×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

التقية في الفكر الاسلامي / الصفحات: ١٠١ - ١٢٠

كتاب التقية في الفكر الاسلامي لمركز الرسالة (ص ١٠١ - ص ١٢١)
١٠١

تمييز خبر التقية عن غيره:

وهنا يجب التأكيد على مسألة في غاية الاَهمية، وهي أن جملة من الاخبار التي صدرت تقية عن أهل البيت عليهم السلام لم يصل إلينا إعلام منهم عليهم السلام بأنها كانت كذلك وإن كان المقطوع به أنّهم أعلموا المقربين إليهم بواقع الحال، لكنّه لم يصل هذا الاِعلام إلينا.

ولاَجل تمييز تلك الاحاديث عن غيرها أصبح الرجوع إلى فقهائنا الاقدمين رضي الله تعالى عنهم كافياً في المقام؛ لاَن عدم عملهم بجملة من الاخبار المعتبرة الاسناد دال بطبيعته على أن أخبار التقية هي من ضمن المجموعة التي أعرض عنها الفقهاء، ومعنى هذا انتفاء وجود علم اجمالي بوجود أخبار التقية ضمن الاخبار المعمول بها فعلاً في استنباط الاحكام، كما أن حصول الوثوق في بعض الاَخبار بعدم صدورها لبيان الحكم الواقعي بسبب شهرة الاِعراض عنها ـ مع سلامة سندها ـ يسقطها عن الاعتبار لانها مسوقة في دائرة التقية.

هذا، زيادة على وجود جملة من الاُسس والقواعد المستفادة بصورة أو اُخرى من كلمات أهل البيت عليهم السلام في تمييز الاَخبار ونقدها ومعرفة ماصدر منها تقية عما صدر بنحو الاِرادة الجدية، ومن بين تلك الاُسس والقواعد ملاحظة ما يتعلق بالخبر من الامور الخارجية عند التعارض، إذ يعرف خبر التقية الذي لا بدّ وان يكون معارضاً لما صدر في قباله في بيان الحكم الواقعي من خلال وجوه الترجيح: كاعتضاد أحدهما بدليل آخر معتبر، أو بلحاظ الاجماع على العمل باحدهما، أو شهرة العمل به، وشذوذ الخبر الآخر وعدم شهرته، أو بموافقة أحدهما للعامّة، ومخالفة الآخر.

١٠٢
ولا شكّ أن هذه الوجوه ونحوها كفيلة بالكشف عن أيّ من الخبرين صدر تقية، وبهذا يتضح أنّه لا أصل للشبهة التي أثارها خصوم الشيعة.

وخلاصتها: أنّ أئمة الشيعة كانت ظروفهم غير ملائمة للافتاء بما يريدون فاضطروا إلى التقية، وتسرب ذلك إلى كتب الشيعة وإنّ عدم القدرة على التمييز بين ما صدر تقية عن غيره، يقتضي طرح ما في كتب الشيعة من روايات؛ لاحتمال تطرق التقية إلى أي حديث فيها (١).

أقول: إنّ في طيات هذه الشبهة أمرين أود التنبيه عليهما وهما:

الاَول:

إنّ هذه الشبهة، ليست شبهة في الواقع، بل مكيدة خبيثة، رام مروّجها أن يحول دون التمسك بأقوال أهل البيت عليهم السلام، والاَخذ بالقياس والاستحسان ونحوهما.

الثاني:

دلالة هذه المكيدة على غباء أصحابها؛ لاَنّها بمثابة الطلب من الشيعة ترك العمل بأخبار العامّة؛ لاَن خبر التقية في أدق وصف له إنّما هو خبر عامّي فرضته السياسة الجائرة على لسان أهل البيت عليهم السلام، ولا ينبغي لعامي فَهِم عاقل أن يتقدم بمثل هذا الطلب إلى الشيعة؛ لاَنّه سالب بانتفاء موضوعه.

٣ ـ التقية في القضاء:

إنّ حكم القضاة بخلاف ما أنزل الله تعالى في كتابه العزيز، له صور متعددة، منها: أن يكون حكم القاضي موجباً لقتل مسلم بريء، فهنا

١) آثار هذه الشبهة محمد عبدالستار التونسوي في كتابه بطلان عقائد الشيعة: ٨٧ نشر المكتبة الامدادية، مكة المكرمة، طبعة دار العلوم، القاهرة | ١٩٨٣ م.

١٠٣
لايجوز الحكم بحال والتقية فيه حرام بلا كلام.

ومنها: أن يدفع القاضي بحكمه المخالف للحق ضرراً عن نفسه فيوقعه ظلماً بالآخرين، وهذا الحكم باطل أيضاً ولا تجوز التقية فيه؛ لعدم جواز دفع الضرر عن النفس بالحاقه بالغير.

وبالجملة، فإنّ الافتاء والقضاء المخالف لما أنزل الله عزَّ وجل خطير جداً، وقد وصف سبحانه من يحكم بغير ما أنزل الله، تارة بالكافرين، وأُخرى بالظالمين، وثالثة بالفاسقين (١).

