×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

دفاع عن التّشيّع / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٦ فارغة

[image] - مركز الأبحاث العقائدية

{لَقَدْ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الاُْمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَارِهُونَ}

التوبة: ٤٨

{وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}

البقرة: ٤٢

{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْم وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ}

لقمان: ٦

٧
بسم الله الرحمن الرحيم

تقديم: السيّد كمال الحيدري


الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على محمّد وآله الطيبين الطاهرين.

غفل العديد ممن كتب في بحث الامامة من علماء مدرسة أهل البيت عن عدد من الاُمور المنهجيّة التي أثّرت على سير بحوثهم ونتائجها. ومن أهمّها عدم الالتفات إلى أثر التراث الكلامي لاتباع الخلفاء في التراث الكلامي لاتباع أئمّة أهل البيت (عليهم السلام). ممّا أدّى بهم إلى أن يؤخّروا مواضيع أساسيّة من حقّها أن تتقدّم، وتأخذ موقعها المناسب من البحث والتحقيق والتدقيق، وبرّزوا بدلاً عنها مواضيع ثانويّة لا تشكّل المحور الاساسي لمثل هذه الابحاث.

وعلى هذا لابدّ من التعرّض إلى بيان هذه النكتة المنهجيّة، وإلى تحديد المنهج المختار في بحث الامامة ومحاوره الاساسيّة ولو على نحو الاختصار.

تحرير محلّ النزاع:

انطلقت المدرسة السنيّة من نقطة مركزيّة في تكوين نظامها الفكري لفهم نظريّة الامامة تمثّلت في أنّ الامام أو الخليفة، يعني القائد والزعيم السياسي المسؤول عن إدارة شؤون الناس على مختلف الاصعدة والمستويات. ثمّ إنّهم عندما أرادوا أن يفهموا شرائط وموانع هذه الامامة ـ التي هي الخلافة باصطلاح علم الكلام السنّي ـ حاولوا تأسيس ذلك من خلال الواقع الذي أوجده الخلفاء الثلاثة الاوائل،

٨

فصارت بصدد إقامة الادلّة من الطرق المختلفة العقليّة والنقليّة لاثبات صحّة ما انتهت إليه الخلافة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأرادت أن تعرف الحقّ من خلال معرفة الرجال.

"وحيث لم يتجاوز دور الامام في النظام الفكري لهذه المدرسة تخوم القيادة والزعامة السياسيّة، فقد كان من المنطقي، بقطع النظر عن دلالات الوحي الالهي، أن يولّوا وجوههم صوب نظريّة الشورى وانتخاب أهل الحلّ والعقد، وذلك:

أوّلاً: لانّ هذه النظريّة أقرب إلى الذوق العرفي.

ثانياً: إنّ الحكومة شأن من شؤون الناس وعهد بينهم وبين الامام القائد، وإذ يكون الامر كذلك، فلابدّ أن يكون للامّة دور في إدارة الشؤون والنهوض بها، لانّ القرآن ينص (وأمرهم شورى بينهم)(١)، ومن الواضح أنّ الامامة بمعنى القيادة داخلة في أمر الناس، لهذا اتجهت المجتمعات البشريّة صوب نظريّة الانتخاب لا النص.

وكان مما ترتب على تلك النواة المحوريّة في تأسيس نظريّة الامامة، أنّهم التزموا بانقطاعها وعدم دوامها، لانّ المفروض، أنّ هذا المنصب لا يتحقّق لاحد إلاّ بعد الانتخاب والبيعة. ومع عدم تحقّق ذلك لا يحق لاحد أن يتصدّى لهذه المسؤوليّة ويرغم الناس على القبول.

