×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

التقية في الفكر الاسلامي / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٥ فارغة
كتاب التقية في الفكر الاسلامي لمركز الرسالة (ص ١ - ص ٣٠)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

مقدمة المركز

الحمد لله الواحد الاَحد الذي تطمئن القلوب بذكره، والصلاة والسلام على أبي القاسم محمد أشرف أنبياء الله ورسله، وعلى آله المنتجبين أولي الاَلباب والنهى، وعدل الكتاب المطهرين بمحكمه وكفى.

أما بعد.. فإنّ نشر مفاهيم الاِسلام، ومحاولة تصحيح النظر إلى بعضها عبر وسائل التثقيف الاِسلامي الصحيح بالدعوة إلى اتباع القرآن الكريم، والسُنّة المطهّرة، يتطلب معرفة تلك المفاهيم وموقف الدين الاِسلامي منها، ووضعها في مكانها الصحيح بعد تشخيص موقعها من الفكر الديني، وعمق تاريخها فيه، وعلاقتها بديمومة ذلك الفكر وصلاحيتها للامتداد في كلِّ آن وزمان، وقابليتها على استيعاب ما يفرزه تطور الحياة من مشاكل ومستجدات لوضع الحلول الشافية لها.

وإذا ما ثبت أنها من الدين، فلا شكّ سيكون التعرض لها بحاجة إلى إجادة الدفاع عن كرامة الدين الحنيف والذب عن حماه من خلال التعريف المتين بمفاهيمه الراقية التي جاءت لخدمة الاِنسان وبناء مجتمع حر كريم، مع رصد سائر القنوات التي تصب فيها دسائس المغرضين وشبهات المغفلين لقلع جذورها بالحجج الدامغة؛ لكي لا تكون وسيلة لضلالة من لم يعِ وجه الحق فيها.

ولعلَّ من بين تلك المفاهيم التي نطق بها القرآن الكريم والسُنّة المطهّرة هو مفهوم التقية الذي لم ينحصر في الواقع بدين الاِسلام؛ بل عرفته الاَديان السماوية كلّها، وطبّقته سائر المجتمعات البشرية منذ أقدم العصور وإلى يوم الناس هذا، لانسجامه التام مع مقتضى العقول وفطرة الاِنسان في الحفاظ على كيانه، بل مع فطرة الحيوان أيضاً كما هو المشاهد في سعي جميع الحيوانات نحو البقاء وهروبها من أسباب الفناء.

فالتقية إذن لم تكن قاعدة فقهية، أو مبدأً إسلامياً صرفاً فحسب، وإنّما هي كذلك قاعدة عقلية جبلت عليها العقول السليمة، فحكمت بضرورة تجنب الضرر

٦
شخصياً كان أو نوعياً، ومن هنا أصبح موقف الاِسلام من التقية موقف المؤيد والمساند لا المؤصّل والمشرّع، وما جاء في القرآن الكريم والسُنّة الثابتة بشأن التقية إنما هو إمضاء لها لاَنها من شرع ما قبلنا كما يفهم من تقية إبراهيم ويوسف عليهما السلام، ومن تقية أصحاب الكهف ومؤمن آل فرعون.

وبما أن تاريخ التقية ضارب بجذوره في أعماق الاَديان قبل الاِسلام، كما حكاه لنا القرآن الكريم في أكثر من آية، سيكون الصاقها بمذهب معين ـ كما يحبّ إشاعته البعض ـ من الجهل بحقيقة ذلك المفهوم والتخبّط الاَعمى في تحديد تاريخه.

ومن هنا أصبح الدفاع عن التقية ليس دفاعاً عن مذهب، ولا دفاعاً عن تشريع إسلامي، وانما هو دفاع عن موقف الاِسلام ـ قرآناً وسُنّة ـ في تبنيه وإمضائه وتأييده لهذا المفهوم، بل هو في الواقع دفاع عن الفطرة والعقل السليم.

والكتاب الماثل بين يديك عزيزي القارىء، حاول استجلاء أبعاد التقية كلّها بدراسة علمية مقارنة استطاع من خلالها أن يضع التقية في مكانها الصحيح بين معارف الاِسلام، ويشخّص موقعها من الفكر الديني بدقة، مستهدياً بالقرآن الكريم أولاً، وبالسُنّة المطهّرة ثانياً، مبيناً تاريخها وأدلتها وأقسامها وشروطها وفوائدها والفرق بينها وبين النفاق مع الكثير من صورها القولية والفعلية عند مذاهب المسلمين وقادتهم من الصحابة والتابعين، وغير ذلك من الاُمور التي لا غنى عنها في هذا المجال.

