×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الحياة السياسية للإمام الرضا (ع) / الصفحات: ٤٦١ - ٤٨٠

الشورى، ولعمري لو قدر أصحابه على دفعه(١) عنه (عليه السلام)، كما دفع العباس رضوان الله عليه، ووجدوا إلى ذلك سبيلاً لدفعوه.

فأما تقديمكم العباس عليه، فإن الله تعالى يقول: (أجعلتم سقاية الحاج، وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر، وجاهد في سبيل الله، لا يستوون عند الله).

والله، لو كان ما في أمير المؤمنين من المناقب والفضائل، والآي المفسرة في القرآن خلة واحدة في رجل من رجالكم. أو غيره، لكان مستأهلاً متأهلاً للخلافة، مقدماً على أصحاب رسول الله بتلك الخلة.

ثم لم يزل الأمور تتراقى به إلى أن ولي أمور المسلمين، فلم يعن بأحد من بني هاشم إلا بعبد الله بن عباس، تعظيماً لحقه، ووصلة لرحمه، وثقة به، فكان من أمره الذي يغفر الله له..

ثم.. نحن وهم يد واحدة ـ كما زعمتم ـ حتى قضى الله تعالى بالأمر إلينا، فأخفناهم. وضيقنا عليهم، وقتلناهم أكثر من قتل بني أمية إياهم.. ويحكم، إن بني أمية إنما قتلوا من سل منهم سيفاً، وإنا معشر بني العباس قتلناهم جملاً، فلتسألن أعظم الهاشمية بأي ذنب قتلت، ولتسألن نفوس ألقيت في دجلة والفرات، ونفوس دفنت بغداد والكوفة أحياء، هيهات، إنه من يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره..

وأما ما وصفتم في أمر المخلوع، وما كان فيه من لبس، فلعمري ما لبس عليه أحد غيركم، إذ هونتم عليه النكث، وزينتم له الغدر، وقلتم له: ما عسى أن يكون من أمر أخيك، وهو رجل مغرب، ومعك الأموال والرجال، نبعث إليه، فيؤتى به، فكذبتم، ودبرتم،

(١) في الترجمة الفارسية هكذا: «على دفع علي (عليه السلام) عنها إلخ».

٤٦١
ونسيتم قول الله تعالى: (ومن بغي عليه لينصرنه الله..).

وأما ما ذكرتم: من استبصار المأمون في البيعة لأبي الحسن الرضا (عليه السلام)، فما بايع له المأمون إلا مستبصرا في أمره، عالما بأنه لم يبق أحد على ظهرها أبين فضلاً، ولا أظهر عفة، ولا أورع ورعاً، ولا أزهد زهداً في الدنيا، ولا أطلق نفساً، ولا أرضى في الخاصة والعامة، ولا أشد في ذات الله منه. وإن البيعة له لموافقة رضا الرب عز وجل. ولقد جهدت وما أجد في الله لومة لائم.

ولعمري، لو كانت بيعتي بيعة محاباة، لكان العباس ابني، وسائر ولدي أحب إلى قلبي، وأجلى في عيني، ولكن أردت أمراً، وأراد الله أمراً، فلم يسبق أمري أمر الله وأما ما ذكرتم: مما مسكم من الجفاء في ولايتي: فلعمري ما كان ذلك إلا منكم بمظافرتكم عليه، علي [خ د] وممايلتكم إياه، فلما قتلته وتفرقتم عباديد، فطوراً أتباعاً لابن أبي خالد، وطوراً أتباعاً لأعرابي، وطوراً أتباعاً لابن شكلة، ثم لكل من سل سيفاً علي، ولولا أن شيمتي العفو، وطبيعتي التجاوز ما تركت على وجهها منكم أحداً، فكلكم حلال الدم، محل بنفسه.

وأما ما سألتم: من البيعة للعباس ابني.. أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟! ويلكم، إن العباس غلام حدث السن، ولم يؤنس رشده، ولم يمهل وحده، ولم تحكمه التجارب. تدبره النساء، وتكفله الإماء، ثم.. لم يتفقه في الدين، ولم يعرف حلال من حرام، إلا معرفة لا تأتي به رعية، ولا تقوم به حجة، ولو كان مستأهلاً، قد أحكمته التجارب، وتفقه في الدين، وبلغ مبلغ أمير العدل في الزهد في الدنيا، وصرف النفس عنها.. ما كان له عندي في الخلافة، إلا ما كان لرجل من عك وحمير، فلا تكثروا من هذا المقال، فإن لساني لم

٤٦٢
يزل مخزوناً عن أمور وأنباء، كراهية أن تخنث النفوس عندما تنكشف، علماً بأن الله بالغ أمره، ومظهر قضاه يوماً.