وعندما انتقلوا إلى الشروط التي لابدّ من توافرها، فيمن يتصدّى للنهوض بهذا الدور، لم يجدوا مناصاً من الالتزام، بأنّه لا يشترط أن يكون معصوماً، بل تكفيه من الناحية السلوكيّة العدالة بمعناها المتداول في البحث الفقهي، ومن ناحية التأهيل العلمي تكفيه قدرة علميّة ترفعه إلى مستوى أداء المسؤوليّات التي اُنيطت به. وهكذا انتهت عناصر النظام الفكري للمدرسة السنيّة في الامام إلى المكوّنات التالية بشكل عام:

١ ـ لا تعني الامامة غير الحكم والقيادة السياسيّة.

(١) الشورى: ٣٨.

٩

٢ ـ تتم هذه العمليّة بالانتخاب والشورى.

٣ ـ إنّها منقطعة ليست دائمة.

٤ ـ لا يشترط فيها غير العدالة والعلم بمعناهما المألوف.

ذلك كان التسلسل الذي وجّه العمليّة الفكريّة لبناء نظريّة الامامة في التصوّر السنّي.

النتائج الخطيرة:

عند الانتقال إلى الجانب الاخر من المشهد، نلمس أنّ المنهج الكلامي في المدرسة الشيعيّة، لم يبادر في الاغلب إلى تحرير محلّ النزاع وتحديد الخلاف بين المدرستين، بل دخل إلى تضاعيف البحث مباشرة، فأشهر نظريّة النص بإزاء نظريّة الشورى، وذهب إلى أنّ الامامة متصلة ومستمرة إلى أن يرث الله الارض ومن عليها، في مقابل اُولئك الذين أنكروا ديمومتها، كما اشترط العصمة المطلقة على مستوى الاعتقاد والاخلاق والسلوك قبل البلوغ وبعده، والعلم الكامل التام من غير كسب.

لكن لمّا كانت انطلاقة الطرفين المتنازعين، تبدو وكأنّها تبدأ من نقطة شروع واحدة، فقد وجد بعضٌ أنّ هناك ضرباً من التهافت وعدم الانسجام بين المسؤوليّة الملقاة على عاتق الامام، وهي الزعامة والقيادة السياسيّة، وبين الشروط والمواصفات التي ذُكرت له. فالشروط تبدو أضخم وأوسع بكثير من المهمّة التي ينهض بها الامام.

ربما هذه النقطة والمفارقة التي استتبعتها، هي التي تفسّر لنا التداعيات التي راحت تتهاوى إليها بعض الكتابات المعاصرة حتّى داخل الصف الشيعي ذاته.

فمن هؤلاء من تجاوز تخوم الشكّ إلى حد رفض نظريّة النص في الامامة، وما يستتبع ذلك من لوازم، ومنهم من احتمل أنّ العصمة تكفي بحد معيّن لا تتجاوزه، لعدم الحاجة إلى ما هو أزيد من ذلك. وفريق رفض العصمة بنحو كلّي، محتجّاً أنّها

١٠

لو كانت شرطاً أساسيّاً في القائد، فلماذا لم يلتزم أصحاب هذه النظريّة بهذا الشرط إلى آخر الشوط؟ بل تخلّو عنه واكتفوا بالقول بأنّه يكفي في الامام ـ أي القائد ـ أن يكون عادلاً لا أكثر في زمن الغيبة.

كما أنّ منهم من ذهب إلى أنّ النزاع في مَنْ هو الاحق بالامامة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نزاع تأريخي عقيم لا طائل من ورائه. ومنهم من راح يتساءل عن الفائدة المترتبة على وجود إمام غائب عن الانظار ليس بمقدوره أن يواجه مشكلات العصر ويجيب عمّا يثيره من تحدّيات، ويتحمّل مسؤوليّته فعلاً، فإنّ وجود مثل هذا الامام يعد لغواً لا فائدة منه، وهو محال على الحكيم سبحانه.

لقد نشأت هذه التساؤلات والاستفهامات على أرضيّة تلك الانطلاقة التي أسس لها نظام الفكر السنّي في فهم الامامة، وتبعتها بعض الاتجاهات في الكلام الشيعي"(١).

