×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

التقية في الفكر الاسلامي / الصفحات: ٤١ - ٦٠

بالاِيمان) (١).

وقال الجصاص الحنفي: (هذا أصل في جواز إظهار كلمة الكفر في حال الاكراه، والاكراه المبيح لذلك هو أن يخاف على نفسه أو بعض أعضائه التلف إن لم يفعل ما أُمِر به، فأبيح له في هذه الحال أن يُظهِر كلمة الكفر) (٢).

وفي تفسير الماوردي: (إنّ الآية نزلت في عمار بن ياسر وأبويه ياسر وسمية وصهيب وخباب، أظهروا الكفر بالاكراه وقلوبهم مطمئنة بالاِيمان)(٣).

وبالجملة، فان جميع ما وقفت عليه من كتب التفسير وغيرها متفق على نزول الآية بشأن عمار بن ياسر وأصحابه الذين وافقوا المشركين على ما أرادوا وأعذرهم الله تعالى بكتابه الكريم، على أن بعضهم لم يكتف ببيان هذا، بل توسع في حديثه عن التقية، مبيناً مشروعيتها، مع الكثير من أحكامها بكل صراحة (٤).

١) سنن ابن ماجة ١: ٥٣، ١٥٠ باب ١١ في فضل سلمان وأبي ذر والمقداد، دار إحياء الكتب العربية، وانظر التعليق عليه في الهامش رقم (١) من الصفحة المذكورة.

٢) أحكام القرآن | الجصاص ٣: ١٩٢، دار الفكر، بيروت.

٣) تفسير الماوردي (النكت والعيون) ٣: ٢١٥، دار الكتب العلمية، بيروت.

٤) اُنظر: تفسير الواحدي الشافعي ١: ٤٦٦ مطبوع بهامش تفسير النووي المسمى بـ (مراح لبيد) دار إحياء الكتب العربية، مصر، والمبسوط للسرخسي ٢٤: ٢٥. وأحكام القرآن للكياالهراسي ٣: ٢٤٦، دار الكتب العلمية، بيروت | ١٤٠٥ هـ. والكشاف | الزمخشري ٢: ٤٤٩ ـ ٥٥٠، دار المعرفة، بيروت. والمحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز | ابن عطية الاَندلسي ١٠: ٢٣٤ ـ ٢٣٥ تحقيق المجلس العلمي بفاس | ١٤٠٧ هـ. وأحكام القرآن | ابن العربي ٢: ١١٧٧ ـ ١١٨٢ دار المعرفة، بيروت (وفيه كلام طويل عن التقية). وزاد المسير في علم التفسير | ابن الجوزي ٤:

=

٤١

الآية الثانية: حول موالاة الكافرين تقيةً:

ويدل عليه قوله تعالى: (لا يَتَّخِذِ المُؤمِنُونَ الكافِرينَ أوليَاءَ مِنْ دُونِ المُؤمِنينَ وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ في شيءٍ إلاَّ أنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وإلى اللهِ المَصيرُ) (١).

=

٤٩٦، ط٤، المكتب الاِسلامي، بيروت | ١٤٠٧ هـ. والتفسير الكبير | الفخر الرازي ٢٠: ١٢١، ط٣. والمغني | ابن قدامة ٨: ٢٦٢ و١٠: ٩٧ مسألة ٧١١٦، ط١، دار الفكر، بيروت| ١٤٠٤ هـ. والجامع لاَحكام القرآن | القرطبي ١٠: ١٨١، دار إحياء التراث العربي. وأنوار التنزيل وأسرار التأويل | البيضاوي ١: ٥٧١، ط٢، مصر | ١٣٨٨ هـ. وتفسير الخازن | علي بن محمد الخازن الشافعي ١: ٢٧٧. وتفسير ابن جزي الكلبي: ٣٦٦، دار الكتاب العربي، بيروت | ١٤٠٣ هـ. وتفسير البحر المحيط | أبو حيان الاَندلسي ٥: ٥٣٨، ط٢، دار الفكر، بيروت | ١٤٠٣ هـ. وتفسير القرآن العظيم| ابن كثير ٢: ٦٠٩، ط١، دار الخير، دمشق | ١٩٩٠ م. وغرائب القرآن | النيسابوري ١٤: ١٢٢ مطبوع بهامش تفسير الطبري، ط٢، دار المعرفة، بيروت | ١٣٩٢ هـ. وفتح الباري شرح صحيح البخاري | ابن حجر العسقلاني ١٢: ٢٦٢ ـ ٢٦٣، دار إحياء التراث العربي، بيروت | ١٤٠٦ هـ. ومنهاج الطالبين | النووي الشافعي ٤: ١٣٧، ١٧٤ دار الفكر، بيروت. وانظر تعليق الشربيني عليه في مغني المحتاج في شرح المنهاج ٤: ١٣٧ مطبوع بهامش منهاج الطالبين. وروح البيان | البرسوي الحنفي ٥: ٨٤، ط٧، دار إحياء التراث العربي، بيروت | ١٤٠٥ هـ. وفتح القدير | الشوكاني ٣: ١٩٧، دار المعرفة، بيروت. وتفسير النووي (مراح لبيد) ١: ٤٦٦. ومحاسن التأويل | القاسمي ١٠: ١٦٥، ط٢، دار الفكر، بيروت | ١٣٩٨ هـ. وتيسير التفسير | محمد بن يوسف أطفيش الاَباضي ٧: ٩٧، طبعة وزارة التراث القومي والثقافي في سلطنة عمان. وتفسير المراغي ١٤: ١٤٦، ط٢، دار إحياء التراث العربي، بيروت| ١٩٨٥ م. وصفوة التفاسير | محمد علي الصابوني الوهابي،ط١، عالم الكتب، بيروت | ١٤٠٦ هـ.