٤ ـ التقية المؤدية إلى فساد الدين أو المجتمع:

لا ينبغي الشك في حرمة استخدام التقية المؤدية إلى فساد الدين أو المجتمع، كما لو كانت سبباً في هدم الاِسلام، أو النيل من مفاهيمه وأحكامه المقدسة، أو محو بعض آثاره.

لقد نادى فقهاء وأعلام التشيع بهذا عالياً، وكانوا النموذج الاَمثل للتضحية والفداء واعلان الحق في المواقف الحرجة، ولا نقول هذا جزافاً فنظرة واحدة إلى كتاب شهداء الفضيلة تكفي دليلاً على ما نقول، ومن الاَمثلة المعاصرة على ذلك هو ما نجده في نداءات وتصريحات الاِمام الخميني رضي الله عنه حينما رأى خطورة حكم الشاه على أُصول الاِسلام وكرامته. ومن تلك التصريحات:

قوله: «إنّ التقية حرام، واظهار الحقائق واجب مهما كانت النتيجة، ولا ينبغي على فقهاء الاِسلام استعمال التقية في المواقف التي تجب فيها

١) راجع سورة المائدة: ٥ | الآيات ٤٤ و ٥٠ و ٥٢.

١٠٤
التقية على الآخرين، إنّ التقية تتعلق بالفروع، لكن حينما تكون كرامة الاِسلام في خطر، وأصول الدين في خطر، فلا مجال للتقية والمداراة، إنّ السكوت هذه الاَيام تأييد لبطانة الجبار، ومساعدة لاعداء الاِسلام» (١).

وقوله أيضاً: «من العار أن نسكت على هذه الاوضاع، ونبدي جبناً أمام الظالمين المارقين، الذين يريدون النيل من كرامة الاِنسان والقرآن وشريعة الاِسلام الخالدة، انهضوا للثورة والجهاد والاصلاح، فنحن لا نريد الحياة في ظل المجرمين» (٢).

وهكذا نجد الاِمام الخميني رضي الله عنه كان في منتهى الصراحة في رفض استخدام التقية مع الشاه وأعوانه، منذ أن اكتشف أن الشاه صنيعة الاستعمار.

ومن بيانات الاِمام الخالدة في هذا المجال، هو البيان الذي أصدره على أثر قرار رئيس وزراء الشاه أسد علم سنة ١٩٦١ م بشأن تعديل قانون المجالس المحلية، وأهم ما في ذلك التعديل المثير، أنّه ألغى القسم على القرآن الكريم عند الترشيح لتلك المجالس، على أن يحلّ محلّه أي كتاب سماوي آخر معترف به.

ومما جاء في ذلك البيان: «إنني بحكم مسؤوليتي الشرعية أعلن الخطر المحدق بشعب إيران والمسلمين في العالم، إنّ القرآن الكريم والاِسلام معرضان للسقوط في قبضة الصهيونية التي ظهرت في إيران في

١) دروس في الجهاد والرفض: ٥٥ ـ ٥٨ نقلاً عن كتاب ايران من الداخل| فهمي هويدي: ٤٦ ـ ٤٧.

٢) تحرير الوسيلة | الاِمام الخميني، مسألة ٢٧٩٢.

١٠٥
صورة طائفة البهائية» (١).

أقول: ماذا يقول المشنّعون على الشيعة بالتقية بشأن ما يسمى بعملية السلام مع الصهيونية التي راح ضحيتها آلاف الشهداء من المسلمين ؟

بل وماذا يقولون بحق من افتى بجواز المصالحة معهم ممن يتصدون حالياً إلى ادارة الدعوة والارشاد في بعض البلاد الاِسلامية ؟

٥ ـ التقية في غير ضرورة:

ومن موارد حرمة التقية عند الشيعة، ان تكون من غير ضرورة، ولاحاجة ملحة إليها.

وأما في بعض أقسام التقية التي أُخذ الخوف في موضوعها كالتقية الخوفية أو الاكراهية، فإنّه اذا انتفى الخوف فلا تجوز التقية حينئذ.

٦ ـ التقية في شرب الخمر وبعض الموارد الاُخر:

تقدمت بعض النصوص المصرحة بحرمة التقية في مثل هذه الموارد، وقد قيدها الفقهاء بما إذا لم يبلغ الخطر النفس، أما اذا خيف القتل عند الاكراه عليها، فالتقية جائزة فيها.

٧ ـ التقية الاكراهية عند عدم تحقق الاكراه:

ونعني بها التقية الاكراهية التي يكون الاكراه فيها فاقداً لبعض أركانه ومقوماته التي سبق بحثها في الفصل الاَول، إذ اتفق الفقهاء على ان للاكراه أربعة أركان، وأنه لايكون الاكراه ملجئاً للتقية إلاّ مع توفرها جميعاً،

١) إيران من الداخل | فهمي هويدي: ٣٦.

