×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

التقية في الفكر الاسلامي / الصفحات: ٢١ - ٤٠

فهنا لو أقدم المكره على القتل فلولي الدم القصاص بلا خلاف بين سائر فقهاء الشيعة، وأحاديثهم المروية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعترته عليهم السلام صريحة بهذا كل الصراحة، وأيدهم على هذا أكثر فقهاء المذاهب سوى الاحناف كما سيأتي بيانه في مكان آخر في هذا البحث.

ومما يجب التنبيه عليه هنا، هو أن التقية ليست واجبة شرعاً في جميع حالات الاكراه، فهي قد تكون واجبة، أو محرمة، أو مباحة، أو مندوبة، أو مكروهة بحسب الاحكام التكليفية الخمسة، ولكن ليس لاحكامها ضابط معين بحيث لا يمكن تجاوزه في جميع حالات الاكراه ومن أي مُكرَه، كما أشرنا إلى ذلك فيما تقدم.

نعم يستثنى من ذلك ما نصّ عليه الدليل المعتبر، وأمّا ما لا نصّ فيه من صور الاكراه فيترك تقدير الاقدام على التقية فيه لمن يحمل عليها قسراً، مع مراعاة اجتناب أصعب الضررين، وسيأتي المزيد من التوضيح في بيان حكم ما يُكْرَه عليه، مع صلة بعض القواعد الفقهية بهذا البيان.

حكم ما يُكّرَه عليه:

إنّ من الثوابت التي لا يشك بها أحد هو أن الدين الاِسلامي دين اليسر ورفع الحرج، إذ أباحت الشريعة الاِسلامية للمضطر والمكره ارتكاب المحظور شرعاً، كل ذلك من أجل أن يعيش الاِنسان حياة حرّة كريمة بعيدة عن كل ما يتلفها أو ينتقص من كرامتها وقدرها، حتى ولو أدّى ذلك إلى ارتكاب المحرمات، أو المساس بحقوق الآخرين التي صانتها الشريعة الاِسلامية نفسها وبأروع ما يكون.

ومن هنا انطلق فقهاء المذاهب الاِسلامية ليقعّدوا بعض القواعد

٢١
الفقهية المعبرة عن يسر هذا الدين العظيم وروحه السمحة، ومن بين تلك القواعد الفقهية المتفق عليها، قاعدة الضرر يُزال، وقاعدة الضرورات تبيح المحظورات، وغيرهما من القواعد الفقهية المتفرعة عن قاعدة (لا ضرر ولا ضرار) (١). وقد استمدوا هاتين القاعدتين من أُصول التشريع الاِسلامي: قرآناً وسُنّة.

والسؤال المهم هنا، هو: هل أنّ الشريعة الاِسلامية أباحت للمُكْرَهِ أو المضطر كل محرم ـ مهما كان ـ بسبب ذلك الاكراه أو الاضطرار.

وبعبارة أُخرى: هل أن حديث الرفع المشهور عند جميع المذاهب الاِسلامية) (٢)، يجري على كل اكراه، أو أنّ له حدوداً ثابتة لا يمكن تجاوزها بحال ؟

والواقع، إن الاِجابة المفصلة على هذا التساؤل المهم جداً في بيان حكم ما يُكرَه عليه، لا يمكن أن تتم ما لم يُعرَف قبل ذلك نوع الضرر المهدد به المكرَه، مع معرفة الآثار السلبية الناجمة عن تنفيذ المكرَه للنطق أو الفعل الذي أُكْرِه عليه.

بمعنى، ان تكون هناك معرفة بحجم الضرر المهدد به المُكْرَه، مع معرفة المحرّم الذي يراد تنفيذه كرها؛ لكي تجري عملية موازنة بين الضررين، حتى يرتكب أخفهما حرمة في الشريعة.

وفي المسألة صور كثيرة جداً، إذ قد يكون الاِكراه، على قتل مسلم، أو

١) اُنظر: الاَشباه والنظائر | السيوطي: ١٧٣ القاعدة الرابعة، طبعة دار الكتاب العربي. واُنظر قاعدة لا ضرر | السيد السيستاني ١: ١٥٨.

٢) سيأتي ذكر الحديث في أدّلة التقية من السُنّة النبوية.

٢٢
زنا، أو قطع بعض الاطراف، أو شرب خمر، أو قذف مؤمن، أو شهادة زور، أو سرقة مال، ونحوها.

وقد يكون التهديد والوعيد، بالقتل، أو التعذيب، أو السجن، أو النفي، أو الاهانة، أو التشهير، أو الغرامة المالية، أو هتك العرض، أو تهديم الدار، أو الفصل من الوظيفة، وغيرها.

وهذه الصور الكثيرة يمكن جمعها في ثلاث صور لا رابع لها وهي:

الصورة الاُولى:

ان يكون الضرر المهدد به المُكْرَه تافهاً وحقيراً، بينما يكون المحرّم المراد ارتكابه عظيماً وجسيماً.