أقول: إنما ذكرنا هذه القائمة الطويلة من مصادرتفسر الآية ـ وكلها مصادر غير شيعية ـ لكي يعلم من مراجعتها اتفاقهم جميعاً على مشروعية التقية في حالة الاكراه عليها، ولكن بعض المتطفلين على من الكلام الذي ليس له في ميزان العلم أي وزن ولا اعتبار.

١) سورة آل عمران: ٣ | ٢٨.

٤٢
هذه الآية المباركة ما أصرحها بالتقية، وقد مرّ في تعريف التقية لغةً بأنه لا فرق بين علماء اللغة بين (التقاة) و (التقية) فكلاهما بمعنى واحد، ومن هنا قرأ ابن عباس، ومجاهد، وأبو رجاء، وقتادة، والضحاك، وأبو حيوة، وسهل، وحميد بن قيس، والمفضل عن عاصم، ويعقوب، والحسن البصري، وجابر بن يزيد: (تَقِيَّةَ) (١).

وقد أخرج الطبري في تفسير هذه الآية، من عدة طرق، عن ابن عباس، والحسن البصري، والسدي، وعكرمة مولى ابن عباس، ومجاهد ابن جبر، والضحاك بن مزاحم جواز التقية في ارتكاب المعصية عند الاكراه عليها كاتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين في حالة كون المتقي في سلطان الكافرين ويخافهم على نفسه، وكذلك جواز التلفظ بما هو لله معصية بشرط أن يكون القلب مطمئناً بالايمان، فهنا لا أثم عليه (٢).

هذا مع اعتراف سائر المسلمين بأن الآية لم تنسخ فهي على حكمها منذ نزولها وإلى يوم القيامة، ولهذا كان الحسن البصري يقول: (إنَّ التقية جائزة إلى يوم القيامة). حكاه الفقيه السرخسي الحنفي، وقال معقباً: (وبه نأخذ، والتقية أن يقي نفسه من العقوبة بما يظهره وإن كان يضمر خلافه) (٣).

واحتج إمام المذهب المالكي (مالك بن أنس) بهذه الآية، على أن

١) اُنظر: حجة القراءات | أبو زرعة: ١٦٠. ومعاني القرآن | الزجاج ١: ٢٠٥. وتفسير الرازي ٨: ١٢. والنشر في القراءات العشر ٣: ٥. والجامع لاَحكام القرآن ٤: ٥٧. والبحر المحيط ٢: ٤٢٤. وفتح القدير ١: ٣٠٣.

٢) تفسير الطبري (جامع البيان عن تأويل آي القرآن) ٦: ٣١٣ ـ ٣١٧، ط٢، دار المعرفة، بيروت | ١٣٩٢ هـ.

٣) المبسوط | السرخسي ٢٤: ٤٥ من كتاب الاكراه.

٤٣
طلاق المكره تقية لا يقع، ونسب هذه الفتيا إلى ابن وهب ورجال من أهل العلم ـ على حد تعبيره ـ ثم ذكر اسماء الصحابة الذين قالوا بذلك أيضاً، ونقل عن ابن مسعود قوله: (ما من كلام يدرأ عني سوطين من سلطان إلاّ كنت متكلماً به) (١).

وقال الزمخشري في تفسير: (إلاَّ أنْ تَتَّقُوا مَنْهُم تُقَاةً): (إلاّ أن تخافوا أمراً يجب اتقاؤه تقية.. رخص لهم في موالاتهم إذا خافوهم، والمراد بتلك الموالاة: مخالفة ومعاشرة ظاهرة، والقلب بالعداوة والبغضاء وانتظار زوال المانع) (٢).

وأما الفخر الرازي فقد بين في تفسير الآية أحكام التقية، قائلاً: (إعلم أن للتقية أحكاماً كثيرة، إلى أن قال:

الحكم الرابع: ظاهر الآية يدل على أن التقية إنّما تحلّ مع الكفار الغالبين، إلاّ أن مذهب الشافعي: إنّ الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والمشركين حلّت التقية محاماة على النفس.

الحكم الخامس: التقية جائزة لصون النفس، وهل هي جائزة لصون المال ؟

يحتمل أن يحكم فيها بالجواز لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «حرمة مال المسلم كحرمة دمه»، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «من قتل دون ماله فهو شهيد»، ولاَن الحاجة إلى المال شديدة، والماء إذا بيع بالغبن سقط فرض الوضوء، وجاز الاقتصار على التيمم رفعاً لذلك القدر من نقصان المال ! فكيف لا يجوز هاهنا ؟).

١) المدونة الكبرى | مالك بن أنس ٣: ٢٩، مطبعة السعادة، مصر.

٢) الكشاف | الزمخشري ١: ٤٢٢.

٤٤
ثم رجّح بعد هذا قول الحسن البصري (التقية جائزة للمؤمنين إلى يوم القيامة) على قول من قال بأنّها كانت في أول الاِسلام، وقال: (هذا القول أولى؛ لاَن دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الامكان) (١).

هذا وقد نقل أبو حيان الاَندلسي المالكي في البحر المحيط، في تفسير الآية المذكورة قول ابن مسعود: (خالطوا الناس وزايلوهم وعاملوهم بما يشتهون، ودينكم فلا تثلموه).

