×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

دلائل الصدق لنهج الحق ـ ج 3 / الصفحات: ٣٤١ - ٣٦٠

وأقـول:

ما ذكره من دليل الأشاعرة هو عين ما في " المواقف " وشرحها بألفاظه(١)، وقد أشكلا فيه بما أغفله الخصم إضاعة للحقّ.

وحاصله: إنّه إنْ كان المراد بوجود الفعل قبل وجودِه هو وجودُه بشرط كونه قبل الوجود، فهو مسلّم المحالـيّـة، ولا كلام فيه.

وإنْ كان المراد به وجوده في زمان عدم الفعل بدلا عن العدم، فهو ليس بمحال.

وأمّا ما أجاب به عن لزوم التكليف بما لا يطاق، فهو مبنيٌّ على ما ذهبوا إليه من تعلّق القدرة بطرف دون آخر(٢)، وهو باطل.

ولو سلّم فقدرة الكافر إنّما تعلّقت بترك الإيمان، والمطلوب تعلّقها بالإيمان، ليكون ممّا يسع المكلّف الذي نفت الآية التكليف بغيره.

وبالضرورة: إنّ مجرّد تعلّق القدرة بالكفر وبترك الإيمان لا يجعل الإيمان ممّا يسع المكلّف ومصداقاً له.

وأُجيب عن أصل الإشكال بأنّ الكافر مكلّف في الحال بالإيمان في ثاني الحال.

وفيه: مع أنّه مناف لِما يزعمونه ـ كما ستعرف ـ من أنّ التكليف مع

(١) المواقف: ١٥١، شرح المواقف ٦ / ٨٨.

(٢) انظر: اللمع في الردّ على أهل الزيغ والبدع: ٩٨، تمهيد الأوائل: ٣٣٢ ـ ٣٣٣، المواقف: ٣٣١، شرح المواقف ٨ / ٢٠٠.

٣٤١
الفعل: أنّ المفروض تكليف الكافر بالإيمان في حال كفره، لا في ثاني الحـال; ولو سلّم، فإنْ كان ثاني الحال حال كفر أيضاً، بقي الإشكال، وإنْ كان حال إيمان، فالإيمان واجب حينئذ لا مقدور; لأنّ الشيء إذا وجد وجب.

ومنه يعلم وجه تشنيع المعتزلة على الأشاعرة بلزوم عدم العصيان; لأنّ المكلّف به ليس بمقدور قبل وجوده وواجبِ حينه(١).

وقد صحّح القوشجي تشنيعهم بتقرير أنّه قبل الإتيان غير مقدور، وحينه يحصل الامتثال، وحينئذ فهو أيضاً وارد بالنسبة إلى التكليف بالإيمان(٢).


*    *    *

(١) انظر: المغني ـ للقاضي عبـد الجبّار ـ ٨ / ٢٥٠، شرح المواقف ٦ / ٩٦ ـ ٩٧.

(٢) شرح التجريد: ٣٦٢.

٣٤٢

قال المصنّـف ـ شرّف الله قدره ـ(١):

ومنها: الاستغناء عن القدرة; لأنّ الحاجة إلى القدرة إنّما هي لإخراج الفعل من العدم إلى الوجود، وهذا إنّما يتحقّق حال العدم; لأنّ حال الوجود هي حال الاستغناء عن القدرة; لأنّ الفعل حال الوجود يكون واجباً فلا حاجة به إلى القدرة.

على أنّ مذهبهم أنّ القدرة غير مؤثّرة ألبتّة; لأنّ المؤثّر في الموجودات كلّها هو الله تعالى(٢).

فبحثهم عن القدرة حينئذ يكون من باب الفضول; لأنّه خلاف مذهبهم.


*    *    *

(١) نهج الحقّ: ١٢٩.

(٢) انظر: المطالب العالية من العلم الإلهي ٩ / ٧٥، المواقف: ١٥٠، شرح العقائد النسـفية: ١٤٦.