الصورة الثانية:

عكس الاُولى.

الصورة الثالثة:

يتساوى فيها الاَمران.

وهذا ـ مع قربه من الاجابة على التساؤل السابق ـ إلاّ إنّه لا يكفي في ذلك؛ لوجود جوانب أُخر ذات صلة وثقى بتحديد الجواب، ويأتي في مقدمتها، اختلاف الناس وتفاوت رتبهم ودرجاتهم، فالاِمام ليس كالمأموم، والرئيس يختلف عن المرؤوس، والعالم ليس كالجاهل، والفقيه ليس كالمقلد، والنابه الذكي ليس كالخامل الغبي.

ولاشك ان هذا الاختلاف في رتب الناس ودرجاتهم يؤثر سلباً أو إيجاباً في تقدير موقف المكرَه نفسه أولاً، مع تأثيره المباشر أيضاً في تقدير الافعال أو الاَقوال المطلوبة منه ثانياً، وفي تقدير الاُمور المخوف بها ثالثاً.

إذ قد (يكون الشيء اكراهاً في شيء دون غيره، وفي حق شخص دون

٢٣
آخر) (١).

فقد يرى بعضهم في نوع الضرر المهدد به ما يبرر له ارتكاب المحرم؛ لاَجل التخلص من ذلك الضرر بأية وسيلة.

ويرى الآخر في ارتكاب المحرم البسيط عند الالجاء القهري إليه خطراً جسيماً على العقيدة الاِسلامية برمتها، بناءعلى موقعه الديني الرفيع مثلاً، فتراه يقدم على التضحية بكل غالٍ ونفيس ولا يتقي من أحد.

هذا زيادة على أن الاختلاف المذكور له تأثيره المباشر في مسألة التخلص من التقية باستخدام التورية، فيخدع بها المُكرِه ويخلّص نفسه بها من شرّه.

دور القواعد الفقهية في بيان حكم ما يُكرَه عليه

حاول الفقهاء ان يجدوا الاِجابة العامّة الشافية للتساؤل السابق من خلال قواعدهم الفقهية المسلّمة الصحة الخاصة بالضرر وكيفية التعامل معه وازالته، وسوف نشير إلى أهم تلك القواعد على النحو الآتي:

١ ـ قاعدة: يرتكب أخف الضررين لدفع أعظمهما

صلة القاعدة بالاكراه والتقية:

تصب هذه القاعدة في رافد الاجابة على التساؤل السابق حول حديث الرفع؛ لاَنّها تفيدنا في معرفة حكم ما يكره عليه الاِنسان، وقد مرّ ورود لفظ (الاكراه) في الحديث صراحة.

١) الاشباه والنظائر | السيوطي: ٣٧٠.

٢٤
ويتوقف هذا على بيان صلة القاعدة بالاكراه والتقية، إذ قد يقع الاِنسان بين ضررين وهو مضطر إلى أحدهما، فيرتكب أخفهما لدفع أعظمهما بموجب القاعدة وحينئذ لا اكراه في المقام ولا تقية من أحد !!

ولكن القاعدة لم توضع لاَجل هذا فحسب، بل هي عامة تنطبق على موارد الضرر كافة ومن بينها الضرر الناتج بفعل الاكراه الذي لا خلاص منه إلاّ بالتقية شأنها بذلك شأن القواعد الفقهية الاُخرى الآتية الخاصة بالضرر. وتوضيح ذلك يتم من خلال معرفة

أقسام الضرر تبعاً لاَسبابه، وهي:

١ ـ الضرر الناتج من نفس المتضرر، وهو ما يعبر عنه بالضرر الحاصل من سوء الاختيار كموارد تعجيز الانسان نفسه مثلاً.

٢ ـ الضرر الناتج بفعل العامل الطبيعي كالزلازل ونحوها.

٣ ـ الضرر الناتج من شخص آخر، ويعبر عن الضررين الاخيرين بالضرر الحاصل من غير سوء الاختيار.

ومن الواضح ان الاكراه لا يكون إلاّ من الغير كما تقدم في أركانه، وهذا يعني صلة الضرر الاَخير بالاكراه إذا كان من ظالم؛ لاَنّ الضرر الحاصل من الغير قد يكون باكراه وقد لا يكون. على أن بعض فقهائنا الاَعلام أدخل موارد التقية حتى في الضرر الناتج عن سوء الاختيار، كما نجده صريحاً في تقريرات بحث السيد الخوئي الاصولية (١)، إذ ورد فيها القول بصحة تعجيز الاِنسان نفسه في موارد التقية. وبما ان القاعدة لم تختص بمورد ضرري معين كما هو حال القواعد الفقهية الاُخرى، بل ناظرة إلى مطلق

١) محاضرات في اصول الفقه | محمد اسحاق الفياض ٤: ٢٤٣، مبحث الاَجزاء، في مسألة حكم الاَضرار بسوء الاختيار.

