×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

دعبل الخزاعي وشعره في الغدير / الصفحات: ٢١ - ٤٠

أما المترجم

فهو دعبل (١) يكنى أبا علي عند الجميع وعن ابن أيوب (٢) أبو جعفر. وفي الأغاني عن ابن أيوب: إن اسمه محمد، وفي تاريخ الخطيب ٨ ص ٣٨٣: زعم أحمد بن القاسم: إن اسمه الحسن، وقال ابن أخيه إسماعيل: إسمه عبد الرحمن. وقال غيرهما : محمد. وعن إسماعيل: إنما لقبته دايته بدعبل لدعابة كانت فيه فأرادت ذعبلا فقلبت الذال دالا.

يقال: أصله كوفي كما في كثير من المعاجم، وقيل: من قرقيسا. وكان أكثر مقامه ببغداد وخرج منها هاربا من المعتصم لما هجاه وعاد إليها بعد ذلك وجول في الآفاق فدخل البصرة ودمشق ومصر على عهد المطلب بن عبد الله بن مالك المصري وولاه أسوان فلما بلغ هجاؤه إياه عزله فأنفذ إليه كتاب العزل مع مولى له وقال:

انتظره حتى يصعد المنبر يوم الجمعة فإذا علاه فأوصل الكتاب إليه وأمنعه من الخطبة وأنزله عن المنبر وأصعد مكانه. فلما أن علا المنبر وتنحنح ليخطب ناوله الكتاب فقال له دعبل: دعني أخطب فإذا نزلت قرأته قال: لا، قد أمرني أن أمنعك الخطبة حتى تقرأه. فقرأه وأنزله عن المنبر معزولا وخرج منها إلى المغرب إلى بني الأغلب.

(الأغاني ١٨ ص ٤٨)

سافر إلى الحجاز مع أخيه رزين، والي الري وخراسان مع أخيه علي، وقال أبو الفرج (٣): كان دعبل يخرج فيغيب سنين يدور الدنيا كلها ويرجع وقد أفاد و أثرى، وكانت الشراة والصعاليك يلقونه لا يؤذونه ويؤاكلونه ويشاربونه ويبرونه وكان إذا لقيهم وضع طعامه وشرابه ودعاهم إليه، ودعا بغلاميه: ثقيف وشعف.

وكانا مغنيين فأقعدهما يغنيان، وسقاهم وشرب معهم، وأنشدهم فكانوا قد عرفوه و ألفوه لكثرة أسفاره وكانوا يواصلونه ويصلونه، وأنشد دعبل لنفسه في بعض أسفاره:

حللت محلا يقصر البرق دونه * ويعجز عنه الطيف أن يتجشما

(١) الدعبل: الناقة التي معها ولدها. البعير المسن. الشيئ القديم (الأغاني).

(٢) في الأغاني. ومعاهد التنصيص. ونهاية الإرب.

(٣) في الأغاني ١٨ ص ٣٦.

٢١
وقال ابن المعتز في طبقاته ص ١٢٥: وكان يجتاز بقم فيقيم عند شيعتها فيقسطون له في كل سنة خمسة ألف درهم.

يقع البحث في ترجمته من نواحي أربع.

١ - تهالكه في ولاء أهل بيت العصمة صلوات الله عليهم.

٢ - نبوغه في الشعر والأدب والتاريخ وتآليفه.

٣ - روايته للحديث والرواة عنه ومن يروى هو عنه.

٤ - سيره مع الخلفاء. ثم ملحه ونوادره ثم ولادته ووفاته.


* (أما الأولى) *

فجلية الحال فيها غنية عن البرهنة عليها فما ظنك برجل كان يسمع منه وهو يقول: أنا أحمل خشبتي على كتفي منذ خمسين سنة لست أجد أحدا يصلبني عليها. وقيل للوزير محمد بن عبد الملك الزيات: لم لا تجيب دعبلا عن قصيدته التي هجاك فيها؟! قال: إن دعبلا جعل خشبته على عنقه يدور بها يطلب من يصلبه بها منذ ثلثين سنة وهو لا يبالي (١).

كل ذلك من جراء ما كان ينافح ويناطح ويناضل وينازل في الذب عن البيت النبوي الطاهر، والتجاهر بموالاتهم، والوقيعة في مناوئيهم، لا يقر به قرار، فلا يقله مأمن ولا يظله سقف منتجع، وما زالت تتقاذف به أجواز الفلا فرقا من خلفاء الوقت، وأعداء العترة الطاهرة، ومع ذلك كله فقصائده السائرة تلهج بها الركبان، وتزدان بها الأندية، وهي مسرات للموالين، ومحفظات للأعداء، ومثيرات للعهن والضغاين حتى قتل على ذلك شهيدا.

وما ينقم من المترجم له من التوغل في الهجاء في غير واحد من المعاجم فإن نوع ذلك الهجو والسباب المقذغ فيمن حسبهم أعداء للعترة الطاهرة وغاصبي مناصبهم، فكان يتقرب به إلى الله وهو من المقربات إليه سبحانه زلفى، وإن الولاية لا تكون خالصة إلا بالبرائة ممن يضادها ويعاندها كما تبرأ الله ورسوله من المشركين، وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، غير أن أكثر أرباب المعاجم من الفئة المتحيزة إلى أعداء هذا البيت الطاهر حسبوا ذلك منه ذنبا لا يغفر كما هو عادتهم في جل رجالات الشيعة.