وقول صعصعة بن صوحان لاُسامة بن زيد: (خالص المؤمن وخالق الكافر، إنّ الكافر يرضى منك بالخُلق الحسن).

وقول الاِمام الصادق عليه السلام: «إن التقية واجبة، إني لاَسمع الرجل في المسجد يشتمني فأستتر منه بالسارية لئلا يراني». ثم قال بعد ذلك ما هذا نصّه:

(وقد تكلم المفسرون هنا في التقية إذ لها تعلق بالآية، فقالوا: أمّا الموالاة بالقلب فلا خلاف بين المسلمين في تحريمها، وكذلك الموالاة بالقول والفعل من غير تقية، ونصوص القرآن والسُنّة تدل على ذلك.

والنظر في التقية يكون: فيمن يتقى منه، وفيما يبيحها، وبأي شيء تكون من الاَقوال والاَفعال ؟

فأما من يتقى منه: فكل قادر غالب يكره يجوز منه، فيدخل في ذلك الكفار، وجورة الرؤساء، والسلابة، وأهل الجاه في الحواضر.

وأمّا ما يبيحها: فالقتل، والخوف على الجوارح، والضرب بالسوط،

١) التفسير الكبير | الفخر الرازي ٨: ١٣.

٤٥
والوعيد، وعداوة أهل الجاه الجورة.

وأمّا بأي شيءٍ تكون ؟ من الاَقوال: فبالكفر فما دونه، من بيع، أو هبة وغير ذلك. وأمّا من الاَفعال: فكل محرم.. وقال مسروق: إن لم يفعل حتى مات دخل النار، وهذا شاذ) (١).

ما يدل على جواز التقية بين المسلمين أنفسهم:

وجدير بالاشارة هنا، هو ما صرّح به فقهاء الفريقين ومفسروهم من جواز التقية بين المسلمين أنفسهم استناداً إلى طائفة اُخرى من الآيات الكريمة من قبيل قوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) (٢). فهو: (يدل على حرمة الاقدام على ما يخاف الاِنسان على نفسه أو عرضه أو ماله) (٣).

وقد استدل الفخر الرازي بهذه الآية على وجوب التقية في بعض الحالات، لقوله بوجوب إرتكاب المحرم بالنسبة لمن اُكره عليه بالسيف، وعدّ امتناع المكره حراماً؛ لاَنّه من القاء النفس إلى التهلكة، مع أن صون النفس عن التلف واجب استناداً إلى هذه الآية (٤)، ولا معنى لوجوب ارتكاب المكره للمحرم غير التقية.

ومن ذلك، قوله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) (٥)، والحرج هو الضيق لغة، والتقية عادة ما يكون صاحبها في حرج شديد،

١) تفسير البحر المحيط | أبو حيان ٢: ٤٢٤.

٢) سورة البقرة: ٢ | ١٩٥.

٣) مواهب الرحمن | السيد السبزواري في تفسير الآية المذكورة.

٤) التفسير الكبير | الفخر الرازي ٢٠: ٢١ في تفسير الآية ١٠٦ من سورة النحل.

٥) سورة الحج: ٢٣ | ٧٨.

٤٦
ولا يسعه الخروج من ذلك الحرج بدونها.

ومنه أيضاً، قوله تعالى: (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) (١).

فقد جاء تفسيرها عن الاِمام الصادق عليه السلام بالتقية، فقال عليه السلام: «التي هي أحسن: التقية» (٢).

إلى غير ذلك من الآيات الاُخرى المستدل بها على جواز التقية بين المسلمين أنفسهم فضلاً عن جوازها للمسلمين مع غيرهم (٣)، زيادة على ما سيأتي في أدلتها الاُخرى كالسنة المطهّرة، والاجماع، والدليل العقلي القاضي بعدم الفرق في تجنب الضرر سواء كان الضرر من مسلم أو كافر.

المبحث الثاني
أدلة التقية من السُنّة المطهّرة

القسم الاَول: الاَحاديث النبوية الدالة على التقية

توطئة في أنه هل تجوز التقية على الاَنبياء عليهم السلام ؟

إنَّ نظرة سريعة في كتب الصحاح والسنن والمسانيد تكفي للخروج بالقناعة الكاملة على ورود التقية في أحاديث غير قليلة في تلك المصادر

١) سورة فصلت: ٤١ | ٣٤.

٢) اُصول الكافي ٢: ٢١٨ | ٦ باب التقية.

٣) راجع: جامع أحاديث الشيعة ١٨: ٣٧١ ـ ٣٧٢ باب وجوب التقية، فقد ذكر في أول الباب عشر آيات، يستفاد من بعضها جواز التقية بين المسلمين أنفسهم.

٤٧
المعتبرة عند العامّة التي نسبت التقية إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في القول والفعل معاً.

وهنا، قد يتوهم البعض فيزعم أن التقية غير جائزة على الاَنبياء مطلقاً ! وهذا غير صحيح قطعاً، لاَنَّ غير الجائز عليهم صلوات الله عليهم هو ما بلغ من التقية درجة الكفر بالله عزَّ وجلَّ، أو كتمان شيء من التبليغ المعهود اليهم ونحو هذا من الاُمور التي لا تنسجم وعصمتهم عليهم السلام بحال من الاَحوال؛ لاَنها من نقض الغرض والاِغراء بالقبيح وهم عليهم السلام منزهون عن كل قبيح عقلاً وشرعاً، إذ لا يؤتمن على الوحي إلاّ المصطفون الذين لا يخشون في الله لومة لائم.