فإذ أبيتم إلا كشف الغطاء، وقشر العظاء، فالرشيد أخبرني عن آبائه، وعما وجده في كتاب الدولة، وغيرها: أن السابع من ولد العباس، ولا تقوم لبني العباس بعده قائمة، ولا تزال النعمة متعلقة عليهم بحياته، فإذا أودعت فودعها، فإذا أودع فودعاها، وإذا فقدتم شخصي، فاطلبوا لأنفسكم معقلاً، وهيهات، ما لكم إلا السيف، يأتيكم الحسني الثائر البائر، فيحصدكم حصداً، أو السفياني المرغم، والقائم المهدي لا يحقن دماءكم إلا بحقها.

وأما ما كنت أردته من البيعة لعلي بن موسى، بعد استحقاق منه لها في نفسه، واختيار مني له، فما كان ذلك مني إلا أن أكون الحاقن لدمائكم، والذائد عنكم، باستدامة المودة بيننا وبينهم. وهي الطريق أسلكها في إكرام آل أبي طالب، ومواساتهم في الفيئ بيسير ما يصيبهم منه.

وإن تزعموا: أني أردت أن يؤول إليهم عاقبة ومنفعة، فإني في تدبيركم، والنظر لكم ولعقبكم، وأنبائكم من بعدكم.. وأنتم ساهون، لاهون، تائهون، في غمرة تعمهون، لا تعلمون ما يراد بكم، وما أظللتم عليه من النقمة، وابتزاز النعمة. همة أحدكم أن يمسي مركوباً، ويصبح مخموراً تباهون بالمعاصي، وتبتهجون بها، وآلهتكم البرابط، مخنثون. مؤنثون لا يتفكر متفكر منكم في إصلاح معيشة، ولا استدامة نعمة، ولا اصطناع مكرمة، ولا كسب حسنة يمد بها عنقه، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

أضعتم الصلاة، واتبعتم الشهوات، وأكببتم على اللذات، فسوف تلقون غياً. وأيم الله، لربما أفكر في أمركم. فلا أجد أمة من الأمم استحقوا

٤٦٣
العذاب، حتى نزل بهم لخلة من الخلال، إلا أصيب تلك الخلة بعينها فيكم، مع خلال كثيرة، لم أكن أظن أن إبليس اهتدى إليها، ولا أمر بالعمل بها. وقد أخبر الله تعالى في كتابه العزيز عن قوم صالح: أنه كان فيهم تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون، فأيكم ليس معه تسعة وتسعون من المفسدين في الأرض، قد اتخذتموهم شعاراً، ودثاراً، استخفافاً بالمعاد، وقلة يقين بالحساب، وأيكم له رأي يتبع، أو روية تنفع، فشاهت الوجوه، وعفرت الخدود.

وأما ما ذكرتم: من العثرة كانت في أبي الحسن (عليه السلام) نور الله وجهه، فلعمري، إنها عندي للنهضة والاستقلال الذي أرجو به قطع الصراط، والأمن والنجاة من الخوف يوم الفزع الأكبر. ولا أظن عملا هو عندي أفضل من ذلك، إلا أن أعود بمثلها إلى مثله، وأين لي بذلك، وأنى لكم بتلك السعادة.

وأما قولكم: إني سفهت آراء آبائكم، وأحلام أسلافكم، فكذلك قال مشركوا قريش: (إنا وجدنا آباءنا على أمة. وإنا على آثارهم مقتدون). ويلكم، إن الدين لا يؤخذ إلا من الأنبياء، فافقهوا، وما أراكم تعقلون.

وأما تعييركم إياي: بسياسة المجوس إياكم، فما أذهبكم الآنفة(١) من ذلك، ولو ساستكم القردة والخنازير، وما أردتم إلا أمير المؤمنين.

