×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الحياة السياسية للإمام الرضا (ع) / الصفحات: ٤٤١ - ٤٦٠

أما نحن فنقول:

ونستميح سماحة الأخ العذر، إذا أشرنا إلى ما يلي:

١ ـ أما بالنسبة إلى النقطة الأولى، وهي تشيع زبيدة، فإننا نقول: إننا لربما نجدهم في كتب التاريخ يقولون عن مثل المغيرة بن شعبة، والأشعث بن قيس، وأمثالهما، ممن بايع علياً (عليه السلام) في خلافته، وكذلك كل من ناصر قضايا أهل البيت سياسياً، وبذل نفسه في سبيلها: إنه من شيعة الإمام علي (عليه السلام) وأهل البيت.. من دون نظر إلى سلوكه، وميوله، وعقائده، ومذهبه.. وهذا الإطلاق كان في الصدر الأول طبعاً.. والمقصود منه: أنه من أتباع علي وأهل البيت وأنصارهم..

وإذا تجاوزنا تلك المرحلة.. فإننا لا بد وأن نؤكد على الفرق بين كلمتي «شيعي»، و«تشيع».. فإن «الشيعي» في اصطلاحهم هو من كان من الإمامية، أو الزيدية، أو الكيسانية، أو غيرهم من فرق الشيعة.

وكلمة: «يتشيع»، أو «فيه تشيع» يقصد منها في كتب المتقدمين من أهل السنة ـ كما يرى العلامة المحقق السيد مهدي الروحاني ـ كل من كان يحب علياً (عليه السلام)، وأهل بيته الطاهرين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.. ونشأت هذه الكلمة على شكل تهمة وطعن؛ بتأثير من الأجهزة الحاكمة، كمعاوية والمروانيين بعده، ثم كل الحكام المعادين لأهل البيت (عليهم السلام)؛ فكانت المحبة لأهل البيت ـ مجرد المحبة ـ تعد عند الناس أتباع السلطة الحاكمة جريمة كبرى، وعظيمة لا تغفر.. قال الكميت رحمه الله..


بأي كتاب أم بأية سنةترى حبهم عاراً علي وتحسب
وطائفة قد كفرتني بحبهموطائفة قالوا مسيء ومذنب
يعيبونني من حبهم وضلالهمعلى حبكم، بل يسخرون وأعجب

فمحبة آل الرسول كانت في دولة بني أمية تعد تشيعاً، استبشاعاً لها، وتقبيحاً لأمرها، ثم زالت بشاعتها في عصر بني العباس لأمور تاريخية ذات طابع خاص، حتى كان يطلق على كل من كان من غير الشيعة كلمة «التشيع»..

٤٤١
ولأجل هذا قال ابن النديم في الفهرست: إن الإمام الشافعي كان شديد التشيع، وقالوا في محمد بن جرير الطبري: فيه تشيع يسير، وموالاة لا تضر.. مع أن من الواضح: أنهما ليسا من الشيعة.. وهذا الإطلاق يوجد كثيراً في كتب التراجم والرجال في مقام الجرح والتعديل..

وعلى كل حال.. فإن هذا الفرق بين «الشيعة» و«المتشيعة» قد خفي على سيدنا آية الله الإمام شرف الدين رحمه الله؛ حيث إنه.. قد ذكر عدداً ممن كان فيه «تشيع» فجعلهم من «الشيعة»..

ولعل الذي أوقعه في الاشتباه هو أن بعض «أهل الجرح والتعديل» ممن تغلب عليه نزعة النصب، قد عد جماعة من هؤلاء «المتشيعة» من الروافض، توهيناً لنزعتهم، وتسفيهاً لرأيهم في محبة علي (عليه السلام)، وأهل بيته الطاهرين.

وهارون الرشيد كان ناصبياً، وقد تقدم في فصل «موقف العباسيين من العلويين» وغيره بعض مواقفه وأفعاله.. فلعله لما رأى حب زوجته لأهل البيت أراد طلاقها..

