×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الخطط السياسية لتوحيد الأمة الإسلامية / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٣ فارغة
كتاب الخطط السياسية للأستاذ أحمد حسين يعقوب (ص ١ - ص ٣٢)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم
أحمدك اللهم مولاي على نعمك المتوالية التي لا تحصى، وأخص نعمتك التي أنعمت علي مؤخرا والتي أضأت بها قلبي، وجنبات نفسي بنور الولاء لآل محمد، وعلمتني من فضلهم ما لم أكن أعلم، رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي، وأن أعمل صالحا ترضاه، وأصلح لي في ذريتي، واملأ القلوب بنور الولاء للآل الكرام.

وأسألك يا مولاي بأسمائك الحسنى، أن تصلي وتسلم وتبارك على خاتم الأنبياء والرسل محمد، وعلى آله الكرام، سفن النجا، ونجوم الهدى، وأن تحشرني بزمرتهم، وتجعلني من مواليهم، إنك لودود رحيم.

أما بعد:

فإن وحدة الأمة الإسلامية، أمنية غالبة على قلب كل مسلم صادق، وهدف عام مشترك يسعى لتحقيقه الذين آمنوا في مشارق الأرض ومغاربها، وفضلا عن أن هذه الوحدة فريضة ربانية أوجب الله تعالى على المؤمنين إقامتها، فقد أصبحت وحدة الأمة الإسلامية ضرورة تقتضيها مصلحة المسلمين، وتفرضها ضرورات وجودهم للوقوف أمام زحف الطامعين في أرضهم، وخيراتهم، وردتهم عن دينهم.

٤
ثم إن وحدة الأمة الإسلامية هي الإطار الأمثل لإحساس الأفراد المسلمين بكرامتهم، وتميزهم برسالتهم العالمية.

وعلى الرغم من أن الوحدة الإسلامية أمنية غالبة، وفريضة ربانية، وهدف مشترك، وضرورة من ضرورات الحياة المعاصرة، إلا أن المسلمين مختلفون في وسائل تحقيقها، سلميا وبدون عنف، بالحكمة والإقناع لا بالقوة والإكراه، والأحزاب الدينية الإسلامية عرضت وجربت عشرات الخطط لإقامة الوحدة الإسلامية، ففشلت خططها، وهي لا تتوقف عن اختراع خطط جديدة.

وتسهيلا لمهمة المنادين بوحدة الأمة الإسلامية وضعت هذا الكتاب (الخطط السياسية لتوحيد الأمة الإسلامية) وقسمته إلى ثلاثة أبواب:

الباب الأول: الأركان الشرعية لوحدة الأمة الإسلامية، ومن خلاله عرضت التقاطيع الأساسية والتفصيلية للخطة الإلهية لتوحيد الأمة الإسلامية، وقد قسمت هذا الباب إلى اثني عشر فصلا، وقسمت كل فصل إلى عشرات الفقرات المترابطة، سقت فيها مختلف الأفهام للنصوص الشرعية، وعملت من مختلف الجهات لتوضيح كل خافية، وما أن ينتهي القارئ من قراءة هذا الباب حتى يقف حقيقة على الخطة الإلهية لتوحيد الأمة الإسلامية.

وفي الباب الثاني: الاختلاف بعد الوحدة والائتلاف، بينت كيف انقسمت الأمة، وبدأت الوحدة تتآكل من الداخل، ثم انهارت نهائيا وسقطت بسقوط آخر سلاطين بني عثمان، وعلل هذا الانهيار يومذاك على أنه نتيجة لتآمر دول الغرب، مع أن تآمر الأمم الكافرة على الأمة المسلمة لم يتوقف حتى في عهد النبوة، لكن السبب الجوهري لانهيار وحدة الأمة الإسلامية يكمن في التآكل الداخلي الناتج عن الصراع الصامت بين الشرعية والواقع، والتفاوت المذهل بين هذين البعدين.

٥
أما الباب الثالث: فقد تشابكت فيه الشرعية مع الوقائع التاريخية تشابكا عجيبا، وقد حاولت أن أفك الاشتباك والتداخل بين المنظومة الحقوقية الإلهية وبين أفعال الحكام، بحيث تكون المنظومة الإلهية كيانا حقوقيا مستقلا، وأفعال الحكام كيانا حقوقيا آخر مستقلا ومتميزا.

