×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

دلائل الصدق لنهج الحق ـ ج 3 / الصفحات: ٣٦١ - ٣٨٠

وقال الفضـل(١):

هذا المطلب لا يتحصّل مقصوده من عباراته الركيكة، والظاهر أنّه أراد أنّ الأشاعرة لا يقدرون على إثبات صفة الإرادة; لأنّ إسناد الفعل إلى الله تعالى، وأنّه لا مؤثّر إلاّ هو، يوجب عدم إثبات صفة الإرادة.

وقد علمت في ما سلف بطلان هذا، فإنّ وجود القدرة والإرادة في العبد معلوم بالضرورة، وكونهما غير مؤثّرتَين في الفعل لا يوجب عدم ثبوتهما في العبد ـ كما مرّ مراراً ـ، والله أعلم.

وما ذكره من الطامّات قد كرّره مرّات، ومن كثرة التطويل الذي كلّه حشو حصل له الخجل، وما أحسن ما قلتُ في تطويلاته شعراً:


لقد طوّلتَ والتطويلُ حشوٌوفي ما قلتَه نفعٌ قليلُ
وقالوا الحشو لا التطويل لكنكلامَك كلّه حشوٌ طويلُ


*    *    *

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع مع إحقاق الحقّ ـ ٢ / ١٦١.

٣٦١

وأقـول:

لم يخفَ على المصنّف أنّ وجود القدرة والإرادة في العبد ضروري، كيفَ وقد صرّح به هنا، وصرّح في ما سبق بأنّهما مؤثّران بالضرورة؟!

ولكن لمّا عُلم من حالهم أنّهم يكابرون الضرورة، ويطالبون بإقامة الأدلّة على الأُمور البديهية، كما كابروا في أمر تأثيرهما وفي غيره من الأُمور السابقة، جرى على منوالهم في المقام، وألزمهم بعدم وجود الدليل على وجود القدرة والإرادة، بناءً على مذهبهم من كون المؤثّر هو الله تعالى وحده، بل يلزمهم الحكم بعدم وجود الإرادة، إذ لا يتصوّر وجه حاجة إليها غير تخصيص أحد الطرفين المقدورَين.

فإذا منعوا صلاحية القدرة للطرفين وقالوا: إنّها هي المخصّصة لأحدهما، لم يكن معنىً لتخصيص الإرادة، فيلزمهم نفي وجود ما عُلم وجوده بالضرورة، وينسدّ طريق ثبوته، لا سيّما والله سبحانه لا يفعل العبـث.

ودعوى الأشاعرة ترتّب التكليف والثواب والعقاب على وجودها المجرّد عن التأثير، قد عرفتَ بطلانها.

وأمّا ما نسبه إلى المصنّف من الطامّات، وإيراد الحشو في العبارات، فهو موكول إلى المنصـف.

وكفاك في معرفة تضلّعه في البيان وسموّ مداركه، ما سمّاه شعراً واسـتحسنه من هذين البيتين ونحوهما!!


*    *    *

٣٦٢

المتولّد من الفعل من جملة أفعالنا

قال المصنّـف ـ رفع الله درجته ـ(١):

المطلب السادس عشر
في المتولّـد

ذهبت الإمامية إلى أنّ المتولّد من أفعالنا [مسـتند إلينا] (٢).

وخالفت أهل السُـنّة في ذلك، وتشعّبوا في ذلك، وذهبوا كلّ مـذهب.

فزعم معمَّر(٣): إنّه لا فعل للعبد إلاّ الإرادة، وما يحصل بعدها فهو

(١) نهج الحقّ: ١٣٢.

(٢) أوائل المقالات: ١٠٣، الذخيرة في علم الكلام: ٧٣، شرح جمل العلم والعمل: ٩٢، تقريب المعارف: ١٠٨، تجريد الاعتقاد: ٢٠٠.

(٣) هو: أبو عمرو ـ أو: أبو المعتمر ـ معمّر بن عبّاد البصري السلمي، مولاهم العطّار، المتكلّم المعتزلي، المتوفّى سنة ٢١٥ هـ، تفرّد بمقالات أنكرها عليه معتزلة البصرة ففـرّ إلى بغـداد، وكان يقول: " في العالَم أشياء موجودة لا نهايـة لها، ولا لها عند الله عدد ولا مقدار "، وكان بينه وبين النظّام مناظرات ومنازعات، لـه عـدّة تصانيـف، منهـا: كـتاب المعاني، كـتاب الاسـتطاعة، كتاب الجزء الذي لا يتجزّأ والقول بالأعراض والجواهر.