(١) طبقات الشعراء لابن المعتز ص ١٢٥.
٢٢

* (أما نبوغه في الأدب) *

فأي برهنة له أوضح من شعره السائر؟! الذي تلهج به الألسن، وتتضمنه طيات الكتب، ويستشهد به في إثبات معاني الألفاظ ومواد اللغة، ويهتف به في مجتمعات الشيعة آناء الليل وأطراف النهار، ذلك الشعر السهل الممتنع الذي يحسب السامع لأول وهلة أنه يأتي بمثيله ثم لما خاض غماره، وطفق يرسب ويطف بين أواذيه، علم أنه قصير الباع، قصير الخطا، قصير المقدرة عن أن يأتي بما يدانيه فضلا عما يساويه.

كان محمد بن القاسم بن مهرويه يقول: سمعت أبي يقول: ختم الشعر بدعبل. و قال البحتري: دعبل بن علي أشعر عندي من مسلم بن الوليد فقيل له: كيف ذلك؟! قال: لأن كلام دعبل أدخل في كلام العرب من كلام مسلم، ومذهبه أشبه بمذاهبهم وكان يتعصب له (١).

وعن عمرو بن مسعدة قال: حضرت أبا دلف عند المأمون وقد قال له المأمون أبي شيئ تروي لأخي خزاعة يا قاسم؟! فقال: وأي أخي خزاعة يا أمير المؤمنين؟! قال: و من تعرف فيهم شاعرا؟! فقال: أما من أنفسهم فأبو الشيص ودعبل وابن أبي الشيص وداود بن أبي رزين، وأما من مواليهم فطاهر وابنه عبد الله. فقال: ومن عسى في هؤلاء أن يسئل عن شعره سوى دعبل؟! هات أي شيئ عندك فيه. وقال الجاحظ: سمعت دعبل بن علي يقول: مكثت نحو ستين سنة ليس من يوم ذر شارقه إلا وأنا أقول فيه شعرا. (٢) ولما أنشد دعبل أبا نواس شعره:

أين الشباب؟! وأية سلكا؟! * لا أين يطلب؟! ضل بل هلكا
لا تعجبي يا سلم من رجل * ضحك المشيب برأسه فبكى

فقال: أحسنت ملاء فيك وأسماعنا. قال محمد بن يزيد: كان دعبل والله فصيحا (٣) وهناك كلمات ضافة حول أدبه والثناء عليه لا يهمنا ذكرها.

أخذ الأدب عن صريع الغواني مسلم بن الوليد (٤) واستقى من بحره وقال: ما زلت

(١) الأغاني ١٨ ص ١٨، ٣٧.

(٢) الأغاني ١٨ ص ٤٤.

(٣) تاريخي ابن خلكان وابن عساكر.

(٤) كان شاعرا متصرفا في فنون القول حسن الأسلوب أستاذ الفن: ويقال: إنه أول من قال الشعر المعروف بالبديع ووسعه وتبعه فيه أبو تمام وغيره توفي بجرجان سنة ٢٠٨.

٢٣
أقول الشعر وأعرضه على مسلم فيقول لي: اكتم هذا حتى قلت:

أين الشباب؟! وأية سلكا؟! * لا أين يطلب؟! ضل بل هلكا

فلما أنشدته هذه القصيدة قال: إذهب الآن فأظهر شعرك كيف شئت لمن شئت.

وقال أبو تمام: ما زال دعبل مائلا إلى مسلم بن وليد مقرا بأستاذيته حتى ورد عليه جرجان فجفاه مسلم وكان فيه بخل فهجره دعبل وكتب إليه:

أبا مخلد كنا عقيدي مودة * هوانا وقلبانا جميعا معا معا
أحوطك بالغيب الذي أنت حائطي * وأنجع أشفاقا لأن تتوجعا
فصيرتني بعد انتحائك متهما * لنفسي عليها أرهب الخلق أجمعا
عششت الهوى حتى تداعت أصوله * بنا وابتذلت الوصل حتى تقطعا
وأنزلت من بين الجوانح والحشى * ذخيرة ود طالما قد تمنعا
فلا تعذلني ليس لي فيك مطمع * تخرقت حتى لم أجد لك مرقعا
فهبك يميني استأكلت فقطعتها * وجشمت قلبي صبره فتشجعا (١)

ويروي عنه في الأدب محمد بن يزيد. والحمدوي الشاعر. ومحمد بن القاسم بن مهرويه. وآخرون.

* (آيات نبوغه)

له كتاب: الواحدة. في مناقب العرب ومثالبها. وكتاب: طبقات الشعراء. وهو من التآليف القيمة، والأصول المعول عليها في الأدب والتراجم، ينقل عنه كثيرا المرزباني في معجم الشعراء ص ٢٢٧، ٢٤٠، ٢٤٥، ٢٦٧، ٣٦١، ٤٣٤، ٤٧٨. م - والخطيب البغدادي في تاريخه ٢ ص ٣٤٢ و ج ٤ ص ١٤٣] وابن عساكر في تاريخه ٧ ص ٤٦، ٤٧. وابن خلكان في تاريخه ٢ ص ١٦٦. واليافعي في المرآت ٢ ص ١٢٣. و أكثر النقل عنه ابن حجر في الإصابة ١ ص ٦٩، ١٣٢، ١٧٢، ٣٧٠، ٤١١، ٥٢٥، ٥٢٧. و ج ٢ ص ٩٩، ١٠٣، ١٠٨. و ج ٣ ص ٩١، ١١٩، ١٢٣، ٢٧٠، ٥٦٥، و ج ٤ ص ٧٤، ٥٦٥ وغيرها.