والعملية في غاية العسر والتعقيد، فقد اختلطت الشرعية بالوقائع التاريخية، ووحدت المجموعتان معا، واستمرت هذه الوحدة ١٢٠٠ عاما تقريبا.

وحتى نوضح المنظومة الحقوقية الإلهية تمهيدا لإبراز الخطة الإلهية لتوحيد الأمة الإسلامية حتى تتميز بالكامل عن غيرها.

وحتى نفهم خطة أهل بيت النبوة لتوحيد الأمة الإسلامية يتوجب الوقوف عليها من مصادرها النقية، وبالتالي تمييزها بالكامل عن غيرها.

وحتى نفهم خطة قادة التاريخ السياسي الإسلامي لتوحيد الأمة الإسلامية يجب الإحاطة بالحادثات التاريخية وتمييزها عن غيرها.

وبذلك نضع أيدينا على ثلاثة نماذج من الخطط لتوحيد الأمة الإسلامية.

ولا بد من التنبه إلى أن شيعة قادة التاريخ السياسي الإسلامي وهم الحزب الحاكم لم يكونوا أبدا على وفاق مع شيعة أهل بيت النبوة وهم الحزب المعارض، فكل حزب من هذين الحزبين ينظر نظرة شك وحذر وريبة للحزب الآخر، فحزب قادة التاريخ وهم أهل السنة يعتقدون أنهم الأحق بحكم الأمة، وحزب شيعة أهل البيت يعتقدون أن أهل البيت هم الأحق بحكم الأمة، ويحشر كل حزب آلاف الأدلة لإثبات صواب وجهة نظره، وبالتالي فإنه لا يمكن علميا الركون لرأي أي حزب من هذين الحزبين بالآخر، والمثير حقا أن كل حزب من هذين الحزبين يزعم أنه مسلح بالخطة الإلهية، وأنه على الحق.

والأصعب في البحث أنه لا بد من معرفة الماضي معرفة يقينية قدر الإمكان، لأن الحاضر مبني على الماضي، فالماضي هو أساس الحاضر.

٦
والكارثة أن الحاضر هو أساس المستقبل، فلا يمكنك أن تفك الارتباط بين هذه الأبعاد الثلاثة، لأنها خلقت متشابكة أصلا، فكل بعد هو أساس للبعد الذي يليه.

وقد تبين لي أنه لا خلاف بين القوميين العرب بأن الهاشميين هم سادة العرب، ودرة تاجهم، ولا خلاف بين الإسلاميين العرب بأن الهاشميين هم بطن النبي الأعظم، وأنهم الآل الكرام الذين لا تجوز الصلاة المفروضة على العباد بغير الصلاة عليهم، وأنهم الذين احتضنوا النبي واحتضنوا دين الإسلام، وأن العرب مجتمعة قد حاصرتهم ثلاث سنين في شعب أبي طالب، وأنهم أهل المودة في القربى، وأصحاب خمس الخمس، وأن منهم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، ومنهم نجوم الهدى بالنص الشرعي، وسفن النجا بالنص، وأنهم خير بطون بني آدم بالنص، وهم أحد الثقلين بالنص... إلخ.

والسؤال ما هو ضرر الأمة الإسلامية لو سلمت بحق أهل البيت بالإمارة، واحتفظت لنفسها بمنصب الوزارة، فأصبح الهاشميون هم الهيئة التأسيسية لوحدة الأمة الإسلامية، ونقطة تجمعها ومحور قيادتها، بوصفهم القاسم المشترك بين المسلمين؟

إذا سلمت الأحزاب الدينية والجماعات التي ترفع شعار الإسلام بهذا، فإنها تتخلى عما تسميه بمكتسباتها، خاصة وأنه ليس بينها وبين الاستيلاء على السلطة بالقوة إلا باع أو ذراع، فهل يعقل أن تسلم وتعطي تعبها لغيرها أي للهاشميين؟

فترى الأحزاب، والجماعات الدينية، تضفي هالة من القداسة على مؤسسيها، وترفع شعار (النبي جد التقي ولو كان عبدا حبشيا) وتشكك هذه الأحزاب بالبطن الهاشمي، وبأهل بيت النبوة، وتتجاهل النصوص الشرعية الآخذة بالأعناق، والتي تعطيهم حق القيادة والولاية، مما يعني أن المطلب الأساسي للأحزاب والجماعات الدينية هو الحكم، والدين ليس أكثر من حبل يتمرجحون عليه للوصول إلى غايتهم وهو الاستيلاء على السلطة بالقوة.