٢٥
الضرر فتكون صلتها بالاكراه والتقية واضحة جداً.

وهذه القاعدة الفقهية لا خلاف في صحتها عند جميع الفقهاء، وهي منسجمة تماماً مع روح التشريع الاِسلامي ومرونته، وجارية على وفق مقتضيات العقل السليم، فهي على ما يقول السيد الخوئي قدس سره: (من القضايا التي قياساتها معها، فلا تحتاج إلى برهان أو مؤنة الاستدلال) (١).

وفيها يقول الندوي: (إذا اجتمع للمضطر محرمان كل منهما لا يباح بدون الضرورة، وجب تقديم أخفهما مفسدة وأقلهما ضرراً، لاَن الزيادة لا ضرورة إليها فلا يباح) (٢).

وقال الزيلعي: (الاَصل في جنس هذه المسائل: إنّ من ابتُلِيَ ببليتين، وهما متساويتان يأخذ بأيهما شاء، وإن اختلفتا يختار أهونهما؛ لاَنَّ مباشرة الحرام لا تجوز إلاّ للضرورة، ولا ضرورة في حق الزيادة) (٣).

وفي هذا الصدد، يقول الغزالي: (وارتكاب أهون الضررين يصير واجباً بالاضافة إلى أعظمهما، كما يصير شرب الخمر واجباً في حق من غص بلقمة ـ أي: ولم يجد ماءً ـ، وتناول طعام الغير واجباً على المضطر في المخمصة، وإفساد مال الغير ليس حراماً لعينه، ولذلك لو اُكْرِه عليه بالقتل وجب أو جاز) (٤).

١) اُنظر: مصباح الاُصول ٢: ٥٦٢ في التنبيه السابع من تنبيهات قاعدة لا ضرر، المسألة الاُولى.

٢) القواعد الفقهية | علي أحمد الندوي: ٢٢٥، دار القلم، دمشق | ١٤١٢ هـ، وأشار في هامشه إلى قواعد ابن رجب الحنبلي: ٢٤٦ القاعدة رقم | ١١٢.

٣) الاَشباه والنظائر | ابن نجيم الحنفي: ٨٩.

٤) المستصفى | الغزالي ١: ٨٩ دار الكتب العلمية | ١٤٠٣ هـ.

٢٦
وقد صيغت هذه القاعدة بألفاظ أُخرى في كتب القواعد الفقهية وغيرها، ومن تلك الصياغات ما تجده في شرح القواعد الفقهية إذ وردت بهذه الصيغة: (إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما) (١) وهي نفسها عند ابن نجيم الحنفي (٢)ونظيرها عند آخرين (٣).

هذا، وقد فرّع فقهاء العامّة على هذه القاعدة جملة من الفروع، نذكر منها ما ذكره الشيخ الزرقا من فروع هذه القاعدة وهي:

أ ـ تجويز السكوت على المنكر إذا كان يترتب على انكاره ضرر أعظم.

ب ـ تجوز طاعة الاَمير الجائر إذا كان يترتب على الخروج عليه شرّ أعظم (٤).

٢ ـ قاعدة: الضرورات تقدّر بقدرها

صلة القاعدة بالاكراه والتقية:

إنّ من أوجه الاتفاق بين الضرورة والاكراه ـ كما سيأتي ـ هو ان مفهوم الضرورة العام يعني تحققها بمجرد حلول خطر لا يندفع إلاّ بمحظور، وعليه سيكون الاكراه داخلاً بهذا المفهوم العام. واذا اتضحت صلة الضرورة بالاكراه اتضحت صلتها بالتقية أيضاً على أن في أحاديث أهل

١) شرح القواعد الفقهية | أحمد بن محمد الزرقا: ٢٠١ القاعدة رقم ٢٨، ط٢، دار القلم، دمشق | ١٤٠٩ هـ.

٢) الاَشباه والنظائر | ابن نجيم الحنفي: ٨٩.

٣) كالغزالي في إحياء علوم الدين ٣: ١٣٨. والقراني المالكي في الفروق ٤: ٢٣٦ (الفرق الرابع والستون والمائتان). والفرغاني الحنفي في فتاوى قاضيخان ٣: ٤٨٥، مطبوع بهامش الفتاوى الهندية.

٤) شرح القواعد الفقهية: ٢٠١ في شرح القاعدة رقم ٢٨.

٢٧
البيت عليهم السلام ما يؤكد هذه الصلة أيضاً.

ففي حديث الاِمام الباقر عليه السلام: «التقية في كل ضرورة وصاحبها أعلم بها حين تنزل به» (١).