أحسب أنه كتاب ضخم مبوب على البلدان كيتيمة الدهر للثعالبي فقيه:

(١) ويروى: وحملت قلبي فقدها. الأغاني ١٨ ص ٤٧.
٢٤
كتاب دعبل الخزاعي وشعره في الغدير للعلامة الأميني (ص ٢٥ - ص ٣٨)
٢٥
في القدم. إلى آخر ما في مروج الذهب ٢ ص ١٩٧.

أما روايته في الحديث

فعده ابن شهر آشوب في المعالم " ص ١٣٩ من أصحاب الكاظم والرضا عليهما السلام، وحكى النجاشي في فهرسته ص ١٩٨ عن ابن أخيه: أنه رأى موسى بن جعفر ولقي أبا الحسن الرضا. وقد أدرك الإمام محمد بن علي الجواد عليه السلام ولقيه، وروى الحميري في " الدلايل " وثقة الاسلام الكليني في " أصول الكافي ": أنه دخل على الرضا عليه السلام فأعطاه شيئا فلم يحمد الله تعالى فقال: لم لم تحمد الله تعالى؟! ثم دخل على الجواد فأعطاه فقال: الحمد لله. فقال عليه السلام: تأدبت.

ويروي شاعرنا عن جماعة منهم:

١ - الحافظ شعبة بن الحجاج المتوفى ١٦٠ (١) وبهذا الطريق يروى عنه الحديث في كتب الفريقين كما في أمالي الشيخ ص ٢٤٠. وتأريخ ابن عساكر ٥ ص ٢٢٨.

٢ - الحافظ سفيان الثوري المتوفى ١٦١. (تأريخ ابن عساكر ٥ ص ٢٢٨)

٣ - إمام المالكية مالك بن أنس المتوفى ١٧٩. (تأريخ ابن عساكر ٥ ص ٢٢٨)

٤ - أبو سعيد سالم بن نوح البصري المتوفى بعد المأتين. (تأريخ ابن عساكر ٥ ص ٢٢٨)

٥ - أبو عبد الله محمد بن عمرو الواقدي المتوفى ٢٠٧. (تأريخ ابن عساكر ٥ ص ٢٢٨)

٦ - الخليفة المأمون العباسي المتوفى ٢١٨، تأريخ الخلفاء ص ٢٠٤.

٧ - أبو الفضل عبد الله بن سعد الزهري البغدادي المتوفى ٢٦٠، يروي عنه عن ضمرة عن ابن شوذب عن مطر عن ابن حوشب عن أبي هريرة حديث. صوم الغدير المذكور ج ١ ص ٤٠١. (٢)

٨ - محمد بن سلامة يروي عنه بطريقه شيخ الطايفة في أماليه ص ٢٣٧ عن أمير المؤمنين عليه السلام خطبته الشهيرة بالشقشقية التي أولها: والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة، وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى، ينحدر عني السيل ولا يرقى إلي الطير، ولكني سدلت عنها ثوبا، وطويت عنها كشحا.

(١) يروى عنه وعن الثوري وهو لم يبلغ الحلم.

(٢) بشارة المصطفى لشيعة المرتضى ٢.

٢٦
٩ - سعيد بن سفيان الأسلمي المدني. (أمالي الشيخ ص ٢٢٧)

١٠ - محمد بن إسماعيل " مشترك ". (أمالي الشيخ ص ٢٢٧)

١١ - مجاشع بن عمر يروي عنه عن مسيرة عن الجزري عن ابن جبير عن ابن عباس إنه سئل عن قول الله عز وجل: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما.

الحديث. أمالي الشيخ ص ٢٤٠.

م - ١٢ موسى بن سهل الراسبي، ذكره ابن حجر في تهذيب التهذيب ١٠ ص ٣٤٨ شيخا للمترجم له ولم يعرفه].

وعد ابن عساكر في تاريخه ٥ ص ٢٢٨ ممن يقال برواية المترجم عنه: يحيى ابن سعيد الأنصاري وخفي عليه أن يحيى الأنصاري توفي ١٤٣ قبل ولادة المترجم بسنين.

* (والرواة عن المترجم هم) *

١ - أبو الحسن علي أخوه كما في كثير من كتب الحديث والمعاجم.

٢ - موسى بن حماد اليزيدي. فهرست النجاشي ص ١١٧.

٣ - أبو الصلت الهروي المتوفى ٢٣٦. في مصادر كثيرة.

٤ - هارون بن عبد الله المهلبي. في الأمالي والعيون.

٥ - علي بن الحكيم. في أصول الكافي.

٦ - عبد الله بن سعيد الأشقري. الأغاني وغيره.

٧ - موسى بن عيسى المروزي. الأغاني وغيره.

٨ - ابن المنادي أحمد بن أبي داود المتوفى ٢٧٢. تاريخ ابن عساكر (١)

٩ - محمد بن موسى البريري. تاريخ ابن عساكر.