٧
نحن نؤمن بالسلم، ونكره العنف، ونحترم العقل البشري الذي جعله الله حجة على خلقه، ونحترم حرية الإنسان وكرامته، ولا يضيق صدرنا بالرأي المعارض، لأن غايتنا هي إدراك الحقائق الشرعية المجردة، فقد يخطئ عمر وتصيب امرأة، ولكن لا بد من مرجعية شخصية شرعية تستمع لكل الآراء وتزنها بموازين الشرع الحكيم فتؤيد من يصيب وترد من يخطئ إلى جادة الصواب.

إلهي وسيدي ومولاي تجاوز عني إن أخطأت، واغفر زلتي إن زللت، إنك أنت الغفار، وأنت تعلم ما في نفسي، ولا أعلم ما في نفسك، إنك أنت علام الغيوب، فإن أخطأت فإن الخطأ مني، وإن أصبت فأنت ولي النعم.

إلهي اجعل عملي هذا خالصا لوجهك لا اشتهاء فيه ولا ادعاء، وهدية خالصة لمحمد ولآل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وصدقة تطفئ بها خطاياي وذنوبي، مولاي إنك أنت الودود الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي وآله.

المحامي     
أحمد حسين يعقوب

٨
٩

الباب الأول
الأركان الشرعية لوحدة الأمة الإسلامية

الفصل الأول: ماهية وحدة الأمة الإسلامية

الأساس الأول: المرجعية والقيادة السياسية

الفصل الثاني: الأساس الثاني: أسس وحدة الأمة الإسلامية

الفصل الثالث: المنظومة الحقوقية الإلهية

الفصل الرابع: نقد النظرية الرسمية في جمع القرآن

الفصل الخامس: نظرية أهل البيت وشيعتهم في جمع القرآن

الفصل السادس: موقع بيان النبي من المنظومة الحقوقية

الفصل السابع: بيان النبي عند أهل البيت وشيعتهم

الفصل الثامن: قضية كتابة الحديث النبوي

الفصل التاسع: دربان مختلفان

الفصل العاشر: كتابة الحديث النبوي عند أهل البيت

الفصل الحادي عشر: الأساس الثالث للوحدة: الأمة

١٠
١١

الفصل الأول
ماهية وحدة الأمة الإسلامية

١ - ماهية وحدة الأمة

الوحدة على العموم مطلب عام لكل أفراد، وأسر، وقبائل، وجماعات، وشعوب، وأمم، الجنس البشري، فكأن الوحدة عنصر من عناصر الحياة ذاتها، وأصل من أصول الخليقة، ولازمة من لوازم الفطرة الإنسانية، ومن هنا فإنك لن تجد إنسانا سويا على الإطلاق يجاهر بالقول بأنه ضد وحدة الأفراد، أو وحدة أسرته، أو قبيلته، أو شعبه، أو أمته، أو أنه حتى ضد وحدة الجنس البشري، دون أن يعلل هذه المجاهرة بعذر يستريح إليه ويطمئن به، وما ذلك إلا لأن الوحدة أنس جميع البشر وأمنية الجميع أو أنها ضاربة الجذور بالفطرة الإنسانية، وأنها عاكسة لوحدة الخليقة، ووحدة الجنس البشري أصلا وابتداءا، ولعل هذا هو السر في كونها مطلبا عاما للبشر.

وبالرغم من أن الوحدة على كل الأصعدة مطلب عام، إلا أن البشر اختلفوا في وسائل تحقيقها، شأنها شأن أي مطلب عام إنساني. فكانوا طرائق قددا، واختلافهم في وسائل تحقيق هذه الوحدة دليل قاطع على سعيهم المستمر لتحقيقها، وبرهان ساطع على عميق إدراكهم لأهمية هذه الوحدة وجزيل نفعها.