ولعمري، لقد كانوا مجوساً فأسلموا، كآبائنا، وأمهاتنا في القديم، فهم المجوس الذين أسلموا وأنتم المسلمون الذين ارتدوا، فمجوسي أسلم خير من مسلم ارتد، فهم يتناهون عن المنكر، ويأمرون بالمعروف، ويتقربون من الخير، ويتباعدون من الشر، ويذبون عن حرم المسلمين،

(١) الظاهر أن الصواب: «فما أذهبكم عن الآنفة».

٤٦٤
يتباهجون بما نال الشرك وأهله من النكر، ويتباشرون بما نال الإسلام وأهله من الخير.. منهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلاً.

وليس منكم إلا لاعب بنفسه، مأفون في عقله وتدبيره: إما مغن، أو ضارب دف، أو زامر. والله، لو أن بني أمية الذين قتلتموهم بالأمس نشروا، فقيل لهم: لا تأنفوا من معائب تنالوهم بها، لما زادوا على ما صيرتموه لكم شعاراً ودثاراً، وصناعة وأخلاقاً..

ليس منكم إلا من إذا مسه الشر جزع، وإذا مسه الخير منع، ولا تأنفون، ولا ترجعون إلا خشية، وكيف يأنف من يبيت مركوباً، ويصبح بإثمه معجبا، كأنه قد اكتسب حمدا، غايته بطنه وفرجه، لا يبالي أن ينال شهوته بقتل ألف نبي مرسل، أو ملك مقرب، أحب الناس إليه من زين له معصية، أو أعانه في فاحشة، تنظفه المخمورة، وتربده المطمورة، فشتت الأحوال.. فإن ارتدعتم مما أنتم فيه من السيئات والفضائح. وما تهذرون به من عذاب ألسنتكم.. وإلا فدونكم تعلوا بالحديد..

ولا قوة إلا بالله، وعليه توكلي، وهو حسبي».

٤٦٥

رسالة عبد الله بن موسى إلى المأمون

النص الأول للرسالة:

قال أبو الفرج الأصفهاني، صاحب كتاب «الأغاني»، في كتابه: مقاتل الطالبيين ص ٦٣٠، ٦٣١، في معرض حديثه عن عبد الله بن موسى، بن عبد الله بن الحسن، بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، الذي كان قد توارى في أيام المأمون:

«.. وأخبرني جعفر بن محمد الوراق الكوفي، قال: حدثني عبد الله بن علي بن عبيد الله العلوي الحسيني، عن أبيه، قال: كتب المأمون إلى عبد الله بن موسى، وهو متوار منه، يعطيه الأمان، ويضمن له: أن يوليه العهد بعده، كما فعل بعلي بن موسى، ويقول:

«.. ما ظننت أن أحداً من آل أبي طالب يخافني، بعدما عملته بالرضا..».

وبعث الكتاب إليه. فكتب إليه عبد الله بن موسى:

«.. وصل كتابك، وفهمته، تختلني فيه عن نفسي ختل القانص، وتحتال علي حيلة المغتال، القاصد لسفك دمي.

٤٦٦
وعجبت من بذلك العهد، وولايته لي بعدك، كأنك تظن أنه لم يبلغني ما فعلته بالرضا! ففي أي شيء ظننت أني أرغب من ذلك؟!.

أفي الملك الذي قد غرتك نضرته وحلاوته؟!. فوالله، لأن أقذف ـ وأنا حي ـ في نار تتأجج أحب إلي من أن ألي أمراً بين المسلمين، أو أشرب شربة من غير حلها، مع عطش شديد قاتل..

أم في العنب المسموم، الذي قتلت به الرضا؟!.

أم ظننت أن الاستتار قد أملني، وضاق به صدري؟!. فوالله، إني لذلك، ولقد مللت الحياة، وأبغضت الدنيا، ولو وسعني في ديني أن أضع يدي في يدك، حتى تبلغ من قبلي مرادك. لفعلت ذلك، ولكن الله قد حظر علي المخاطرة بدمي. وليتك قدرت علي، من غير أن أبذل نفسي لك. فتقتلني، ولقيت الله عز وجل بدمي، ولقيته قتيلاً مظلوماً، فاسترحت من هذه الدنيا.

