلام، ونبذ التصوّرات الخاطئة، وتجنّب إساءة الظنّ وفكرة سحق الآخر!

٣
كلّ هذا مع إدراك أنّ التغيير المطلوب نحو الاَفضل لا يمكن الوصول إليه بنقدٍ ظالم متعسّف، يُرام من خلاله إيقاع الهزيمة بطرف من الاَطراف والانتصار لطرف آخر!

فنقدٌ كهذا لا شكّ أنّه لا يصدر إلاّ عن نقص معرفة أو قصور ذهني في عدم التمييز بين المسائل الثابتة التي لا تقبل جدلاً، وبين المشكوكة الصحّة في كلّ أو بعض ما تتضمّن، وبالتالي فهو لا يملأ فراغاً علمياً، بل على العكس إذ يسهم بإيجاده بدعمه نمطاً نقدياً لا يرى من الصورة غير إطارها، ولا من الشخص إلاّ اسمه، ومع هذا قد يكون صادراً بحسن نيّة.

إلاّ أنّ نمطاً نقدياً من نوع آخر لا يمكن أن يكون كذلك، ذلك النمط الذي يجعل ما عند الآخر متهافتاً ولو كان في منتهى القوّة، ويصنّف الآخرين بالصورة التي يرغبها هو، صورة ساخرة يحاول أن يمزّقها بقلمه الذي اعتاد النزول إلى الشتائم لدرجة تشعر من خلالها لذّته في الشتم والسباب!

فتراه يعطي العناوين النقدية ـ لِما هو صواب فعلاً ـ بروزاً ظاهراً وحجماً مميّزاً، وبشكل يبرز عقدة الاستهداف، مع تأصيل الاستبداد النقدي بالرغبة الظاهرة في احتكار الموضوعات بثقافة شخصية تفتقر إلى التوازن النفسي باستعلائها على ذوي الاختصاص في نقد ذلك التراث الضخم بتعليم تلقينيٍّ جامد غالباً ما يؤدّي إلى هيمنة التصوّرات التي لا محصّل لها، والافتراضات الخاطئة في نقد الآخرين.

كلّ هذا مع حشد الناقد الفاقد لمعايير النقد العلمية ـ سواء في الحديث الشريف أو غيره ـ لجهات أُخرى في محاولة منه لاِعلان حالة من التعبئة العامة لمواجهة الطرف الآخر بعقلية التحريض المضادّ، كما نلحظه اليوم في تذييل الكتابات النقدية أو تصديرها بعناوين التحذير!!

وهكذا يكون التهديد المباشر، وبلغة بعيدة عن أخلاقيات النقد العلمي

٤
الموضوعي الهادف على درجة عالية من الفجاجة والاستفزاز، لاَنّه تأطير للعلماء بجهالة من دون تروٍّ مطلوب، ولا أشكّ في أنّ الطرف الآخر سوف لن يقابل الاِساءة بالاِحسان على هذا النحو من التشويه، وإنّما سيكون هو الآخر في حالة اسـتنفار دائم مع التحدّي المستمرّ، وهذا ما يؤكّد بطبيعته مسـيس حاجتنا إلى الرجوع إلى منابع الاِسلام الصافية، مع ضرورة تشخيص تلك الثقافات المنحرفة، فهي كجرثومة السرطان التي إذا ما وجدت بيئـتها في عضوٍ فليس له طبٌّ غير الاسـتئصال!

كيـف لا؟! وهدفها المعلَن هو التشكيك ببعض المسلَّمات والثوابت الدينية بحجّة اختلافها وتعارضها.. ويأتي في مقدّمة تلكم المسلَّمات والثوابت مسألة الاعتقاد بظهور الاِمام المهديّ عليه السلام في آخر الزمـان.

نعم، لقد تعرّض لهذه المسألة بالنقد مفتقرو المعايير العلمية لنقد الحديث، وتأثّر بعضهم بمنهج البحث الاسـتشراقي إزاء قضايانا الاِسلامية، حتّى أطلق ـ تبعاً لجولدزيهر، وفلوتن، وولهوسن، وغيرهم ـ خرافة فكرة الاِمام المهديّ وأُسطوريّتها!!

وهكذا طعنوا إسلامهم في الصميم، ولم يلتفتوا إلى أنّ الاَُسطورة التي بسطت وجودها بهذا الشكل في تراثنا الاِسلامي، ومدّت خيوطها في سائر العصور الاِسلامية، وانتشر الاِيمان بها في كلّ جيل؛ لا شكّ أنّها سلبت عقول فحول علماء المسلمين، وصنعت لاَجيالهم تاريخاً عقائدياً مزيّفاً، وتلك هي الطامّة الكبرى والكارثة العظمى!

كيـف لا؟! وفي تاريخ المسلمين أُسطورة قد أجمعوا على صحّتها!!

هذا، مع أنّ التاريخ لا يعرف أُمّة خلقت تاريخَها أُسطورةٌ، فضلاً عن كون أُمّة محمّـد صلى الله عليه وآله وسلم هي من أرقى أُمم العالم حضارة باعتراف المسـتشرقين أنفسهم، ناهيك عن دور القرآن الكريم والسُـنّة المطهّرة في تهذيب نفوس

٥
المسلمين، ومحاربة البدع والخرافات والاَساطير التي كانت سائدة في مجتمع ما قبل الرسالة السماوية الخالدة.