وإذا تحققت وحدة الأمة الإسلامية على أساس سليم يغدو ميسورا أن تتحقق

١٢
وحدة الجنس البشري، لأنها مؤهلة - إذا اتحدت - لتأخذ بيد الجنس البشري، وترشد الحركة الإنسانية نحو الأفضل والأقوم، وذلك لما عند هذه الأمة من ثروة فكرية وعقائدية وحقوقية شاملة وقائمة على الجزم واليقين.

مضافا إلى أن الأمة الإسلامية هي أكبر تجمع بشري تجمع حول فكرة التوحيد والوحدة طوال التاريخ البشري.

وفي عصرنا نرى أن الأمة الإسلامية قادتها ظروف معينة إلى مفترق طريقين فإما أن تحقق وحدتها، وإما أن تفقد ذاتها مع ما يستتبع هذا الفقدان من ضياع ودمار شامل.

عبر مئات المحاورات والمناقشات التي دارت بيني وبين الكثير من الإسلاميين والقوميين العرب حول أنجح الوسائل لتحقيق الوحدة، تبين لي أنهم يؤمنون تماما أن الوحدة قرار حكومي صادر عن رؤساء الدول، وكذلك نوعية النظام.

فيكفي برأي الإسلاميين العرب أن يصدر زعيم أي بلد قرارا بتبني النظام السياسي الإسلامي حتى يسود ذاك النظام فعلا، ويكفي برأي القوميين العرب أن يتفق الزعماء العرب على الوحدة وأن يعلنوا هذا الاتفاق، عندئذ تتحقق الوحدة! ذلك مبلغ الفريقين من العلم، فكأنهم لا يعرفون الواقع، وكأنهم يجهلون أن في قواميس اللغة كلمة ومفهوما اسمه القناعة العامة، وأن القيادة السياسية ما هي في حقيقتها وجوهرها إلا مرآة تعكس كل ما في هذه القاعدة من مؤتلف ومختلف معا وبذات الوقت، فإن لم تفعل ذلك فقد خالفت الغاية من وجودها.

ليتهم يعرفون أن إكراه ألف عاقل على سلوك درب واحدة ليس معقولا ولا مقبولا، فقد تنام أعين رجال الدرك الذين أكرهوا الألف، عندئذ يفر العاقلون ويتفرقون، ولا يدري أحد ما الذي يجري نتيجة تفرقهم وفرارهم هذا.

ليتهم يعلمون أن هنالك ظروفا موضوعية وأركانا ولوازم أساسية لا بد من توفرها وتواجدها وتحققها أولا، وأن استعجال الشئ قبل أوانه يؤدي لحرمانه.

١٣

٢ - وحدة الأمة الإسلامية نعمة إلهية

وحدة الأمة الإسلامية من أكبر النعم الإلهية، وهي ثمرة طبيعية للاعتصام بحبل الله، حيث تألفت القلوب وأصبح الأعداء إخوانا ونجوا من السقوط، وكانوا على شفا حفرة من النار.

وتلك نعمة إلهية ما كان لها أن تتحقق بغير الوسائل الإلهية وبغير الانقياد التام لله حتى لو أنفق رائد الوحدة (صلى الله عليه وآله وسلم) ما في الأرض جميعا وهذا فوق طاقته (لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم) سورة الأنفال آية ٦٢.

فالوحدة مكافأة إلهية على انقياد المؤمنين لله، وقوة الوحدة وضعفها بحجم هذا الانقياد، فإذا توقف الانقياد تتبعثر الوحدة وينفرط عقدها بصورة آلية.

وإعمالا لفرض الوحدة الإلهي، وإقامة له، وبالوسائل الإلهية وتحت الإشراف الإلهي المباشر، ومن خلال دعوة قادها النبي بنفسه تمخضت عن دولة ترأسها النبي بنفسه، تحققت الوحدة المثلى لكل العرب بكلفة بشرية لا تتجاوز ٣٨٩ قتيلا من الطرفين - دعاة الوحدة ومعارضيها - وبمدة زمنية لا تتجاوز عمليا عشر سنين وهي مدة رئاسته المباركة للدولة الإسلامية.

وقبل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) كان مجرد التفكير بتوحيد القبائل العربية ضربا من الأوهام، أو أشد الأحلام جنونا.