وما تعنيه هذه القاعدة، هو أن ما تدعو إليه الضرورة من المحظورات إنّما يرخّص منه القدر الذي تندفع به الضرورة فحسب، فإذا اضطر الاِنسان لمحظور لاَي سبب مسوّغ كالاكراه، أو المخمصة ونحوهما، فليس له أن يتوسع في المحظور، بل يقتصر منه على قدر ما تندفع به الضرورة فقط.

ومن ثمرات هذه القاعدة كما صرّح به الشيخ الزرقا: «إنّه من أُكْرِهَ على اليمين الكاذبة فإنّه يُباح له الاِقدام على التلفظ مع وجوب التورية والتعريض فيها إنْ خطرت على باله التورية والتعريض» (٢).

وهناك قواعد أُخرى تصب في هذا الاتجاه أيضاً، سنكتفي بذكرها دون شرحها لاَجل الاختصار، وهي:

٣ ـ قاعدة: الضرر الاَشد يزال بالضرر الاَخف

وقد ذهب الشيخ الاَنصاري إلى أبعد من هذه القاعدة في حال التقية، إذ جوّز التقية للمكره في صورة إزالة الضرر عن نفسه حتى مع كون الضرر على الغير أشد مالم يصل إلى حد القتل، فقال في حديثه عن قاعدة لاضرر ـ الآتية: (اتفقوا على أنه يجوز للمكره الاضرار على الغير بما دون القتل، لاَجل دفع الضرر عن نفسه، ولو كان أقل من ضرر الغير) (٣).

١) اُصول الكافي ٢: ٢١٩ | ١٣ باب التقية، من كتاب الاِيمان والكفر.

٢) شرح القواعد الفقهية | أحمد بن محمد الزرقا: ١٨٨ في شرح القاعدة رقم ٢١.

٣) رسائل الشيخ الاَنصاري: ٢٩٨، في آخر البحث عن أصل الاشتغال.

٢٨
وهذا مالم يوافقه عليه جملة من كبار الفقهاء المعاصرين آخذين بهذه القاعدة (١).

٤ ـ قاعدة: لا ضرر ولا ضرار

وفي هذه القاعدة قسّم السيد الخوئي قدس سره، والسيد السيستاني الضرر إلى أنواعه المتقدمة مع بيانهما وأسبابه التي ذكرناها سابقاً، ومن مراجعتها تعلم صلة هذه القاعدة بالتقية فضلاً عن اتفاقهم على ادخال الضرر الناتج عن اكراه في موجب هذه القاعدة.

٥ ـ قاعدة: الضرورات تبيح المحظورات

وهذه القاعدة متفرعة عن قاعدة لا ضرر المتقدمة كما نجده في قاعدة لا ضرر للسيد السيستاني وغيره، ومن أوضح تطبيقاتها عندهم جواز التلفظ بكلمة الكفر في حال الاكراه عليها (٢).

ولا يخفى بان ما جوّزوه لا يكون إلاّ في حال التقية، وهذا هو معنى صلة القاعدة بموضوع البحث، وهو التقية، على أن الشيخ الانصاري صرّح في بحث التقية بما يفيد المقام جداً وسوف نذكر نص كلامه في الحديث عن صلة حديث الرفع بالتقية، فلاحظ.

وبما أنّ صلة هذه القواعد بالتقية صلة وثيقة جداً، بل هي صلة الضرورة بالاكراه، ومن هنا لا بدّ من التعرض للعلاقة القائمة بين الضرورة والاكراه، تحت عنوان:

١) القواعد الفقهية | ناصر مكارم الشيرازي ١: ٨٩ في قاعدة التقية. واُنظر: مصباح الاُصول (تقريراً لبحث السيد الخوئي) ٢: ٥٦٢. والتنبيه السابع من تنبيهات قاعدة لا ضرر.

٢) قاعدة لا ضرر | السيد السيستاني ١: ١٥٨. والاَشباه والنظائر | السيوطي: ٩٢ ـ ٩٣.

٢٩

الفرق والاتفاق بين الضرورة والاكراه

أولاً: الفرق بين الضرورة والاكراه:

ويلاحظ هنا أن الفرق الاَول بينهما، هو أن في الاكراه يُدفع المُكرَه إلى إتيان المحظور من قبل شخص آخر بقوة الاكراه. وأما في الضرورة فلايدفع المرء إلى ارتكاب المحظور أحد، وإنما يكون المرء المضطر في ظرف خاص صعب يقتضي الخروج منه ارتكاب المحظور؛ لكي ينقذ نفسه أو عائلته من الهلاك المحتم، كالاضطرار إلى أكل لحم الميتة في حالة الجوع الشديد مع عدم وجود مايؤكل غيره.

والفرق الآخر هو أن امتناع المكرَه عن تنفيذ ما أُكرِه عليه قد يكون في بعض صور الاكراه واجباً عليه كما في الاكراه على القتل مثلاً.

وأما في حالة الاضطرار إلى ارتكاب المحرم لسد الرمق بعد الوقوع في مخمصة فالامتناع عنه حرام يعاقب عليه.