* (أما سيره مع الخلفاء والوزراء) *

فهذه ناحية واسعة النطاق، طويلة الذيل، يجد الباحث في طيات كتب التاريخ ومعاجم الأدب المفصلة حولها كراريس مسطرة فيها لغو الحديث نضرب عنها صفحا ونقتطف منها النزر اليسير.

(١) ٥ ص ٢٢٨. وابن المنادي في المعاجم: محمد بن عبيد الله.
٢٧
١ - عن يحيى بن أكثم قال: إن المأمون أقدم دعبل رحمه الله وآمنه على نفسه فلما مثل بين يديه وكنت جالسا بين يدي المأمون فقال له: أنشدني قصيدتك " الرائية " فجحدها دعبل وأنكر معرفتها، فقال له: لك الأمان عليها كما أمنتك على نفسك. فأنشده:

تأسفت جارتي لما رأت زوري * وعدت الحلم ذنبا غير مغتفر
ترجو الصبى بعد ما شابت ذوائبها * وقد جرت طلقا في حلية الكبر
أجارتي إن شيب الرأس يعلمني * ذكر المعاد وأرضاني عن القدر
لو كنت أركن للدنيا وزينتها * إذا بكيت على الماضين من نفر
أخنى الزمان على أهلي فصدعهم * تصدع الشيب لاقى صدمة الحجر
بعض أقام وبعض قد أصار به * داعي المنية والباقي على الأثر
أما المقيم فأخشى أن يفارقني * ولست أوبة من ولى بمنتظر
أصبحت أخبر عن أهلي وعن ولدي * كحاكم قص رؤيا بعد مدكر
لولا تشاغل عيني بالأولى سلفوا * من أهل بيت رسول الله لم أقر
وفي مواليك للحرين مشغلة * من أن تبيت لمشغول على أثر
كم من ذراع لهم بالطف بائنة * وعارض بصعيد الترب منعفر
أمسى الحسين ومسراهم لمقتله * وهم يقولون: هذا سيد البشر
يا أمة السوء ما جازيت أحمد في * حسن البلاء على التنزيل والسور
خلفتموه على الأنباء حين مضى * خلافة الذئب في إنفاد ذي بقر

قال يحيى: وأنفذني المأمون في حاجة فقمت فعدت إليه وقد انتهى إلى قوله:

لم يبق حي من الأحياء نعلمه * من ذي يمان ولا بكر ولا مضر
إلا وهم شركاء في دمائهم * كما تشارك أيسار على جزر
قتلا وأسرا وتخويفا ومنهبة * فعل الغزاة بأرض الروم والخزر
أرى أمية معذورين إن قتلوا * ولا أرى لبني العباس من عذر
قوم قتلتم على الاسلام أولهم * حتى إذا استمكنوا جازوا على الكفر
أبناء حرب ومروان وأسرتهم * بنو معيط ولاة الحقد والزعر

٢٨
إربع بطوس على قبر الزكي بها * إن كنت تربع من دين على وطر
قبران في طوس خير الناس كلهم * وقبر شرهم هذا من العبر
ما ينفع الرجس من قبر الزكي ولا * على الزكي بقرب الرجس من ضرر
هيهات كل أمرء رهن بما كسبت * له يداه فخذ ما شئت أو فذر

قال: فضرب المأمون عمامته الأرض وقال: صدقت والله يا دعبل. (١) روى شيخنا الصدوق في أماليه ص ٣٩٠ بإسناده عن دعبل أنه قال: جائني خبر موت الرضا عليه السلام وأنا مقيم بقم فقلت القصيدة الرائية. ثم ذكر أبياتا منها:

٢ - دخل إبراهيم بن المهدي على المأمون فشكى إليه حاله وقال: يا أمير المؤمنين إن الله سبحانه وتعالى فضلك في نفسك علي، وألهمك الرأفة والعفو عني، والنسب واحد، وقد هجاني دعبل فانتقم لي منه فقال: وما قال؟! لعل قوله:

نعر ابن شكلة بالعراق وأهله * فهفا إليه كل أطلس مائق

وأنشده الأبيات فقال: هذا من بعض هجائه وقد هجاني بما هو أقبح من هذا فقال المأمون: لك أسوة بي فقد هجاني واحتملته، وقال في (٢):

أيسومني المأمون خطة جاهل * أو ما رأى بالأمس رأس محمد؟!
إني من القوم الذين سيوفهم * قتلت أخاك وشرفتك بمقعد (٣)
شادوا بذكرك بعد طول خمولة * واستنقذوك من الحضيض الأوهد

فقال إبراهيم: زادك الله حلما يا أمير المؤمنين وعلما، فما ينطق أحدنا إلا عن فضل علمك، ولا تحمل إلا اتباعا لحلمك.

٣ - حدث ميمون بن هرون قال: قال إبراهيم بن المهدي للمأمون قولا في دعبل يحرضه عليه فضحك المأمون وقال: إنما تحرضني عليه لقوله فيك:

يا معشر الأجياد لا تقنطوا * وارضوا بما كان ولا تسخطوا

(١) الأغاني ١٨ ص ٥٧. تاريخ ابن عساكر ٥ ص ٢٣٣. أمالي المفيد أمالي الشيخ ص ٦١.

(٢) أول القصيدة:

أخذ المشيب من الشباب الأغيد * والنائبات من الأنام بمرصد

(٣) أشار إلى قضية طاهر الخزاعي وقتله الأمين محمد بن الرشيد وبذلك ولي المأمون الخلافة.