انظر ترجمته في: الفهرسـت ـ للنديم ـ: ٢٨٩، سير أعلام النبلاء ١٠ / ٥٤٦ رقم ١٧٦، طبقات المعتزلة: ٥٤.

٣٦٣
من طبع المحلّ(١).

وقال بعض المعتزلة(٢): لا فعل للعبد إلاّ الفكر(٣).

وقال النظّام: لا فعل للعبد إلاّ ما يوجد في محلّ قدرته، وما يجاورها فهو واقع بطبع المحلّ(٤).

وذهبت الأشاعرة إلى أنّ المتولّد من فِعل الله تعالى(٥).

وقد خالف الكلّ ما هو معلوم بالضرورة عند كلّ عاقل..

فإنّا نستحسن المدح والذمّ على المتولّد كالمباشر، كالكتابة والبناء والقتل، وغيرها.

وحسن المدح والذمّ فرع على العلم بالصدور عنّا، ومن كابر في حسن مدح الكاتب والبنّاء المجيدَين في صنعتهما، البارعَين فيها، فقد كابر مقتضى عقله(٦).


*    *    *

(١) المغني ـ للقاضي عبـد الجبّار ـ ٩ / ١١ وفيه أنّه قول ثمامة بن الأشرس والجاحظ أيضاً حكاية عن أبي القاسم البلخي في كتاب " المقالات "، الفصل في الملل والأهواء والنحل ٢ / ٨٧، الملل والنحل ١ / ٥٩، شرح المقاصد ٤ / ٢٧١ ـ ٢٧٢.

(٢) هو ثمامة بن الأشرس النميري.

(٣) المغني ـ للقاضي عبـد الجبّار ـ ٩ / ١١، الفَرق بين الفِرق: ١٥٧ ـ ١٥٨، الملل والنحل ـ للشهرسـتاني ـ ١ / ٦١ ـ ٦٢، شرح المقاصد ٤ / ٢٧٢.

(٤) المغني ـ للقاضي عبـد الجبّار ـ ٩ / ١١، الملل والنحل ١ / ٤٩، شرح المقاصد ٤ / ٢٧٢، شرح المواقف ٨ / ١٦٠.

(٥) تمهيد الأوائل: ٣٣٤ ـ ٣٣٥، محصّل أفكار المتقدّمين والمتأخّرين: ٢٩٠، المواقف: ٣١٦، شرح العقائد النسفية: ١٥١، شرح المقاصد ٤ / ٢٧١.

(٦) راجع: الذخيرة في علم الكلام: ٧٣ ـ ٧٥، تقريب المعارف: ١٠٨ ـ ١٠٩.

٣٦٤

وقال الفضـل(١):

إعلم أنّ المعتزلة لمّا أسندوا أفعال العباد إليهم، ورأوا فيها ترتّباً، قالوا بالتوليد، وهو أن يوجدَ فعلٌ لفاعله فعلا آخر، نحو حركة اليد وحركة المفتـاح.

والمعتمد في إبطال التوليد عند الأشاعرة استناد جميع الكائنات إلى الله تعالى ابتداءً.

وأمّا ترتّب المدح والذمّ للعبد; فلأنّه محلّ للفعل ومباشر وكاسـب لـه.

وكذا ما يترتّب على فعله(٢) وإن أحدثه الله تعالى بقدرته، فلا يلزم مخالفة الضرورة كما مرّ مراراً.


*    *    *

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع مع إحقاق الحقّ ـ ٢ / ١٦٥.

(٢) تقدّم في الهامش رقم ٥ من الصفحة السابقة.

٣٦٥

وأقـول:

فيه ما عرفت أنّه لا يصحّ إسناد جميع أفعال العباد إلى الله سبحانه، وأنّ الكسب لا يغني في دفع شيء من الإشكالات السابقة، إذ لا أثر للعبد فيه كأصل الفعل، لاسـتناد جميع الكائنات عندهم إلى الله سبحانه.

وحينئذ فلا محلّ لمدح العبد وذمّه على المتولّد بطريق أَوْلى; لأنّه فعل الله تعالى بلا أثر للعبد فيه أصلا عندهم.


*    *    *

٣٦٦

التكليف سابق على الفعل

قال المصنّـف ـ طاب ثراه ـ(١):

المطلب السابع عشر
في التكليف

لا خلاف بين المسلمين في أنّ الله تعالى كلّف عباده فعل الطاعات واجتناب المعاصي، وأنّ التكليف سابق على الفعل(٢).