الامامة القرآنيّة:

إنّ الذي نستوحيه من القرآن الكريم، والسنّة النبويّة الشريفة، والروايات الصحيحة الواردة عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) الذين هم عدل القرآن العظيم كما هو نص حديث الثقلين المتواتر سنداً ومضموناً، أنّ الامامة التي تعتقد بها مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) تختلف اختلافاً جوهريّاً عن دور الامامة التي تنحصر في الخلافة والحكم، وذلك لانّ هذا الاتجاه يرى أنّ للامامة دوراً فوق دور القيادة والزعامة، وهو الدور الذي بيّنه القرآن الكريم من خلال قوله تعالى: (إنّي جاعلٌ في الارض خليفة)(٢)، وأشار إليه بقوله لابراهيم الخليل (عليه السلام) في قوله تعالى: (إنّي جاعلك للناس إماماً)(٣)، وهي التي عبّر عنها الامام الرضا (عليه السلام): "هل يعرفون قدر الامامة ومحلّها من

(١) بحث حول الامامة، نص الحوار مع السيّد كمال الحيدري، حاوره جواد علي كسّار، المقدّمة ص١٥.

(٢) البقرة: ٣٠.

(٣) البقرة: ١٢٤.

١١

الاُمّة، فيجوز فيها اختيارهم، إنّ الامامة أجلّ قدراً، وأعظم شأناً، وأعلى مكاناً، وأمنع جانباً، وأبعد غوراً، من أن يبلغها الناس بعقولهم، أو ينالوها بآرائهم، أو يقيموا إماماً باختيارهم. إنّ الامامة خصّ الله عزّوجلّ بها إبراهيم الخليل (عليه السلام) بعد النبوّة والخلّة مرتبة ثالثة وأشاد بها ذكره، فقال: (إنّي جاعلك للناس إماماً)"(١).

وهي التي قال عنها الامام السجّاد (عليه السلام): "نحن الذين بنا يمسك الله السماء أن تقع على الارض إلاّ بإذنه، وبنا يمسك الارض أن تميد بأهلها، وبنا ينزّل الغيث، وبنا ينشر الرحمة ويخرج بركات الارض، ولولا ما في الارض منّا لساخت بأهلها"(٢).

لذا عندما يُسأل الامام الباقر (عليه السلام) ويُقال له: لايّ شيء يحتاج إلى النبي والامام؟ فقال (عليه السلام): "لبقاء العالم على صلاحه. وذلك أنّ الله عزّ وجلّ يرفع العذاب عن أهل الارض إذا كان فيها نبي أو إمام، قال الله عزّ وجلّ: (وما كان الله ليعذّبهم وأنت فيهم)(٣)".

من هنا عبّر الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) عن هذا الدور لاهل بيته (عليهم السلام) بقوله: "النجوم أمان لاهل السماء، وأهل بيتي أمان لاهل الارض، فإذا ذهبت النجوم أتى أهل السماء ما يكرهون، وإذا ذهب أهل بيتي أتى أهل الارض ما يكرهون"(٤).

ولعلّ تشبيه انتفاع الناس بالحجّة في زمان غيبته، عندما يُسأل الامام الصادق (عليه السلام): فكيف ينتفع الناس بالحجّة الغائب المستور؟ قال (عليه السلام): "كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب"(٥) يشير إلى حقيقتين أساسيّتين:

الاُولى: أنّ الانتفاع به لا يختص بعالم التشريع والاعتبار، بل يتجاوز ذلك إلى عالم التكوين.

الثانية: أنّ هذا الامر غير محسوس ومرئي للناس، بل يرتبط بعالم الغيب لا نشأة

(١) الاُصول من الكافي: ج ١، ص ١٩٩، كتاب الحجّة، باب نادر وجامع في فضل الامام وصفاته.

(٢) بحار الانوار: ج ٢٣، ص ٦، ح ١٠.