وإذ يسرّ مركز الرسالة أن يقدم لقرائه الاَعزاء هذا الكتاب المتّسم بمراعاة المنهج العلمي الدقيق باعتماد الدليل المعتبر وتحليل النصوص ونقدها بمنطق العقل والعلم، يأمل أن يسد في إصداره هذا جميع الثغرات المفتعلة بشأن التقية، وأن يغلق منافذ التشكيك حولها بعد أن تمهّدت سائر السبل الناصعة في طياته لفهم التقية فهماً إسلامياً أصيلاً بعيداً عن التأويلات والمغالطات.

سائلين المولى عزَّ وجلَّ أن يسدّد خطانا لخدمة دينه الحنيف، ويمنحنا القوة على مواصلة العطاء الفكري النافع، إنه سميع مجيب.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين

مركز الرسالة

٧

المقدِّمة

نحمدك اللهمَّ في الضراء والسراء، ونلوذ بك في الشدة والرخاء، ونصلي ونسلم على نبيك ورسولك العظيم محمد أشرف الرسل والاَنبياء، وعلى آله المنتجبين الاَوصياء، وأصحابهم المخلصين الاَوفياء، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الجزاء، وبعد.

إنّ التدبر في ما انطوت عليه مفاهيم الشريعة الاِسلامية، يعطي انطباعاً كافياً لعناية الاِسلام الفائقة بكل ما يرفع من قدر الاِنسان، ويصون ماء محياه من الوقوف على أبواب المذلة والهوان التي لا تستسيغها النفوس المتطلعة إلى الكمال، ولا يقبلها كل ذي مجد أثيل.

ويكفي أن الشريعة الغرّاء اسقطت في حالات الاِكراه والاضطرار بعض الواجبات وأباحت بعض المحرمات لهذا المخلوق العجيب الذي مُيز عن سائر المخلوقات، وجُعل أجل وأسمى من أن يعيش بلا غاية ولا هدف ـ هملاً ـ كالسوائم والهوائم التي ليس من شأنها أن تطمح في الوصول إلى مراقي العز والكرامة والشرف.

ومن بين تلك المفاهيم التي أحببنا الحديث عنها، هو مفهوم التقية الذي طالما فهمه الجهلاء من خصوم الحق وأتباعه، وسيلة للتخلص من تبعة التقصير في الدين، أو المسائل التي تخدم المجتمع وتنفع الاُمّة، فنقول:

٨
ليست التقية شبيهة بالقدر الذي كان يراه معاوية ويرجع إليه والحثالة من أنصاره وأتباعه على طول التاريخ، كلّما أرادوا التملص من جناية ارتكبوها أو ذنب اقترفوه، ليكون في ذلك الرجوع عذراً مقبولاً يسعهم في ارتكاب ما شاءوا من الموبقات تحت ذريعة القدر !

كما أنها ليست دعوة إلى نشر ما يوجب ضعف العزيمة والوهن، ولادعوة لزرع اليأس والقنوط في نفوس المؤمنين لكي تتعطل فريضة الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهل رأيت مفهوماً اسلامياً ثابتاً ـ كالتقية ـ يدعو إلى ذلك ؟ كيف والدين الحنيف لم تبرح مفاهيمه محلّقة وحدها في سماء الخلود، خافقة عليها ألوية النصر والنجاح، وتخترق بصوتها كل الآفاق حيث يحمله الهواء الطلق ؟

فالتقية ليست نداءً لترك تعاليم الدين طمعاً في عيش زائل وحقير، ولا جبناً ولا هلعاً وخوفاً إذا ما اتصل الاَمر بحماية الدين أو ارتبط بمصلحة المجتمع الاِسلامي ومنفعة الاُمّة وحفظ كيانها، بل ستكون حينئذ تقية على الدين بوقايته وحفظه بالمضي قدماً على طريق الجهاد وبذل كل غال ونفيس، واقتحام الاخطار ولو كان حتف المتقي فيها.