ومن هنا، وانطلاقاً من رصد المشاكل الثقافية المهمّة المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بواقع النقد وُلِدَ هذا البحث، ليكون مساهمة متواضعة بحاجة إلى النقد العلمي البنّاء، والاِضاءة، والتطوير، لعلّه يؤدّي إلى فهم إسلامي مشترك، ويغلق منافذ التشكيك بواحدة من مهمّات قضايانا الاِسلامية، وهي قضية ظهور الاِمام المهديّ عليه السلام في آخر الزمان، وعلى طبق ما أخبرت به السُـنّة النبويّة المطهّرة(*) .

وسوف أستهلّ البحث بإثبات تواتر أحاديث المهديّ، ذاكراً مَن أخرجها من الاَئمّة الحفّاظ، ومَن أُسندت إليه، ومَن قال بصحّتها أو اعترف بتواترها على نحو الاِيجاز والاختصار، ومِن ثمّ إخضاع ما وقفت عليه من الاَحاديث المختلفة والمتعارضة بهذا الشأن إلى الدراسة والنقد وعلى ضوء ما تعارف عليه أهل الفنّ من الفريقين، راجياً من السادة العلماء، والمشايخ الاَجـلاّء، والباحثين الفضلاء التماس العذر لي على ما يرونه من زلاّت وهفوات وهنات، وأن يغفروا لي ذلك، والله أَوْلى بالمغفرة.

وهو حسـبي.

ثامر هاشم حبيب العميدي 
٢٨ المحرّم الحرام ١٤١٦ هـ
قـم المشـَّرفـة       

(*) راجع كتاب: «مقدّمة في علم التفاوض الاجتماعي والسياسي» للدكتور حسن محمّـد وجيه، إصدار سلسلة عالم المعرفة، رقم ١٩٠، الكويت ١٤١٥ هـ، فستجد فيه نماذج راقية من أدب الحوار الهادف الذي يمكن توظيفه لخدمة الاَعمال النقدية؛ والحقّ، أنّي استفدت هنا من بعض أفكاره.

٦

تواتر أحاديث المهديّ عليه السلام

إنّ المشهور شهرة واسعة بين جميع المسلمين، وعلى مرّ الاَعصار أنّه لا بُـدّ في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت، يؤيّد الدين ويظهر العدل، وينشر الاِسلام في بقاع العالم كلّه، ويسمّى بالاِمام المهديّ.

هذا باعتراف ابن خلدون (ت ٨٠٨ هـ) الذي حاول مناقشة أحاديث المهديّ وتضعيفها، مع تصريحه بصحّة بعضها كما نشير إليه في محلّه.

والحقّ أنّ دليل المسلمين على ذلك هو تواتر أحاديث المهديّ والجزم بصحّتها، وليس شهرتها، فقد أخرجها في ما وقفت عليه ببحث مستقلّ جماعة كثيرة من أئمّة الحفّاظ، وأسندوها إلى عدد وافر من الصحابة، واليك الاِشارة السريعة إلى كلّ هذا، فنقـول:

أخرج أحاديث الاِمام المهديّ عليه السلام ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ)، وابن أبي شـيبة (ت ٢٣٥ هـ)، والاِمام أحمـد بن حنبـل (ت ٢٤١ هـ)، وأبو بكر الاِسكافي (ت ٢٦٠ هـ)، وابن ماجة (ت ٢٧٣ هـ)، وأبو داود (ت ٢٧٥ هـ)، وابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦ هـ)، والترمذي (ت ٢٧٩ هـ)، والبزّار (ت ٢٩٢ هـ)، وأبو يعلى الموصلي (ت ٣٠٧ هـ)، والطبري (ت ٣١٠ هـ)، والعقيلي (ت ٣٢٢ هـ)، ونعيم بن حمّاد (ت ٣٢٨ هـ)، وابن حبّان البستي (ت ٣٥٤ هـ)، والمقدسي (ت ٣٥٥ هـ)، والطبراني (ت ٣٦٠ هـ)، وأبو الحسن الآبري (ت ٣٦٣ هـ)، والدارقطني (ت ٣٨٥ هـ)، والخطّابي (ت ٣٨٨ هـ)، والحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ)، وأبو نعيم الاَصبهاني (ت ٤٣٠ هـ)، وأبو عمرو الداني (ت ٤٤٤ هـ)، والبيهقي (ت ٤٥٨ هـ)، والخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ)، وابن عبـد البرّ المالكي (ت ٤٦٣ هـ)، والديلمي (ت