(٣) الانفال: ٣٣.

(٤) بحار الانوار: ج ٢٣، ص ١٩، ح ١٤.

(٥) بحار الانوار: ج ٢٣، ص ٦، ح ١٠.

١٢

الشهادة.

وتأسيساً على ما تقدّم فنحن نعتقد أنّه لا يمكن الوقوف على فلسفة ما اشترطناه في الامامة من العصمة والنص والديمومة والعلم الخاص، إلاّ إذا أدركنا المهام والمسؤوليّات التي اُنيطت بدور الامامة والخلافة في النظريّة القرآنيّة. وخصوصاً ما نصطلح عليه بـ (الدور الوجودي) للامام (عليه السلام)، وهو غير (الدور التشريعي) و(القيادة السياسيّة) و(القدوة الصالحة). بل إن صحّ التعبير فإنّ هذه الادوار إنّما هي ثمرات ذلك الاصل التي عبّر عنه القرآن الكريم بـ (الشجرة الطيّبة) التي (أصلها ثابت وفرعها في السماء * تؤتي اُكلها كلّ حين بإذن ربّها ويضرب الله الامثال للناس لعلّهم يتذكّرون)(١).

ومن الواضح أنّ هذه المقدّمة لا تتسع للدخول في بيان تفاصيل هذه النظريّة القرآنيّة، لكن نقول على نحو الاجمال والاشارة، أنّ هناك طريقين لفهم هذه الحقيقة القرآنيّة، يختلف أحدهما عن الاخر في الاثار والنتائج المترتبة عليهما:

الطريق الاوّل: أن نرجع إلى القرآن والسنّة المباركة لنرى ماذا يقولان عن حقيقة الامامة وشرائطها، بقطع النظر عن المسؤوليّات والوظائف التي اُلقيت على عاتقها.

الطريق الثاني: وهو الاُسلوب الذي اتبعه كثير من علماء الكلام من الفريقين، وهو الذي سمّي في كلماتهم بالدليل العقلي لاثبات الامامة وشرائطها. ومنطلقه أن تحدّد المسؤوليّات الاساسيّة التي اُلقيت على عاتق النبي أو الامام، ثمّ يلتزمون بالشرائط التي لابدّ من توفّرها في الشخص المسؤول عن ذلك، من خلال معرفة حدود تلك الوظائف، ومدى المسؤوليّات التي ينهض بها الامام(٢).

ويمكن التعبير عن الطريق الاوّل بالمنهج اللمّي الذي يتحرّك من العلّة إلى المعلول لاننا نبحث فيه الامامة في نفسها لنتعرّف على الامامة القرآنيّة التي وردت

(١) إبراهيم: ٢٤ ـ ٢٥.

(٢) العصمة، محاضرات السيّد كمال الحيدري، بقلم محمّد القاضي، ص ١٨، الطبعة الخامسة.

١٣

في قوله تعالى: (إنّي جاعلك للناس إماماً)(١) وقوله تعالى: (وجعلنا منهم أئمّة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون)(٢)، وما هو المراد من الخلافة كمصطلح قرآني لا كلامي، كما ورد في قوله تعالى: (إنّي جاعلٌ في الارض خليفة)، ثمّ ننتقل إلى بيان شرائطها وموانعها، ثمّ نتوقّف عند المسؤوليّات والمهام التي اُوكلت إليها.