ثانياً: الاتفاق بين الضرورة والاكراه:

يمكن القول بأنّ الفرق الاَخير يُعدُّ من حيثية أُخرى اتفاقاً بين الضرورة والاكراه، لاَنَّ كلاً منهما يهدف إلى صيانة النفوس من التلف.

وهذا لا يعني انعدام الصلة بينهما إلاّ في هذه الحيثية، بل هناك جوانب اتفاق بين الضرورة والاكراه.

منها:

إنَّ الفاعل فيهما لا يجد سبيلاً للخلاص من الشر المحدق به غير ارتكاب المحظور.

ومنها:

أيضاً اتفاقهما من جهة ترتب الآثار على نفس الفاعل.

٣٠
كتاب التقية في الفكر الاسلامي لمركز الرسالة (ص ٣١ - ص ٥٤)
٣١

الفصل الثاني
أدلة التقية وأصولها التشريعية

المبحث الاَول
أدلة التقية من القرآن الكريم

لا شكّ أنَّ من قال بالقرآن الكريم صدَق، ومن حكم به عَدَل، ومن عمل به أُجِر، ومن دعا إليه هُدِي إلى صراط مستقيم.

وكيف لا، وهو يهدي للتي هي أقوم، مع كونه بياناً للناس وهدىً وموعظة للمتقين ؟

ومع هذه الحقيقة الناصعة التي طفحت بها آيات الكتاب، وأكدتها السُنّة النبوية بأعظم التأكيد، إلاّ إنّك قد تجد من يسيء إلى المفاهيم القرآنية الواضحة فيه أبلغ الاساءة كمفهوم التقية، فيدّعي أنها من النفاق !

وهذا يكشف عن كون اتخاذ القرار في التخطيط لاَية مسألة فكرية تتصل بعقيدة المسلمين، أو الاَحكام الشرعية وفهمها فهماً دقيقاً لا يناط أبداً بغير المخلص الكفوء، خشيةً من الوقوع في الانحراف الفكري عن قصد أو بدون قصد.

٣٢
والعجب إنّك ترى تلك الاساءة ممن يدّعي العلم والفهم وتلاوة القرآن الكريم، وكأنه لم يمر ـ في تلاوته ـ أبداً على ما سنتلوه عليك من آيات بينات وما قاله المفسرون بشأنها.

إنَّ الآيات القرآنية الدالة على اليسر ونفي الحرج وعدم إلقاء النفس إلى التهلكة، أو المشيرة إلى أنّ المُكرَه أو المضطر إلى المحرم لا جرم عليه، غير خافية على أحد، ولا ينكرها إلاّ الجاهل المتعسف أو المعاند الصلف، وكلامنا ليس مع هذا الصنف، بل مع من يعي أن نبينا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم بعث بالحنيفية السمحة ثم يشتبه عليه أمر التقية.

ونحن إذ نتعرض هنا للاَدلة القرآنية الدالة على مشروعية التقية، نود التذكير بأن الدليل الواحد المعتبر الدال على صحة قضية يكفي لاثباتها، فكيف لو توفّرت مع إثباتها أدلة قرآنية كثيرة، لم يُختَلَف في تفسيرها؛ لاَنّها محكمة يُنبىء ظاهرها عن حقيقتها ولا مجال لمتأوّلٍ فيها ؟

ومع هذا سوف لا نكتفي بدليل قرآني واحد، بل سنذكر أربع آيات مباركة، من بين الآيات القرآنية الكثيرة الدالة على مشروعية التقية.

والسبب في هذا الحصر والانتقاء، إنّا وجدنا القرآن الكريم قد تعرض إلى بيان تقية المؤمنين في الاُمم السالفة بآيتين صريحتين، كما وجدناه قد أمضى تلك التقية بتشريعاته الخالدة في أكثر من آية، انتقينا منها آيتين فقط، لما فيهما من وضوح تام حول امتداد ظل ذلك التشريع العظيم إلى وقت مبكر من عمر الرسالة الخاتمة.

ومن هنا قسّمنا الاَدلة المذكورة على قسمين: أحدهما، ما اتصل بالتقية قبل الاِسلام، والآخر: ما اتصل بها عند انطلاق دعوة الحق من

٣٣
البيت العتيق، واليك التفصيل:

أولاً: الاَدلة القرآنية الدالة على التقية قبل الاِسلام

الآية الاُولى: حول تقية أصحاب الكهف.

قال تعالى: (وَكَذلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبثْنَا يَوماً أو بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابعَثُوا أحَدَكُمْ بِوَرَقِكُمْ هذِهِ إلى المَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزكى طَعَاماً فلْيأتِكُمْ بِرِزقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أحَداً * إنَّهُمْ إنْ يَظْهَرُوا عَلَيكُمْ يِرْجُمُوكُمْ أوْ يُعِيدُوكُمْ في مَلَّتِهم وَلَن تُفلِحُوا إذاً أبداً) (١).