١٠٦
وأما لو فقد بعضها أو واحداً منها فسيكون لغواً لا تجوز معه التقية، فلو أكرَه انسانٌ آخرَ على ارتكاب محرم وكان ذلك الاِنسان عاجزاً عن تنفيذ تهديده ووعيده، وعلم أو ظن المكره بهذا فلا تجوز له التقية، وكذلك لو كان الاِتيان بالمكرَه عليه غير منجٍ من الضرر المتوعد به، ومثله لو كان المكرَه به تافهاً وحقيراً والفعل المطلوب جسيماً وخطيراً.

فالشرط إذن في صحة التقية الاكراهية هو اجتماع أركان الاكراه الاَربعة وتحققها جميعاً، وأما لو فقد واحد منها أو أكثر فلا تصح التقية الاكراهية إذ لا اكراه حينئذ.

٨ ـ التقية التي يتجاوز فيها مقدار أو جنس ما يُكره عليه:

من الثابت ان التقية في دين الاِسلام تجوز في كل ضرورة إلاّ ما خرج عن ذلك بدليل معتبر كما مرَّ في أدلة التقية ومشروعيتها، ولما كانت الضرورات تقدر بقدرها فلا ضرورة بحق الزيادة إذن.

فمن اضطرته التقية ـ مثلاً ـ على ارتكاب شيء محرم فعليه أن يقتصر على مقدار وجنس ما يراد ارتكابه من ذلك الشيء المحرم من غير زيادة. فلو أكرَه السلطان الجائر مسلماً على أكل قطعة واحدة من اللحم المحرم شرعاً فليس له أن يأكل عشرين قطعة من ذلك اللحم نفسه، ولا أن يقتصر على تلك القطعة ويشرب معها خمراً بحجة إرضاء السلطان الجائر تحت ستار التقية، إذ لا تقية هنا بحق الزيادة؛ لعدم وجود الاكراه عليها.

٩ ـ التقية عند امكان التخلص من الضرر:

ومن موارد حرمة التقية ـ عند بعضهم ـ أن يكون المُكرَه عليها قادراً على التخلص منها، بحيث يجد في نفسه القدرة الكافية على استخدام

١٠٧
احدى وسائل التخلص من التقية، وبما لا يترتب عليه ضرر ولا حرج، كما في استخدام التورية مثلاً، ومع ذلك يلجأ إلى التقية، فهنا لا تجوز له لانها ستكون من غير ضرورة، وقد مرّ حكم التقية من غير ضرورة أيضاً.

وبالجملة فإنّ الميزان الدقيق في معرفة موارد الحرمة الاُخرى، هو أن تكون المصلحة المترتبة على ترك التقية لا يرضى الشارع المقدس بتفويتها في التقية، وكذلك فيما لو استقل العقل بوجوب حفظها في جميع الاحوال.

القسم الخامس: التقية المكروهة:

وقد مثل بعضهم لها بإتيان ما هو مستحب عند المخالفين مع عدم خوف الضرر لا عاجلاً ولا آجلاً، مع كون ذلك الشيء المستحب مكروهاً في الواقع، وإلاّ لو كان حراماً فالتقية باتيانه لموافقتهم حرام، وأما مع احتمال وقوع الضرر بالمخالفة فيكون الاتيان بما وافقهم تقية مستحباً (١).

وخلاصة هذه الاقسام، أنه يراعى في معرفتها نوع المصلحة المترتبة على فعل التقية وعدمها.

فإنّ كانت المصلحة مما يجب حفظها فالتقية فيها واجبة.

وان كانت المصلحة مساوية لمصلحة ترك التقية فتكون التقية جائزة.

وإن كان أحد الطرفين راجحاً فحكم التقية تابع له.

ومن كل ما تقدم يُعلَم أن التقية ليست من عقائد الشيعة الاِمامية، كما يزعم بعض الجهلاء من خصوم الشيعة؛ لاَنّها من فروع الاحكام عندهم، بدليل ما فصلناه من أقسامها عندهم باعتبار حكمها الشرعي.

١) القواعد الفقهية | البجنوردي ٥: ٤٧، من قاعدة التقية.

١٠٨
نعم، أصبح للتقية صلة بالعقيدة الشيعية زيادة على صلتها الواضحة بفروع الاحكام؛ إذ صار القول بها عند خصوم الشيعة دليلاً على ضعف المذهب الشيعي ومبانيه، ومن هنا دخل الحديث عنها في دائرة الاعتقاد.