٣٤٣

وقال الفضـل(١):

الحاجة إلى القدرة اتّصاف العبد بصفة تخرجه عن الاضطرار، حتّى يصحّ كونه محلاًّ للثواب والعقاب، إذ لو لم تكن هذه القدرة حادثة مع الفعل، لا يتحقّق له صورة الاخـتيار، والله حكيـم يخلق الأشـياء لمصـالح لا تحصى.

ولا يلزم من عدم كون القدرة مؤثّرة في الفعل الاستغناء عنها من جميع الوجوه، ولا يلزم أن يكون البحث عنها فضولا.


*    *    *

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع مع إحقاق الحقّ ـ ٢ / ١٤٥.

٣٤٤

وأقـول:

إذا لم تكن القدرة مؤثّرة، فكيف يعلم وجودها؟! وكيف يخرج عن الاضطرار؟! ومن أين تكون مصحّحة للثواب والعقاب؟! على أنّ الثواب عندهم تفضّل محض، والعقاب تصرّف في الملك بلا حاجة إلى القدرة(١).

وأمّا ما زعمه من أنّه لو لم تكن القدرة حادثة لا تتحقّق له صورة الاختيار، فخطأ; إذ لا يتوقّف إيجاد صورة الاختيار على وجود القدرة إذا لم يكن لهما أثر أصلا كـما زعموا، على أنّه لا فائـدة في صورة الاختيـار بلا تأثير، كما لا نتصوّر حكمةً في خلق القدرة غير التأثير.

ولو سلّم فالبحث عنها ـ بلحاظ جهة التأثير ـ فضول.


*    *    *

(١) انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل ٢ / ١٢٣ و ١٣٤ و ١٤٠، المواقف: ٣٧٨، شرح المقاصد ٥ / ١٢٥ ـ ١٢٦.

٣٤٥

قال المصنّـف ـ طاب ثراه ـ(١):

ومنها: إلزام حدوث قدرة الله تعالى أو قِدَم العالَم; لأنّ القدرة مقارِنة للفعل، وحينئذ يلزم أحد الأمرين، وكلاهما محال..

لأنّ قدرة الله تعالى يستحيل أن تكون حادثة، والعالَم يمتنع أن يكون قديمـاً.

ولأنّ القِدَم مناف للقدرة; لأنّ القدرة إنّما تتوجّه إلى إيجاد المعدوم، فإذا كان الفعل قديماً امتنع استناده إلى القادر.

ومن أعجب الأشياء بحث هؤلاء القوم عن القدرة للعبد والكلام في أحكامها، مع أنّ القدرة غير مؤثّرة في الفعل ألبتّة، وإنّه لا مؤثّر غير الله تعالى، فأيّ فرق بين القدرة واللون وغيرهما بالنسبة إلى الفعل، إذا كانت غير مؤثّرة ولا مصحّحة للتأثير؟!

وقال أبو عليّ ابن سينا رادّاً عليهم: " لعلّ القائم لا يقدر على القعود "(٢).


*    *    *

(١) نهـج الحقّ: ١٣٠.

(٢) الإلهيّات من كتاب الشفاء: ١٨٢.

٣٤٦

وقال الفضـل(١):

حاصل هذا الاعتراض: إنّ كون القدرة مع الفعل يوجب حدوث قدرة الله تعالى أو قِدَم مقدوره، إذ الفرض كون القدرة والمقدور معاً، فيلزم من حدوث مقدوره تعالى حدوث قدرته، أو من قِدَم قدرته قدم مقدوره، وكلاهما باطل; بل قدرته أزلية إجماعاً، متعلّقة في الأزل بمقدوراته.

فقد ثبت تعلّق القدرة بمقدورها قبل حدوثه، ولو كان ذلك ممتنعاً في القدرة الحادثة لكان ممتنعاً في القديمة أيضاً(٢).

وأجاب شارح " المواقف " عن هذا الاعتراض بأنّ " القدرة القديمة الباقيـة مخالفـة في الماهيّـة للـقدرة الحادثـة التي لا يجوز بقاؤها عنـدنا، فلا يلزم من جواز تقدّمها على الفعل جواز تقدّم الحادثة عليه.