واعلم: أني رجل طالب النجاة لنفسي، واجتهدت فيما يرضي الله عز وجل عني، وفي عمل أتقرب به إليه، فلم أجد رأيا يهدي إلى شيء من ذلك. فرجعت إلى القرآن. الذي فيه الهدى والشفاء، فتصفحته سورة سورة، وآية آية، فلم أجد شيئاً أزلف للمرء عند ربه، من الشهادة في طلب مرضاته.

ثم تتبعته ثانية، أتأمل الجهاد أيه أفضل، ولأي صنف، فوجدته جل وعلا يقول: (قاتلوا الذين يلونكم من الكفار، وليجدوا فيكم غلظة) فطلبت أي الكفار أضر على الإسلام. وأقرب من موضعي، فلم أجد أضر على الإسلام منك، لأن الكفار أظهروا كفرهم، فاستبصر الناس في أمرهم، وعرفوهم فخافوهم. وأنت ختلت المسلمين بالإسلام، وأسررت الكفر، فقتلت بالظنة، وعاقبت بالتهمة، وأخذت مال الله من غير حله، فأنفقته في غير حله، وشربت الخمر المحرمة صراحاً،

٤٦٧
وأنفقت مال الله على الملهين، وأعطيته المغنين، ومنعته من حقوق المسلمين، فغششت بالإسلام. وأحطت بأقطاره إحاطة أهله، وحكمت فيه للمشرك، وخالفت الله ورسوله في ذلك، خلافة المضاد المعاند، فإن يسعدني الدهر، ويعني الله عليك بأنصار الحق، أبذل نفسي في جهادك، بذلا يرضيه مني، وأن يمهلك ويؤخرك، ليجزيك بما تستحقه في منقلبك، أو تختر مني الأيام قبل ذلك. فحسبي من سعيي ما يعلمه الله عز وجل من نيتي، والسلام».

وثمة نص آخر:

وكان أبو الفرج قد ذكر قبل ذلك أي في ص ٦٢٨، ٦٢٩ من نفس الكتاب نصاً آخر هو إما رسالة أخرى. أو نص آخر لهذه الرسالة نفسها.. والظاهر أنه رسالة أخرى.. وكيف كان فقد قال أبو الفرج:

«وكان عبد الله توارى في أيام المأمون، فكتب بعد وفاة الرضا يدعوه إلى الظهور، ليجعله مكانه، ويبايع له، واعتد عليه بعفوه عمن عفا من أهله، وما أشبه هذا من القول:

فأجابه عبد الله برسالة طويلة يقول فيها:

فبأي شيء تغرني؟ ما فعلته بأبي الحسن ـ صلوات الله عليه ـ بالعنب الذي أطعمته إياه فقتلته.

والله، ما يقعدني عن ذلك خوف من الموت، ولا كراهة له، ولكن لا أجد لي فسحة في تسليطك على نفسي، ولولا ذلك لأتيتك حتى تريحني من هذه الدنيا الكدرة.

ويقول فيها:

هبني لا ثأر لي عندك وعند آبائك المستحلين لدمائنا، الآخذين حقنا،

٤٦٨
الذين جاهروا في أمرنا فحذرناهم. وكنت ألطف حيلة منهم بما استعملته من الرضى بنا والتستر لمحننا، تختل واحداً فواحداً منا، ولكنني كنت امرءاً حبب إلي الجهاد، كما حبب إلى كل امرئ بغيته، فشحذت سيفي، وركبت سناني على رمحي، واستفرهت فرسي، لم أدر أي العدو أشد ضرراً على الإسلام، فعلمت أن كتاب الله يجمع كل شيء، فقرأته، فإذا فيه: (يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار، وليجدوا فيكم غلظة).

فما أدري من يلينا منهم، فأعدت النظر، فوجدته يقول: (لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله، ولو كانوا آباءهم، أو إخوانهم، أو عشيرتهم) فعلمت أن علي أن أبدأ بما قرب مني..

وتدبرت، فإذا أنت أضر على الإسلام والمسلمين من كل عدو لهم، لأن الكفار خرجوا منه، وخالفوه، فحذرهم الناس، وقاتلوهم، وأنت دخلت فيه ظاهراً، فأمسك الناس. وطفقت تنقض عراه عروة عروة، فأنت أشد أعداء الإسلام ضرراً عليه..