ومن هنا قال السرخسي الحنفي في معرض حديثه عن تقية عمار بن ياسر باظهار كلمة الكفر بعد الاكراه عليها مع اطمئنان قلبه بالايمان: (إلاّ أن هذا النوع من التقية يجوز لغير الانبياء والرسل عليهم السلام، فأما في حق المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين فما كان يجوز ذلك فيما يرجع إلى أصل الدعوة إلى الدين الحق) (١).

ويفهم من كلامه جواز التقية على الاَنبياء والمرسلين فيما لا يمس أصل دعوتهم، أما إنكارها، أو كتمانها عن الخلق، أو تكذيب أنفسهم ونحو هذا فهو مما لا يجوز عليهم.

وجملة القول: إنّ كل شيء لا يعلمه البشر ـ على واقعه ـ إلاّ من جهة المعصوم عليه السلام نبياً كان أو إماماً لا تجوز التقية فيه على المعصوم، وأما مايجوز له فيه التقية فهو كل مالا يتنافى ومقام التبليغ والتعليم والهداية إلى الحق حتى ولو انحصر وصول الحق إلى طائفة دون اُخرى، كما لو

١) المبسوط | السرخسي ٢٤: ٢٥.

٤٨
اتقى المعصوم عليه السلام في ظرف خاص من شرار الناس تأليفاً لقلوبهم ـ كما سيأتيك مثاله في صحيح البخاري ـ ونحو هذا من المصالح العائدة إلى نفس المعصوم أو دعوته، وبشرط أن يبين وجه الحق لاَهل بيته، أو لمن يثق به من أصحابه، أو على أقل تقدير لمن لا يخشى من مغبة مفاتحته بالحقيقة؛ لكي لا يكون ما خالفها هو السُنّة المتبعة.

هذا، وقد ذهب ابن قتيبة الدينوري (ت | ٢٧٦ هـ) إلى أبعد من ذلك فجوّز التقية على نبينا صلى الله عليه وآله وسلم في مقام التبليغ أيضاً، فقال عن آية تبليغ الولاية من قوله تعالى: (يا أيُّها الرسولُ بَلِّغ ما أُنزِلَ إليكَ مِنْ رَبِّك وإنْ لم تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ واللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ إنّ اللهَ لا يهدي القومَ الكافرينَ) (١)ما هذا نصه:

(والذي عندي في هذا أنّ فيه مضمراً يبينه ما بعده، وهو إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يتوقّى بعض التوقّي، ويستخفي ببعض ما يُؤمر به على نحو ما كان عليه قبل الهجرة، فلمّا فتح الله عليه مكّة وأفشى الاِسلام، أمرَهُ أنْ يُبلِّغ ما أُرسِل إليه مجاهراً به غير متوقٍّ ولا هائبٍ ولا متألّف. وقيل له: إن أنت لم تفعل ذلك على هذا الوجه لم تكن مبلّغاً لرسالات ربِّك. ويشهد لهذا قوله بَعدُ: (واللهُ يَعصِمُكَ مِنَ النّاسِ) أي: يمنعك منهم.

ومثل هذه الآية قوله: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤمَرْ وأعرِضْ عَنِ المُشركِين)(٢)(٣).

والذي نراه: أنّ ابن قتيبة خلط في هذا بين التقية في التبليغ، وبين

١) سورة المائدة: ٥ | ٦٧.

٢) سورة الحجر: ١٥ | ٩٤.

٣) المسائل والاَجوبة في الحديث والتفسير| ابن قتيبة: ٢٢٢، ط١، دار ابن كثير | ١٤١٠ هـ.

٤٩
التقية لاَجله، والاَول من كتمان الحقّ المنزّه عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والثاني لاريب فيه، وهو الذي نعتقده في خصوص آية التبليغ، وبيان ذلك:

إنّ الوعيد والانذار الموجه إلى النبي الاَعظم صلى الله عليه وآله وسلم بقوله تعالى: (وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بلَّغْتَ رسَالَتَهُ) ظاهره الوعيد والانذار وحقيقته معاتبة الحبيب لحبيبه على تريثه بخصوص الولاية، وليس المقصود من الآية تهاون النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أمر الدين أو عدم الاكتراث بشأن الوحي وكتمانه، فحاشا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك، ولا يقول هذا إلاّ زنديق أو جاهل.

نعم، آية التبليغ تدل على تريث النبي الاَعظم صلى الله عليه وآله وسلم بعض التريث لجسامة التبليغ الذي جعله الله تعالى موازياً لثقل الرسالة كلّها، ريثما يتم له صلى الله عليه وآله وسلم تدبير الاَمر بتهيئة مستلزماته، كجمع حشود الصحابة الذين رجعوا من حجة الوداع وكانوا يزيدون على مائة ألف صحابي، مع تمهيد السبيل أمام هذه الحشود الكثيرة لكي تقبل مثل هذا التبليغ الخطير، خصوصاً وإنّ فيهم الموتورين بسيف صاحب الولاية أمير المؤمنين عليه السلام، فضلاً عن المنافقين، والذين في نفوسهم مرض والاَعراب الذين أسلموا ولمّا يدخل الاِيمان في قلوبهم، ولا شكّ أن وجود تلك الاَصناف في مكان واحد مدعاة للخشية على حاضر ذلك التبليغ ومستقبله.