٢٩
فسوف تعطون حنينية * يلتذها الأمرد والأشمط
والمعبديات لقوادكم * لا تدخل الكيس ولا تربط
وهكذا يرزق قواده * خليفة مصحفة البربط

فقال له إبراهيم: فقد والله هجاك أنت يا أمير المؤمنين. فقال: دع هذا عنك، فقد عفوت عنه في هجائه إياي لقوله هذا. وضحك ثم دخل أبو عباد فلما رآه المأمون من بعد قال لإبراهيم: دعبل يجسر على أبي عباد بالهجاء ولا يحجم عن أحد. فقال له:

وكان أبا عباد أبسط يدا منك؟! قال: لا، ولكنه حديد جاهل لا يؤمن وأنا أحلم و أصفح، والله ما رأيت أبا عباد مقبلا إلا أضحكني قول دعبل فيه.

أولى الأمور بضيعة وفساد * أمر يدبره أبو عباد (١)

٤ - حدث أبو ناجية قال: كان المعتصم يبغض دعبلا لطول لسانه وبلغ دعبلا أنه يريد اغتياله وقتله فهرب إلى الجبل وقال يهجوه:

بكى لشتات الدين مكتئب صب * وفاض بفرط الدمع من عينه غرب
وقام إمام لم يكن ذا هداية * فليس له دين وليس له لب
وما كانت الأنباء نأتي بمثله * يملك يوما أو تدين له العرب
ولكن كما قال الذين تتابعوا * من السلف الماضين إذ عظم الخطب
ملوك بني العباس في الكتب سبعة * ولم تأتنا عن ثامن لهم كتب
كذلك أهل الكهف في الكهف سبعة * خيار إذا عدوا وثامنهم كلب
وإني لأعلي كلبهم عنك رفعة * لأنك ذو ذنب وليس له ذنب
لقد ضاع ملك الناس إذ ساس ملكهم * وصيف وأشناس وقد عظم الكرب
وفضل بن مروان يثلم ثلمة * يظل لها الاسلام ليس له شعب

٥ - حدث ميمون بن هارون قال: لما مات المعتصم قال محمد بن عبد الملك الزيات يرثيه:

قد قلت إذ غيبوه وانصرفوا * في خير قبر لخير مدفون
: لن يجبر الله أمة فقدت * مثلك إلا بمثل هارون

(١) توجد بقية الأبيات في الأغاني ١٨ ص ٣٩.
٣٠
فقال دعبل يعارضه:

قد قلت إذ غيبوه وانصرفوا * في شر قبر لشر مدفون
: إذهب إلى النار والعذاب فما * خلتك إلا من الشياطين
ما زلت حتى عقدت بيعة من * أضر بالمسلمين والدين

٦ - حدث محمد بن قاسم بن مهرويه قال: كنت مع دعبل بالضميرة وقد جاء نعي المعتصم وقيام الواثق فقال لي دعبل: أمعك شئ تكتب فيه؟! فقلت: نعم، وأخرجت قرطاسا فأملى علي بديها:

الحمد لله لا صبر ولا جلد * ولا عزاء إذا أهل البلا رقدوا
خليفة مات لم يحزن له أحد * وآخر قام لم يفرح به أحد

٧ - حدث محمد بن جرير قال: أنشدني عبيد الله بن يعقوب هذا البيت وحده لدعبل يهجو به المتوكل وما سمعت له غيره فيه:

ولست بقائل قذعا ولكن * لأمر ما تعبدك العبيد

قال: يرميه في هذا البيت بالابنة.

٨ - دخل عبد الله بن طاهر على المأمون فقال له المأمون: أي شئ تحفظ يا عبد الله لدعبل؟! فقال: أحفظ أبياتا له في أهل بيت أمير المؤمنين. قال: هاتها ويحك. فأنشده عبد الله قول دعبل:

سقيا ورعيا لأيام الصبابات * أيام أرفل في أثواب لذاتي
أيام غصني رطيب من ليانته * أصبو إلى خير جارات وكنات
دع عنك ذكر زمان فات مطلبه * واقذف برجلك عن متن الجهالات
واقصد بكل مديح أنت قائله * نحو الهداة بني بيت الكرامات

فقال المأمون: إنه قد وجد والله مقالا ونال ببعيد ذكرهم ما لا يناله في وصف غيرهم. ثم قال المأمون: لقد أحسن في وصف سفر سافره فطال ذلك السفر عليه فقال فيه:

ألم يأن للسفر الذين تحملوا * إلى وطن قبل الممات رجوع؟!
فقلت ولم أملك سوابق عبرة * نطقن بما ضمت عليه ضلوع
: تبين فكم دار تفرق شملها * وشمل شتيت عاد وهو جميع

٣١
كذاك الليالي صرفهن كما ترى * لكل أناس جدبة وربيع

ثم قال: ما سافرت قط إلا كانت هذه الأبيات نصب عيني في سفري وهجيرتي و مسيلتي حتى أعود.