وواضح.. أن «التشيع» على النحو الذي ذكرناه، لا يتنافى، ولا يتعارض مع الإعلان عن مواقف هي ضد الجهة التي يتعاطف معها، بوحي من مصالحه المعيشية والأمنية ونحوها.. كما أنه لا يتنافى، ولا يتعارض مع عدم الالتزام العملي بالتعاليم المذهبية، بل إنه قد يكون مستهتراً عملاً، وينتهج سلوكاً شاذاً، وبعيداً عن روح وتعاليم الدين الحنيف. ومع ذلك يدعي أنه ملتزم بدين، ومنتم إلى مذهب، شأن الكثيرين من السياسيين المعاصرين وغيرهم.. كما أنه لا ملازمة بين التشيع وبين وجوب القيام بثورة مسلحة ضد نظام الحكم القائم.. وعليه.. فتشيع زبيدة ربما يكون مقتصراً على هذا التعاطف والحب لأهل البيت، ولا يتنافى ذلك مع ما ذكره سماحة الأخ الكريم.

كما أن من البعيد جداً: أن لا يكون قبر زبيدة، أعظم عباسية في التاريخ متميزاً، ومعروفاً لدى الناس، حتى العامة منهم.. كما أن تعليل طلاقه لها بأنها: كانت تضايقه، وتمنعه من التمتع بحسناوات القصر، ما هو إلا اجتهاد في مقابل النص!!..

٤٤٢
٢ ـ وأما البرامكة، فإن ما ذكره الأخ لم يغب عن بالي وقتها، وهو صحيح مئة بالمئة.. ولكنه لا يعني أن النص الآخر كذب محض؛ إذ ربما يكون القصد منه: ليس أنهم كانوا يتشيعون حقيقة، وإنما المراد أنه: حين رأى الرشيد نفوذهم وقوتهم، وخافهم على الملك، تعلل عليهم بذلك؛ ليقتلهم، ويتخلص منهم..

كما أنه ليس من البعيد.. أنهم كانوا يجارون التيار، فيتظاهرون بالتشيع للعلويين؛ ليحافظوا على مكانتهم في العامة.. في نفس الوقت الذي كانوا يتآمرون فيه على آل علي (عليه السلام)، ويبغون لهم فيه الغوائل، تماماً، كما كان المتوكل يكرم الهادي (عليه السلام) في الظاهر، ويبغي له الغوائل في الباطن والشواهد التاريخية على مثل هذا كثيرة جداً..

٣ ـ وأما قضية الشعر.. فإننا لا نصر على أنه للبحري.. وإن كنا قد أشرنا إلى أن من الجائز أن يكون البحترى قد أخذه على سبيل الاستشهاد، والتضمين؛ فإن ذلك أمر شائع ومعروف بين الشعراء.. كما أنني قد بينت أن من الجائز أن يكون البحترى قد صُحف عمداً أو سهواً فصار: البحري.. كما أنه قد يكون العكس هو الصحيح. وأما أنه لم يصل إلى المصلى، فإن للشاعر أن يدعي ذلك إذا كان الإمام (عليه السلام) قد قرب منه على سبيل المبالغة..

وبعد.. فإننا نستميح الأخ الشيخ العذر، ونسأل الله له دوام التوفيق والتسديد.


جعفر مرتضى الحسيني العاملي..
٢٢/١/١٤٠٠ ه‍ ـ ق.     

٤٤٣


وثائق هامة



١ ـ رسالة الفضل بن سهل إلى الإمام (عليه السلام).

٢ ـ وثيقة ولاية العهد.

٣ ـ رسالة المأمون إلى العباسيين.

٤ ـ رسالة عبد الله بن موسى إلى المأمون.

٥ ـ رسالة سفيان إلى هارون.

قصيدة الأمير أبي فراس الحمداني.