وأما التقية في حفظ النفوس والاعراض والاَموال في غير تلك الحال، فإنّما تكون بالسبل المتاحة شرعاً، ولا ضير في ذلك فهي تقية تصب في خدمة الدين من طريق آخر، وليست كما يتصورها الجهلاء خروجاً عن المسؤولية، وهل رأيت ديناً قام بلا نفوس، وأُهيب جانبه بالمذلة والفقر ؟

إنّ الاِسلام العظيم لم يشرّع شيئاً عبثاً، ولن يضره ما يلقيه المشنّعون على مفاهيمه الراقية من الشُبه شيئاً، حتى وإن توثقوا من تمكين جملة

٩
من العقائد الفاسدة في نفوس البعض من المسلمين الذين أصبحوا على درجة كافية لتقبل الجهل والتمرن عليه، فصاروا غثاءً كغثاء السيل لايملكون حيلة ولا يهتدون سبيلا.

ولاَجل هذا أصبح تبصير المشتبه وهدايته لما في الكتب التي يعتقد بصحتها، وتنبيه المنتبه لما في بعض المسائل التي قد يغفل عنها، وجعلها سلاحاً بيده لتحمل مسؤولية الدفاع عن مفاهيم الاِسلام وتعاليمه ومعارفه ـ قرآناً وسُنّة ـ محفزاً قوياً على دراسة التقية واستجلاء أبعادها في أربعة فصول:

تناولنا في الفصل الاَول، علاقة التقية بالاِكراه، ثم أركان الاِكراه، وأنواعه، ودور القواعد الفقهية في بيان حكم ما يكره عليه، ثم الفرق والاتفاق بين الضرورة والاكراه. وكان هذا الفصل مهماً جداً باعتباره الركيزة التي تقف عليها أغلب مباحث الفصول اللاحقة.

وتعرضنا في الفصل الثاني إلى أدلة التقية وأصولها التشريعية من القرآن والسُنّة والعقل ودليل الاجماع، معتمدين بذلك على أصح ما ثبت نقله عند الفريقين.

وخصصنا الفصل الثالث لاَقسام التقية وبيان أهميتها وفوائدها، والفرق بينها وبين النفاق.

أما الفصل الرابع والاَخير فكان عن صور التقية في كتب العامّة، وقد شرعنا أولاً ببيان الصور القولية، ثم الفعلية، وأخيراً الفتاوى التي تختص بمسائل التقية في فقه العامّة.

آملين من المولى أن يجعل بضاعتنا هذه خالصة لوجهه الكريم،

١٠
صادقة في خدمة دينه العظيم، نافعة يوم نفد عليه بلا مال ولا بنون، إنّه سميع مجيب.

١١

الفصل الاَول
التقية والاِكراه

تعريف التقية

التقية في اللغة: الحيطة والحذر من الضرر والتوقي منه، والتقية والتقاة بمعنى واحد، قال تعالى: (إلاّ أن تتقوا منهم تقاة) (١)أي: تقية، بالاتفاق(٢).

قال ابن منظور: وفي الحديث: «قلت: وهل للسيف من تقية ؟ قال: نعم، تقية على اقذاء، وهدنة على دخن» ومعناه: إنّهم يتقون بعضهم بعضاً، ويظهرون الصلح والاتفاق وباطنهم بخلاف ذلك (٣).

وفي الاصطلاح: فقد عرفها جمع من علماء المسلمين بألفاظ متقاربة وذات معنى واحد.

فهي عند الشيخ المفيد (ت | ٤١٣ هـ) عبارة عن: (كتمان الحق، وستر

١) سورة آل عمران: ٣ | ٢٨.

٢) تاج العروس ١٠: ٣٩٦ وسيأتي اتفاق المفسرين على تفسير (التقاة) بالتقية.

٣) لسان العرب ١٥: ٤٠١. واُنظر: المصباح المنير| الفيومي ٢: ٦٦٩، وأساس البلاغة| الزمخشري: ٦٨٦ مادة (وَقِيَ).

١٢
الاعتقاد فيه، ومكاتمة المخالفين وترك مظاهرتهم بما يعقب ضرراً في الدين والدنيا) (١).