ثمّ إنّ القدرة القديمة متعلّقة في الأزل بالفعل تعلّقاً معنوياً لا يترتّب عليه وجود الفعل، ولها تعلّق آخر به حال حدوثه، تعلّقاً حادثاً موجباً لوجوده، فلا يلزم من قِدَمها مع تعلّقها المعنوي قِدَم آثارها، فاندفع الإشكال بحذافيره "(٣).

وأمّا ما ذكره من التعجّب من بحث الأشاعرة عن القدرة مع القول بأنّها غير مؤثّرة في الفعل، فبالحـريّ أن يتعجّب من تعجّبه; لأنّ القدرة صفة حادثة في العبد، وهي من صفات الكمال.

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع مع إحقاق الحقّ ـ ٢ / ١٤٨.

(٢) انظر: شرح المواقف ٦ / ٩٤ ـ ٩٥.

(٣) شرح المواقف ٦ / ٩٦.

٣٤٧
فالبحث عنها لكونها من الأعراض والكيفيات النفسانية وعدم كونها مؤثّرة في الفعل، من جملة أحوالها المحمولة عليها، فلِمَ لا يبحث عنها؟!

وأمّا قوله: (أنْ لا فرق بينها وبين اللون); فقد أبطلنا هذا القول في ما سبق مراراً، بأنّ اللون لا نسبة له إلى الفعل، والقدرة تُخلق مع الفعل ليترتّب على خلقها صورة الاختيار، ويخرج بها العبد من الجبر المطلق، ويترتّب على فِعله الثواب والعقاب والتكليف; والله أعلم.

قال الإمام الرازي: القدرة تطلق على مجرّد القوّة التي هي مبدأ للأفعال المختلفة(١) الحيوانية، وهي القوّة العضلية التي هي بحيث متى انضمّ إليها إرادة أحد الضـدّين، حصل ذلك الضدّ، ومتى انضـمّت إليها إرادة الضدّ الآخر، حصل ذلك الآخر، ولا شكّ أنّ نسبتها إلى الضدّين سواء، وهي قبل الفعل.

والقدرة أيضاً تطلق على القوّة المستجمِعة لشرائط التأثير، ولا شكّ أنّها لا تتعلّق بالضدّين معاً وإلاّ اجتمعا في الوجود، بل هي بالنسبة إلى كلّ مقدور غيرها بالنسبة إلى مقدور آخر; وذلك لاختلاف الشرائط... وهذه القدرة مع الفعل; لأنّ وجود المقدور لا يتخلّف عن المؤثّر التامّ(٢).

ولعلّ الشيخ الأشعري أراد بالقدرة القوّةَ المستجمِعة لشرائط التأثير، ولذلك حكم بأنّها مع الفعل، وأنّها لا تتعلّق بالضدَّين.

والمعتزلة أرادوا بالقدرة مجرّد القوّة العضلية، فلذلك قالوا بوجودها

(١) انظر: المواقف: ١٥٤، وجاء في تفسير الفخر الرازي ١ / ١٤٦ ما نصّه: " واعلم أنّ لفظ القوّة يقرب من لفظ القدرة " وهو مؤدّى " القدرة تطلق على مجرّد القوّة "، فلاحـظ!

(٢) انظر: شرح التجريد ـ للقوشجي ـ: ٣٦١.

٣٤٨
قبل الفعل وتعلّقها بالأُمور المتضادّة، فهذا وجه الجمع بين المذهبين(١).

وبهـذا يخـرج جـواب أبي علي ابن سـينا حيـث قال: " لعـلّ القـائم لا يقدر على القعود " فإنّه غير قادر، بمعنى أنّه لم يحصل له بعدُ القوّة المستجمعة لشرائط التأثير، وهو قادر بمعنى أنّه صاحب القوّة العضلية.


*    *    *

(١) شرح المواقف ٦ / ١٠٤ ـ ١٠٥.