ثم قال أبو الفرج: وهي رسالة طويلة أتينا بها في الكتاب الكبير..

٤٦٩

رسالة سفيان إلى هارون

مصادر الرسالة:

ذكر هذه الرسالة الدميري في حياة الحيوان ج ٢ ص ١٨٨، ١٨٩، نقلاً عن ابن بليان، والإمام الغزالي، ودحلان في الفتوحات الإسلامية ط مصطفى محمد ج ٢ ص ٤٤٩ حتى ٤٥٣.

وأشار إليها ابن خلدون في مقدمته، ص ١٧ مستدلا بها على تدين الرشيد والتزامه.. وذكر جرجي زيدان شطراً منها في كتابه: تاريخ التمدن الإسلامي المجلد الأول، جزء ٢ ص ٣٨٥، ٣٨٦، والمجلد الثاني جزء ٤ ص ٤٨٠، ونحن نذكرها هنا عن الدميري مع بعض تعديلات عن دحلان.

مناقشة لا بد منها:

ولكن الرسالة تذكر أن الذي كاتبه الرشيد، والمجيب له هو سفيان الثوري.. وهذا لا يمكن أن يكون صحيحاً، فإن سفيان قد توفي في خلافة المهدي متخفيا، في سنة ١٦١ ه‍، وهارون لم يتول الخلافة إلا في سنة ١٧٠ ه‍.

٤٧٠
ولعل الصواب: هو أن مرسلها هو: إمام مكة سفيان بن عيينة، المتوفى سنة ١٩٨ ه‍. عن إحدى وتسعين سنة.

ولعل الراوي قد اشتبه عليه الأمر، عفوا، أو عمداً! لحاجة في نفسه قضاها. وأياماً كانت الحقيقة، فإن هذه الرسالة تعتبر وثيقة تاريخية هامة، لأنها تصور لنا حقيقة الوضع في تلك الفترة من الزمن..

وتعطينا شأنها شأن رسالة الخوارزمي، ورسالة عبد الله بن موسى إلى المأمون صورة واضحة عما كان يمارسه خلفاء ذلك الوقت من مآثم، وما يرتكبونه من موبقات..

نص الرسالة:

وملخص حكاية هذه الرسالة هي: أن الرشيد أرسل إلى سفيان الثوري! ـ وقد قلنا: إن الظاهر: أنه ابن عيينة ـ كتاباً يتودد إليه فيه، ويطلب منه أن يقدم عليه.

فلما وصل الكتاب إلى سفيان، رماه من يده، وقال لإخوانه: ليقرأه بعضكم، فإني أستغفر الله أن أمس شيئاً مسه ظالم.

فلما قرأوه، أمرهم أن يكتبوا إلى الظالم في الجواب ما يلي:

«من العبد الميت سفيان، إلى العبد المغرور بالآمال هارون، الذي سلب حلاوة الإيمان، ولذة قراءة القرآن.

أما بعد:

فإني كتبت إليك أعلمك: أني قد صرمت حبلك، وقطعت ودك، وقليت موضعك، وأنك جعلتني شاهداً عليك، بإقرارك على نفسك في كتابك: بما هجمت على بيت مال المسلمين، فأنفقته في غير حقه،

٤٧١
وأنفذته بغير حكمه، ولم ترض بما فعلته وأنت ناء عني، حتى كتبت إلي تشهدني على نفسك، فأما أنا فإني قد شهدت عليك، أنا وإخواني الذين حضروا قراءة كتابك، وسنؤدي الشهادة غداً بين يدي الله الحكم العدل..

يا هارون، هجمت على بيت مال المسلمين بغير رضاهم. هل رضي بفعلك المؤلفة قلوبهم، والعاملون عليها في أرض الله، والمجاهدون في سبيل الله، وابن السبيل؟ أم رضي بذلك حملة القرآن، وأهل العلم؟!

أم رضي بفعلك الأيتام والأرامل؟!.

أم رضي بذلك خلق من رعيتك؟!.

فشد يا هارون مئزرك، وأعد للمسألة جوابا، وللبلاء جلباباً، واعلم أنك ستقف بين يدي الله الحكم العدل، فاتق الله في نفسك، إذا سلبت حلاوة العلم والزهد، ولذة قراءة القرآن. ومجالسة الأخيار، ورضيت لنفسك أن تكون ظالماً، وللظالمين إماماً.