وعرفها الشيخ الاَنصاري (ت | ١٢٨٢ هـ) بـ (الحفظ عن ضرر الغير بموافقته في قول أو فعل مخالف للحق) (٢).

وقال السرخسي الحنفي (ت | ٤٩٠ هـ): (والتقية: أن يقي نفسه من العقوبة، وإن كان يضمر خلافه) (٣)، وبهذا النحو عرّفها آخرون (٤).

صلة التقية بالاكراه:

يتضح من تعريف الشيخ الاَنصاري للتقية أن إكراه الاِنسان على الاتيان بشيء مخالف للحق يكون سبباً مباشراً من أسباب حصول التقية، ويؤيّده ما جاء في قصة عمار بن ياسر وجماعته الذين اتقوا من المشركين فأجروا كلمة الكفر على ألسنتهم كرهاً، حتى أنزل الله تعالى فيهم قرآناً: (إلاّ من أُكرِه وقلبه مطمئن بالاِيمان) (٥)وسيأتي تفصيل ذلك في مشروعية التقية.

ولكن يبدو واضحاً من خلال مراجعة موارد التقية في فقه المذاهب

١) تصحيح الاعتقاد | الشيخ المفيد: ٦٦.

٢) التقية | الشيخ الاَنصاري: ٣٧. واُنظر القواعد الفقهية | البجنوردي ٥: ٤٤. والقواعد الفقهية| ناصر مكارم الشيرازي ٣: ١٣.

٣) المبسوط | السرخسي الحنفي ٢٤: ٤٥.

٤) راجع تعريف التقية عند ابن حجر العسقلاني في فتح الباري بشرح صحيح البخاري ١٢: ١٣٦. وعزالدين عبدالعزيز بن عبدالسلام السلمي في قواعد الاَحكام في مصالح الاَنام ١: ١٠٧. والآلوسي في روح المعاني ٣: ١٢١. والمراغي في تفسيره ٣: ١٣٧. ومحمد رشيدرضا في تفسير المنار ٣: ٢٨٠ وغيرهم.

٥) سورة النحل: ١٦ | ١٠٦.

١٣
الاِسلامية، وتدبّر أدلتها من القرآن والسُنّة وسيرة الصحابة وتطبيقات التابعين وغيرهم من المسلمين أنه لا حصر للتقية على كتمان الحق وإظهار خلافه خوفاً على النفس من اللائمة والعقوبة بالاكراه، لدخول ما إذا كان هذا الكتمان لمصالح أُخر فردية أو اجتماعية في مصاديق التقية وإن لم يكن ثمّة إكراه أصلاً، ويؤيّده أن الاكراه لم يؤخذ قيداً في تعريف التقية اصطلاحاً ـ كما مرَّ ـ عند بعضهم.

الوجه في تقديم بحث الاِكراه على التقية:

إنّ نفي الملازمة بين الاِكراه والتقية من وجه كما يُفهم من الكلام المتقدم مراعاة لاَقسام التقية لا يعني نفيها من كلِّ وجه كما لا يعني عدم الحاجة إلى دراسة الاِكراه في بحث التقية؛ لاَنّه من أهم وأقوى أسبابها على الاِطلاق، زيادة على ما في بحث الاِكراه من الاُمور الباعثة على تقديمه بحيث لا يمكن معها اغفاله بحال، وسوف نشير إلى بعضها وهي:

١ ـ إنّ جميع التفصيلات الفقهية الواردة في فقه المذاهب العاميّة الاَربعة بشأن التقية إنّما هي مبحوثة عندهم في كتب الاِكراه غالباً، ولم نجد في جميع مصادرهم الفقهية التي رجعنا إليها كتاباً أو باباً بعنوان التقية، ومن هنا قد يشتبه الاَمر على بعضهم بان فقهاء العامّة لم يتناولوا التقية وأحكامها، وربما يزعم ـ وهو ليس ببعيد ـ بأن جميع ما سنذكره من صور التقية في الفقه العامي ـ كما في الفصل الاَخير من هذا البحث ـ لا علاقة له بالتقية؛ لاَنّه من الاِكراه !! ورفع مثل هذا الاشتباه لا يكون إلاّ ببيان العلاقة بين الاثنين وأنها علاقة السبب بالمسبب والعلة بالمعلول.