ثانياً: أقسام التقية بلحاظ أركانها

إنّ أقسام التقية بهذا الملحظ تستدعي بيان أركان التقية، لتتضح العلاقة بينهما، فنقول:

أركان التقية

إنّ أركان التقية ومقوماتها هي أركان الاِكراه ومقوماته التي سبق البحث عنها مع فرق التسمية، وما يشترط في أحدهما يشترط في الآخر، إذ لاتختلف فيما بينها إلاّ من جهة بعض أقسام التقية الآتية، التي لا يكون الدافع إلى استخدامها هو التحرز من ضرر الغير، وإنّما لاَجل تحقيق بعض المصالح التي تصب في خدمة الدين أو المجتمع، كالعمل بالتقية لاَجل تحقيق الوحدة الاِسلامية ولمّ شمل المسلمين بعد فرقتهم وتناحرهم، وهذا يعني فقدان الاِكراه في مثل تلك التقية.

وعليه، فالاركان والمقومات التي سنذكرها للتقية بمفهومها العام، هي نفسها في الاَقسام الاُخر للتقية التي لم يؤخذ الخوف في موضوعها، ولكنها تختلف عما هنا في تفسيرها.

فالمُتّقي ـ مثلاً ـ الذي هو الركن الاَوّل من أركان التقية، ونظيره في الاكراه (المُكرَه)، لا يرتفع في غير التقية الاكراهية، وإنّما يأخذ تعريفاً وتفسيراً آخر. فبدلاً من أن يكون في التقية الاكراهية: الشخص الذي يعمل بالتقية كرهاً لدفع ضرر معلوم أو مظنون أو محتمل، سيكون في

١٠٩
بعض أقسام التقية: الشخص الذي يستخدم التقية بلا إكراه، ولكن لتحقيق غايات مرغوبة شرعاً ولا سبيل إلى الوصول إليها إلاّ بالتقية. وهكذا الحال في بقية الاَركان الاُخر، ومجموعها ـ مع ما ذكرناه ـ أربعة، وهي:

الركن الاَول: المُتَّقي، وقد مرَّ آنفاً.

الركن الثاني: المُتَّقى منه:

وهو من يتولى اجبار المتقي على التقية، ولايشترط به أن يكون كافراً؛ إذ لا فرق بحكم العقل في ضرورة تجنب الضرر من أيّة جهة كانت كافرة أو مسلمة، وقد مرّ أن العقل يحكم بلزوم حفظ النفس من الهلكة سواء كانت على أيدي بعض المسلمين أو الكفار، ونظير هذا الركن في الاِكراه (المُكرِه).

الركن الثالث: ما يتقى عليه:

وهو كل ما حكم الشارع، أو استقل العقل بضرورة حفظه من الضرر، لما في ذلك من مصلحة تعود إلى نفس المتقي، أو عرضه، أو ماله، أو دينه، أو اخوانه المؤمنين، ونظيره في الاِكراه (المُكرَه به)، فكلاهما ناظران إلى نوع الضرر.

الركن الرابع: ما يُتّقى به:

وهو نوع العمل المحرم المراد انجازه كالافطار في شهر رمضان، أو الكلام الباطل المطلوب تلفظه، كما في تلفظ كلمة الكفر والقلب مطمئن بالايمان، ونظيره في الاكراه (المُكرَه عليه).

وقد قسموا التقية بلحاظ هذه الاَركان على قسمين، وهما:

القسم الاَول: تقية الفاعل:

وهذا القسم ناظرٌ إلى الركن الاَول (المُتَّقي)، والتقية فيه بحسبه، لما مرّ في الفصل الاَول من تأثير اختلاف الاشخاص في واقع الاِكراه وجوداً وعدماً، إذ قد يكون الاِكراه الواحد ملجئاً تارة بحق شخص، وغير ملجىءٍ بحق آخر تارة اُخرى، ومن هنا تدرك قيمة هذا من

١١٠
التقية، نظراً لما يترتب على معرفة الفاعل من آثار كبيرة وخطيرة في تقييم تقيته من الناحية الشرعية، إذ ليس الناس سواسية في التقية، وقد مرّ بنا أن الاِمام الخميني رضي الله عنه حرّم التقية على الفقهاء في موارد جوازها على العامّة في ظرف لا بدّ فيه من ذلك التحريم.

القسم الثاني: تقية القابل:

وهذا القسم ناظر إلى الركن الثاني (المُتَّقى منه)، وفي معرفة القابل ثمرتان وهما:

الاَولى:

معرفة مدى قدرته على تنفيذ ما وعد وهدد به، إذ ربما قد يكون عاجزاً عن إيقاع أي ضرر بالمتقي، فتسقط التقية.

الثانية:

معرفة عقيدة القابل ودينه قد تؤثر على سلامة التقية في بعض صورها، فالاكراه من كافر لمسلم على النطق بكلمة الكفر مثلاً، لايكون عادة إلاّ في بلاد الكفر، ولو فرض حصوله في أرض الاِسلام لاَمكن التخلص بطلب النجدة من المسلمين.

ثالثاً: أقسام التقية بلحاظ أهدافها وغاياتها

التقية بهذا الملحظ تكون على ثلاثة أقسام، وهي:

القسم الاَول: التقية الخوفية أو الاكراهية:

وهي فيما إذا كان الهدف من استخدامها دفع الضرر عند الخوف منه سواء أكان الخوف شخصياً أم نوعياً، كتقية عمّار بن ياسر من المشركين.