٤٤٤
٤٤٥

رسالة الفضل بن سهل إلى الإمام (عليه السلام)

هذه الرسالة:

هذه الرسالة هي التي أرسلها الفضل بن سهل إلى الإمام (عليه السلام)، يطلب فيها منه القدوم، من أجل عقد ولاية العهد له..

وقد اطلعت عليها في وقت متأخر، وتحدثت عن بعض ما يمكن استخلاصه منها في بعض فصول الكتاب.

ونظراً لأهميتها.. فقد آثرت أن أجعلها مع الوثائق الهامة، ليطلع عليها القارئ بنفسه.

وقد أورد هذه الرسالة أبو القاسم عبد الكريم بن محمد، بن عبد الكريم الرافعي، الشافعي، القزويني المتوفى سنة ٦٢٣ ه‍. في كتابه: «التدوين».

والكتاب موجود منه نسختان خطيتان: إحداهما في مكتبة «ناصرية» القسم الثاني رقم ٧٨٢ في لكنهو. والأخرى: خطية أيضاً موجودة في الإسكندرية.. وهناك نسختان مصورتان عنهما:

إحداهما: في دفتر تبليغات إسلامي في قم مصورة عن نسخة لكنهو.

والأخرى: في مكتبة المرعشي النجفي العامة في قم مصورة في طهران عن نسخة الإسكندرية.

٤٤٦
وهي في النسخة المصورة عن لكنهو موجودة في المجلد الثاني. وفي المصورة عن مكتبة الإسكندرية موجودة في ج ٤ ص ٥١. ونقلها عن هذه النسخة السيد المرعشي النجفي في ج ١٢ من ملحقات الاحقاق ص ٣٨١، ٣٨٢:

نص الرسالة:

قال في التدوين: والنص لنسخة: لكنهو: ولما عزم المأمون على تفويض العهد إليه [أي إلى الرضا]، بسعي ذي الرياستين الفضل بن سهل.. كتب إليه ذو الرياستين:

بسم الله الرحمن الرحيم

لعلي بن موسى الرضا، وابن رسول الله المصطفى، المهتدى بهديه، المقتدى بفعله، الحافظ لدين الله، الخازن لوحي الله، من وليه الفضل ابن سهل، الذي بذل في رد حقه إليه مهجته، ووصل ليله فيه بنهاره..

سلام عليك أيها المهتدي ورحمة الله وبركاته.

فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله.

أما بعد:

فإني أرجو أن الله قد أدى لك، وأذن لك في ارتجاع حقك ممن استضعفك، وأن يعظم مننه عليك، وأن يجعلك الإمام الوارث. ويري أعداك، ومن رغب عنك، منك ما كانوا يحذرون..

وإن كتابي هذا عن إزماع من أمير المؤمنين، عبد الله الإمام المأمون

٤٤٧
ومني: على رد مظلمتك عليك، وإثبات حقوقك في يديك، والتخلي منها إليك، على ما أسأل الله الذي وقف عليه: أن تبلغني ما أكون بها أسعد العالمين، وعند الله من الفائزين، ولحق رسول الله من المؤدين. ولك عليه من المعاونين، حتى أبلغ في توليتك ودولتك كلتا الحسنتين(١).

فإذا أتاك كتابي ـ جعلت فداك ـ وأمكنك أن لا تضعه من يدك، حتى تسير إلى باب أمير المؤمنين، الذي يراك شريكاً في أمره، وشفيعاً في نسبه، وأولى الناس بما تحت يده.. فعلت ما أنا بخيرة الله محفوفاً، وبملايكته محفوظاً، وبكلاءته محروساً. وإن الله كفيل لك بكل ما يجمع حسن العائدة عليك، وصلاح الأمة بك.

وحسبنا الله ونعم الوكيل، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته..

وكتبت بخطي.

(١) الظاهر أنها: الحسنيين، لأنها اقتباس من الآية الكريمة..