٢ ـ إنّ فهم أحكام التقية وبعض أقسامها متوقف على فهم الاكراه

١٤
ومعرفة أركانه ومقوماته وأقسامه وحالاته وصوره بحيث لو لم تبحث هذه الاُمور قبل التقية لاضطررنا إلى ذكرها ثانية مع توزيعها على أغلب مباحث التقية الآتية، ولا يخفى ما في ذلك من تشتيت لاطراف البحث وتضييع لفائدته، زيادة على ما يسببه ذلك من ارباك في المنهج العلمي الذي حرصنا على أن يكون دقيقاً وسليماً.

٣ ـ اشتراك التقية بمعناها العام بأكثر مقومات الاكراه وأركانه بمعناها الاكراهي الخاص بجميعها مع فارق التسمية، ومنه يعلم أن الملاك بين الاثنين واحد، ولا شكّ ان هذا لا يتضح مع اهمال بحث الاكراه، إلى غير ذلك من الامور الاُخر التي طوينا عنها صفحاً.

إذن، فلنقف هنيهة عند الاكراه، لنتعرف على معناه لغة واصطلاحاً، مع بعض خصوصياته المهمة وأقسامه وحالاته؛ لكي تتضح بذلك العلاقة بينه وبين التقية مع وحدة الملاك بينهما.

تعريف الاكراه

أصل الاكراه لغةً: مأخوذ من الفعل (كَرَهَ)، والاسم: (الكَرهُ) ويراد به كل ما أكرهك غيرك عليه، بمعنى: أقهرك عليه، وأما (الكُرْه) فهو المشقة، يُقال: قمت على كُرْهٍ، أي: على مشقة.

والفرق بين (الكَرْهِ)، و (الكُرْهِ) أن الاَول هو فعل المضطر، بينما الثاني هو فعل المختار (١).

وأمّا في الاصطلاح: فقد عرّفه التفتازاني بأنه: (حمل الغير على أن

١) لسان العرب | ابن منظور ١٢: ٨٠ كَرَهَ.

١٥
يفعل ما لا يرضاه، ولا يختار مباشرته لو خُلِّي ونفسه) (١).

كما عرّفه عبدالعزيز البخاري الحنفي بقوله، هو: (حمل الغير على أمرٍ يمتنع عنه بتخويف يقدر الحامل على إيقاعه، ويصير الغير خائفاً به) (٢).

وعند السرخسي الحنفي، هو: (اسم لفعل يفعله المرء بغيره، فينتفي به رضاه، أو يفسد به اختياره) (٣).

ولعلّ أوجز تعريف للاكراه هو ما نجده عند الشيخ الانصاري رحمه الله، إذ عرّف الاكراه بأنّه (حمل الغير على ما يكرهه) (٤).

ومن كل ما تقدم يعلم اتفاق الفريقين على كون الاِكراه حالة من حالات الاجبار على النطق بشيء أو فعل شيء من غير رضا المكره ولا باختياره. ومع هذا فقد لا يتحقق الاكراه في الواقع وإن توفرت بعض مقوماته، وهذا ما يستدعي التعرف على ما يتقوم به الاكراه من أركان، وهو ما سنتناوله تحت عنوان:

أركان الاكراه

لا خلاف بوجود أربعة أركان أساسية يتقوم بها الاكراه، فإن توفرت واجتمعت كلّها تحقق الاكراه، واما لو تخلف ركن منها، فلا اكراه، وهي:

الاَول: المُكْرِه:

وهو من يصدر منه التهديد والوعيد، ويشترط فيه أن

١) التلويح على التوضيح | سعد الدين التفتازاني ٢: ١٩٦ طبعة مصر | ١٣٢٢ هـ.

٢) كشف الاَسرار عن اصول البزدوي | عبدالعزيز البخاري ٤: ١٥٠٣ طبعة دار الخلافة.

٣) المبسوط | السرخسي ٢٤: ٣٨ من كتاب الاكراه.

٤) المكاسب | الشيخ الانصاري ٣: ٣١١ في الحديث عن شرط الاختيار من شروط المتعاقدين، تحقيق مجمع الفكر الاِسلامي، لجنة تحقيق التراث، ط١، قم | ١٤١٨ هـ.