٧
٥٠٩ هـ)، والبغوي (ت ٥١٠ أو ٥١٦ هـ)، والقاضي عياض (ت ٥٤٤ هـ)، والخوارزمي الحنفي (ت ٥٦٨ هـ)، وابن عساكر (ت ٥٧١ هـ)، وابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ)، وابن الجزري (ت ٦٠٦ هـ)، وابن العربي (ت ٦٣٨ هـ)، ومحمّـد بن طلحة الشافعي (ت ٦٥٢ هـ)، والعلاّمة سبط ابن الجوزي (ت ٦٥٤ هـ)، وابن أبي الحديد المعتزلي الحنفي (ت ٦٥٥ هـ)، والمنذري (ت ٦٥٦ هـ)، والكنجي الشافعي (ت ٦٥٨ هـ)، والقرطبي المالكي (ت ٦٧١ هـ)، وابن خلّـكان (ت ٦٨١ هـ)، ومحبّ الدين الطبري (ت ٦٩٤ هـ)، وابن تيميّة (ت ٧٢٨ هـ)، والجويني الشافعي (ت ٧٣٠ هـ)، وعلاء الدين بن بلبان (ت ٧٣٩ هـ)، ووليّ الدين التبريزي (المتوفّى بعد سنة ٧٤١ هـ)، والمزّي (ت ٧٤٢ هـ)، والذهبي (ت ٧٤٨ هـ)، وسراج الدين ابن الوردي (ت ٧٤٩ هـ)، والزرندي الحنفي (ت ٧٥٠ هـ)، وابن قيّم الجوزية (ت ٧٥١ هـ)، وابن كثير (ت ٧٧٤ هـ)، وسعد الدين التفتازاني (ت ٧٩٣ هـ)، ونور الدين الهيثمي (ت ٨٠٧ هـ).

أقـول:

ذكرنا هؤلاء الاَئمّة الحفّاظ إلى عصر المؤرّخ ابن خلدون (ت ٨٠٨ هـ) الذي تناول أحاديث المهديّ بالدراسة والنقد، وضعّفها مصرّحاً بصحّة القليل منها مع أنّه لم يتناول من تلك الاَحاديث إلاّ القليل جدّاً؛ لكي يعلم عدم وجود الموافق لابن خلدون، لا قبله، ولا بعده أيضاً، إلاّ شرذمة قليلة ممّن راقها زبرج الثقافة الاستشراقية(١) .

هذا، وقد أسند مَن ذكرنا أحاديثَ الاِمام المهديّ عليه السلام إلى الكثير من

(١) ناقشنا هؤلاء في كتابنا: دفاع عن الكافي ١|١٦٧ ـ ٦١١، فراجع.

٨
الصحابة، وأضعافهم من التابعين، وسنذكر بعض من وقفنا عليه منهم بحسب وفياتهم مبتدئين بـ:

فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (ت ١١ هـ)، ومعاذ بن جبل (ت ١٨ هـ)، وقتادة بن النعمان (ت ٢٣ هـ)، وعمر بن الخطّاب (ت ٢٣ هـ)، وأبي ذرّ الغفاري (ت ٣٢ هـ)، وعبـد الرحمن بن عوف (ت ٣٢ هـ)، وعبـدالله بن مسعود (ت ٣٢ هـ)، والعبّاس بن عبـد المطلب (ت ٣٢ هـ)، وكعب الاَحبار (ت ٣٢ هـ)، وعثمان بن عفّان (ت ٣٥ هـ)، وسلمان الفارسي (ت ٣٦ هـ)، وطلحة بن عبـدالله (ت ٣٦ هـ)، وعمّار بن ياسر (ت ٣٧ هـ)، والاِمام عليّ عليه السلام (ت ٤٠ هـ)، وتميم الداري (ت ٤٠ هـ)، وزيد بن ثابت (ت ٤٥ هـ)، وحفصة بنت عمر بن الخطّاب (ت ٤٥ هـ)، والاِمام الحسن السبط عليه السلام (ت ٥٠ هـ)، وعبـد الرحمن بن سمرة (ت ٥٠ هـ)، ومجمع بن جارية (ت نحو ٥٠ هـ)، وعمران بن حصين (ت ٥٢ هـ)، وأبي أيّوب الاَنصاري (ت ٥٢ هـ)، وعائشة بنت أبي بكر (ت ٥٨ هـ)، وأبي هريرة (ت ٥٩ هـ)، والاِمام الحسـين السبط الشهيد عليه السلام (ت ٦١ هـ)، وأُمّ سلمة (ت ٦٢ هـ)، وعبـدالله بن عمر بن الخطّاب (ت ٦٥ هـ)، وعبـدالله بن عمرو بن العاص (ت ٦٥ هـ)، وعبـدالله بن عبّاس (ت ٦٨ هـ)، وزيد بن أرقم (ت ٦٨ هـ)، وعوف بن مالك (ت ٧٣ هـ)، وأبي سعيد الخدري (ت ٧٤ هـ)، وجابر بن سمرة (ت ٧٤ هـ)، وجابر بن عبـدالله الاَنصاري (ت ٧٨ هـ)، وعبـدالله بن جعفر الطيّار (ت ٨٠ هـ)، وأبي أُمامة الباهلي (ت ٨١ هـ)، وبشر ابن المنذر بن الجارود (ت ٨٣ هـ ـ وقيل: جدّه الجارود بن عمرو، ت ٢٠ هـ ـ)، وعبـدالله بن الحارث بن جزء الزبيدي (ت ٨٦ هـ)، وسهل بن سعد الساعدي (ت ٩١ هـ)، وأنس بن مالك (ت ٩٣ هـ)، وأبي الطفيل (ت ١٠٠ هـ)، وشهر بن حوشب (ت ١٠٠ هـ).