٩ - حدث ميمون بن هارون قال: كان دعبل قد مدح دينار بن عبد الله وأخاه يحيى فلم يرض فعلاه فقال يهجوهما:

ما زال عصياننا لله يرذلنا * حتى دفعنا إلى يحيى ودينار
وغدين عجلين لم تقطع ثمارهما * قد طال ما سجدا للشمس والنار

قال: وفيهما وفي الحسن بن سهل والحسن بن رجاء وأبيه يقول دعبل:

ألا فاشتروا مني ملوك المخزم * أبع حسنا وابني رجاء بدرهم
وأعط رجاء فوق ذاك زيادة * وأسمع بدينار بغير تندم
فإن رد من عيب علي جميعهم * فليس يرد العيب يحيى بن أكثم

ملح ونوادر

١ - حدث أحمد بن خالد قال: كنا يوما بدار صالح بن علي من عبد القيس ببغداد ومعنا جماعة من أصحابنا فسقط على كنيسة في سطحه ديك طار من دار دعبل فلما رأيناه قلنا: هذا صيدنا فأخذناه فقال صالح: ما نصنع به؟! قلنا: نذبحه. فذبحناه وشويناه فخرج دعبل وسأل عن الديك فعرف أنه سقط في دار صالح فطلبه منا فجحدنا وشرينا يومنا فلما كان من الغد خرج دعبل فصلى الغداة ثم جلس على المسجد وكان ذلك المسجد مجمع الناس يجتمع فيه جماعة من العلماء وينتابهم الناس فجلس دعبل على المسجد وقال.

أسر المؤذن صالح وضيوفه * أسر الكمي هفا خلال الماقط
بعثوا عليه بنيهم وبناتهم * من بين ناتفة وآخر سامط
يتنازعون كأنهم قذ أوثقوا * خاقان أو هزموا كتائب ناعط (١)
نهشوه فانتزعت له أسنانهم * وتهشمت أقفاؤهم بالحايط

فكتبها الناس عنه ومضوا فقال لي أبي وقد رجع إلى البيت: ويحكم ضاقت عليكم

(١) ناعط: قبيلة من همدان. وأصله جبل نزلوا به فنسبوا إليه.
٣٢
المآكل فلم تجدوا شيئا تأكلونه سوى ديك دعبل؟! ثم أنشدنا الشعر وقال لي: لا تدع ديكا ولا دجاجة تقدر عليه إلا اشتريته وبعثت به إلى دعبل وإلا وقعنا في لسانه.

ففعلت ذلك.

٢ - عن إسحاق النخعي قال: كنت جالسا مع دعبل بالبصرة وعلى رأسه غلامه ثقيف فمر به أعرابي يرفل في ثياب خز فقال لغلامه: ادع لي هذا الأعرابي فأومأ الغلام إليه فجاء فقال له دعبل: ممن الرجل؟! قال: من بني كلاب. قال: من أي ولد كلاب أنت؟! قال: من ولد أبي بكر. فقال دعبل: أتعرف القائل؟!.

ونبأت كلبا من كلاب يسبني * ومحض كلاب يقطع الصلوات
فإن أنا لم أعلم كلابا بأنها * كلاب وإني باسل النقمات
فكان إذا من قيس عيلان والدي * وكانت إذا أمي من الحبطات

قال: هذا الشعر لدعبل يقول في عمرو بن عاصم الكلابي فقال له الأعرابي: ممن أنت؟! فكره أن يقول من خزاعة فيهجوهم فقال: أنا أنتمي إلى القوم الذين يقول فيهم الشاعر:

أناس علي الخير منهم وجعفر * وحمزة والسجاد ذو الثفنات
إذا فخروا يوما أتوا بمحمد * وجبريل والفرقان والسورات

فوثب الأعرابي وهو يقول: مالي إلى محمد وجبريل والفرقان والسورات مرتقى.

٣ - حدث الحسين بن أبي السري قال: غضب دعبل على أبي نصر بن جعفر بن محمد بن الأشعث وكان دعبل مؤدبه قديما لشئ بلغه عنه فقال يهجو أباه:

ما جعفر بن محمد بن الأشعث * عندي بخير أبوة من عثعث
عبثا تمارس بي تمارس حية * سوارة إن هجتها لم تلبث
لو يعلم المغرور ماذا حاز من * خزي لوالده إذا لم يعبث

قال: فلقيه عثعث فقال له: أي شيئ كان بيني وبينك؟! حتى ضربت بي المثل في خسة الآباء. فضحك دعبل وقال: لا شيئ والله إلا اتفاق اسمك واسم ابن الأشعث في القافية، أو لا ترضى أن أجعل أباك وهو أسود خيرا من آباء الأشعث بن قيس؟!

٤ - عن الحسين بن دعبل قال: قال أبي في الفضل بن مروان:

٣٣
نصحت فأخلصت النصيحة للفضل * وقلت فسيرت المقالة في الفضل
ألا إن في الفضل بن سهل لعبرة * إن اعتبر الفضل بن مروان بالفضل
وللفضل في الفضل بن يحيى مواعظ * إذا فكر الفضل بن مروان في الفضل
فأبق حميدا من حديث تفز به * ولا تدع الاحسان والأخذ بالفضل
فإنك قد أصبحت للملك قيما * وصرت مكان الفضل والفضل والفضل
ولم أر أبياتا من الشعر قبلها * جميع قوافيها على الفضل والفضل
وليس لها عيب إذا هي أنشدت * سوى أن نصحي الفضل كان من الفضل

فبعث إليه الفضل بن مروان بدنانير وقال له: قد قبلت نصحك فاكفني خيرك وشرك (١).