في هاتين الآيتين المباركتين أصدق تعبير على أنّ التقية كانت معروفة وجائزة في شرع ما قبلنا (نحن المسلمين) وهي صريحة في تقية أصحاب الكهف رضي الله تعالى عنهم، وقد أفاض المفسرون في بيان قصتهم وكيف أنّهم كانوا في ملّة كافرة وأنهم كانوا يكتمون إيمانهم قبل أن يدعوهم ملكهم إلى عبادة الاَصنام، فلجأوا إلى الكهف بدينهم (٢).

ولكن قد يقال بأنَّ الله عزَّ وجلَّ أورد من نبأهم ما يدل على عدم تقيتهم، كقوله تعالى: (وَرَبَطْنَا على قُلُوبِهِم إذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمواتِ والاَرضِ لَنْ نَدْعُوا مِن دُونِهِ إلهاً لَقَدْ قُلْنَا إذاً شَطَطاً) (٣)وهذا القول

١) سورة الكهف: ١٨ | ١٩ ـ ٢٠.

٢) راجع: تفصيل قصتهم في مجمع البيان| الطبري ٥: ٦٩٧ ـ ٦٩٨. وزاد المسير | ابن الجوزي ٥: ١٠٩ ـ ١١٠. والجامع لاَحكام القرآن | القرطبي ١٠: ٣٥٧ ـ ٣٥٩. وتفسير الطبري ١٥: ٥٠. والدر المنثور | السيوطي ٥: ٣٧٣. والتفسير الكبير | الفخر الرازي ٢١: ٩٧. وتفسير أبي السعود ٦: ٢٠٩. وقد وردت قصتهم عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة وغيرهم.

٣) سورة الكهف: ١٨ | ١٤.

٣٤
دالٌ على عدم تقيتهم.

وقولهم: (رَبُّنَا رَبُّ السَّمواتِ وَالاَرضِ لَنْ نَدْعُوا مِنْ دُونِهِ إلهاً)، هو قول من لا يرى التقية أصلاً، فاين تقية أصحاب الكهف إذن ؟!

والجواب:

إنَّ ما صدر عنهم من أقوال معبِّرة عن عدم تقيتهم إنّما صدر بعد انكشاف أمرهم، إذ كانوا قبل ذلك يكتمون إيمانهم عن ملكهم كما في لسان قصتهم، على أن في القصة ذاتها ما يعبر بوضوح عن إيصائهم لمن بعثوه بعد انتهاء رقدتهم بالتقية، كما يفهم من عبارة (وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أحَداً).

ومن هنا قال الفخر الرازي: (وقوله: (وَلْيَتَلَطَّفْ) أي: يكون ذلك في سر وكتمان، يعني دخوله المدينة وشراء الطعام) (١).

وأوضح من هذا ما صرّح به القرطبي المالكي بشأن توكيل أصحاب الكهف لاَحدهم بشراء الطعام مع إيصائه بالتقية من القوم الكافرين باخفاء الحقيقة عنهم بالتكتم عليها، فقال ما هذا نصه:

(في هذه الآية نكتة بديعة، وهي أن الوكالة إنّما كانت مع التقية خوف ان يشعر بهم أحد لما كانوا عليه من خوف على أنفسهم، وجواز توكيل ذوي العذر متفق عليه) (٢).

إذن، تقية أصحاب الكهف لا مجال لانكارها في جميع الاَحوال سواء قبل تصميمهم على ترك المداراة مع القوم واللجوء إلى الكهف، أو بعد

١) التفسير الكبير | الفخر الرازي ٢١: ١٠٣.

٢) الجامع لاَحكام القرآن | القرطبي ١٠: ٣٧٦ ـ ٣٧٧.

٣٥
انتهاء رقدتهم، ولكن الحق، أن تقيتهم الاُولى كانت قاسية على نفوسهم لما فيها من مجاهدة نفسية عظيمة؛ لا سيّما إذا علمنا أنهم من أعيان القوم ومن المقربين إلى الملك الكافر دقيانوس قبل أن ينكشف أمرهم.

ولا ريب بان تقية المسلم من المسلم لا تكون مثل تقية المسلم من الكافر، بل وما يُكرَه عليه المسلم من كافر مرة واحدة أو مرات لا يُقاس بمعاناة الفتية الذين آمنوا بربهم، لاَنهم قضوا شطراً من حياتهم بين قوم عكفوا على عبادة الاَصنام والاَوثان.

ولهذا ورد عن الاِمام الصادق عليه السلام قوله: «ما بلغت تقية أحد تقية أصحاب الكهف، إنْ كانوا ليشهدون الاَعياد، ويشدّون الزنانير، فأعطاهم الله أجرهم مرتين»(١).