القسم الثاني: التقية الكتمانية:

وهي فيما إذا كان الهدف منها حفظ الدين من الاندثار والاِنمحاء في دولة الباطل فيما لو أُذيعت تعاليمه وأحكامه المخالفة لهوى السلطة الظالمة، وعليه لا بدّ من كتمانها إلاّ على

١١١
المختصين؛ لا سيّما إذا كان أهل الحق هم القلة القليلة المحاطة بزمر الباطل.

ومن هذه التقية تقية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عدم اظهار أمر الدعوة إلاّ للمختصين مدة ثلاث سنوات كما مرّ في محلّه. وكذلك ما ورد عن أهل البيت عليهم السلام من التأكيد على عدم اذاعة أسرارهم عليهم السلام خوفاً على مذهب الحق وقادته الاَطهار وأنصاره وأتباعه.

ويدخل في هذا القسم من التقية ما كانت الغاية منه حفظ بعض المصالح المشروعة بالكتمان، كما فعل مؤمن آل فرعون في كتم إيمانه، وكما كتم يوسف الصديق عليه السلام أمره عن اخوته.

القسم الثالث: التقية المداراتية أو التحبيبية:

وهي فيما إذا كان الهدف منها، هو الحفاظ على وحدة المسلمين، وتقليل شقة الخلاف فيما بينهم وجمع كلمتهم، كما في أحاديث المخالطة والمعاشرة، وكذلك فيما لو كانت أغراضها اتقاء فحش الآخرين بإلانة الكلام لهم والتبسم في وجوههم، نظير ما مرّ في تقية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من (بئس ابن العشيرة، أو بئس أخو العشيرة).

المبحث الثاني
أهمية التقية وفوائدها

لا خلاف بأن كلّ ما ثبت تشريعه في الاِسلام لا بدّ وان يشتمل على مجموعة من الفوائد التي ترجع بالنفع إما على الفرد أو المجتمع أو الدين نفسه، بل عليها جميعاً إذ لا يمكن تصور صلاح المجتمع مع فساد أفراده، ولا سيادة الدين بفساد المجتمع.

١١٢
وإذا عدنا إلى التقية نجدها مفردة واحدة من مفردات ذلك التشريع العظيم كما مرّ في أدلة تشريعها. وعليه فالحديث عن أهميتها وفوائدها هو الحديث عن فوائد وعوائد التشريع الاِسلامي ـ قرآناً وسُنّة ـ ولكن في حيز صغير منه اسمه: التقية.

ومن الواضح أنّ المقصود بالتقية هنا هي التي تكون في موردها الصحيح والموصوفة على لسان أمير المؤمنين عليه السلام ـ كما سيأتي ـ بأنّها من شيمة الاَفاضل، وليس كل تقية حتى التي لم يدخلها الشارع المقدس في مفهوم الحكم الثانوي الاضطراري (١)، فتلك تقية مرفوضة، إذ لا أهمية لها ولا فائدة بنظر الشارع، زيادة على ما فيها من ضرر بكلا قسميه:

الاَخروي

باعتبار ارتكاب ما لم يرخّص الشارع بارتكابه حتى في صورة الاضطرار.

والدنيوي

بلحاظ ما يترتب على فعلها من آثار سيئة عاجلة أو آجلة. وإذا عُرفت مضار شيء عُرفت قيمته، وإذا شخّصت فوائد آخر أدركت أهميته.

١) الحكم إمّا أن يكون أوّليّاً وهو المنصوص عليه بخصوصه في الشريعة الاِسلامية، كحرمة أكل لحم الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وغيرها. وهذا الحكم هو الاَصل.

وإمّا أن يكون ثانوياً ـ وهو الفرع ـ ويكون على قسمين:

١ ـ حكم ثانوي ظاهري، كالاَحكام الواردة لحالة شك المكلف، ومواردها الاَصول العملية: البراءة، والاحتياط، والتخيير، وكذلك القواعد الفقهية، كقاعدة التجاوز وغيرها.

٢ ـ حكم ثانوي اضطراري، وهي الاحكام التي جاءت للتوسعة على المكلف العاجز عن القيام بالحكم الاولي، فمن لا يقدر على الالتزام بحرمة أكل لحم الميتة بسبب الجوع الشديد يباح له ذلك لاضطراره إليه، بلا خلاف بين جميع فقهاء الاِسلام، فكذلك الحال مع استخدام التقية عند الضرورة، إلاّ ما استثني منها بدليل، وقد مرّ بعض مستثنياتها، فراجع.

١١٣
وهذا الاَمر لا بدّ من التنبيه عليه وإن كان واضحاً في نفسه، لكي لاتحمل فوائد التقية على غير محملها، ولا تفسر أهميتها بغير تفسيرها الصحيح.