١٦
يكون قادراً على تنفيذ تهديده ووعيده بحق من يكرهه، وإلاّ فمع عجزه عن ذلك يسقط الاكراه. ولا يشترط في المكرِه أن يكون سلطاناً أو حاكماً جائراً، بل يكفي أن يكون قادراً متمكناً على تنفيذ وعيده وتهديده، كما لا يشترط أن يكون المُكْرِه كافراً، لاَنّ العقل يحكم بلزوم حفظ النفس من الهلكة، سواء كانت على أيدي بعض المسلمين أو الكفار، وأنه لا فرق ـ بحكم العقل ـ في ضرورة تجنب الضرر شخصياً كان أو نوعياً، من أي جهة كان.

الثاني: المُكْرَه:

وهو من يقع عليه التهديد والوعيد، ويشترط هنا أن يكون المُكْرَه متأكداً أو ضاناً بحصول الضرر على نفسه أو ماله أو عرضه أو على اخوانه أو دينه (١)فيما لو لم يأتمر بأمر المُكْرِه.

كما يشترط به أيضاً أن يكون عاجزاً عن دفع ما يتهدد به، بطريق الهرب أو الاستغاثة، أو المقاومة ونحو ذلك، وأما لو لم يكن عالماً ولاظاناً بذلك، أو كان قادراً على دفع ما هدد به فلا شك بأن ما يأتي به من قول أو فعل مخالف للحق بذريعة الاكراه عليه يكون محرماً ويعاقب عليه، لعدم تحقق الاكراه بتخلف هذا الركن من أركانه.

الثالث: المُكْرَه به:

وهو نوع الضرر المتوعّد به المُكرَه، سواء كان ذلك الضرر متعلقاً بنفسه أو ماله أو عرضه أو اخوانه المؤمنين، أو دينه.

وسواء كان ذلك الضرر مادياً كالضرب المبرح أو قطع الاَطراف مثلاً، أو معنوياً كالاِهانة والتشهير ونحوهما.

هذا، وأما لو لم يتصل الضرر بنفس المُكرَه ولا بماله ولا بعرضه،

١) لثبوت التقية عند الخوف الشخصي كما لو خاف المكرَه على نفسه أو عرضه أو ماله، وكذلك عند الخوف النوعي كالخوف على الدين أو الوطن أو العشيرة ونحو ذلك.

١٧
ولابأخوانه، ولا بدينه، ولا بمن تربطه معهم حتى صلة الاِسلام، كما لو أُكْرِهَ على أمر، فإن لم يفعل قتلوا مشركاً، فهنا لا اكراه، لعدم تحقق الركن الثالث.

الرابع: المُكْرَه عليه:

وهو نوع ما يراد تنفيذه من المُكرَه، سواء كان كلاماً أو فعلاً. ويشترط فيه أن لا يكون الضرر الناتج عنه أكبر من الضرر المتوعد به المُكْرَه، وكذلك أن يكون مما يحرم تعاطيه على المكرَه.

ومثاله: ان يُكره الاِنسان على ارتكاب جريمة الزنا، وإلاّ أخذت بعض أمواله، أو ان يشهد زوراً على بريء، وإلاّ فُصِل من وظيفته، ففي مثل هاتين الصورتين ونظائرهما لا يجوز الاقدام على التنفيذ، لاختلال الركن الرابع من أركان الاكراه.

كما يشترط أيضاً في هذا الركن أن يكون الاتيان به منجياً من الضرر بمعنى أن يحصل من اتيان المكرَه عليه الخلاص من الشر المتوعد به، وأما لو علم المُكرَه بانه لا نجاة له مما هدد به حتى مع الاتيان بما أُمر فلااكراه هنا، ومثاله: أن يقول المُكرِه للُمكرَه: أعطني دارك وإلاّ أخذتها منك بالقوة. أو أُقتل نفسك وإلاّ قتلتك، ونحوه.

أنواع الاكراه

الاكراه في جميع صوره على نوعين، وهما:

النوع الاَول: الاكراه على الكلام المخالف للحق.