٤٤٨

وثيقة ولاية العهد

مصادر الوثيقة:

نذكر من المصادر التي أوردت هذه الوثيقة، على سبيل المثال لا الحصر:

القلقشندي في صبح الأعشى ج ٩ من ص ٣٦٢، إلى ص ٣٦٦، وأكملها بذكر ما كتبه الرضا (عليه السلام) والشهود في نفس الجزء من ٣٩١ وحتى ٣٩٣، وأوردها أيضاً في مآثر الإنافة في معالم الخلافة ج ٢ من ص ٣٢٥ حتى ص ٣٣٦، وهي أيضاً في شرح ميمية أبي فراس من ٢٩٩ إلى ٣٠٣، وفي نور الأبصار ١٤٢، ١٤٣، وفي البحار ج ٤٩ ص ١٤٨، إلى ١٥٣ ومسند الإمام الرضا ج ١ قسم ١ من ص ١٠٢ إلى ص ١٠٧، والفصول المهمة لابن الصباغ ابتداء من ص ٢٩٣.

ووسيلة النجاة لمحمد مبين الهندي ابتداء من ص ٣٨٧، طبع لكنهو، ورواها أيضاً الكاشاني في معادن الحكمة، والشبراوي في الإتحاف بحب الأشراف مختصراً وابن شهرآشوب في مناقب آل أبي طالب، والإربلي في كشف الغمة، والسيد الأمين في المجالس السنية، وأعيان الشيعة، وابن الجوزي في التذكرة، وذكر الأخيران إنها قد ذكرها عامة المؤرخين، وعن التفتازاني إن الوثيقة كانت موجودة في عهده، والإربلي أيضاً يقول

٤٤٩
بأنها كانت موجودة في عهده، وأنه في سنة سبعين وستماية اطلع على وثيقة العهد الأصلية، ونقلها في كتابه حرفاً فحرفاً.. وأشار إليها أيضاً ابن الطقطقي في الفخري في الآداب السلطانية.

وغير هؤلاء كثير. ونحن نذكر الوثيقة موافقة لما في صبح الأعشى، ومآثر الإنافة، فنقول:

نص الوثيقة

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا كتاب كتبه عبد الله بن هارون الرشيد، أمير المؤمنين، لعلي بن موسى بن جعفر، ولي عهده.

أما بعد:

فإن الله عز وجل اصطفى الإسلام ديناً، واصطفى من عباده رسلاً دالين عليه، وهادين إليه، يبشر أولهم بآخرهم. ويصدق تاليهم ماضيهم، حتى انتهت نبوة الله إلى محمد (صلى الله عليه وآله)، على فترة من الرسل، ودروس من العلم، وانقطاع من الوحي، واقتراب من الساعة، فختم الله به النبيين، وجعله شاهداً لهم، ومهيمناً عليهم. وأنزل عليه كتابه العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، بما أحل وحرم، ووعد وأوعد، وحذر وأنذر، وأمر به، ونهى عنه، لتكون له الحجة البالغة على خلقه، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة، وإن الله لسميع عليم.

فبلغ عن الله رسالته، ودعا إلى سبيله بما أمره به: من الحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة التي هي أحسن، ثم بالجهاد والغلظة،

٤٥٠
حتى قبضه الله إليه، واختار له ما عنده (صلى الله عليه وآله)، فلما انقضت النبوة، وختم الله بمحمد (صلى الله عليه وآله) الوحي والرسالة، جعل قوام الدين، ونظام أمر المسلمين بالخلافة، وإتمامها وعزها، والقيام بحق الله فيها بالطاعة، التي يقام بها فرائض الله تعالى وحدوده، وشرائع الإسلام وسننه، ويجاهد بها عدوه.

فعلى خلفاء الله طاعته فيما استحفظهم واسترعاهم من دينه وعباده، وعلى المسلمين طاعة خلفائهم، ومعاونتهم على إقامة حق الله وعدله، وأمن السبيل، وحقن الدماء، وصلاح ذات البين، وجمع الألفة، وفي خلاف ذلك اضطراب حبل المسلمين، واختلالهم، واختلاف ملتهم، وقهر دينهم، واستعلاء عدوهم، وتفرق الكلمة، وخسران الدنيا والآخرة.