وثمة شيء آخر يحسن التنبيه عليه، وهو أن المفاهيم الاِسلامية لايمكن سبر غورها واكتشاف جميع فوائدها لاَنّ مشرعها سبحانه أحاط بكل شيء علماً، وإنّما يكون الاكتفاء ـ عادة ـ بالمنظور منها، إما بالمشاهدة والحس، أو بالنظر العقلي والادراك الفطري، زيادة على الاستهداء بالنصّ في بيان فوائد تلك المفاهيم.

وسوف نستهدي بهذه السبل الاَمينة في بيان فوائد التقية، وعلى النحو الآتي:

١ ـ في التقية تحفظ النفس من التهلكة، ويُصان ما دونها من الاَذى، كما لو كان المدفوع بها ضرب مبرّح، أو هتك عرض، أو سلب مال، أو إهانة ونحوها من الاَمور التي تعرض سلامة الاِنسان المسلم وكرامته إلى الخطر، ومن هنا ورد عن الاِمام الصادق عليه السلام في وصفها بأنّها: «.. حرز لمن أخذ بها، وتحرّز من التعريض للبلاء في الدنيا» (١).

كما تحفظ بالتقية حقوق المؤمنين، وقد جمع هذه الفوائد قول أمير المؤمنين علي عليه السلام: «التقية من أفضل أعمال المؤمن، يصون بها نفسه واخوانه من الفاجرين» (٢)، وعلى هذا تكون التقية صدقة على النفس

١) مشكاة الاَنوار | سبط الطبرسي: ٤٢. وعنه في مستدرك الوسائل ١٢: ٢٥٦ | ١٣ باب ٢٣ من أبواب الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

٢) التفسير المنسوب إلى الاِمام العسكري عليه السلام: ٣٢١ | ١٦٤.

١١٤
والاِخوان، وفي الحديث المروي عن الاِمام العسكري عليه السلام: «.. إنّ مداراة أعداء الله من أفضل صدقة المرء على نفسه واخوانه» (١).

٢ ـ التقية صمود بوجه الباطل، كما يفهم من وصفها بأنّها سلاح المؤمن، وترسه وحرزه، وليست تخاذلاً أو تراجعاً، فهي أشبه ما تكون بالانسحاب الهادف إلى التحيز إلى جهة المؤمنين لتقوية شوكتهم، وخير مايدل على ذلك صمود عمار بن ياسر على الحق ثم انسحابه الهادف الذي وفّر عليه فرصة الاشتراك مع اخوانه المؤمنين في ميادين الحق ضد الباطل ابتداء من بدر الكبرى بقيادة أشرف المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم، واختتاماً بصفين تحت لواء أمير المؤمنين عليه السلام.

ولولا تقيته لما عرف له دور في قتال المشركين، والناكثين، والقاسطين.

فالتقية إذن من عوامل تقوية الدين، وقد جاء في حديث الاِمام الصادق عليه السلام ما يؤيد هذا، فقال عليه السلام: «اتقوا الله، وصونوا دينكم بالورع، وقووه بالتقية» (٢).

٣ ـ التقية شجاعة وحكمة وفقاهة، وتوضيح ذلك: إنّ التقية وسط بين طرفين: إمّا الافراط في استخدامها في كل شيء بلا قيد أو شرط، بمعنى الهروب عن مواجهة الباطل في كلِّ ظرف حتى فيما يستوجب المواجهة، وهذا هو الجبن بعينه. وإما التفريط في تركها في كل حين حتى في موارد وجوبها لحفظ النفس من التهلكة، وهذا هو التهوّر بعينه. ولا وسط بين هاتين الرذيلتين ـ في علم الاَخلاق ـ إلاّ فضيلة الشجاعة. وبهذا يكون

١) التفسير المنسوب إلى الاِمام العسكري عليه السلام: ١٤٢.

٢) أمالي الشيخ المفيد: ٩٩ ـ ١٠٠، المجلس الثاني عشر.

١١٥
استخدامها في موردها الصحيح من الحكمة؛ لاَنّها وضع الشيء في موضعه (ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً) (١).

وأما كونها من الفقاهة، فهو مما لا شكّ فيه، لاَنّ للتقية جملة من الاَحكام كما مرّ، واستخدامها الاَمثل لا يتم من غير علم بتلك الاَحكام، وهذا هو عين التفقه، ويدل عليه حديث الاِمام الباقر عليه السلام في التقية: «...فأما الذي برىء فرجل فقيه في دينه» (٢)، وفي الحديث الشريف: «من يُرد الله به خيراً يفقهه في الدين» (٣).

٤ ـ التقية تؤدي إلى وحدة المسلمين بحسن المعاشرة فيما بينهم، ومخالطة بعضهم بعضاً، فالمصافحة والبشاشة، والحضور المشترك في أماكن العبادة، وتشييع الجنائز، وعيادة المرضى، لاشك أنها تزيل الضغائن، وترفع الاحقاد الموروثة، وتحوّل العداوة إلى مودة ومؤآخاة.