٣٤٩

وأقـول:

لا أثر لمخالفة القدرة القديمة للحادثة في الماهيّة; لأنّ دليل الأشاعرة السابق المانع من تقدّم القدرة الحادثة آت في القديمة أيضاً، كدليلهم الآخر الآتي في كلام القوشجي.

على أنّ المخالفة ممنوعة بمقتضى مذهبهم; لأنّ القدرتين من الأعراض واقعاً في مذهبهم، والعرض لا يبقى زمانين عندهم.

قال القوشجي: " احتجّت الأشاعرة على أنّ القدرة مع الفعل لا قبله بوجهين:

أحدهما: إنّها عرض، والعرض لا يبقى زمانيـن، فلو كانت قبل الفعل لانعدمت حال الفعل، فيلزم وجود المقدور بدون القدرة، والمعلول بدون العلّة، وهو محال.

وأُجيب عنه: أمّا أوّلا: فبالنقض بقدرة الله تعالى، وما يقال من أنّ العـرض لا يطلق على صفاته تعالى، وأنّ صفاته ليست مغايرة لذاته، فممّا لا يجدي نفعاً، ولأنّ الكلام في المعاني لا في إطلاق الألفاظ "(١).

وأمّا قول شارح " المواقف ": " ثمّ إنّ القدرة القديمة متعلّقة في الأزل... " إلى آخره(٢).

ففيه: إنّه إذا جاز ذلك في القديمة فليجز مثله في الحادثة، بأن تكون

(١) شرح التجريد: ٣٦٢.

(٢) شرح المواقف ٦ / ٩٦.

٣٥٠
نفسها وتعلّقها المعنوي متقدّمَين على الفعل كما هو المطلوب، إذ لا ندّعي تقدّمها على الفعل بتعلّقها الموجب لوجوده.

وأمّا ما أجاب به الخصم عن تعجّب المصنّف، فقد مرّ ما فيه، من أنّ البحث عن تقدّمها أو مقارنتها، إنّما هو فرع تأثيرها ومبنيٌّ عليه، فإذا زعموا أنّها غير مؤثّرة، كان بحثهم عن جهة التقدّم والمقارنة فضولا، وإن كان البحث عنها من جهة أُخرى صحيحاً.

وأمّا ما ذكره من الفرق بين القدرة واللون..

ففيه: إنّ المطلوب هو الفرق بالنسبة إلى الدخل بالفعل، لا الفرق بأيّ وجه كان، وما ذكره من صورة الاختيار، قد عرفت أنّه لا فائدة فيه مع عدم تأثير القدرة.

على أنّه لا يتوقّف خلق صورة الاختيار على خلق القدرة بعد فرض عدم الأثر لهما.

كما إنّ القدرة بلا تأثير لا تصحّح العقاب والثواب، ولا تخرج العبد عن الجبر الحقيقي.

وأمّا كلام الرازي، فهو في الحقيقة تسليم منه لخصومهم; لأنّ محلّ النزاع هو المعنى الأوّل، الذي لا يخالف المعنى الثاني بذات القدرة، وإنّما يخالفه بعدم اجتماع شرائط تأثيرها.

كما إنّ احتمال الرازي لإرادة الأشعري للمعنى الثاني خطأ، كما ذكره شارح " المواقف "; لأنّ القدرة الحادثة ليست مؤثّرة عند الأشعري، فكيف يقال: إنّه أراد بالقدرة القوّة المستجمِعة لشرائط التأثير؟!

وأمّا ما ذكره من أنّه يخرج بهذا جواب ابن سـينا..

ففيه: ما حكاه السيّد السعيد عن ابن سينا في كلام له متّصل بهذا

٣٥١
كتاب دلائل الصدق (ج٣) للشيخ محمد حسن المظفّر (ص ٣٥٢ - ص ٣٧٩)
٣٥٢

القدرة صالحة للضدَّين

قال المصنّـف ـ عطّر الله مرقده ـ(١):

المطلب الرابع عشر
في أنّ القدرة صالحة للضدَّين

ذهب جميع العقلاء إلى ذلك عدا الأشاعرة، فإنّهم قالوا: القدرة غير صالحة للضدّين(٢)، وهذا مناف لمفهوم القدرة، فإنّ القادر هو الذي إذا شاء أن يفعل فعل، وإذا شاء أن يترك ترك.