كما يمكن التعبير عن الطريق الثاني بالمنهج الانّي الذي يتحرّك من المعلول إلى العلّة، لانّنا ننتهي فيه من خلال المسؤوليّات الملقاة على عاتق الامام إلى الشرائط الواجب توفّرها فيه، وسوف نحاول في هذه المقدّمة اختيار الطريق الاوّل في طرح بعض مسائل الامامة الاساسيّة:

أوّلاً: هل إنّ ظاهرة الامامة مستمرة أم منقطعة؟

ثانياً: هل إنّ الامامة على فرض استمرارها تنحصر في عدد معيّن أم لا؟

ثالثاً: وإذا كانت منحصرة في عدد معيّن، فمن هم هؤلاء الائمّة؟

رابعاً: وإذا تعيّن الامام الاخير منهم، فهل هو حي الان، أم سيولد بعد ذلك؟

ولا يخفى أنّ بعض عناصر هذه المسائل تدخل في بحوث الامامة العامّة، وبعضها الاخر في بحوث الامامة الخاصّة.

توضيح ذلك: إنّ المنهج الذي نقترحه لفهم الامامة يقوم على أساس البحث في مستويين:

الاوّل: الامامة العامّة.

الثاني: الامامة الخاصّة.

"وربما كانت أفضل وسيلة لفهم المراد من هذه المستويات، مقاربة الامامة بالنبوّة منهجيّاً، فمن المعروف أنّ المنهج الكلامي يدرس النبوّة على مرحلتين:

الاُولى: النبوّة العامّة: وهذه تدور حول أسئلة من قبيل، ما حاجة البشر إلى النبوّة وبعث الرسل؟ ولماذا لا يمكن للبشريّة أن تستغني بعقلها وتكتفي به في تحقيق

(١) البقرة: ١٢٤.

(٢) السجدة: ٢٤.

١٤

الغاية التي خُلقت من أجلها؟ وما هي شروط النبي العامّة؟ حيث انتهى البحث إلى ضرورة أن يكون أي نبي مبعوث من السماء، معصوماً مؤيّداً بمعجزة، مسدداً بالبيّنات، بحسب التعبير القرآني، إلى غير ذلك من البحوث المتداولة في علم الكلام.

الثانية: وتحوم بحوثها حول أسئلة خاصّة مثل: من هو النبي؟ ما هي طبيعة الاوضاع الزمانيّة والمكانيّة في عصر بعثته؟ ما هي المعجزة التي زوّد بها؟ لماذا هذه المعجزة بالذات دون سواها؟ هل يُعد من اُولي العزم أم لا؟ هل هو رسول ونبي أم نبي وحسب؟ إلى غير ذلك من الاسئلة التي تنصب حيال نبوّة نبي بعينه، كنبوّة محمّد خاتم الانبياء (صلى الله عليه وآله وسلم) مثلاً.

وكذلك تتم معالجة الامامة في المنهج المقترح من خلال خطوتين أو مرحلتين، الامامة العامّة والامامة الخاصّة.

فالمرحلة الاُولى تضطلع بالبحث عن المسؤوليّات التي اُنيطت بالامامة بشكل عام، وتدرس المكوّنات الاساسيّة لنظريّة الامامة بإطلاق أسئلة مثل: هل الامامة منصوصة أم لا؟ هل يشترط في الامام أن يكون معصوماً أم لا؟ هل ينبغي أن تكون الامامة دائمة أم منقطعة؟ إلى غير ذلك من العناصر الاساسيّة التي تؤلّف الاُصول العامّة لبحث الامامة. وهذه المرحلة ترتبط بالمفهوم العام للامامة، ولا صلة لها بتحديد هويّة الائمّة وعددهم، وما يدخل في مهام المرحلة الثانية.

أمّا المرحلة الثانية فتنهض ببحث أبعاد الامامة الخاصّة ومسؤوليّاتها، وتدرس مَنْ هم الائمّة؟ وما هو عددهم؟ وما هي صيغ إثبات إمامتهم؟ ما هي خصائص كلّ واحد منهم؟ وهل يتفاضلون فيما بينهم؟ لماذا اختص بعضهم بخصوصيّات لا توجد في غيره؟ إلى غير ذلك من البحوث التفصيليّة"(١).

(١) بحث حول الامامة، المقدّمة ص١١.