ولا بد من التذكير بأن القبائل العربية لم تتوحد مع بعضها على أساس أنها كلها عرب، ولا توحدت تلك القبائل مع مواليها ومن ساكنها في الجزيرة على أساس الإنسانية، أو على أي أساس آخر، إنما توحدوا بنعمة الله، وعلى أساس الإسلام الداعي لإقامة الدولة العالمية التي تحكم العائلة البشرية كلها، وفق المنظومة الحقوقية الإلهية.

وبتحقيق وحدة العرب ومن ساكنهم ووالاهم، وباكتمال نزول القرآن الكريم وتمام البيان المحمدي له، كمل الدين وتمت النعمة وانتهى عمليا دور النبي كنبي، فالأمة

١٤
متحدة ولها قانون نافذ وهو المنظومة الحقوقية بشقيها: القرآن الكريم والبيان المحمدي لهذا القرآن.

ومن نافلة القول أن نذكر بأن هذه المنظومة بينت كل شئ على الإطلاق في الماضي والحاضر والمستقبل، بالحال والمآل، وبينت القيادة السياسية والمرجعية من بعد النبي على اعتبار أنها أهم الأشياء، وأعلن المسلمون تمسكهم، وإصرارهم وحرصهم عليه.

في هذا الوقت بالذات أعلن النبي أنه خير فاختار ما عند الله، وأنه قد دعي للموت فأجاب.

* *
١٥

الفصل الثاني
أسس وحدة الأمة الإسلامية

الأساس الأول: المرجعية والقيادة السياسية

١ - التلازم بين المنظومة الحقوقية وبين المرجعية والقيادة

أن الأساس الأول لتحقيق وحدة الإسلامية هو وجود مرجعية وقيادة سياسية تبلغ الرسالة الإلهية، وتبينها بيانا يفهمه العامة والخاصة، بيانا قائما على الجزم واليقين، لا على الفرض والتخمين بحيث، يكون بيان هذه المرجعية هو عين المقصود الإلهي، المحدد بالمنظومة الحقوقية الإلهية، بدون زيادة ولا نقصان، وهي تقوم بدور المرجعية والقيادة السياسية معا، بحيث تكون هي المرجع لجميع أفراد الأمة الإسلامية، وهيئاتها وجماعاتها في كل ما يتعلق ببيان أحكام العقيدة، أو المنظومة الحقوقية الإلهية، وهي بنفس الوقت مرجع الراغبين بدخول الدين والانضمام إلى الأمة الإسلامية.

وفوق ذلك، هي التي تسوس الأمة وفق قواعد وأحكام المنظومة الحقوقية الإلهية، وتقود مسيرة الأمة، وترشد حركتها السياسية بحيث تبقى دائما ضمن إطار الشرعية والمشروعية الإلهية.

والمرجعية والقيادة السياسية متلازمة بالضرورة مع المنظومة، ومترابطة معها ترابطا عضويا، فالمرجعية والقيادة السياسية تنهل من المنظومة الحقوقية الإلهية،

١٦
والمهمة الأساسية للمرجعية والقيادة السياسية هي بيان أحكام المنظومة الحقوقية الإلهية بيانا قائما على الجزم واليقين، فالنبي كمرجع وكقائد يبين أحكام هذه المنظومة عين البيان الذي أراده الله، فهو المسؤول عن ترجمة نصوص وقواعد وغايات هذه المنظومة من النظرية إلى التطبيق، ومن الكلمة إلى الحركة على صعيدي الدعوة والدولة معا، وهو بنفس الوقت المسؤول عن قيادة مسيرة الأمة وترشيد حركتها السياسية، فبيان النبي جزء من المنظومة الإلهية، ويحسب من جملة مضامينها لأنه نبي.

ويمكنك القول بكل ارتياح: أن المنظومة الحقوقية الإلهية - وهي القانون النافذ - بمثابة السفينة، وأن المرجع والقائد السياسي بمثابة القبطان، وأن هذه المنظومة هي المخططات العامة والتفصيلية اللازمة لمشروع الإنقاذ الإلهي، والمرجع والقائد السياسي هو بمثابة المهندس الذي يتولى عملية توضيح وشرح هذه المخططات، وبيانها، وترجمتها عمليا إلى واقع مادي محسوس وملموس.