٩
إلى غير هؤلاء ممّن لم أقف على تاريخ وفياتهم، كأُمّ حبيبة، وأبي الجحّاف، وأبي سلمى راعي إبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأبي ليلى، وأبي وائل، وحذيفة بن أُسيد، وحذيفة بن اليمان، والحرث بن الربيع أبي قتادة، وزرّ بن عبـدالله، وزرارة بن عبـدالله، وعبـدالله بن أبي أوفى، والعلاء، وعلقمة بن عبـدالله، وعلي الهلالي، وقرّة بن أياس.

ولا بأس هنا بإطلالة واحدة على حديث صحابيٍّ واحد فقط ممّن ذكرنا من أسماء الصحابة الّذين أُسندت إليهم أحاديث المهديّ؛ لتتبيّن طرقه وتفرّعاتها في كلّ طبقة من طبقات الرواة، مع كثرة من أخرجه من الاَئمّة الحفّاظ، وهو حديث أبي سعيد الخدري، وقس عليه أحاديث بقيّة الصحابة، التي تعرّض لبعضها أبو الفيض الغماري بتفصيل رائع، وإليك نصّ ما قاله عن الحديث الذي اخترناه.

قال: «أمّا حديث أبي سعيد الخدري: فورد عنه من طريق:

أبي نظرة،

وأبي الصديق الناجي،

والحسن بن يزيد السعدي.

أمّا طريق أبي نظرة: فأخرجه أبو داود، والحاكم كلاهما من رواية عمران القطّان، عنه.

وأخرجه مسلم في صحيحه من رواية سعيد بن زيد، ومن رواية داود ابن أبي هند كلاهما، عنه. لكن وقع في صحيح مسلم ذِكره بالوصف لا بالاسم كما سيأتي.

وأمّا طريق أبي الصدّيق الناجي، عن أبي سعيد: فأخرجه عبـد الرزّاق، والحاكم من رواية معاوية بن قرّة، عنه.

وأخرجه أحمد والترمذي وابن ماجة والحاكم من رواية زيد العمّي،

١٠
عنـه.

وأخرجه أحمد والحاكم من رواية عوف بن أبي جميلة الاَعرابي، عنه.

وأخرجه الحاكم من رواية سليمان بن عبيد، عنه.

وأخرجه أحمد والحاكم من رواية مطر بن طهمان وأبي هارون العبدي كلاهما، عنه.

وأخرجه أحمد أيضاً من رواية مطر بن طهمان وحده، عنه.

وأخرجه أيضاً من رواية العلاء بن بشير المزني، عنه.

وأخرجه أيضاً من رواية مطرف، عنه.

وأمّا طريق الحسن بن يزيد: فأخرجه الطبراني في الاَوسط من رواية أبي واصل عبـد بن حميد، عن أبي الصدّيق الناجي، عنه. وهو من رواية المزيد في متّصل الاَسانيد»(٢) .

وإذا ما نظرنا إلى أحاديث بقيّة الصحابة بهذه الصورة اتّضح لنا أنّ أحاديث المهديّ لا شبهة ولا إشكال في تواترها عند أهل السُـنّة، وقد صرّح بهذا الكثير من أعلامهم كما سيأتي.

وأمّا ما يتعلّق بالشيعة الاِمامية، فهو لا يكاد يخفى على أحد أنّ الاِيمان بظهور الاِمام المهديّ عندهم أصل من أُصول الاعتقاد، ومن البداهة أنّ المسائل الاعتقادية الصحيحة لا تثـبت بدون تواترها، ولهذا فالاِطالة في إيراد مَن أخرج أحاديث المهديّ منهم مع بيان طرقهم إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيتـه عليهم السلام وصحابته الاَجلاّء رضي الله تعالى عنهم هي إطالة في الواضحات. مع أنّ البحث هو عن نقدِ وتحليلِ التعارض والاختلاف في أحاديث المهديّ عند الفريقين، إلاّ أنّ التمهيد لهذا البحث بما ذكرناه، مع بيان رأي علماء

(٢) إبراز الوهم المكنون: ٤٣٨.

١١
الحديث والنقّاد والحفّاظ المهرة من أهل السُـنّة بهذه الرسالة بالذات، وكشف موقفهم منها ومن أحاديثها، يعطي للبحث طابعه الاِسلامي العامّ ويبعده عن أيّ إطار مذهبي خاصّ.

ولمّا كان تصريحهم بصحّة أحاديث الاِمام المهديّ عليه السلام ، مع قول الكثير منهم بتواترها، وإفتاء الفقهاء على المذاهب الاَربعة بضرورة تأديب منكِرها، وإرغامه على الرجوع إلى الحقّ باسـتتابته، فإنْ رجع فهو، وإلاّ أُهدر دمه شرعاً؛ لاَنّه استخفّ بالسُـنّة المطهّرة على حدّ تعبيرهم، ممّا لا يسعه صدر البحث؛ لذا سـنشير إجمالاً إلى بعض من صرّح بصحّة أحاديث الاِمام المهديّ أو صرّح منهم بتواترها، مكتفين ببيان اسمه وكتابه وتعيين موضع التصريح وعلى النحو الآتي:

الترمذي (ت ٢٩٧ هـ) في سننه(٣) ، والعقيلي (ت٣٢٢ هـ) في الضعفاء الكبير(٤) ، والبربهاري (ت ٣٢٩ هـ) كما في الاحتجاج بالاَثر(٥) ، ومحمّـد بن الحسين الآبري (ت ٣٦٣ هـ) صرّح بتواتر أحاديث المهديّ كما في تذكرة القرطبي(٦) ، والحاكم (ت ٤٠٥هـ)(٧) ، والبيهقي (ت ٤٥٨ هـ) كما في منار ابن القيّم(٨) ، والبغوي (ت٥١٠ أو ٥١٦ هـ)(٩) ، وابن الاَثير (ت ٦٠٦ هـ)(١٠) ،

(٣) سنن الترمذي ٤|٥٠٥ ـ ٥٠٦ ح ٢٢٣٠ ـ ٢٢٣٣.