١٥

المحور الاوّل
استمرار الامامة وديمومتها


لا إشكال أنّ النبوّة كظاهرة إلهيّة غيبيّة، منقطعة وليست مستمرة، وأنّها خُتمت بمحمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال تعالى: (ما كان محمّدٌ أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكلّ شيء عليماً)(١)، فهل أنّ الامامة أيضاً ظاهرة منقطعة كالنبوّة، أم أنّها مستمرّة إلى أن يرث الله الارض ومن عليها؟

الظاهر من الايات والروايات الواردة عن النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) تؤكّد استمرار ظاهرة الامامة والخلافة وعدم انقطاعها.

دلائل استمرار الامامة:

يمكن الاستدلال على إثبات هذه الحقيقة من خلال الايات القرآنيّة أوّلاً، ومن طريق الروايات ثانياً.

الطريق الاوّل: الايات القرآنيّة:

الاية الاُولى: قوله تعالى: (وإذ قال ربّك للملائكة إنّي جاعل في الارض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك قال إنّي أعلم ما لا تعلمون)(٢).

أشارت هذه الاية المباركة إلى:

أوّلاً: أنّ هذا الخليفة أرضي، وهو موجود في كلّ زمان، والدال على ذلك قوله: (جاعل) لانّ الجملة الاسميّة، وكون الخبر على صيغة (فاعل) التي هي بمنزلة الفعل المضارع، تفيد الدوام والاستمرار، مضافاً إلى أنّ الجعل في اللغة كما يقول الراغب في

(١) الاحزاب: ٤٠.

(٢) البقرة: ٣٠.

١٦

المفردات له استعمالات متعدّدة ومنها (تصيير الشيء على حالة دون حالة)(١)، وهذا ما أكّده جملة من المفسرين، كالرازي في التفسير الكبير(٢) والالوسي في روح المعاني(٣)، وعندما يقارن هذا الجعل بما يناظره من الموارد في القرآن الكريم نجد أنّه يفيد معنى السنّة الالهيّة كقوله تعالى: (جعل لكم ممّا خلق ظلالاً) و(وجعل القمر فيهنّ نوراً) ونحوهما.

ثانياً: إنّ هذا الخليفة ليس هو مطلق الانسان فيكون من قبيل قوله تعالى: (هو الذي جعلكم خلائف في الارض فمن كفر فعليه كفره)(٤). وإنّما المقصود به إنسان بخصوصه، وذلك بقرينة الايات اللاحقة التي أثبتت أنّ هذا الموجود الارضي إنّما استحقّ الخلافة الالهيّة لانّه عُلِّم الاسماء كلّها مباشرة منه تعالى: (وعلّم آدم الاسماء كلّها)، ثمّ صار واسطة بينه تعالى وبين ملائكته (يا آدم أنبئهم بأسمائهم) ومن الواضح أنّه لا يمكن أن يراد به كلّ انسان، حتّى اُولئك الذين عبّر عنهم القرآن الكريم (اُولئك كالانعام بل هم أضل)(٥)، إذن فهذه الاية تدل على ضرورة استمرار الخلافة الالهيّة، أمّا من هو ذلك الخليفة في كلّ زمان فله بحث آخر، سنعرض له لاحقاً.

الاية الثانية: قوله تعالى لابراهيم الخليل (عليه السلام): (إنّي جاعلك للناس إماماً)(٦)، وهذه الامامة هي غير النبوّة والرسالة التي كانت لابراهيم (عليه السلام) والشاهد على ذلك:

١ ـ "طلب الامامة للذريّة حيث قال: (ومن ذرّيتي)، ومن الواضح أنّ حصول إبراهيم (عليه السلام) على الذريّة كان في كبره وشيخوخته، كما قال: (الحمد لله الذي وهب لي

(١) المفردات في غريب القرآن: ص ٩٤، مادّة "جعل".

(٢) التفسير الكبير: ج ٢، ص ١٦٥.

(٣) روح المعاني: ج ١، ص ٢٢٠.