وإن شئت فقل: إن المرجع والقائد السياسي هو بمثابة معلم البناء، والمنظومة هي بمثابة المواد الأولية، إنه من الجنون حقا تحضير المواد الأولية اللازمة للبناء والشروع بالبناء دون مشورة المهندس ومعلم البناء، ولقد عالجت موضوع القيادة السياسية بمؤلف خاص، بعنوان (نظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام)، وهو كتاب لا غنى عنه لمن أراد أن يقف على الحقائق المجردة في هذا المجال.

٢ - المرجعية والقيادة السياسية اختصاص وعمل فني بحت بمعنى أن بيان المنظومة الحقوقية الإلهية وقيادة الأمة عملية فنية واختصاص تماما كالطب، والهندسة، وعلم الذرة، والفلك إلخ.

فالمرجع والقائد السياسي معا هو الأعلم والأفهم بالمنظومة الحقوقية الإلهية، وهو الأفضل من بين أتباعها، وهو الأنسب لقيادة هؤلاء الأتباع، هذا هو وجه الاختصاص والفن بالمرجع والقائد السياسي، فهو أعلم أهل زمانه بالمنظومة الإلهية، وأكثر أهل زمانه إخلاصا لها،

١٧
وأكثرهم اعتصاما بالله، وأفضلهم للقيادة والمرجعية معا، لأن المرجعية والقيادة هي الحكم (بفتح الحاء) وهي الناطقة بالحكم الإلهي، وهي التي تقود مسيرة الأمة وترشد حركتها في كل مجال، ويفترض أن ما تتبناه هذه المرجعية هو عين المقصود الإلهي بدون زيادة ولا نقصان.

وكل هذه الصفات خفية لا يعلمها على وجه الجزم واليقين إلا الله تبارك وتعالى العالم بالسر وما يخفى، وأي ادعاء بالعلم بهذه الصفات هو ادعاء قائم على الفرض والتخمين بينما العلم الإلهي قائم على الجزم واليقين.

فالله سبحانه وتعالى وحده هو الذي يعرف من تتوفر فيه صفات المرجعية والقيادة السياسية معا، وهذه الصفات مفصلة تفصيلا على محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى كل الأنبياء والرسل، ولا يجادل أحد من أهل الملة بذلك.

فكلهم يقرون بالعقل والشرع والضرورة أن محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الأعلم وهو الأفهم بالمنظومة الإلهية، وهو الأفضل من بين أتباعها، وهو الأنسب والأصلح لقيادة هؤلاء الأتباع.

بل تكاد هذه الحقيقة أن تكون سنة فعلية يتعذر على الجنس البشري مجتمعا ومنفردا إنكارها، ومحاولات إنكار هذه الظاهرة، أو الالتفاف عليها لإبطال مضمونها أو تأويلها، محاولات مكشوفة دوما، بإذن الله.

٣ - المرجعية والقيادة السياسية من بعد النبي

النبي بشر، ومعروف بالعقل والشرع أنه ميت لا محالة، ولا خلاف بأن النبي هو المرجع الديني والقائد السياسي للمسلمين حال حياته لأنه الأعلم، والأفهم بالمنظومة الإلهية، والأفضل من بين أتباعها، والأصلح لقيادة هؤلاء الأتباع، ولكن بعد وفاة النبي الأعظم وشغور منصب المرجعية والقيادة السياسية، فمن الذي يقوم مقامه فيكون هو مرجع الناس في دينهم وقائدهم السياسي في دنياهم؟

١٨
ما هو حكم المنظومة الإلهية بذلك؟ وهل لا ينبغي أن يكون الأعلم والأفهم بالمنظومة الإلهية، والأفضل من بين أتباع الملة، والأصلح لقيادة المسلمين حتى يكون أهلا لخلافة النبي، والقيام مقامه بمرجعية الدين، وقيادة المسلمين معا؟

فإذا كان كذلك فكيف نهتدي إليه ونعرفه؟ وكيف تنتقل المرجعية والقيادة السياسية بيسر؟ وما هي القواعد الإلهية التي عالجت هذه الناحية؟ ما هو دور الأمة؟

وما هو دور القائد السياسي والمرجع القائم بكل ذلك... إلخ.؟

بعد وفاة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) شاعت مقولتان:

المقولة الأولى: مقولة الإنكار والتقول بالتخلية، ومفادها أن الله ورسوله لم يعينا مرجعية للدين، ولا قيادة للمسلمين بعد وفاة النبي، وقد تركا هذه الناحية وخليا على الناس أمرهم، لأن القيادة السياسية والمرجعية - حسب رأي منظري هذه المقولة - شأن خاص بالمسلمين، فهم وحدهم الذين يهتدون للقيادة السياسية المثلى، فإذا اهتدوا إليها تصبح القيادة السياسية هي بنفسها المرجعية.