نماذج من شعر دعبل في المذهب

قال في رثاء الإمام السبط الشهيد عليه السلام:

أتسكب دمع العين بالعبرات؟! * وبت تقاسي شدة الزفرات؟!
وتبكي لآثار لآل محمد؟! * فقد ضاق منك الصدر بالحسرات
ألا فابكهم حقا وبل عليهم * عيونا لريب الدهر منسكبات
ولا تنس في يوم الطفوف مصابهم * وداهية من أعظم النكبات
سقى الله أجداثا على أرض كربلا * مرابيع أمطار من المزنات
وصلي على روح الحسين حبيبه * قتيلا لدى النهرين بالفلوات
قتيلا بلا جرم فجعنا بفقده * فريدا ينادي: أين أين حماتي؟!؟.
أنا الظامئ العطشان في أرض غربة * قتيلا ومظلوما بغير ترات
وقد رفعوا رأس الحسين على القنا * وساقوا نساء ولها خفرات
فقل لابن سعد: عذب الله روحه *: ستلقى عذاب النار باللعنات
سأقنت طول الدهر ما هبت الصبا * وأقنت بالآصال والغدوات
على معشر ضلوا جميعا وضيعوا * مقال رسول الله بالشبهات

ويمدح أمير المؤمنين عليه السلام ويذكر تصدقه خاتمه للسائل في الصلاة و

(١) الأغاني ١٨ ص ٣٣، ٣٨، ٣٩، ٤٢.
٣٤

نزول قوله تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة وهم راكعون). فيه (٢) بقوله:

نطق القرآن بفضل آل محمد * وولاية لعليه لم تجحد
بولاية المختار من خير الذي * بعد النبي الصادق المتودد
إذ جاءه المسكين حال صلاته * فامتد طوعا بالذراع وباليد
فتناول المسكين منه خاتما * هبة الكريم الأجود بن الأجود
فاختصه الرحمن في تنزيله * من حاز مثل فخاره فليعدد
إن الإله وليكم ورسوله * والمؤمنين فمن يشأ فليجحد
يكن الإله خصيمه فيها غدا * والله ليس بمخلف في الموعد

وله يمدح أمير المؤمنين صلوات الله عليه:

سقيا لبيعة أحمد ووصيه * أعني الإمام ولينا المحسودا
أعني الذي نصر النبي محمدا * قبل البرية ناشئا ووليدا
أعني الذي كشف الكروب ولم يكن * في الحرب عند لقائه رعديدا
أعني الموحد قبل كل موحد * لا عابدا وثنا ولا جلمودا

وله يرثي الإمام السبط شهيد الطف سلام الله عليه:

إن كنت محزونا فمالك ترقد؟! * هلا بكيت لمن بكاه محمد؟!
هلا بكيت على الحسين وأهله؟! * إن البكاء لمثلهم قد يحمد
لتضعضع الاسلام يوم مصابه * فالجود يبكي فقده والسودد
فلقد بكته في السماء ملائك * زهر كرام راكعون وسجد
أنسيت إذ صارت إليه كتائب * فيها ابن سعد والطغاة الجحد؟!
فسقوه من جرع الحتوف بمشهد * كثر العداة به وقل المسعد
لم يحفظوا حق النبي محمد * إذ جرعوه حرارة ما تبرد
قتلوا الحسين فأثكلوه بسبطه * فالثكل من بعد الحسين مبرد
كيف القرار؟! وفي السبايا زينب * تدعو بفرط حرارة: يا أحمد

(٢) راجع ما مر صفحة ٤٧ من هذا الجزء.
٣٥
هذا حسين بالسيوف مبضع * متلطخ بدمائه مستشهد
عار بلا ثوب صريع في الثرى * بين الحوافر والسنابك يقصد
والطيبون بنوك قتلى حوله * فوق التراب ذبايح لا تلحد
يا جد قد منعوا الفرات وقتلوا * عطشا فليس لهم هنالك مورد
يا جد من ثكلي وطول مصيبتي * ولما أعانيه أقوم وأقعد

وله من قصيدة طويلة في رثاء الشهيد السبط عليه السلام قوله:

جاؤا من الشام المشومة أهلها * للشوم يقدم جندهم إبليس
لعنوا وقد لعنوا بقتل إمامهم * تركوه وهو مبضع مخموس
وسبوا فواحزني بنات محمد * عبرى حواسر ما لهن لبوس
تبا لكم يا ويلكم أرضيتم * بالنار؟! ذل هنالك المحبوس
بعتم بدنيا غيركم جهلا بكم * عز الحياة وإنه لنفيس
أخزى بها من بيعة أموية * لعنت وحظ البايعين خسيس
بؤسا لمن بايعتم وكأنني * بإمامكم وسط الجحيم حبيس
يا آل أحمد ما لقيتم بعده؟! * من عصبة هم في القياس مجوس
كم عبرة فاضت لكم وتقطعت * يوم الطفوف على الحسين نفوس
صبرا موالينا فسوف نديلكم * يوما على آل اللعين عبوس
ما زلت متبعا لكم ولأمركم * وعليه نفسي ما حييت أسوس

وذكر له ياقوت الحموي في " معجم الأدباء " ١١ ص ١١٠ في رثاء الإمام السبط عليه السلام قوله:

رأس ابن بنت محمد ووصيه * يا للرجال على قناة يرفع
والمسلمون بمنظر وبمسمع * لا جازع من ذا ولا متخشع
أيقظت أجفانا وكنت لها كرى * وأنمت عينا لم تكن بك تهجع
كحلت بمنظرك العيون عماية * وأصم نعيك كل إذن تسمع
ما روضة إلا تمنت أنها * لك مضجع ولخط قبرك موضع

وله في مدح الإمام الطاهر علي بن أبي طالب صلوات الله عليه:

٣٦
أبو تراب حيدره * ذاك الإمام القسوره
مبيد كل الكفره * ليس له مناضل
* * *
مبارز ما يهب * وضيغم ما يغلب
وصادق لا يكذب * وفارس محاول
* * *

سيف النبي الصادق * مبيد كل فاسق
بمرهف ذي بارق * أخلصه الصياقل

وله يرثي الإمام السبط صلوات الله عليه:

منازل بين أكناف الغري * إلى وادي المياه إلى الطوي
لقد شغل الدموع عن الغواني * مصاب الأكرمين بني علي
أتى أسفي على هفوات دهري * تضاءل فيه أولاد الزكي
ألم تقف البكاء على حسين؟! * وذكرك مصرع الحبر التقي
ألم يحزنك أن بني زياد * أصابوا بالترات بني النبي؟!
وإن بني الحصان يمر فيهم * علانية سيوف بني البغي

ولادته ووفاته

ولد سنة ١٤٨ واستشهد ظلما وعدوانا وهو شيخ كبير سنة ٢٤٦ فعاش سبعا وتسعين سنة وشهورا من السنة الثامنة. يقال: إنه هجا مالق بن طوق بأبيات وبلغت مالكا فطلبه فهرب فأتى البصرة وعليها إسحاق بن العباس العباسي وكان بلغه هجاء دعبل نزارا فلما دخل البصرة بعث من قبض عليه ودعا بالنطع والسيف ليضرب عنقه فحلف بالطلاق على جحدها، وبكل يمين تبرئ من الدم إنه لم يقلها، وإن عدوا له قالها، إما أبو سعيد أو غيره ونسبها إليه ليغرى بدمه، وجعل يتضرع إليه ويقبل الأرض ويبكي بين يديه، فرق له فقال: أما إذا عفيتك من القتل فلا بد من أن أشهرك. ثم دعى بالعصا فضربه حتى سلح وأمر به والقي على قفاه وفتح فمه فرد سلحه فيه والمقارع تأخذ رجليه وهو يحلف: أن لا يكف عنه حتى يستوفيه ويبلعه أو يقتله. فما رفعت عنه حتى بلع

٣٧
سلحه كله ثم خلاه فهرب إلى الأهواز، وبعث مالك بن طوق رجلا حصيفا (١) مقداما وأمره أن يغتاله كيف شاء، وأعطاه على ذلك عشرة آلاف درهم، فلم يزل يطلبه حتى وجده في قرية من نواحي السوس فاغتاله في وقت من الأوقات بعد صلاة العتمة فضرب ظهر قدمه بعكاز (٢) لها زج مسموم فمات من غد ودفن بتلك القرية. وقيل: بل حمل إلى السوس؟ ودفن بها (٣) وفي تاريخ ابن خلكان: قتل ب (الطيب) وهي بلدة بين واسط العراق وكور الأهواز. وقال الحموي (٤): وبزويلة (٥) قبر دعبل ابن علي الخزاعي قال بكر بن حماد:

الموت غادر دعبلا بزويلة * في أرض برقة أحمد بن خصيب

لا يخفى على الباحث أن ترديد ابن عساكر في تاريخه ٥ ص ٢٤٢ بعد ذكر وفاة المترجم سنة ٢٤٦ وقوله: [قيل: إنه هجا المعتصم فقتله. وقيل: إنه هجا مالك فأرسل إليه من سمه بالسوس] ترديد بلا تأمل، ونقل بلا تدبر، إذ المعتصم توفي ٢٢٧ قبل شهادة المترجم بتسع عشر سنة. كما أن ما ذكره الحموي في " معجم البلدان " ٤ ص ٤١٨ من [أن دعبلا لما هجا المعتصم أهدر دمه فهرب إلى طوس واستجار بقبر الرشيد فلم يجره المعتصم وقتله صبرا في سنة ٢٢٠] خلاف ما اتفق عليه المؤرخون وعلماء الرجال من شهادته سنة ٢٤٦.

كان البحتري صديقا للمترجم وأبي تمام المتوفى قبله فرثاهما بقوله

قد زاد في كلفي وأوقد لوعتي * مثوى حبيب يوم مات ودعبل
أخوي لا تزل السماء مخيلة (٦) * تغشاكما بسماء مزن مسبل
جدث على الأهواز يبعد دونه * مسرى النعي ورمسه بالموصل

قال أبو نصر محمد بن الحسن الكرخي الكاتب: رأيت على قبر دعبل مكتوبا:

(١) الحصيف: الجيد الرأي محكم العقل.

(٢) العكاز بالعين المضمومة والكاف المشددة: عصا ذات زج في أسلفها يتوكأ عليها.

(٣) الأغاني ١٨ ص ٦٠، معاهد التنصيص ١ ص ٢٠٨.

(٤) معجم البلدان ٤ ص ٤١٨.

(٥) أول حدود بلاد السودان.

(٦) خيل السحاب: رعد وبرق وتهيأ للمطر.

٣٨