فلو فرضنا القدرة على أحد الضدّين لا غير، لم يكن الآخر مقدوراً، فلم يلزم من مفهوم القادر أنّه إذا شاء أن يترك ترك.


*    *    *

(١) نهج الحقّ: ١٣٠.

(٢) اللمع في الردّ على أهل الزيغ والبدع: ٩٤، تمهيد الأوائل: ٣٢٦، محصّل أفكار المتقدّمين والمتأخّرين: ١٥٣، المواقف: ١٥٣، شرح المواقف ٦ / ١٠٢ ـ ١٠٣.

٣٥٣

وقال الفضـل(١):

مذهب الأشاعرة: إنّ القدرة الواحدة لا تتعلّق بالضدّين، بناءً على كون القدرة عندهم مع الفعل لا قبله.

بل قالوا: إنّ القدرة الواحدة لا تتعلّق بمقدورَين مطلقاً، سواء كانا متضادَّين أو متماثلَين أو مختلفَين، لا مَعاً ولا على سبيل البدل، بل القدرة الواحدة لا تتعلّق إلاّ بمقدور واحد، وذلك لأنّها مع المقدور(٢).

ولا شكّ أنّ ما نجده عند صدور أحد المقدورَين مغاير لِما نجـده عند صدور الآخر.

ومذهب المعتزلة ومن تابعهم من الإمامية: إنّ قدرة العبد تتعلّق بجميع مقدوراته المتضادّة وغير المتضادّة(٣).

وأنا أقول: ولعلّ النزاع لفظي لا على الوجه الذي ذكره الإمام الرازي، فإنّ الأشاعرة يجعلون كلّ فرد من أفراد القدرة الحادثة متعلّقاً بمقدور واحد، وهو الكائن عند حدوث الفعل، فكلّ فرد له متعلّق.

والمعـتزلة يجعلون القدرة مطلقـاً متعلّـقة بجميع المقدورات، وهـذا لا ينافي جعل كلّ فرد ذا تعلّق واحد.

والمعتزلي لا يقول: إنّ الفرد من أفراد القدرة الحادثة إذا حدث

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع مع إحقاق الحقّ ـ ٢ / ١٥٢.

(٢) انظر: تمهيد الأوائل: ٣٢٦، المواقف: ١٥٣.

(٣) انظر: شرح الأُصول الخمسة: ٤١٥، شرح المواقف ٦ / ١٠٢ ـ ١٠٣، الذخيرة في علم الكلام: ٨٥، الاقتصاد في ما يتعلّق بالاعتقاد: ١٠٣.

٣٥٤
وحصل منه الفعل، فعين ذلك الفرد يتعلّق بضده، بل يقول: إنّ القدرة الحادثة مطلقاً تتعلّق بالضدّين، وهذا لا ينفيه الأشاعرة، فالنزاع لفظي; تأمّـل.

وأمّا ما ذكره من: " أنّه يوجب عدم كون القادر قادراً; لأنّه إذا لم تصلح القدرة للضدّين لا يكون الفاعل قادراً على عدم الفعل وهو الترك، فيكون مضطـرّاً لا قادراً ".

فالجواب عن ذلك: إنّه إنْ أُريد بكونه مضطـرّاً أنّ فِعله غير مقدور لـه، فهـو ممنـوع، وإنْ أُريـد به أنّ مقـدوره ومتعلّـق قدرته متعيّـن، وأنّـه لا مقدور له بهذه القدرة سواه، فهذا عين ما ندّعيه ونلتزمه..

ولا منازعة لنا في تسميته مضطـرّاً، فإنّ الاضطرار بمعنى امتناع الانفكاك لا ينافي القدرة، ألا يرى أنّ من أحاط به بناءٌ من جميع جوانبه، بحيث يعجز عن التقلّب من جهة إلى أُخرى، فإنّه قادر على الكون في مكانه بإجماع منّا ومنهم، مع أنّه لا سبيل له إلى الانفكاك عن مقدوره(١).