يا هارون، قعدت على السرير، ولبست حرير، وأسبلت ستوراً دون بابك. وتشبهت بالحجبة برب العالمين، ثم أقعدت أجنادك الظلمة دون بابك وسترك، يظلمون الناس ولا ينصفون. ويشربون الخمر، ويحدون الشارب، ويزنون، ويحدون الزاني، ويسرقون، ويقطعون السارق. ويقتلون، ويقتلون القاتل، أفلا كانت هذه الأحكام عليك، وعليهم، قبل أن يحكموا بها على الناس؟! فكيف بك يا هارون غداً، إذا نادى المنادي من قبل الله:

احشروا الظلمة. وأعوانهم أين الظلمة، وأعوان الظلمة، فتقدمت بين يدي الله، ويداك مغلولتان إلى عنقك، لا يفكهما إلا عدلك وإنصافك، والظالمون حولك، وأنت لهم إمام، أو سائق إلى النار.

٤٧٢
وكأني بك يا هارون.. وقد أخذت بضيق الخناق، ووردت المساق، وأنت ترى حسناتك في ميزان غيرك، وسيئات غيرك في ميزانك على سيئاتك، بلاء على بلاء، وظلمة فوق ظلمة، فاتق الله يا هارون في رعيتك. واحفظ محمداً (صلى الله عليه وآله) في أمته. واعلم أن هذا الأمر لم يصر إليك. إلا وهو صائر إلى غيرك، وكذلك الدنيا تفعل بأهلها، واحداً بعد واحد، فمنهم من تزود زادا نفعه، ومنهم من خسر دنياه وآخرته، وإني أحسبك يا هارون ممن خسر دنياه وآخرته.

وإياك، ثم إياك أن تكتب إلي بعد هذا، فإني لا أجيبك.. والسلام».

ثم بعث بالكتاب منشوراً، من غير طي، ولا ختم..

٤٧٣

قصيدة الأمير أبي فراس الحمداني

نقاط رئيسية:

كنت قد وعدت القارئ الكريم في فصل: سياسة العباسيين ضد العلويين، بأن أورد في أواخر هذا الكتاب قصيدة الأمير أبي فراس الحمداني المعروفة ب‍: «الشافية».

وقد حان الآن موعد الوفاء بذلك الوعد. وقبل ذلك، لا بأس بالإشارة إلى:

أن أبا فراس قد ولد في سنة ٣٢٠ ه‍. وتوفي في سنة ٣٥٧ ه‍. عليه الرحمة والرضوان..

وفي زمانه: كان بنو العباس الخلفاء، وآل بويه السلاطين، وآل حمدان الأمراء.

ولاء. وشجاعة:

وأما عن سبب نظم هذه القصيدة، فهو أن أبا فراس وقف على قصيدة ابن سكرة، التي يتحامل فيها على العلويين، والتي أولها:

٤٧٤

بني علي دعوا مقالتكملا ينقص الدر وضع من وضعه

فحمي أبو فراس، ونظم هذه القصيدة، التي سارت بها الركبان، ودخل بغداد، وأمر أن يشهر في المعسكر خمسمأة سيف، وقيل: أكثر من ذلك.. ثم أنشد هذه القصيدة، وخرج من الناحية الأخرى(١) وقد شرح هذه القصيدة عدد من الأدباء والعلماء منهم ابن خالويه، ومنهم محمد بن أمير الحاج حسيني.

والقصيدة هي:


الدين مخترم والحق مهتضــموفيء آل رسول الله مقتســــم
والناس عندك لا ناس فيحفظهمسوم الرعاة ولا شاء ولا نعـــم
إني أبيت قليل النوم أرقنــيقلب تصارع فيه الهم والهمـــم
وعزمة لا ينام الدهر صاحبهـاإلا على ظفر في طيه كــــرم
يصان مهري لأمر لا أبوح بـهوالدرع والرمح والصمصامة الخذم
وكل مائرة الضبعين مسرحهـارمث الجزيرة والحذراف والعنـم
وفتية قلبهم قلب إذا ركبـــوايوماً ورأيهم رأي إذا عزمـــوا
يا للرجال أما لله منتصــــرمن الطغاة، أما للدين منتقــــم
بنو علي رعايا في ديارهـــموالأمر تملكه النسوان والخـــدم

(١) راجع: شرح الشافية، لمحمد بن أمير حاج حسيني ص ٦، وقاموس الرجال ج ١٠ ص ١٥٧، ورجال المامقاني ج ٣ ص ٣٠ من باب الكنى، ورجال أبي علي ص ٣٤٩، والغدير ج ٣ ص ٤٠٣، والكنى والألقاب ج ١ ص ١٣٧، والفتوني في كشكوله، وغير ذلك.