فحق على من استخلفه الله في أرضه، وائتمنه على خلقه، أن يجهد الله نفسه، ويؤثر ما فيه رضا الله وطاعته، ويعتد لما الله مواقفه عليه، ومسائله عنه، ويحكم بالحق، ويعمل بالعدل فيما أحله الله وقلده، فإن الله عز وجل يقول لنبيه داود: (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى، فيضلك عن سبيل الله، إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب) .

وقال الله عز وجل: (فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون)، وبلغنا أن عمر بن الخطاب قال: «لو ضاعت سخلة بشاطئ الفرات، لتخوفت أن يسألني الله عنها».

وأيم الله، إن المسؤول عن خاصة نفسه، الموقوف على عمله فيما بينه وبين الله، ليعرض على أمر كبير، وعلى خطر عظيم، فكيف بالمسؤول عن رعاية الأمة، وبالله الثقة. وإليه المفزع والرغبة في التوفيق والعصمة، والتسديد والهداية إلى ما فيه ثبوت الحجة، والفوز من الله بالرضوان والرحمة..

٤٥١
وأنظر الأمة لنفسه، وأنصحهم لله في دينه وعباده، من خلائقه في أرضه، من عمل بطاعة الله وكتابه، وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله) في مدة أيامه، وبعدها، وأجهد رأيه فيمن يوليه عهده، ويختاره لإمامة المسلمين ورعايتهم بعده، وينصبه علماً لهم. ومفزعا في جمع ألفتهم. ولم شعثهم، وحقن دمائهم، والأمن بإذن الله من فرقتهم. وفساد ذات بينهم واختلافهم، ورفع نزغ الشيطان وكيد عنهم، فإن الله عز وجل جعل العهد بعد الخلافة من تمام الإسلام وكماله، وعزه، وصلاح أهله، وألهم خلفاءه من توكيده لمن يختارونه له من بعدهم ما عظمت به النعمة، وشملت فيه العافية، ونقض الله بذلك مكر أهل الشقاق والعداوة، والسعي والفرقة، والتربص للفتنة.

ولم يزل أمير المؤمنين منذ أفضت إليه الخلافة، فاختبر بشاعة مذاقها، وثقل محملها، وشدة مؤونتها، وما يجب على من تقلدها من ارتباط طاعة الله، ومراقبته فيما حمله منها. فأنصب بدنه، وأسهر عينه، وأطال فكره فيما فيه عز الدين، وقمع المشركين، وصلاح الأمة، ونشر العدل، وإقامة الكتاب والسنة، ومنعه ذلك من الخفض والدعة، ومهنأ العيش، علما بما الله سائله عنه، ومحبة أن يلقى الله مناصحا له في دينه، وعباده، ومختاراً لولاية عهده. ورعاية الأمة من بعده: أفضل من يقدر عليه: في دينه وورعه، وعلمه، وأرجاهم للقيام في أمر الله وحقه، مناجياً بالاستخارة في ذلك. ومسألته إلهامه ما فيه رضاه وطاعته، في آناء ليله ونهاره. معملاً في طلبه والتماسه في أهل بيته: من ولد عبد الله بن العباس، وعلي بن أبي طالب فكره، ونظره. مقتصراً ممن علم حاله ومذهبه منهم على علمه، وبالغاً في المسألة عمن خفي عليه أمره جهده وطاقته.. حتى استقصى أمورهم معرفة، وابتلى أخبارهم مشاهدة، استبرأ أحوالهم معاينة، وكشف ما عندهم مسألة، فكان خيرته بعد