فالتريث ـ أو سمِّه التقية إن شئت ـ لم يكن خوفاً على النفس من القتل، بل كان تقية لاَجل التبليغ نفسه والحرص على كيفية أدائه بالوجه الاَتم، إذ تفرّس النبي صلى الله عليه وآله وسلم في وجوه تلك الاَصناف من الصحابة مخالفته، فأخّر التبليغ إلى حين، ليجد له ظرفاً صالحاً وجواً آمناً تنجح فيه دعوته ولايخيب مسعاه، فأخذ صلى الله عليه وآله وسلم يعدّ للاَمر أُهبته، ومنها طلب الرعاية الالهية لنصرة هذا التبليغ نفسه من تلك الجراثيم المحدقة، كما يدل عليه

٥٠
قوله تعالى: (واللهُ يَعْصِمُكَ من الناس). ومما يدل على وجود تلك الخشية جملة من الاَخبار المروية في كتب العامّة أنفسهم.

فقد أخرج الحاكم الحسكاني الحنفي في شواهد التنزيل، بسنده عن ابن عباس وجابر بن عبدالله الاَنصاري، أنهما قالا: (أمر الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أن يُنَصِّب عليّاً للناس ليخبرهم بولايته، فتخوّف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقولوا: حابا ابن عمه، وأن يطعنوا في ذلك عليه، فأوحى الله إليه: (ياأيُّها الرَّسُولُ بَلِّغ...) الآية، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بولايته يوم غدير خم) (١).

وأخرج بسنده عن أبي هريرة: (إنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسرَّ أمر الولاية، فأنزل الله تعالى: (يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغ...) (٢).

وأخرج بسنده عن ابن عباس هذا المعنى قائلاً: (فكره أن يحدّث الناس بشيء منها ـ أي: الولاية ـ إذ كانوا حديثي عهد بالجاهلية... حتى كان يوم الثامن عشر أنزل الله عليه: (يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغ...) إلى أن قال ـ فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الغد فقال: «يا أيُّها الناس إنّ الله أرسلني إليكم برسالة وإنّي ضقت بها ذرعاً مخافة أن تتهموني وتكذّبوني حتى عاتبني ربي فيها بوعيد أنزله عليَّ بعد وعيد، ثم أخذ بيد عليٍّ فرفعها حتى رأى الناس بياض إبطيهما ثم قال: أيُّها الناس، الله مولاي وأنا مولاكم، فمن كنت مولاه فعليٌّ مولاه، اللّهمّ والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من

١) شواهد التنزيل | الحسكاني الحنفي ١: ٢٥٥ | ٢٤٩ في الشاهد رقم ٣٥، وأورده الآلوسي في روح المعاني عند تفسيره للآية ٦٧ من سورة المائدة، فراجع.

٢) شواهد التنزيل ١: ٢٤٩ | ٢٤٤.

٥١
نصره، وأخذل من خذله، وأنزل الله: (اليوم أكملت لكم دينكم) (١)» (٢).

وأخرج بسنده عن أبي جعفر محمد بن علي (الاِمام الباقر عليه السلام) أنّه قال : «إنّ جبريل هبط على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال له: إنّ الله يأمرك أن تدل أُمتك على صلاتهم.. إلى أن قال ـ إنّ الله يأمرك أن تدل أُمتك على وليهم على مثل ما دللتهم عليه من صلاتهم وزكاتهم وصيامهم وحجهم ليلزمهم الحجة من جميع ذلك. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا رب إن قومي قريبو عهد بالجاهلية، وفيهم تنافس وفخر... الخبر» (٣).

وقال السيوطي في تفسير آية التبليغ في الدر المنثور: (أخرج أبو الشيخ، عن الحسن أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إنّ الله بعثني برسالة فضقت بها ذرعاً وعرفت أن الناس مكذبي، فوعدني لاَبلغن أو ليعذبني»، فأنزل: (يا أيُّها الرَّسُولَ بلِّغ..) ثم قال: (وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ؛ عن مجاهد، قال: لما نزلت (يا أيُّها الرَّسُولَ بَلِّغ ما أُنزِلَ إليكَ مِنْ ربِّكَ)، قال: «يارب ! إنّما أنا واحد، كيف أصنع ليجتمع عليَّ الناس» فنزلت: (وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فما بلَّغْتَ رِسَالتَهُ..) (٤).

وهذا هو الموافق لما ورد في بعض كتب الشيعة الاِمامية أيضاً، فقد ذكر الطبرسي وجود هذه الاَخبار ونظائرها في كتب الفريقين مصرحاً بأن هذا هو المشهور عند أكثر المفسرين ثم قال: (وقد اشتهرت الروايات عن أبي جعفر وأبي عبدالله عليهما السلام إنّ الله أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يستخلف

١) سورة المائدة: ٥ | ٣.

٢) شواهد التنزيل ١: ٢٥٦ ـ ٢٥٨ | ٢٥٠.

٣) شواهد التنزيل ١: ٢٥٣ ـ ٢٥٥ | ٢٤٨.

٤) الدر المنثور ٣: ١١٧ في تفسير الآية ٦٧ من سورة المائدة، طبع دار الفكر، بيروت.

٥٢
عليّاً عليه السلام، فكان يخاف أن يشق ذلك على جماعة من أصحابه) (١).