*    *    *

(١) انظر: شرح المواقف ٦ / ١٠٤.

٣٥٥

وأقـول:

لا يخـفى أنّ تعلّـق القدرة بالشـيء قد يكون بمعنـى أنّه إن شاء فِعْـلَـه فَـعَـلَـه، وإن شاء تَـرْكَه تَـرَكَه، وهو معنى صحّة الطرفَين وصلاحيّـتهما.

وقد يكون بمعنى تأثيرها في متعلّقها، وهذا بالضرورة لا يقع بالطرفين; لأنّ التأثير للنقيضين في آن واحد محـال، لعدم إمكان اجتماعهما.

ولا ريب أنّ النزاع بيننا وبين الأشاعرة في المعنى الأوّل، إذ لو كان مقصود الأشاعرة هو المعنى الثاني، لاستدلوا بما هو ضروري، من أنّ التأثير للنقيضين في آن واحد محال، ولم يحتاجوا إلى كلفة بنائه على مقارنة القدرة للمقدور التي تمحّلوا للاسـتدلال عليها.

وحينـئذ فلا وجه لِما زعمه الخصـم من كون النزاع لفظياً; لأنّه إذا كان محلّ النزاع هو التعلّق بالمعنى الأوّل كما عرفت، فلا بُـدّ أن يكون المراد هو القدرة المطلقة; لأنّها هي التي تصلح للنقيضين، لا فرد القدرة الخـاصّ الجامـع لشـرائط التأثيـر; لأنّـه إنّمـا يكـون فـرداً خاصّـاً عنـد التأثير بأحد الطرفين، فلا يمكن أن يصلح في هذا الحين للتأثير بالطرف الآخـر.

ولا يخفى أنّ هذا الذي جمع به الخصم وأظهر التفرّد به راجع إلى ما جمع به الرازي; لأنّ القدرة المطلقة هي القوّة العضلية، وفردها هو القوّة

٣٥٦
المسـتجمِعة لشرائط التأثير(١).

وأمّا ما أجاب به عن إلزام المصنّف، فمناف لِما توهّمه من كون النزاع لفظياً، إذ لو سلّموا تعلّق القدرة المطلقة بالطرفين، كما هو محلّ دعوى المصنّف، لقال: نحن لا نمنع هذا حتّى ينافي مفهوم القدرة، وإنّما نمنع تعلّق فردها بالطرفين وهو لا ينافي مذهبكم.

ولكن قد يعذر الخصم على إتيان هذه المنافاة; لأنّه لا يعرف من الاستدلال والردّ إلاّ ما في " المواقف " وشرحها، كما هو دأبه في هذا الكتاب، وقد وجد هذا الكلام في " شرح المواقف " فأورده بلفـظه جهلا بأنّه ينفي ما توهّمه(٢).

ثمّ إنّه واضح البطلان; لأنّا نختار منه الشقّ الأوّل من ترديده، ونحكم بسفسطة مانعه، إذ لو كان الفعل الذي لا يتمكّن فاعله من تركه مقدوراً له، لكان كلّ فعل تلبّـس به الشخص ولم يقدر على تركه مقدوراً له، وكذا كلّ ترك تلـبّـس به ولم يقدر على نقيضه..

فيكون من سقط من شاهق قادراً على هذا السقوط في حين السقوط، وكان تارك الطيران إلى السماء قادراً على الترك، وهو عين السفسطة.

ومن هذا القبيل مثال البناء الذي ذكره، فإنّ دعوى قدرة من أحاط به البناء وعجز عن التقلّب شبيهة بدعوى القدرة في هذه الأمثلة.

نعم، هو قادر على الكون في البناء المذكور، وعلى السقوط في

(١) تقدّم قول الفخر الرازي في الصفحة ٣٤٢.

(٢) انظر: شرح المواقف ٦ / ١٠٤.