ويؤيد هذا، قوله تعالى: (ادْفَع بالَّتي هِيَ أحسَنُ فإذا الَّذي بَينَكَ وبَينَهُ عداوَةٌ كأنَّهُ وليٌّ حميمٌ) (٤).

وقد تقدم بأن المقصود (بالتي هي أحسن) هو: التقية، فيكون من لوازم الدفع بها أن يصير العدو المعاند كأنه وليٌّ حميم.

٥ ـ التقية دعوة محكمة إلى اتباع سبل الهدى، كما يفهم من قوله

١) سورة البقرة: ٢ | ٢٦٩.

٢) اُصول الكافي ٢: ٢٢١ | ٢١، باب التقية.

٣) سنن ابن ماجة ١: ١٤٣ | ٢٢٠ باب فضل العلماء والحث على طلب العلم. ومسند أبي يعلى الموصلي ٥: ٣٢٦ | ٥٨٢٩. ومجمع الزوائد | الهيثمي ١: ١٢١ قال: (ورجاله رجال الصحيح).

٤) سورة فصلت: ٤١ | ٣٤.

١١٦
تعالى: (ادْعُ إلى سَبيلِ رَبِّكَ بالحكمةِ وَالموعِظَةِ الحَسَنَةِ وجادِلهُم بالّتي هيَ أحسنُ) (١)، ولا شكّ في دخول التقية في مصاديق هذا القول الكريم، ومعنى هذا أنّ التقية في مداراة أهل الباطل تؤدي إلى اجتذابهم إلى الحق، وتبصرتهم بعد العمى، ويؤيّد ذلك ما جاء عن الاِمام العسكري عليه السلام في تفسير قوله تعالى: (وَقُولُوا لِلناسِ حُسناً) (٢). قال عليه السلام: «قولوا للناس كلّهم حُسناً، مؤمنهم ومخالفهم. أما المؤمن فيبسط لهم وجهه، وأما المخالفون فيكلمهم بالمداراة لاجتذابهم إلى الاِيمان» (٣).

ويفهم مما تقدم أنّ التقية من الاِحسان، وبما أن الاِنسان عبيد الاِحسان، تُرى، فأي عاقل لا يحب من يُحسن إليه، وإن كان ذلك الاِحسان في واقعه عن تقية ؟

٦ ـ التقية نوع من أنواع الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويدل عليه أمران:

أحدهما:

إنّ اللجاجة والمقاطعة والمخاصمة مع المخالف في دولته تعد من المنكر إذا ما أدت إلى اضعاف المؤمنين أو تضررهم، على عكس معاشرتهم ومخالطتهم المؤدية إلى سلامة المؤمنين وحفظهم فضلاً عن اجتذاب المخالفين إلى الاِيمان، فهذا من فعل المعروف بلا شكّ.

الآخر:

تصنيف أحاديث التقية من قبل المحدثين في باب الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا زيادة على ما تضمنته أحاديث أهل

١) سورة النحل: ١٦ | ١٢٥.

٢) سورة البقرة: ٢ | ٨٣.

٣) مستدرك الوسائل ١٢: ٢٦١ | ١ باب ٢٧ من أبواب الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

١١٧
البيت عليهم السلام في هذا المعنى، وقد مرّ بعضها وسيأتي أيضاً.

٧ ـ التقية جهاد في سبيل الله عزَّ وجل، إذ يجاهد فيها المؤمن أعداء الله تعالى في دولتهم بكتمان ايمانه، كما فعل مؤمن آل فرعون بكتم إيمانه، وكما فعل المخلصون من أصحاب الاَئمة عليهم السلام بكتم أسرار أهل البيت خشية عليهم من الظالمين، وقد ورد الحث على التقية بهذا الوصف أيضاً، قال الاِمام الصادق عليه السلام: «.. والمؤمن مجاهد؛ لاَنّه يجاهد أعداء الله عزَّ وجل في دولة الباطل بالتقية، وفي دولة الحق بالسيف» (١).

وقال عليه السلام: «نفس المهموم لنا المغتم لمظلمتنا تسبيح، وهمه لاَمرنا عبادة، وكتمانه لسرنا جهاد في سبيل الله» (٢).

٨ ـ استخدام التقية في مواردها طاعة لله عزَّ وجل، كما يفهم من قوله تعالى: (ادفع بالتي هي أحسن)، فعن الاِمام الصادق عليه السلام: «التي هي أحسن: التقية» (٣)، وطاعة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتأسٍ بسيرته الشريفة وقد مرّ ما يدل عليه بأوضح صورة، وتمسك بحبل أهل البيت عليهم السلام، فعن الاِمام الصادق عليه السلام: «.. من استعمل التقية في دين الله فقد تسنّم الذروة العليا من القرآن» (٤).