وهذا النوع لا يجب به شيء عندهم، فكل ما أكرِه عليه المسلم فله ذلك، وله أمثلة كثيرة جداً، أشدها: التلفظ بكلمة الكفر، وهنا يجب الالتفات إلى نقطة في غاية الاَهمية في مسألة الاكراه على اللفظ المخالف

١٨
للحق، ونعني بها صلة الاَلفاظ بأفعال القلوب التي لا سبيل للمكرِه إلى علمها في قلب المكره، وعليه فلا يصح التجاء المكره إلى شيء منها قط، كما لو أُكرِه على كلمة الكفر، أو على الاعتقاد بعقيدة فاسدة، أو إنكار كل ما ثبت أنه من الدين إنكاراً قلبياً لا لفظياً.

فمثل هذه الاُمور ونظائرها يجب الاحتراز فيها جداً، بحيث لا يتعدى النطق باللفظ إليها، لانها ممالا يصح فيه الاكراه، فغاية الاَمر: إن المكرَه يريد التخلص من الشر بإتيان اللفظ المخالف للحق، لا أن يُؤمِن بما يتلفظ به حقيقة.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى صراحة في قوله تعالى: (لايتَّخِذِ المُؤمنُونَ الكافِرينَ أولِيَاءَ مِنْ دون المُؤمِنينَ وَمَنْ يَفْعَل ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ في شيءٍ وَيُحَذِّرُكُمْ اللهُ نَفْسَهُ وإلى اللهِ المَصِيرُ) (١).

ومما يلحظ هنا هو أن التحذير الشديد الوارد في الآية المباركة قد جاء مباشرة بعد تشريع التقية في الآية نفسها، ثم أكده تعالى بقوله الكريم: (قُلْ إن تُخْفُوا ما في صُدُورِكُمْ أو تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ وَيَعْلَمُ ما في السَّمواتِ وما في الاَرضِ واللهُ على كُلِّ شيءٍ قديرٌ) (٢).

وكل هذا التحذير قد جاء في سياق واحد بعد تشريع التقية، لئلا يتحول إنكار المؤمن للحق بفعل الاِكراه إلى إنكار قلبي كما يريده من أكرَهه؛ لاَنّ الواجب أنْ يبقى القلب مطمئناً بالاِيمان.

وفي هذا الصدد قال الفخر الرازي في تفسيره: (إنّه تعالى لما نهى

١) سورة آل عمران: ٣ | ٢٨.

٢) سورة آل عمران: ٣ | ٢٩.

١٩
المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء ظاهراً وباطناً واستثنى عنه التقية في الظاهر، اتبع ذلك بالوعيد على أن يصير الباطن موافقاً للظاهر في وقت التقية؛ وذلك لاَنَّ من أقدمَ عند التقية على إظهار الموالاة، فقد يصير إقدامه على ذلك الفعل بحسب الظاهر سبباً لحصول تلك الموالاة في الباطن، فلا جرم بيّن تعالى أنّه عالم بالبواطن كعلمه بالظواهر، فيعلم العبد إنّه لابدّ أن يجازيه على ما عزم عليه في قلبه) (١).

هذا، ومن الجدير بالاشارة إنّ الاكراه اللفظي قد لا يكون هكذا في جميع صوره، فلو أُكره المرء المسلم على الطلاق مثلاً، وكانت نيته موافقة للفظه فلا يكون بهذا خارجاً عن ربقة الاِسلام، بخلاف ما لو أُكرِه بالقتل على سب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسبّه بكلِّ رضاً وارتياح، فهو بهذا سيكون كافراً بلاخلاف.

النوع الثاني: الاكراه على الفعل المحظور

لا شكّ أنّ الشريعة لم تبح جميع الاَفعال المحظورة بلا قيد أو شرط، لاَنَّ الاَفعال المحرمة ـ في نظر الشريعة الغراء ـ على نحوين:

أحدهما

تسوغ معه التقية حال الاكراه عليه، وأمثلته كثيرة كالتقية في السرقة، أو اتلاف مال الغير، أو الاِفطار في شهر رمضان، أو تأخير الصلاة، أو الامتناع عنها إذا اقتضى الاكراه ذلك، أو شرب الخمر ـ على خلاف فيه، ونحوها من الاُمور التي يجوز ارتكابها عند الاكراه عليها.

والآخر

لا تسوغ معه التقية مطلقاً وفي جميع الاَحوال مهما بلغت درجة الاكراه عليه، كالاقدام مثلاً على قتل مسلم بريء بحجة الاكراه،

١) التفسير الكبير | الفخر الرازي ٨: ١٥.

٢٠