وفي كشف الغمة، أورد سبب نزول الآية (يا أيُّها الرَّسُولَ بلِّغ..)، عن زيد بن علي، أنّه قال: (لما جاء جبريل عليه السلام بأمر الولاية ضاق النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، بذلك ذرعاً، وقال: قومي حديثوا عهد بالجاهلية، فنزلت) (٢).

وسوف يأتي قريباً ما يؤيد قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن القوم حديثو عهد بالجاهلية كما في صحاح القوم وسننهم ومسانيدهم.

ومن كل ما تقدم يعلم أن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ـ بعد تريثه لتدبير أمر تبليغ الولاية العامة ـ بتبليغ عاجل، مبيناً له أهمية هذا التبليغ، ووعده العصمة من الناس ولا يهديهم في كيدهم، ولا يدعهم يقلبوا له أمر الدعوة بالتكذيب بعد أن يعي الولاية من يعيها ويعقلها من المؤمنين، ولن يضر الحقيقة الالتفاف حولها بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم كما حصل في السقيفة المشؤومة ( لِيَهلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحيَى مَن حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ) (٣).

وهكذا تم التبليغ بخطبة وداع بعيدة عن أجواء التقية التي استخدمها من حضر الغدير لكتمان ما سمعه يوم ذاك بأذنيه وشاهده بعينيه وأدركه بلبه ووعاه بأُذنه كما سيوافيك.

فالتقية هنا وإن اتصلت بالتبليغ إلاّ أنها لاَجله، ولم تكن لاَجل الخوف على النفس الذي هو من أشد ما يخاف عليه الاِنسان عند الاِكراه، ومن يزعم بخلاف هذا فان القرآن الكريم يكذبه، إذ امتدح رسل الله وانبياءه

١) مجمع البيان ٣: ٢٢٣ في تفسير الآية ٦٧ من سورة المائدة، طبع دار إحياء التراث العربي، بيروت.

٢) كشف الغمة ١: ٤٣٦، نشر أدب الحوزة، ط٢، قم.

٣) سورة الانفال: ٨ | ٤٢.

٥٣
ـ ونبينا العظيم أشرفهم وأكرمهم وأحبهم وأقربهم درجة عند الله عزَّ وجل ـ بقوله تعالى: (الَّذينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ ويَخشَونَهُ ولا يَخشَونَ أحداً إلاّ اللهَ وكفى باللهِ حَسيباً) (١).

نعم هي تقية لاَجل التبليغ، تقية مؤقتة ممن كان المترقب من حالهم أنهم سيخالفونه مخالفة شديدة قد تصل إلى تكذيبه صلى الله عليه وآله وسلم.

ونظير هذا هو ما حصل في بدايات أمر الدعوة إلى الدين الجديد في مكة، فقد اتفق الكل على بدء الدعوة إلى الاِسلام سراً، وصرّح أرباب السِّير وغيرهم بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يجهر بالدعوة إلى الاِسلام إلاّ بعد ثلاث سنوات على نزول الوحي، لان الخوف من قائد المشركين أبي سفيان وأعوانه من الشياطين كأبي جهل ونظرائه كان قائماً على أصل الدعوة وأنصارها في ذلك الحين، فكان من الحكمة أن تمر الدعوة إلى الاِسلام بهذا الدور الخطير (٢)، وفي الحديث: «إنّ الاِسلام بدأ غريباً وسيعود

١) سورة الاحزاب: ٣٣ | ٣٩.

٢) اُنظر: السيرة النبوية| ابن هشام ١: ٢٨٠. والسيرة النبوية| ابن كثير ١: ٤٢٧. والسيرة الحلبية| ابن برهان ١: ٢٨٣. والسيرة النبوية | دحلان ١: ٢٨٢ مطبوع بهامش السيرة الحلبية. واُنظر كذلك تاريخ الطبري ١: ٥٤١. والكامل في التاريخ | ابن الاثير ٢: ٦٠. والبداية والنهاية | ابن كثير ٣: ٣٧.

وإن شئت المزيد فراجع كتب التفسير في تفسير قوله تعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤمَر واعرض عن المشركين). سورة الحجر: ١٥ | ٩٤، وقوله تعالى: (وأنذِر عَشِيرَتَكَ الاَقرَبِينَ). سورة الشعراء: ٢٦ | ٢١٤.

وفي عناوين تاريخ الخميس للدياربكري ١: ٢٨٧ هذا العنوان: «ذكر ما وقع في السنة الثانية والثالثة من اخفاء الدعوة» وقد أخرج تحت هذا العنوان عن ابن الزبير أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان لايظهر الدعوة إلاّ للمختصين، وإنّه صلى الله عليه وآله وسلم أظهرها لعامّة الناس بعد ثلاث سنين عندما نزل قوله تعالى: ( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤمَر..). سورة الحجر: ١٥ | ٩٤.

٥٤
كتاب التقية في الفكر الاسلامي لمركز الرسالة (ص ٥٥ - ص ٨٥)
٥٥

وهذه المحاورة بين النبي الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم وزوجه، قد أخرجها غير البخاري كلٌّ بطريقه إلى الاَسود بن يزيد، عن عائشة، وهم:

مسلم في صحيحه من طريقين (١)، وابن ماجة بلفظ: (ولولا أنّ قومك حديث عهد بكفر مخافة ان تنفر قلوبهم) (٢)، والترمذي ثم قال: (هذا حديث حسن صحيح) (٣)، والنسائي (٤)، وأحمد (٥).