(٤) الضعفاء الكبير ٣|٢٥٣ ح ١٢٥٧.

(٥) الاحتجاج بالاَثر على من أنكر المهديّ المنتظر: ٢٨.

(٦) التذكرة: ٧٠١، وقد نقل القول بتواتر أحاديث المهديّ عن الآبري وارتضاه.

(٧) مستدرك الحاكم ٤|٤٢٩ و ٤٥٠ و ٤٥٧ و ٤٦٤ و ٤٦٥ و ٥٠٢ و ٥٢٠ و ٥٥٣ و ٥٥٤ و ٥٥٧ و ٥٥٨.

(٨) المنار المنيف: ١٣٠ ح ٢٢٥، وانظر: الاعتقاد ـ للبيهقي ـ: ١٢٧.

(٩) مصابيح السُـنّة: ٤٨٨ ح ٤١٩٩، وص ٤٩٢ ـ ٤٩٣ ح ٤٢١٠ و ٤٢١١ و ٤٢١٢ و ٤٢١٣ و ٤٢١٥.

(١٠) النهاية في غريب الحديث ١|٢٩٠، ٢|١٧٢ و ٣٢٥ و ٣٨٦، ٤|٣٣، ٥|٢٥٤.

.٢٥٤/٥/

١٢
والقرطبي المالكي (ت ٦٧١ هـ)(١١) ، وابن منظور (ت ٧١١ هـ)(١٢) ، وابن تيميّـة (ت ٧٢٨ هـ)(١٣) ، والمـزّي (ت٧٤٢ هـ)(١٤) ، والذهـبي (ت ٧٤٨ هـ)(١٥) ، وابن القيّم (ت ٧٥١ هـ)(١٦) ، وابن كثير (ت ٧٧٤ هـ)(١٧) ، والتفتازاني (ت ٧٩٣ هـ)(١٨) ، ونور الدين الهيثمي (ت٨٠٧هـ)(١٩) ، وابن خلدون (ت ٨٠٨ هـ) اعترف بصحّة بعض أحاديث المهديّ(٢٠) ، والجزري الشافعي (ت ٨٣٣ هـ)(٢١) ، وأحمد بن أبي بكر البوصيري (ت ٨٤٠ هـ)(٢٢) ، وابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ)(٢٣) ، وشمس الدين السخاوي (ت ٩٠٢ هـ)(٢٤) ، والسيوطي (ت ٩١١ هـ)(٢٥) ، والشعراني (ت

(١١) التذكرة: ٧٠١ و ٧٠٤.

(١٢) لسان العرب ١٥|٥٩ مادّة «هَدِيَ».

(١٣) منهاج السُـنّة ٤|٢١١.

(١٤) تهذيب الكمال ٢٥|١٤٦ ـ ١٤٩ رقم ٥١٨١ في ترجمة محمّـد بن خالد الجنـدي.

(١٥) تلخيص المستدرك ٤|٥٥٣ و ٥٥٨.

(١٦) المنار المنيف: ١٣٠ ـ ١٣٣ ح ٣٢٦ و ٣٢٧ و ٣٢٩ و ٣٣١، و ص ١٣٥.

(١٧) النهاية في الفتن والملاحم ١|٥٥ و ٥٦.

(١٨) شرح المقاصد ٥|٣١٢، وشرح عقائد النسفي: ١٦٩.

(١٩) مجمع الزوائد ٧|٣١٣ ـ ٣١٧.

(٢٠) تاريخ ابن خلدون ١|٥٦٤ و ٥٦٥ و ٥٦٨، الفصل ٥٢.

(٢١) أسمى المناقب في تهذيب أسنى المطالب: ١٦٣ ـ ١٦٨.

(٢٢) مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجة ٣|٢٦٣ رقم ١٤٤٢.

(٢٣) تهذيب التهذيب ٩|١٢٥ رقم ٢٠١ في ترجمة محمّـد بن خالد الجندي، وفتح الباري ٦|٣٨٥.

(٢٤) كما في: نظم المتناثر من الحديث المتواتر ـ للكتّاني ـ: ٢٢٦ رقم ٢٨٩، حكى عنه القول بتواتر أحاديث المهديّ.

(٢٥) الجامع الصغير ٢|٦٧٢ ح ٩٢٤١ و ٩٢٤٣ و ٩٢٤٤ و ٩٢٤٥، و ٢|٤٣٨ ح ٧٤٨٩، وحكى عنه البلبيسي في العطر الوردي: ٤٥ أنّه قال بتواترها في بعض ٧٤٨٩، وحكى عنه البلبيسي في العطر الوردي: ٤٥ أنّه قال بتواترها في بعض كتبه.