ومنظروا هذه المقولة لا ينكرون أن المرجعية والقيادة السياسية هي خلافة للنبوة، وهي ضرورة من ضرورات الحياة، وقد أدركوا في ما بعد بالعقل والشرع أن الأسرة لها مرجعية وقيادة، وكذلك القبيلة، وكذلك الشعب، وكذلك الأمة، وكل عقيدة إلهية أو وضعية لها مرجعية وقيادة بالضرورة، لأن المرجعية والقيادة عنصر أساسي لكل دعوة ولكل دولة ولكل جماعة بشرية، ولا توجد منظومة حقوقية إلهية أو وضعية إلا وقد بينت قواعدها بيانا يرفع الخلاف وفصلت تفصيلا كيفية تنصيب القيادة السياسية وكيفية انتقالها.

ومع هذا فإن القائلين بالترك والتخلية يصرون على القول بأن الله ورسوله خليا على الناس أمرهم، وأن المنظومة الإلهية لم تعالج تنصيب وانتقال القيادة السياسية، ولما اكتشفوا أنه لا بد من سند شرعي صار فعل السابقين هو السند الشرعي لفعل اللاحقين، وزيادة باليقين قالوا بأن السند الشرعي هو الإجماع، والإجماع مصدر من

١٩
مصادر التشريع، ولقد سادت هذه المقولة طوال التاريخ السياسي الإسلامي، ورسختها وسائل الإعلان الرسمية، حتى استقرت في الأذهان كسنة من سنن الأولين، وجاء الإصرار على ترسيخ هذه المقولة دعما لوقائع التاريخ السياسي الإسلامي، وإرغاما من الحكام لأنوف أهل البيت الكرام خاصة، وبني هاشم عامة الذين يقولون بنظرية شرعية تعاكس تماما مقولة الترك والتخلية.

قلت في مقال لي نشر في جريدة اللواء الأردنية العدد ٩٥٥ تاريخ ١٧ صفر ١٤١٢ ما يلي:

الأحزاب الدينية العربية لا تجهل أن الرسالات الإلهية لبني البشر لم تتوقف طوال التاريخ البشري على الأرض، فهل تتفضل هذه الأحزاب - مشكورة ومأجورة إن شاء الله - فتبين للناس متى أرسل الله تعالى رسالة بدون رسول؟ ومتى خصهم بعقيدة دون مرجع؟ ومتى رحمهم بهداية دون هاد؟

وهل تتفضل هذه الأحزاب مشكورة، فتدلني على أي نظام إلهي أو وضعي عرف طوال التاريخ، يغفل كيفية تنصيب القيادة السياسية أو كيفية انتقالها؟

معكم الدنيا طولا وعرضا فوقا وتحتا من لدن آدم حتى محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا بإذن الله، فقد آن الأوان لترك التقليد الأعمى، وآن أوان الدخول إلى أفق رحابة التكييف الإلهي للأحداث والأحكام.

يكمن سبب المصائب التي حلت بهذه الأمة ومزقت وحدتها، وبعثرت صفوفها، وجعلتها شيعا وأحزابا وطرائق قددا - يكمن في الفصل بين المنظومة الإلهية وبين المرجعية والقيادة السياسية التي عينها الله تبارك وتعالى، واستبدالها بالمرجعية والقيادة السياسية التي فرضتها القوة والغلبة، واستكان لها الناس بحكم طاعة الغالب، ثم بحكم التكرار والتقليد الأعمى.

فما سالت الدماء إلا من أجل رئاسة الدولة، وما اختلف المسلمون إلا بسبب هذه الرئاسة، وما حدثت الحروب بينهم إلا طمعا بها، فهل يعقل أن يبين الشرع الحنيف

٢٠