وأخرج البخاري أيضاً من طريق عبدالله بن مسيلمة، أنّ عبدالله بن محمد بن أبي بكر أخْبَرَ عبدالله بن عمر أن عائشة قالت: أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لها: «ألم تَرَيْ أن قومك لما بنوا الكعبة اقتصروا على قواعد إبراهيم ؟

فقلت: يا رسول الله ! ألا تردها على قواعد إبراهيم ؟

قال: لولا حِدْثان قومِكِ بالكفر لفعلت» (٦).

=

١٤١١ هـ و٢: ١٧٩ ـ ١٨٠، ط دار التراث العربي، وأعاد روايتها في الجزء التاسع ص١٠٦ باب ما يجوز من اللّوْ، من كتاب الاَحكام.

١) صحيح مسلم ٢: ٩٧٣ | ٤٠٥ و ٤٠٦ كتاب الحج، باب جدر الكعبة وبابها، ط٢، دار الفكر، ١٣٩٨ هـ.

٢) سنن ابن ماجة ٢: ٩٨٥ | ٢٩٥٥، كتاب المناسك، باب الطواف بالحجر، دار إحياء الكتب العربية بمصر.

٣) صحيح الترمذي ٣: ٢٢٤ | ٨٧٥ كتاب الحج، باب ما جاء في كسر الكعبة، تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي دار إحياء التراث العربي.

٤) سنن النسائي ٥: ٢١٥، دار الجيل، بيروت.

٥) مسند أحمد ٦: ١٧٦، دار الفكر، بيروت و٧: ٢٥٣ | ٢٤٩١٠، ط٢، دار احياء التراث العربي، ١٤١٤ هـ.

٦) صحيح البخاري ٢: ١٩٠ | ١٥٨٣ من الباب السابق.

٥٦
وقد أخرجه مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بسنده ومتنه (١)وعنه النسائي في سننه (٢)، وأخرجه أحمد في مسنده مرتين (٣)وأخرجه ثالثة وفيه أن الذي أخبرَ ابنَ عمر هو عبدالرحمن بن محمد بن أبي بكر (٤).

وأخرج البخاري أيضاً بسنده عن هشام المعني، عن أبيه، عن عائشة، قالت: (قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لولا حداثة قومِكِ بالكفر لنقضت البيت ثم لبنيته على أساس إبراهيم عليه الصلاة والسلام ـ فإن قريشاً استقصرتْ بناءه ـ وجعلتُ له خَلْفاً ـ أي: باباً من الخلف ـ» (٥).

وقد رواه أحمد (٦)، والنسائي (٧).

وقريب من لفظه ما أخرجه البخاري في بابه المذكور بسنده عن عروة ابن الزبير، عن عائشة (٨)، ومثله النسائي (٩).

هذا وقد أخرج أحمد في مسنده حديث عائشة بألفاظ متقاربة عن غير من ذكرناه. فقد أورده من رواية عبدالله بن الزبير بطريقين، وعبدالله بن أبي ربيعة، والحرث بن عبدالله، كلهم، عن عائشة (١٠).

١) موطأ مالك: ٢٣٣ | ٨١٣ كتاب الحج، باب ما جاء في بناء الكعبة.

٢) سنن النسائي ٥: ٢١٦.

٣) مسند أحمد ٧: ٢٥٣ | ٢٤٩١٢ و٧: ٣٥٢ | ٢٥٥٦٩، والطبعة الاولى ٦: ١٤٧ و١٧٧.

٤) مسند أحمد ٧: ١٦٤ | ٢٤٣٠٦، والطبعة الاُولى ٦: ١١٢.

٥) صحيح البخاري ٢: ١٩٠ | ١٥٨٥.

٦) مسند أحمد ٧: ٨٥ | ٢٣٧٧٦، والطبعة الاُولى ٦: ٥٧.

٧) سنن النسائي ٥: ٢١٥.

٨) صحيح البخاري ٢: ١٩٠ | ١٥٨٦.

٩) سنن النسائي ٥: ٢١٦.

١٠) اُنظر: رواية ابن الزبير في مسند أحمد ٧: ٢٥٧ | ٢٤٩٣٥ و٢٤٩٣٨ والطبعة الاُولى ٦: ١٧٩

=

٥٧
وقد أخرج الحاكم حديث ابن الزبير، عن عائشة بلفظ آخر مستدركاً به على البخاري ومسلم، ثم قال: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه هكذا) (١).

كما أخرج أبو داود بسنده عن علقمة، عن أمه، عن عائشة، ما يؤكد ان قريشاً أخرجوا الحجر من البيت حين بنوا الكعبة (٢).

ومن كل ما تقدم يعلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يتقي قومه في عدم رد الحِجْر إلى قواعد إبراهيم عليه السلام مخافة أن تنفر قلوبهم، لحداثة عهدهم بالكفر وقربهم من شرك الجاهلية، وعلى حد تعبير العلاّمة السندي في حاشيته على سنن النسائي: (إنّ الاِسلام لم يتمكن في قلوبهم، فلو هُدّمت لربما نفروا منه !!) (٣).

ولهذا نجد محاولة ابن الزبير في تهديم الكعبة وإعادة بنائها وإدخال الحجر في البيت، قد باءت بالفشل، إذ هدم عبدالملك بن مروان ما بناه ابن الزبير وأخرج الحجر من البيت ليعيده إلى ما كان عليه في عهد من لم يتمكن الاِسلام يوماً في قلوب أكثرهم (٤).