٣٥٧
المثال السابق، قبل الكون وقبل السقوط، وأمّا حينهما فهما غير مقدورَين له في هذا الحيـن..

وضرورة العقلاء حاكمة بذلك، ودعوى الإجماع منّا ومنهم مع وضوح الكذب علينا غير غريبـة!


*    *    *

٣٥٨

الإنسان مريدٌ لأفعالـه

قال المصنّـف ـ أعلى الله مقامه ـ(١):

المطلب الخامس عشر
في الإرادة

ذهبت الإماميـة وجميع المعتزلة إلى أنّ الإنسان مريد لأفعاله، بل كلّ قادر فإنّه مريد; لأنّها صفة تقتضي التخصيص، وأنّها نفس الداعي(٢).

وخالفت الأشاعرة في ذلك، فأثبتوا صفة زائدة عليه(٣).

وهذا من أغرب الأشياء وأعجبها; لأنّ الفعل إذا كان صادراً عن الله تعالى ومسـتنداً إليه، وكان لا مؤثّـرَ إلاّ الله تعـالى، فأيّ دليل حينئذ يدلّ على ثبوت الإرادة؟! وكيف يمكن ثبوتها لنا؟!

(١) نهج الحقّ: ١٣١.

(٢) الذخيرة في علم الكلام: ١٦٥ ـ ١٦٦، شرح جمل العلم والعمل: ٩٢ ـ ٩٣، الاقتصاد في ما يتعلّق بالاعتقاد: ٩٧ ـ ٩٨، المنقذ من التقليد ١ / ١٦٢، تجريد الاعتقاد: ١٩٩، المحيط بالتكليف: ٢٣٢، شرح الأُصول الخمسة: ٣٢٤ ـ ٣٤٧، الأربعين في أُصول الدين ـ للفخر الرازي ـ ١ / ٣٤٤.

(٣) الإبانة عن أُصول الديانة: ١٢٣ وما بعدها، تمهيد الأوائل: ٢٩٩ و ٣١٧، الملل والنحل ١ / ٨٢ ـ ٨٣، الأربعين في أُصول الدين ـ للفخر الرازي ـ ١ / ٢٠٧، محصّل أفكار المتقدّمين والمتأخّرين: ٢٤٣، المسائل الخمسون: ٥٢ و ٥٣، شرح المقاصد ٤ / ١٢٨ و ٢٧٤، شرح العقائد النسفية: ١٢٤ ـ ١٢٥، شرح المواقف ٨ / ٤٤ ـ ٤٥.

٣٥٩
لأنّ طريق الإثبات هو أنّ القادر كما يقدر على الفعل، كذا يقدر على الترك، فالقدرة صالحة للإيجاد والترك، وإنّما يتخصّص أحد المقدورَين بالوقوع دون الآخر بأمر غير القدرة الموجودة وغير العلم التابع.

فالمذهب الذي اختاروه لأنفسهم سدّ عليهم ما عُلم وجوده بالضرورة، وهو القدرة والإرادة.

فلينظر العاقل المنصف من نفسه، هل يجوز له اتّباع من ينكر الضروريات ويجحد الوجدانيات؟!

وهل يشكّ عاقل في أنّه قادر مريد، وأنّه فرقٌ بين حركاته الإرادية وحركة الجماد؟!

وهل يسوغ لعاقل أن يجعل مثل هؤلاء وسائط بـينه وبيـن ربّـه؟!

وهل تتمّ له المحاجّة عند الله تعالى بأنّي اتّبعت هؤلاء، ولا يسأل يومئذ كيف قلّدت من تعلم بالضرورة بطلان قوله؟!

وهل سمعت تحريم التقليد في الكتاب العزيز مطلقاً؟!

فكيف لأمثال هؤلاء؟!

فما يكون جوابه غداً لربّـه؟!

وما علينا إلاّ البلاغ المبين!

وقد طوّلنا في هذا الكتاب ليرجع الضالّ عن زلله، ويستمرّ المستقيم على معتقده.


*    *    *

٣٦٠