٤٥٢
الحياة السياسية للإمام الرضا (ع) للسيد جعفر مرتضى العاملي (ص ٤٥٣ - ص ٤٧٧)
٤٥٣
فبايعوا معشر أهل بيت أمير المؤمنين، ومن بالمدينة المحروسة، من قواده وجنده، وعامة المسلمين، لأمير المؤمنين، وللرضا من بعده علي ابن موسى على اسمه وبركته، وحسن قضائه لدينه وعباده، بيعة مبسوطة إليها أيديكم، منشرحة لها صدوركم. عالمين بما أراد أمير المؤمنين، بها، وآثر طاعة الله، والنظر لنفسه ولكم فيها، شاكرين الله على ما ألهم أمير المؤمنين بها: من قضاء حقه في رعايتكم، وحرصه على رشدكم وصلاحكم، راجين عائدة ذلك في جمع ألفتكم، وحقن دمائكم، ولم شعثكم، وسد ثغوركم، وقوة دينكم، ورغم عدوكم، واستقامة أموركم.

وسارعوا إلى طاعة الله، وطاعة أمير المؤمنين، فإنه الأمن إن سارعتم إليه، وحمدتم الله عليه، عرفتم الحظ فيه إن شاء الله.

وكتب بيده يوم الاثنين، لسبع خلون من شهر رمضان، سنة إحدى ومائتين.

قال القلقشندي: «ثم إنه تقدم إلى علي بن موسى، وقال له: اكتب خطك بقبول هذا العهد، وأشهد الله، والحاضرين عليك بما تعده في حق الله، ورعاية المسلمين، فكتب علي الرضا تحته إلخ».

صورة ما كان على ظهر العهد، بخط الإمام علي بن موسى الرضا (عليهما السلام)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الفعال لما يشاء، ولا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور. وصلاته على نبيه محمد، خاتم النبيين، وآله الطيبين الطاهرين.

أقول ـ وأنا علي بن موسى الرضا بن جعفر ـ: إن أمير المؤمنين عضده الله بالسداد، ووفقه للرشاد، عرف من حقنا ما جهله غيره،

٤٥٤
فوصل أرحاماً قطعت، وأمن أنفساً فزعت، بل أحياها وقد تلفت، وأغناها إذ افتقرت، مبتغياً رضا رب العالمين، لا يريد جزاء من غيره، وسيجزي الله الشاكرين، ولا يضيع أجر المحسنين..

وإنه جعل إلي عهده، والإمرة الكبرى ـ إن بقيت ـ بعده، فمن حل عقدة أمر الله بشدها، وفصم عروة أحب الله إيثاقها، فقد أباح الله حريمه، وأحل محرمه، إذ كان بذلك زارياً على الإمام، منتهكاً حرمة الإسلام. بذلك جرى السالف، فصبر منه على الفلتات، ولم يعترض على العزمات، خوفاً من شتات الدين، واضطراب حبل المسلمين، ولقرب أمر الجاهلية، ورصد فرصة تنتهز، وبايقة تبتدر..

وقد جعلت الله على نفسي، إن استرعاني أمر المسلمين، وقلدني خلافته: العمل فيهم عامة، وفي بني العباس بن عبد المطلب خاصة بطاعته، وطاعة رسوله (صلى الله عليه وآله) وأن لا أسفك دماً حراماً، ولا أبيح فرجاً. ولا مالاً، إلا ما سفكته حدود الله، وأباحته فرائضه. وأن أتخير الكفاة جهدي وطاقتي، وجعلت بذلك على نفسي عهده مؤكداً، يسألني الله عنه، فإنه عز وجل يقول: (وأوفوا بالعهد، إن العهد كان مسؤولاً).

وإن أحدثت، أو غيرت، أو بدلت، كنت للغير مستحقاً، وللنكال متعرضاً. وأعوذ بالله من سخطه. وإليه أرغب في التوفيق لطاعته، والحول بيني وبين معصيته، في عافية لي وللمسلمين.