٤٧٥

محلاون فأصفى وردهم وشـلعند الورود وأوفى شربهم لمــم
فالأرض إلا على ملاكها سعـةوالمال إلا على أربابه ديــــم
فما السعيد بها إلا الذي ظلمـواوما الشقي بها إلا الذي ظلمــوا
للمتقين من الدنيا عواقبهـــاوإن تعجل فيها الظالم الإثـــم
لا يطغين بني العباس ملكهــمبنو علي مواليهم، وإن رغمـوا
أتفخرون عليهم لا أبا لكـــمحتى كأن رسول الله جدكـــم
وما توازن يوماً بينكم شـرفولا تساوت لكم في موطن قـدم
ولا لكم مثلهم في المجد متصلولا لجدكم مسعاة جدهــــم
ولا لعرقكم من عرقهم شبــهولا نثيلتكم من أمهم أمــــم
قال النبي بها «يوم الغدير» لهــموالله يشهد، والأملاك، والأمـم
حتى إذا أصبحت في غير صاحبهاباتت تنازعها الذؤبان والرخـم
وصيروا أمرهم شورى كأنهـــملا يعلمون ولاة الحق أيهـــم
تالله ما جهل الأقوام موضعهـــالكنهم ستروا وجه الذي علمـوا
ثم ادعاها بنو العباس ملكهـــموما لهم قدم فيها، ولا قدـــم
لا يذكرون إذا ما معشر ذكــرواولا يحكم في أمر لهم حكـــم
ولا رآهم أبو بكر وصاحبـــهأهلاً لما طلبوا منها وما زعمـوا
فهل هم يدعوها غير واجبـــةأم هل أئمتهم في أخذها ظلمـوا

٤٧٦

أما علي فقد أدنى قرابتكـــــمعند الولاية إن لم تكفر النعـم
أينكر الحبر عبد الله نعمتـــــهأبوكم، أم عبيد الله، أم قثــم
بئس الجزاء جزيتم في بني حسـنأباهم العلم الهادي، وأمهــم
لا بيعة ردعتكم عن دمائهــــمولا يمين، ولا قربى ولا ذمـم
هلا صفحتم عن الأسرى بلا سببللصافحين ببدر عن أسيركـم
هلا كففتم عن الديباج سوطكــموعن بنات رسول الله شتمكـم
ما نزهت لرسول الله مهجتـــهعن السياط فهلا نزه الحــرم
ما نال منهم بنو حرب وإن عظمتتلك الجرائر إلا دون نيلكــم
كم غدرة لكم في الدين واضحـةوكم دم لرسول الله عندكـــم
أأنتم آله فيما ترون وفــــيأظفاركم من بنيه الطاهرين دم
هيهات لا قربت قربى ولا رحميوماً إذا أقصت الأخلاق والشيم
كانت مودة سلمان لهم رحمــاًولم تكن بين نوح وابنه رحـم
يا جاهداً في مساويهم يكتمهــــاغدر الرشيد بيحيى كيف ينكتـم
ذاق الزبيري عبء الحنث وانكشفتعن ابن فاطمة الأقوال والتهـم
ليس الرشيد كموسى في القياس ولامأمونكم كالرضا إن أنصف الحكم(١)
باؤا بقتل الرضا من بعد بيعتـــهوأبصروا بعض يوم رشدهم وعموا
يا عصبة شقيت من بعد ما سعدتومعشر هلكوا من بعد ما سلمـوا
لبئسما لقيت منهم وإن بليــــتبجانب الطف تلك الأعظم الرمـم

(١) كان هذا البيت مقدما على الذي قبله في بعض مصادر هذه القصيدة. لكن الصواب تأخيره، ليتحد السياق، وينسجم المعنى..

٤٧٧