(٤) فاطر: ٣٩.

(٥) الاعراف: ١٧٩.

(٦) البقرة: ١٢٤.

١٧

على الكبر إسماعيل وإسحـق)(١)، وحكى سبحانه عن زوجة إبراهيم: (قالت يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إنّ هذا لشيء عجيب)(٢). ولا يصح هذا الطلب إلاّ لمن كان عنده ذريّة، أمّا من كان آيساً من الولد ويجيب مبشّريه بقوله: (أبشرتموني على أن مسّني الكبر فبمَ تبشّرون)(٣)، فلا يصح منه والحالة هذه أن يطلب أي شيء لذريّته"(٤).

ولو كان ذلك في أوائل حياته وقبل أن يرزق الذريّة، لكان من الواجب أن يقول: "ومن ذريّتي إن رزقتني ذريّة"، وإلاّ لزم منه أن يخاطب الخليل (عليه السلام) ربّه الجليل بما لا علم له به، وهذا ما يتنزّه عنه مقام إبراهيم الخليل (عليه السلام).

٢ ـ "إنّ قوله تعالى: (وإذ ابتلى إبراهيم ربّه بكلمات فأتمهّن قال إنّي جاعلك للناس إماماً)(٥) يدل على أنّ هذه الامامة الموهوبة إنّما كانت بعد ابتلائه بما ابتلاه الله به من الامتحانات، وليست هذه إلاّ أنواع البلاء التي اُبتلي (عليه السلام) بها في حياته، وقد نصّ القرآن على أنّ من أوضحها قضيّة ذبح إسماعيل (عليه السلام)، قال تعالى: (قال يا بني إنّي أرى في المنام أنّي أذبحك) إلى أن قال: (إنّ هذا لهو البلاء المبين)(٦)"(٧).

وهذا ما أكدته جملة من الروايات الصحيحة الواردة في المقام. عن الامام الصادق (عليه السلام) في حديث مطوّل يقول فيه: "وقد كان إبراهيم (عليه السلام) نبيّاً وليس بإمام حتّى قال الله (إنّي جاعلك للناس إماماً)"(٨).

(١) إبراهيم: ٣٩.

(٢) هود: ٧٢.

(٣) الحجر: ٥٤.

(٤) العصمة: ص ٣٢.

(٥) البقرة: ١٢٤.

(٦) الصافات: ١٠٦.

(٧) الميزان في تفسير القرآن: ج ١، ص ٢٦٨.

(٨) الاُصول من الكافي: ج ١، ص ١٧٤.

١٨

وهذه الامامة التي ثبتت لابراهيم (عليه السلام) طلبها لذريّته من بعده، حيث قال: (ومن ذرّيّتي) وقد استجاب الحقّ سبحانه دعاءه، ولكن لم يجعلها في الظالمين من ذريّته، وإنّما في غيرهم. يقول الرازي في ذيل هذه الاية: "وقوله: (ومن ذرّيتي) طلب للامامة التي ذكرها الله تعالى، فوجب أن يكون المراد بهذا العهد هو الامامة، ليكون الجواب مطابقاً للسؤال، فتصير الاية كأنّه تعالى قال: (لا ينال الامامة الظالمين، وكل عاص فإنّه ظالم لنفسه) فكانت الاية دالّة على ما قلناه.

فإن قيل: ظاهر الاية يقتضي انتفاء كونهم ظالمين ظاهراً وباطناً، ولا يصح ذلك في الائمّة والقضاة.

قلنا: أمّا الشيعة، فيستدلّون بهذه الاية على صحّة قولهم في وجوب العصمة ظاهراً وباطناً. وأمّا نحن فنقول: مقتضى الاية ذلك. إلاّ أنّا تركنا اعتبار الباطن فتبقى العادلة الظاهرة معتبرة"(١).