والجامعة والجفر يدلان على ضد ذلك، وما أدري ما يفعل بي ولا بكم. إن الحكم إلا لله، يقضي بالحق(١)، وهو خير الفاصلين..

(١) الظاهر أن الصواب هو «يقص الحق» كما في معالم الإنافة.

٤٥٥
لكنني امتثلت أمر أمير المؤمنين، وآثرت رضاه، والله يعصمني وإياه، وأشهدت الله على نفسي بذلك، وكفى بالله شهيداً..

وكتبت بخطي، بحضرة أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه، والفضل ابن سهل، وسهل بن الفضل، ويحيى بن أكثم، وعبد الله بن طاهر، وثمامة بن أشرس، وبشر بن المعتمر، وحماد بن النعمان، في شهر رمضان، سنة إحدى ومائتين.

الشهود على الجانب الأيمن:

شهد يحيى بن أكثم على مضمون هذا المكتوب، ظهره، وبطنه. وهو يسأل الله: أن يعرف أمير المؤمنين، وكافة المسلمين ببركة هذا العهد، والميثاق. وكتب بخطه في تاريخ المبين فيه..

عبد الله بن طاهر بن الحسين، أثبت شهادته فيه بتاريخه.

شهد حماد بن النعمان بمضمونه: ظهره وبطنه، وكتب بيده في تاريخه بشر بن المعتمر يشهد بمثل ذلك.

الشهود على الجانب الأيسر:

رسم أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه قراءة هذه الصحيفة. التي هي صحيفة الميثاق. نرجو أن نجوز بها الصراط، ظهرها وبطنها، بحرم سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، بين الروضة والمنبر، على رؤوس الأشهاد، بمرأى ومسمع من وجوه بني هاشم، وساير الأولياء والأجناد، بعد استيفاء شروط البيعة عليهم، بما أوجب أمير المؤمنين الحجة به على جميع

٤٥٦
المسلمين، ولتبطل الشبهة التي كانت اعترضت آراء الجاهلين: «وما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه».

وكتب الفضل بن سهل بأمر أمير المؤمنين بالتاريخ فيه(١).



إنتهى..




(١) وفي هامش نسخة مصححة قال: مصححها: «قال العبد الفقير إلى الله تعالى، الفضل بن يحيى عفى الله عنه: قابلت المكتوب الذي كتبه الإمام علي بن موسى الرضا صلوات الله عليه، وعلى آبائه الطاهرين بأصله الذي كتبه الإمام المذكور (عليه السلام) بيده الشريفة، حرفاً فحرفاً. وألحقت ما فات منه، وذكرت أنه من خطه. وذلك يوم الثلاثاء، مستهل المحرم، من سنة تسع وتسعين وست مأة الهلالية بواسط، والحمد لله، وله المنة» انتهى أقول: والذي ألحقه هو ما قدمناه في هوامش الصفحات المتقدمة..

٤٥٧

رسالة المأمون إلى العباسيين

مصادر الكتاب:

هذا الكتاب مذكور في طرائف ابن طاووس، الترجمة الفارسية من ص ١٣١، إلى ص ١٣٥، نقلاً عن كتاب نديم الفريد، لابن مسكويه، صاحب كتاب حوادث الإسلام.. وفي البحار للعلامة المجلسي ج ٤٩ من ص ٢٠٨ إلى ص ٢١٤، وفي قاموس الرجال ج ١٠ ص ٣٥٦، إلى ٣٦٠، وفي ينابيع المودة للقندوزي الحنفي ص ٤٨٤، ٤٨٥ مختصراً، ونقل في الغدير ج ١ ص ٢١٢ قسما منه عن عبقات الأنوار للهندي ج ١ ص ١٤٧، وأشار إليه غير واحد من المؤلفين.

نص الكتاب:

كتب العباسيون كتاباً إلى المأمون، وطلبوا منه الإجابة عليه، فأجابهم بما يلي:

بسم الله الرحمن الرحيم

«والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآل محمد. على رغم أنف الراغمين..