٩ ـ من لوازم ما تقدم، فالتقية إذن توجب الثواب لفاعلها؛ لاَنّها امتثال لما أمر به الشارع المقدس، وقد جاء في أحاديث أهل البيت عليهم السلام ما يؤكد

١) علل الشرائع | الصدوق: ٤٦٧ | ٢٢.

٢) اُصول الكافي ٢: ٢٢٦ | ١٦، باب الكتمان، وفيه (المغتم لظلمنا). والتصويب من الوسائل ١٦: ٢٤٩ | ١٠ باب ٣٤ من أبواب الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

٣) اُصول الكافي ٢: ٢١٨ | ٦، باب التقية.

٤) معاني الاَخبار | الصدوق: ٣٨٥ | ٢٠.

١١٨
هذا، ففي حديث سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام: «بشر في وجه المؤمن يوجب لصاحبه الجنة، وبشر في وجه المعاند يقي صاحبه عذاب النار» (١).

وقد عرف بعض الصحابة بهذا، فقد أخرج البخاري بسنده عن أبي الدرداء أنّه قال: «إنّا لنكشر في وجوه أقوامٍ، وإنّ قلوبنا لتلعنهم» (٢).

ونسب القرافي المالكي (ت | ٦٤٨ هـ) هذا القول إلى أبي موسى الاَشعري أيضاً، معلقاً عليه بقوله: «يريد: الظلمة والفسقة الذين يتقي شرهم، ويتبسم في وجوههم» (٣).

كما نُسب هذا القول أيضاً إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام في روايات شيعته، وبلفظ: «إنّا لنبشر في وجوه قوم وان قلوبنا لتقليهم، أولئك أعداء الله نتقيهم على اخواننا وعلى أنفسنا» (٤).

١٠ ـ في التقية الكتمانية، تصان الاَسرار، ويحفظ الحق من الاندثار، ويكون قادته واتباعه في أمان من الاخطار.

١١ ـ التقية ورع يحجز الاِنسان عن معاصي الله عزَّ وجلَّ، إذ لا معصية أكبر ـ بعد الشرك ـ من قتل المؤمن بسبب افشاء سره بضغط الاكراه وعدم التكتم عليه بالتقية، ولهذا وصِف مذيع السر بقاتل العمد لا قاتل الخطأ، ففي حديث الاِمام الصادق عليه السلام: «من أذاع علينا شيئاً من أمرنا فهو كمن

١) مستدرك الوسائل ١٢: ٢٦١ | ٢ باب ٢٧ من أبواب الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

٢) صحيح البخاري ٨: ٣٧، كتاب الاَدب، باب المداراة مع الناس.

٣) الفروق | القرافي المالكي ٤: ٢٣٦، الفرق الرابع والستون والمائتان.

٤) مستدرك الوسائل ١٢: ٢٦١ | ٢ باب ٢٧ من أبواب الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

١١٩
قتلنا عمداً ولم يقتلنا خطأ» (١).

وواضح أن المراد بأمرهم عليهم السلام هو كل ما صدر عنهم عليهم السلام وكان مخالفاً لهوى السلطة واتباعها.

١٢ ـ التقية خلق رفيع في مداراة الناس وحلم عجيب مع الجهلاء، قال الاِمام الصادق عليه السلام: «فو الله، لربما سمعت من شتم عليّاً عليه السلام، وما بيني وبينه إلاّ اسطوانة، فاستتر بها، فإذا فرغت من صلاتي أمرّ به فاسلم عليه وأصافحه» (٢).

وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ثلاث من لم تكن فيه فليس مني ولا من الله عزَّ وجلَّ: حلم يرد به جهل الجاهل، وحسن خُلق يعيش به في الناس، وورع يحجزه عن معاصي الله عزَّ وجلَّ (٣).

ولتضمن التقية لهذه الخصال الثلاث زيادة على ما فيها من طاعة وامتثال وفوائد وعوائد، فقد حثّ عليها أمير المؤمنين علي عليه السلام ووصفها بشيمة الاَفاضل، فقال عليه السلام: «عليك بالتقية، فإنّها شيمة الاَفاضل» (٤)، ونظراً لموقع التقية وآثارها في المنظومة الاَخلاقية فقد عدّها الاِمام الرضا عليه السلام من شعار الصالحين ودثارهم (٥).

وفي المروي عن الاِمام العسكري عليه السلام: «أشرف أخلاق الاَئمة

١) اُصول الكافي ٢: ٣٧١ | ٩ باب الاذاعة، وفيه أحاديث أخر بهذا المعنى، فراجع.

٢) جامع الاَخبار | السبزواري: ٢٥٣ ـ ٢٥٤ | ٦٦٣ ـ الفصل | ٥٣.

٣) الخصال | الصدوق ١: ١٤٥ ـ ١٤٦ | ١٧٢ باب الثلاثة.

٤) غرر الحكم | الآمدي ٢: ٤٨٢ | ٥٧.

٥) وسائل الشيعة ١٦: ٢٢٣ | ١٠ باب ٢٨ من أبواب الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

١٢٠