هذا، وقد يقال: إنّ هذا الحديث ونظائره الاُخرى لا علاقة لها بالتقية، وإنّما هي من صغريات قانون التزاحم وتقديم الاَهم على المهم، أو دفع

=

و١٨٠. ورواية ابن أبي ربيعة فيه ٧: ٣٦٠ | ٢٥٦٢٠ والطبعة الاُولى ٦: ٢٥٣. ورواية الحرث فيه أيضاً ٧: ٣٧٣ | ٢٥٧٢٤ والطبعة الاُولى ٦: ٢٦٢.

١) مستدرك الحاكم ١: ٤٧٩ ـ ٤٨٠، دار الفكر، بيروت | ١٣٩٨ هـ.

٢) سنن أبي داود ٢: ٢٢١ | ٢٠٢٨، كتاب المناسك، باب في الحجر، دار الجيل، بيروت | ١٤١٢ هـ.

٣) حاشية العلاّمة السندي مطبوع بهامش سنن النسائي ٥: ٢١٤ طبع دار الجيل، بيروت.

٤) راجع: مسند أحمد ٧: ٣٦٠ | ٢٥٦٢٠ تجد التصريح بذلك في ذيل الحديث.

٥٨
الاَفسد بالفاسد !

والجواب: إنّها كذلك، ولكن لا يمنع من أن تصب بعض موارد التزاحم في التقية ومنها هذا المورد، إذ كما يحصل التزاحم بين أمرين بلا اكراه كمن دخل في صلاته وشاهد تحريفاً في أنفاسه الاَخيرة، فالواجب حينئذ هو قطع الصلاة وانقاذ الغريق أخذاً بقانون تقديم الاَهم على المهم، فقد يحصل بالاكراه أيضاً كما لو أُكرِه شخص على قتل آخر أو سلب أمواله وإلاّ قتل، فالواجب هنا أن يتقي بسلب الاَموال أخذاً بقانون دفع الاَفسد بالفاسد، وحينئذ يتحقق التزاحم والتقية في آن واحد.

ومن مراجعة أمثلة التزاحم في كتب الاُصول (١)يعلم امكان دخول الكثير منها في دائرة التقية، على ان السيد السبزواري قال عن التقية: (إنّها ترجع إلى القاعدة العقلية التي قررتها الشرائع السماوية، وهي تقديم الاَهم على المهم، فتكون التقية من القواعد العقلية الشرعية) (٢).

الحديث الثاني: تقية النبي صلى الله عليه وآله وسلم من فاحش:

أخرج البخاري من طريق قتيبة بن سعيد، عن عروة بن الزبير، أن عائشة أخبرته أن رجلاً استأذن في الدخول إلى منزل النبي فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «إئذنوا له فبئس ابن العشيرة، أو بئس أخو العشيرة، فلما دخل ألان له الكلام، فقلت له: يا رسول الله ! قلت ما قلت ثم ألِنتَ له في القول ؟ فقال: أي عائشة، إنّ شرَّ الناس منزلة عند الله من تركه أو وَدَعَهُ الناس اتقاء

١) راجع: مصباح الاُصول ٣: ٣٦١ و٢: ٥٦٢.

٢) مواهب الرحمن في تفسير القرآن | السيد السبزواري ٥: ٢٠٢ في تفسير الآية ٢٨ من سورة آل عمران.

٥٩
فحشه»(١).

ونظير هذا الحديث ما أخرجه الطبراني من حديث ابن بريدة، عن أبيه، قال: (كنّا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأقبل رجل من قريش، فأدناه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقرّبه، فلمّا قام، قال: «يا بريدة أتعرف هذا» ؟

قلتُ: نعم، هذا أوسط قريش حسباً، وأكثرهم مالاً؛ ثلاثاً، فقلت: يارسول الله أنبأتك بعلمي فيه، فأنت أعلم. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «هذا ممن لايقيم الله له يوم القيامة وزناً» (٢).

وهذان الحديثان يكشفان عن صحة ما سيأتي في تقسيم التقية، وأنها غير منحصرة بكتمان الحق وإظهار خلافه خوفاً على النفس من اللائمة والعقوبة بسبب الاِكراه، وإنّما تتسع التقية إلى أبعد من هذا، فيدخل فيها ما ذكره المحدثون في باب المداراة، سيّما إذا كان في خُلُقِ الشخص المدارى نوع من الفحش كما في هذا الحديث، أو فيه نوع من الشكاسة كما كان في خُلُق مخرمة.

فقد أخرج البخاري نفسه من طريق عبدالوهاب، عن أبي مليكة، قال: (إنّ النبي صلّى الله عليه (وآله) وسلم أُهدِيَت له أقبية من ديباج مزررة بالذهب، فقسمها في ناس من أصحابه، وعزل منها واحداً لمخرمة، فلما

١) صحيح البخاري ٨: ٣٨ كتاب الاكراه، باب المداراة مع الناس. وسنن أبي داود ٤: ٢٥١ | ٤٧٩١ و٤٧٩٢ و٤٧٩٣. وسنن الترمذي ٤: ٣٥٩ | ١٩٩٦ باب ٥٩ وقال (هذا حديث حسن صحيح). ومسند أحمد ٧: ٥٩ | ٢٣٨٥٦، والطبعة الاُولى ٦: ٣٨. واُنظر: اُصول الكافي ٢: ٢٤٥ | ١ كتاب الايمان والكفر، باب من يتقى شرّه.

٢) المعجم الاَوسط | الطبراني ٢: ١٦٥ | ١٣٠٤. ومجمع الزوائد | الهيثمي ٨: ١٧.

٦٠