١٣
٩٧٣ هـ)(٢٦) ، وابن حجر الهيتمي (ت٩٧٤ هـ)(٢٧) ، والمتّقي الهندي (ت ٩٧٥ هـ) وفي كتابه «البرهان» بيانٌ لاَربع فتاوىً لفقهاء المذاهب الاِسلامية بشأن من أنكر ظهور المهديّ في آخر الزمان وكذّب بالاَحاديث الواردة في هذا الشأن(٢٨) ، والشيخ مرعي بن يوسف الحنبلي (ت ١٠٣٣ هـ)(٢٩) ‌، والبرزنجي (ت ١١٠٣هـ)، والزرقاني المالكي(ت(٣٠) ١١٢٢ هـ)(٣١) ، والشيخ محمّـد بن قاسم بن محمّـد جسوس المالكي (ت ١١٨٢ هـ)(٣٢) ، وأبو العلاء العراقي (ت ١١٨٣ هـ)(٣٣) ، والسفاريني الحنبلي (ت ١١٨٨ هـ)(٣٤) ، والزبيدي الحنفي (ت ١٢٠٥ هـ)(٣٥) ، والشيخ الصبّان (ت ١٢٠٦ هـ)(٣٦) ، والسويدي (ت ١٢٤٦ هـ)(٣٧) ، والشوكاني الزيدي (ت ١٢٥٠ هـ)(٣٨) ، والشبلنجي (ت ١٢٩١هـ)(٣٩) ، وأحمد زيني دحـلان

(٢٦) اليواقيت والجواهر ٢|١٤٣.

(٢٧) الصواعق المحرقة: ١٦٢ ـ ١٦٧.

(٢٨) البرهان في علامات مهديّ آخر الزمان: ١٧٧ ـ ١٨٣.

(٢٩) راجع: الاِمام المهديّ عليه السلام عند أهل السُـنّة ٢|٢٣.

(٣٠) الاِشاعة لاَشراط الساعة: ٨٧، وهو من القائلين بالتواتر.

(٣١) كما في: إبراز الوهم المكنون: ٤٣٤.

(٣٢) كما في: نظم المتناثر من الحديث المتواتر: ٢٢٦ ح ٢٨٩.

(٣٣) كما في: نظم المتناثر ـ أيضاً ـ: ٢٢٦ ح ٢٨٩.

(٣٤) راجع: الاِمام المهديّ عليه السلام عند أهل السُـنّة ٢|٢٠.

(٣٥) تاج العروس ١٠|٤٠٨ ـ ٤٠٩ مادّة «هَدَى».

(٣٦) إسعاف الراغبين: ١٤٥ و ١٤٧ و ١٥٢ مصرّحاً بتواتر أحاديث المهديّ عليه السلام .

(٣٧) سبائك الذهب: ٣٤٦.

(٣٨) كما في: الاِذاعة: ١٢٥ و ١٢٦، وهو من القائلين بتواتر أحاديث الاِمام المهديّ عليه السلام.

(٣٩) نور الاَبصار: ١٨٧ و ١٨٩، وهو من القائلين بالتواتر.

١٤
مفتي الشـافعية (ت ١٣٠٤ هـ)(٤٠) ، والقنوچي البخـاري (ت ١٣٠٧ هـ)(٤١) ، وشهاب الدين الحلواني المصري الشافعي (ت ١٣٠٨ هـ)(٤٢) ، والبلبيسي الشافعي (المتوفّى في بداية القرن الرابع الهجري)(٤٣) ، والآلوسي الحنفي أبو البركات (ت ١٣١٧ هـ)(٤٤) ، وأبو الطيّب الآبادي (ت ١٣٢٩ هـ)(٤٥) ، والكتّاني المالكي (ت١٣٤٥ هـ) وقد نقل القول بتواتر أحاديث المهديّ عن جمع من الحفّاظ(٤٦) ، والمباركفوري (ت ١٣٥٣هـ)(٤٧) ، والشيخ منصور علي ناصف (المتوفّى بعد سنة ١٣٧١ هـ)(٤٨) ، والشيخ محمّـد الخضر حسين المصري (ت ١٣٧٧ هـ)(٤٩) ، وأبو الفيض الغماري الشافعي (ت١٣٨٠ هـ) الذي أثبت تواتر أحاديث المهديّ بأوضح الاَدلّة وأقواها(٥٠) ، والشيخ محمّـد بن عبـد العزيز المانع (ت ١٣٨٥ هـ)(٥١) ، والشيخ محمّـد فؤاد

(٤٠) الفتوحات الاِسلامية ٢|٢١١، وهو من القائلين بالتواتر.

(٤١) الاِذاعة: ١١٢ و ١١٤ و ١٢٨، وقد صرّح بتواتر أحاديث المهديّ، ونقل عن الاَئمّة الحفّاظ القول بتواترها، فراجع.

(٤٢) القطر الشهدي في أوصاف المهديّ: ٦٨.

(٤٣) العطر الوردي: ٤٤ و ٤٥.

(٤٤) غالية المواعظ: ٧٦ ـ ٧٧.

(٤٥) عون المعبود شرح سنن أبي داود ١١|٣٦١.

(٤٦) نظم المتناثر: ٢٢٥ ـ ٢٢٨ ح ٢٨٩.