أقول: كيف لا يشدّون الزنّار على وسطهم وهم عاشوا في أوساطهم ؟ وكيف لا يشهدون أعيادهم وهم من أعيانهم ؟

الآية الثانية: حول تقية مؤمن آل فرعون.

قال تعالى: (وقالَ رَجُلٌ مُؤمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَونَ يَكْتُمُ إيمَانَهُ أتَقْتُلُونَ رَجُلاً أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جَاءَكُم بالبَيِّناتِ مِن رَبِّكُم وإنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صَادِقاً يُصبكُمْ بَعْضُ الّذي يَعِدُكُمْ إنَّ اللهَ لا يَهدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ) (٢).

هذه الآية المباركة هي الاُخرى تحكي مشروعية التقية قبل بزوغ شمس الاِسلام بقرون.

١) اُصول الكافي ٢: ١٧٤ ـ ١٧٥ | ١٤ و ١٩ كتاب الاِيمان والكفر باب التقية، المكتبة الاِسلامية، طهران | ١٣٨٨ هـ.

٢) سورة غافر: ٤٠ | ٢٨.

٣٦
وعلى الرغم من وضوح دلالة الآية على التقية سوف نذكر طائفة من أقوال المفسرين بشأنها؛ ليُعلم اتفاقهم على مشروعية التقية قبل الاِسلام، وسيأتي تصريحهم ببقائها إلى يوم القيامة. وفي هذا الصدد، نقل الماوردي في تفسيره عن الحسن البصري، أنّ هذا الرجل كان مؤمناً قبل مجيء موسى عليه السلام، وكذلك امرأة فرعون، فكتم إيمانه.

وأورد عن الضحاك، بأنّه كان يكتم إيمانه للرفق بقومه، ثم أظهره فقال ذلك في حال كتمه (١).

ولا شكّ أنَّ ما يعنيه كتمان الاِيمان هو التقية لا غير؛ لاَنه إخفاء أمر ماخشية من ضرر إفشائه، والتقية كذلك.

وأورد ابن الجوزي عن مقاتل بشأن مؤمن آل فرعون: (إنّه كتم إيمانه من فرعون مائة سنة) (٢).

لقد بيّن لنا القرآن الكريم ـ قبل الآية المذكورة ـ السبب الذي دفع مؤمن آل فرعون إلى قوله المذكور، وهو رغبة فرعون بقتل موسى عليه السلام، قال تعالى: (وقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُوني أقتُل موسى وَليَدَعُ رَبَّهُ إنِّي أخَافُ أنْ يُبدِّلَ دِينَكُمْ أوْ أن يُظهِرَ في الاَرضِ الفَسَادَ) (٣).

وهنا قد يقال ـ كما في تفسير الرازي ـ: (إنّه تعالى حكى عن ذلك المؤمن أنّه كان يكتم إيمانه، والذي يكتم إيمانه كيف يمكنه أن يذكر هذه الكلمات مع فرعون ؟).

١) النكت والعيون | الماوردي ٥: ١٥٣، دار الكتب العلمية، بيروت.

٢) زاد المسير | ابن الجوزي ٧: ٣١٢.

٣) سورة غافر: ٤٠ | ٢٦.

٣٧
وقد بيّن الرازي أن في المسألة قولين:

الاَول:

إنّ هذا المؤمن لما سمع قول فرعون: (ذَرُوني أقْتُلْ مُوسى) لم يصرح بأنه على دين موسى عليه السلام بل أوهم أنه مع فرعون وعلى دينه، مبيّناً ان المصلحة تقتضي ترك قتله، لاَنه لم يرتكب ذنباً وإنما كان يدعو إلى الله عزَّ وجلَّ، وهذا لا يوجب القتل.

الثاني:

إنّه كان يكتم إيمانه، ولما علم بقول فرعون المذكور أزال الكتمان وأظهر كونه على دين موسى وشافه فرعون بالحق (١).

على أن تقيته واضحة جداً حتى على القول الثاني؛ لاَنّه رضي الله عنه كان قد أظهر إيمانه وشافه فرعون بالحق بعد أن كتمه بتصريح القرآن الكريم، وكتمان الحق وإظهار خلافه هو التقية بعينها.

وهذا الرجل العظيم لم يصفه القرآن الكريم بالنفاق، ولا بالمحتال المخادع، بل وصفه بأشرف الصفات وأعظمها عند الله عزَّ وجل، صفة الاِيمان.

وكيف كان، فقد أخرج المتقي الهندي في كنز العمال، عن ابن النجار، عن ابن عباس؛ وعن أبي نعيم في الحلية، وابن عساكر، عن ابن أبي ليلى مرفوعاً قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «الصديقون ثلاثة: حبيب النجار مؤمن آل ياسين، ومؤمن آل فرعون الذي قال: (أتَقْتُلُونَ رَجُلاً أنْ يَقُولَ رَبِّي اللهُ)، والثالث: علي بن أبي طالب، وهو أفضلهم» (٢).