لكن لم يبيّن لنا الرازي، لماذا ترك ما دلّت عليه الاية من وجوب العصمة ظاهراً وباطناً، واكتفى بالعدالة الظاهريّة، مع اعترافه بدلالة الاية على ذلك، وكيف كان (ستكتب شهادتهم ويسألون)(٢).

ومن الواضح أنّ استجابة دعائه في ذريّته، لا يختص بالصلبيين فقط، بل هو شامل لجميع ذريّته شريطة أن لا يكون ظالماً. وهذا ما أكّده الامام الرضا (عليه السلام) بقوله: "أنّ الامامة خصّ الله عزّ وجلّ بها إبراهيم الخليل (عليه السلام) بعد النبوّة والخلّة مرتبة ثالثة، وفضيلة شرّفه بها وأشاد بها ذكره، فقال: (إنّي جاعلك للناس إماماً)، فقال الخليل (عليه السلام) سروراً بها: (ومن ذرّيّتي) قال الله تبارك وتعالى: (لا ينال عهدي الظالمين)فأبطلت هذه الاية إمامة كلّ ظالم إلى يوم القيامة، وصارت في الصفوة، ثمّ أكرمه الله تعالى بأن جعلها في ذريّته أهل الصفوة والطهارة، فقال: (ووهبنا له إسحـق ويعقوب نافلة كلاًّ جعلنا صالحين وجعلناهم أئمّة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة

(١) التفسير الكبير: ج ٤، ص ٤٢.

(٢) الزخرف: ١٩.

١٩

وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين)(١)، فلم تزل في ذريّته يرثها بعضاً عن بعض، قرناً فقرناً، حتّى ورّثها الله تعالى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال جلّ وتعالى: (إنّ أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين) فكانت له خاصّة، فقلّدها عليّاً (عليه السلام) بأمر الله تعالى على رسم ما فرض الله، فصارت في ذريّته الاصفياء الذين آتاهم الله العلم والايمان بقوله تعالى: (وقال الذين اُوتوا العلم والايمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث)(٢)فهي في ولد علي (عليه السلام) خاصّة إلى يوم القيامة"(٣).

الاية الثالثة: (وإذ قال إبراهيم لابيه وقومه إنّني براءٌ ممّا تعبدون * إلاّ الذي فطرني فإنّه سيهدين * وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلّهم يرجعون)(٤).

"ذهب جمع من المفسرين إلى أنّ الكلمة الباقية في عقب إبراهيم (عليه السلام) هي كلمة التوحيد، إذ براءته مما يعبد قومه، واتجاهه نحو الذي فطره هو عين معنى كلمة التوحيد (لا إلـه إلاّ الله)(٥)، وقوله: (لعلّهم يرجعون)، أي يرجع المشرك منهم بدعوة الموحّد إلى الله تعالى.

إذن، فقد جعل الله تعالى التوحيد باقياً في ذريّة إبراهيم (عليه السلام) وعقبه، ولا تخلو ذريّته من الموحّدين. وقد بيّنا في كتاب (العصمة) أنّ جميع المعاصي نوع، بل مرتبة من مراتب الشرك بالله تعالى، والتوحيد الذي جعله الله تعالى باقياً في عقب إبراهيم (عليه السلام) لابدّ أن يكون التوحيد الحقيقي، الذي لا يشوبه شيء من الشرك أبداً، ليستحق الاشادة به في القرآن الكريم، وإلاّ فلا يمكن أن يريد به التوحيد الذي

(١) الانبياء: ٧٣.

(٢) الروم: ٥٦.

(٣) الاُصول من الكافي: ج ١، ص ١٩٩، باب نادر وجامع في فضل الامام وصفاته.

(٤) الزخرف: ٢٦ ـ ٢٨.

(٥) البيان: ج٩، ص١٩٣; الكشّاف: ج٤، ص٢٤٦; التفسير الكبير: ج٢٧، ص٢٠٨; الميزان: ج١٨، ص٩٦.

٢٠