(٤٧) تحفة الاحوذي : في شرح الحديث رقم ٢٣٣١، باب ما جاء في المهديّ.

(٤٨) التاج الجامع للاَُصول ٥|٣٤١.

(٤٩) نظرة في أحاديث المهديّ ـ مقال نشرته مجلّة «التمدن» لسنة ١٣٧٠ هـ للشيخ المذكور، في ص ٨٣١.

(٥٠) إبراز الوهم المكنون: ٤٤٣ وما بعدها، والمهديّ المنتظر: ٥ ـ ٨، وكلاهما لاَبي الفيض.

(٥١) كما في: الاحتجاج بالاَثر: ٢٩٩.

١٥
عبـد الباقي (ت ١٣٨٨ هـ)(٥٢) .

إلى غيرهم من عشرات العلماء المعاصرين ممّن لهم خبرة واسعة في علوم الحديث رواية ودراية، كالمودودي في البيانات: ١٦٦، والاَلباني في مقال حول المهديّ: ٦٤٤ منشور في مجلّة التمدّن الاِسلامي لسنة ١٣٧١ هـ العدد ٢٢، والشيخ صفاء الدين كما في مجلّة التربية الاِسلامية العراقية السـنة ١٤ العدد ٧ ص ٣٠، والشيخ عبـد المحسن العبّاد في محاضرته عن الاِمام المهديّ منشورة في مجلّة الجامعة الاِسلامية بالمدينة المنوّرة لسنة ١٣٨٨ هـ، وله محاضرة أُخرى نشرتها المجلّة نفسها سنة ١٤٠٠ هـ حول الردّ على من كذّب بالاَحاديث الصحيحة الواردة في المهديّ، والشيخ التويجري في كتابه «الاحتجاج بالاَثر على من أنكر المهديّ المنتظر»، والشيخ ابن باز كما في تصديره لكتاب «الاحتجاج بالاَثر» المتقدّم، وتعقيبه على محاضرة الشيخ عبـد المحسن العبّاد، وغيرهم.

فاتّفاق أهل السُـنّة مع الشيعة الاِمامية بشأن صحّة أحاديث المهديّ وتواترها ممّا لا مجال لاِنكاره، واتّفاقهم على أنّ الموعود بظهوره في لسان الاَحاديث اسمه (محمّـد) ولقبه (المهديّ) ممّا لا شكّ فيه؛ لشهادة جميع من ذكرنا بذلك مع صراحة الاَحاديث به أيضاً من طرق الفريقين.

إذن، فما هو الاختلاف أو التعارض في تلك الاَحاديث الذي حمل البعض على القول بأُسطورية الفكرة وخرافتها؟!

وهل إنّ التعارض والاختلاف بين تلك الاَحاديث تعارض واختلاف حقيقي لا يمكن إزالته بحال من الاَحوال بحيث يؤدي إلى تهافت الاَحاديث وتساقطها برمّتها، أم إنّه بَدويّ في بعض، ولا أصل له في بعض آخر؟

(٥٢) كما في محاضرة الشيخ العبّاد «عقيدة أهل السُـنّة والاَثر في المهديّ المنتظر» نشرت في العدد ٤٦ من مجلّة الجامعة الاِسلامية السعودية لسنة ١٤٠٠ هـ.

١٦
ثمّ ما هو الميزان الذي يحتكم إليه في معرفة التعارض والاختلاف الحاصلَين في أحاديث المهديّ؟

وهل تنسجم دعوى صحّة تلكم الاَحاديث وتواترها مع دعوى اختلافها وتعارضها؟

إنّها أسئلة ملحّة وكثيرة، وجوابها منوط بتقسيم أحاديث المهديّ إلى طوائف، لكي يتّضح من سير البحث ما اختلف منها، وما ائتلف، وما وُضِع، أو شذّ أو ضعف بحيث لا يمكن عدّه معارضاً أو مخالفاً للصحيح الثابت باعتراف علماء الفريقين.

* * *

١٧

اختلاف الاَحاديث في نسب الاِمام المهديّ عليه السلام

اختلفت الاَحاديث الواردة بكتب الفريقين اختلافاً ظاهرياً في بيان نسب الاِمام المهـديّ عليه السلام ، ولكن لا يعـني هذا الاختـلاف ـ مع لحـاظ التقيـيد والاِطلاق ـ عدم الائتلاف فيما بينها، إذ بالاِمكان الجمع بينها بأحد الوجوه المنصوص عليها في باب تعارض الخبرين إذا سلمت أسانيدها من كلّ طعن وشين، وتعادلت كفّتها مع الاَحاديث الاَُخرى المصرّحة بأنّه من وُلْد الاِمام الحسـين عليه السلام .

* والملاحـظ على الاَحاديث المبيّنة لنسـب الاِمام المهديّ أنّها تكاد تنحصر ـ من حيث الصحّة ـ بأنّه قرشيٌّ، هاشميٌّ، علويٌّ، حسينيٌّ، مع تفريعات أُخرى لا تحمل تناقضاً ولا تعارضاً ولا اختلافاً يذكر، إذ نصَّ بعضها على أنّه من قريش.

وبعضها على أنّه من بني هاشم.

وبعض آخر على أنّه من أولاد عبـد المطّلب.