٤٥٨

أما بعد:

عرف المأمون كتابكم، وتدبير أمركم. ومخض زبدتكم. وأشرف على قلوب صغيركم وكبيركم، وعرفكم مقبلين ومدبرين، وما آل إليه كتابكم قبل كتابكم. في مراوضة الباطل، وصرف وجوه الحق عن مواضعها، ونبذكم كتاب الله والآثار، وكلما جاءكم به الصادق محمد (عليه السلام)، حتى كأنكم من الأمم السالفة، التي هلكت بالخسفة، والغرق، والريح، والصيحة، والصواعق، والرجم..

أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها؟. والذي هو أقرب إلى المأمون من حبل الوريد، لولا أن يقول قائل: إن المأمون ترك الجواب عجزا لما أجبتكم، من سوء أخلاقكم، وقلة أخطاركم. وركاكة عقولكم، ومن سخافة ما تأوون إليه من آرائكم، فليستمع مستمع، فليبلغ شاهد غائباً..

أما بعد:

فإن الله تعالى بعث محمداً على فترة من الرسل، وقريش في أنفسها، وأموالها، لا يرون أحداً يساميهم، ولا يباريهم، فكان نبينا (صلى الله عليه وآله) أميناً من أوسطهم بيتاً، وأقلهم مالاً، فكان أول من آمن به خديجة بنت خويلد، فواسته بمالها. ثم آمن به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب سبع سنين، لم يشرك بالله شيئاً طرفة عين، ولم يعبد وثناً، ولم يأكل رباً، ولم يشاكل الجاهلية في جهالاتهم، وكانت عمومة رسول الله إما مسلم مهين، أو كافر معاند، إلا حمزة فإنه لم يمتنع من الإسلام، ولا يمتنع الإسلام منه، فمضى لسبيله على بينة من ربه.

وأما أبو طالب: فإنه كفله ورباه، ولم يزل مدافعاً عنه، ومانعاً منه، فلما قبض الله أبا طالب، فهم القوم، وأجمعوا عليه ليقتلوه،

٤٥٩
فهاجر إلى القوم الذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم. يحبون من هاجر إليهم. ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا، ويؤثرون على أنفسهم، ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون.

فلم يقم مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) أحد من المهاجرين كقيام علي بن أبي طالب (عليه السلام): فإنه آزره ووقاه بنفسه، ونام في مضجعه. ثم لم يزل بعد مستمسكاً بأطراف الثغور، وينازل الأبطال، ولا ينكل عن قرن، ولا يولي عن جيش، منيع القلب، يؤمر على الجميع، ولا يؤمر عليه أحد. أشد الناس وطأة على المشركين، وأعظمهم جهاداً في الله، وأفقههم في دين الله، وأقرأهم لكتاب الله، وأعرفهم بالحلال والحرام.

وهو صاحب الولاية في حديث «غدير خم» وصاحب قوله: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي» وصاحب يوم الطائف، وكان أحب الخلق إلى الله تعالى، وإلى رسول الله (صلى الله عليه وآله). وصاحب الباب، فتح له، وسد أبواب المسجد. وهو صاحب الراية يوم خبير. وصاحب عمرو بن عبد ود في المبارزة. وأخو رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين آخى بين المسلمين.

وهو منيع جزيل. وهو صاحب آية: (ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً، ويتيماً، وأسيراً). وهو زوج فاطمة سيدة نساء العالمين، وسيدة نساء أهل الجنة، وهو ختن خديجة (عليه السلام). وهو ابن عم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، رباه وكفله. وهو ابن أبي طالب في نصرته وجهاده. وهو نفس رسول الله (صلى الله عليه وآله) في يوم المباهلة.

وهو الذي لم يكن أبو بكر وعمر ينفذان أمراً حتى يسألانه عنه، فما رأى إنفاذه أنفذاه، وما لم يراه رداه. وهو دخل من بني هاشم في

٤٦٠