١) التفسير الكبير | الرازي ٢٧: ٦٠.

٢) كنز العمال | المتقي الهندي ١١: ٦٠١ | ٣٢٨٩٧ و ٣٢٨٩٨، ط٥، مؤسسة الرسالة، بيروت. وفي

=

٣٨
وفي تفسير المحرر الوجيز: قال الجوهري: (وقد أثنى الله على رجل مؤمن من آل فرعون كتم إيمانه وأسرّه، فجعله الله تعالى في كتابه، وأثبت ذكره في المصاحف لكلام قاله في مجلس من مجالس الكفر) (١).

وفي تفسير القرطبي في تفسيره الآية المذكورة قال: (إن المكلف إذا نوى الكفر بقلبه كان كافراً وإن لم يتلفظ بلسانه، وأما إذا نوى الاِيمان بقلبه فلا يكون مؤمناً بحال حتى يتلفظ بلسانه، ولا تمنعه التقية والخوف من أن يتلفظ بلسانه فيما بينه وبين الله تعالى، إنما تمنعه التقية من أن يسمعه غيره، وليس من شرط الاِيمان أن يسمعه الغير في صحته من التكليف، وإنّما يشترط سماع الغير له؛ ليكف عن نفسه وماله) (٢).

وبالجملة، فإنّ جميع المفسرين الذين وقفت على تفسيرهم اعترفوا بتقية مؤمن آل فرعون، ولولا خشية الاطالة لاَوردنا المزيد من أقوالهم، ويكفي أن الخوارج الذين زعم بعضهم بأنهم ينكرون التقية قد صرّح أباضيتهم بالتقية في تفسيرهم لهذه الآية:

قال المفسر الاباضي محمد بن يوسف اطفيش عن الرجل المؤمن: (فمعنى كونه من آل فرعون أنه فيهم بالتقية مظهراً أنّه على دينهم، وظاهر قوله (ياقَوم) أنّه منهم ـ إلى أن قال ـ واستعمل الرجل تقية على نفسه، ما ذكر الله عزَّ وجلَّ عنه بقوله: (وإنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيهِ كَذِبُهُ) (٣).

=

حاشية كشف الاستار | محمد حسين الجلال: ٩٨ مؤسسة الاَعلمي، بيروت | ١٤٠٥ هـ، قال: (وحسّنه السيوطي).

١) المحرر الوجيز | ابن عطية ١٤: ١٣٢، تحقيق المجلس العلمي بفاس | ١٤٠٧ هـ.

٢) الجامع لاَحكام القرآن | القرطبي ١٥: ٣٠٧.

٣) تيسير التفسير | محمد بن يوسف بن اطفيش الاَباضي ١: ٣٤٣ ـ ٣٤٥.

٣٩

ثانياً: الاَدلة القرآنية الدالة على امضاء التقية في الاِسلام

الآية الاُولى: حول جواز الكفر بالله تقيةً:

ويدل عليه قوله تعالى: (مَنْ كَفَرَ باللهِ مِنْ بَعْدِ إيمانِهِ إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلبُهُ مُطْمَئنٌ بالاِيمانِ وَلكِن مَنْ شَرَحَ بالكُفرِ صَدْرَاً فَعَلَيهِمْ غَضَبٌ مَنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (١).

نزلت هذه الآية المباركة باتفاق جميع المفسرين في مكة المكرمة وفي البدايات الاُولى من عصر صدر الاِسلام، يوم كان المسلمون يعدون بعدد الاَصابع، ومن مراجعة ما ذكروه بشأن هذه الآية يُعلم أن التقية قد أُبيحت للمسلمين أيضاً في بدايات الاِسلام الاَولى، وانها أُبقيت على ما كانت عليه في الاَديان السابقة ولم تنسخ في الاِسلام، بل جاء الاِسلام ليزيدها توكيداً ورسوخاً لكي يتترس بها أصحاب الدين الفتي أمام طغيان أبي سفيان وجبروت أبي جهل كما تترس بها ـ من قبل ـ أهل التوحيد أمام ظلم المشركين فيما اقتص خبره القرآن الكريم، وصرّح به سائر المفسرين.

فقد أخرج ابن ماجة بسنده عن ابن مسعود ما يؤكد نزول الآية بشأن عمار بن ياسر وأصحابه الذين أخذهم المشركون في مكة وأذاقوهم ألوان العذاب حتى اضطروا إلى موافقة المشركين على ما أرادوا منهم.

وقد علّق الشيخ محمد فؤاد عبدالباقي على هامش حديث ابن ماجة المذكور، بقوله (أي: وافقوا المشركين على ما أرادوا منهم تقية، والتقية في مثل هذه الحال جائزة، لقوله تعالى: (إلاَّ مَنْ أُكرِهَ وَقَلبُه مُطمئنٌ

١) سورة النحل: ١٦ | ١٠٦.

٤٠