وهذه الطوائف الثلاث لا اختلاف بينها ولا تعارض أصلاً؛ لاَنّ أولاد عبـد المطّلب هم من بني هاشم، وبنو هاشم من قريش، و كلّ واحد من أولاد عبـد المطّلب له أْن يقول: أنا هاشميٌّ قرشيّ.

ولمّا كانت قبيلة قريش ينتسب إليها الهاشميّون وغيرهم، وبنو هاشم أنفسهم كثرٌ، فيكون ذِكر كون المهديّ من أولاد عبـد المطّلب مقيّداً لِما قبله من إطلاق، والمطلق يحمل على المقيّد بالاتّفاق، فالنتيجة إذاً: إنّه من أولاد عبـد المطّلب.

* وبعضها نصَّ على أنّه من أولاد أبي طالب.

١٨
وفي بعض آخر أنّه من أولاد العبّاس.

وظاهر أحاديث الطائفتين التعارض والاختلاف، اللّهمّ إلاّ أنْ يقال ـ من باب التسليم بصحّة أحاديث الطائفتين ـ: إنّ أُمّ المهديّ عبّاسيّة، وأباه من أولاد أبي طالب، وبهذا يرتفع التعارض والاختلاف.

ولكن سيأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ وبشكل مفصّل أنّ جميع أحاديث كون المهديّ من وُلْد العبّاس إمّا ضعيفة أو موضوعة، بما لا نحتاج معها إلى عملية الجمع المتقدّمة؛ لاَنّها جمع بين الضعيف أو الموضوع من جهة، وبين الصحيح الثابت من جهة أُخرى، وعلى هذا فيبقى المهديّ من أولاد أبي طالب ـ في هذه الطائفة ـ بلا معارض.

* وفي طائفة أُخرى من الاَحاديث التصريح بأنّه من آل محمّـد صلى الله عليه وآله وسلم .

وفي طائفة أيضاً أنّه من أهل بيت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم .

وفي أُخرى أنّه من عترة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم .

وفي هذه الطوائف الثلاث لا يوجد أدنى تعارض أو اختلاف، لاَنّ (الآل) و (العترة) هم (الاَهل) كما صرّح به أقطاب اللغة.

قال ابن منظور: «وآل الله، وآل رسوله، أولياؤه، أصلها (أهل) ثمّ أُبدلت الهاء همزة، فصارت في التقدير (أأل)، فلمّا توالت الهمزتان أبدلوا الثانية ألفاً»(٥٣) .

كما صرّح في لسان العرب بأنّ (العترة) هم (أهل البيت) مستدلاًّ بحديث: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي» قال: «فجعل العترة أهل البيت»(٥٤) .

(٥٣) لسان العرب ١|٢٥٣ مادّة «أهل».

(٥٤) لسان العرب ٩|٣٤ مادّة «عتر».

١٩
وإذا علمنا بأنّ عليّـاً أمير المؤمنين عليه السلام هو من أهل البيت بالاتّفاق، ويؤيّده حديث الكساء المشهور عند سائر المحدِّثين: «اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي» تبيّن لنا وبوضوح كيف أنّ الرسول الاَعظم صلى الله عليه وآله وسلم قد وضع النقاط على الحروف في تشخيص نسـب المهديّ كما صرّحت به طائفة جديدة من الاَحـاديث.

ومفاد هذه الطائفة، أنّه من أولاد عليٍّ عليه السلام .

ولمّا كان أمير المؤمنين عليه السلام قد أعقب من سيّدة النساء سبطي هذه الاَُمّة، كما أعقب من غيرها بعد وفاتها عليها السلام ذكوراً، لذا جاءت طائفة أُخرى من الاَحاديث لتبيّن للناس جميعاً أنّ المهديّ الموعود به في آخر الزمان إنّما هو من أولاد سيّدة النساء فاطمة الزهراء عليها السلام .

ولا شـكّ في أنّ الاَحـاديث التي تنصّ على كونه من أولاد فاطمـة الزهراء عليها السلام تقيِّد ما قبلها جميعاً، فتحمل عليها(٥٥) .

وقد جُمعت هذه الطوائف من الاَحاديث في حديث واحد وهو الحديث المرويّ عن قتادة، قال: قلت لسعيد بن المسيّب: «المهديّ حقٌّ هو؟ قال: نعم، قال: قلت: ممّن هو؟ قال: من قريش، قلت: من أيّ قريش؟ قال: من بني هاشم، قلت: من أيّ بني هاشم؟ قال: من بني عبـد المطّلب، قلت: من أيّ بني عبـد المطلب؟ قال: من وُلْد فاطمة»(٥٦) .

وقد أخرج هذا الحديث ابن المنادي، عن سعيد بن المسيّب مسنداً إلى أُمّ سلمة، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، باختلاف يسير(٥٧) .

(٥٥) في انتظار الاِمام: ١٧.

(٥٦) الفتن لابن حمّاد ـ: ١٠١، نقلاً عن معجم أحاديث المهديّ عليه السلام ١|١٥٤ رقم ٨١.

(٥٧) الملاحم والفتن ـ لابن المنادي ـ: ٤١، نقلاً عن معجم أحاديث المهديّ عليه السلام ١|١٥٤ رقم ٨١.

١|١٥٤ رقم ٨١.

٢٠