وقالت الأشاعرة ها هنا مذهباً غريباً عجيباً! وهو: إنّ التكليف بالفعل حالة الفعل لا قبله(٣).

وهذا يلزم منه محـالات..


*    *    *

(١) نهج الحقّ: ١٣٣.

(٢) شرح الأُصول الخمسة: ٤١٠ ـ ٤١١، تقريب المعارف: ١٢٣، تجريد الاعتقاد: ٢٠٣.

(٣) التقريب والإرشاد ٢ / ٢٩٠ ـ ٢٩٢، المحصول في علم أُصول الفقه ١ / ٣٣٥، الإحكام في أُصول الأحكام ـ للآمدي ـ ١ / ١٢٧، فواتح الرحمـوت ١ / ١٣٤ ـ ١٣٥.

٣٦٧

وقال الفضـل(١):

لمّا ذهبت الأشاعرة إلى أنّ القدرة مع الفعل، والتكليف لا يكون إلاّ حال القدرة(٢)، فيلزم أن يكون التكليف مع الفعل، وهذا شيء لزم من القول الأوّل.


*    *    *

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع مع إحقاق الحقّ ـ ٢ / ١٦٦.

(٢) التقريب والإرشاد ٢ / ٢٩٠ ـ ٢٩٢، المحصول في علم أُصول الفقه ١ / ٣٣٥ وما بعـدها، الإحكام في أُصول الأحكام ـ للآمدي ـ ١ / ١٢٧، فواتح الرحموت ١ / ١٣٤ ـ ١٣٥.

٣٦٨

وأقـول:

قد عرفت بطلان اللـزوم(١) فيلزمه بطلان اللازم، على أنّ اللزوم ممنوع; لأنّ توقّف صحّة التكليف على القدرة لا يستدعي إلاّ تحقّق القدرة على الفعل في وقته لا في وقت التكليف، فلا يتمّ القول بأنّ التكليف مع الفعـل.


*    *    *

(١) انظر الصفحة ٣٤٥ ـ ٣٤٦.

٣٦٩

قال المصنّـف ـ قـدّس الله سرّه ـ(١):

الأوّل: أن يكون التكليف بغير المقدور; لأنّ الفعل حال وقوعه يكون واجباً، والواجب غير مقدور.


*    *    *

(١) نهج الحقّ: ١٣٣.

٣٧٠

وقال الفضـل(١):

لا نسلّم أنّ الواجب غير مقدور مطلقاً، بل ما أوجبته القدرة الحادثة مقدور لتلك القدرة التي أوجبته.

وكذلك فعل العبد بعد الحصول، فيكون مقدوراً، وإذا صار مقدوراً تعلّق به التكليف ولا محذور فيه.


*    *    *

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع مع إحقاق الحقّ ـ ٢ / ١٦٦.

٣٧١

وأقـول:

لا ريب أنّ المقدور لا يبقى على المقدوريّة حين عروض الوجوب عليه وإنْ كان وجوبه بالقدرة، إذ لو بقي مقدوراً لم يصر واجباً، فإذا فرض تعلّق التكليف بالفعل حين وقوعه، فقد تعلّق به وهو واجب غير مقدور، وهو محال، ومجرّد مقدوريّته بالذات لا تسوّغ التكليف به وهو في حال الوجوب.

ولو سُلّم بقاؤه على المقدوريّة، فلا ريب أنّ التكليف بالشيء محركّ وباعث عليه، والموجود لا يتصوّر التحريك نحوه، وكما لا يجوز التكليف بالشيء بعد وقوعه وإنْ كان مقدوراً في نفسه، لا يجوز التكليف به حين وقوعه.


*    *    *

٣٧٢

قال المصنّـف ـ أعلى الله مقامه ـ(١):

الثاني: يلزم أن لا يكون أحد عاصياً ألبتّة; لأنّ العصيان مخالفة الأمر، فإذا لم يكن الأمر ثابتاً إلاّ حالة الفعل، وحال العصيان هو حال عدم الفعل، فلا يكون مكلّفاً حينئذ وإلاّ لزم تقدّم التكليف على الفعل، وهو خلاف مذهبهم.

لكن العصيان ثابت بالإجماع ونصّ القرآن..

قال الله تعالى: ( أفعصيتَ أمري )(٢)..

( ولا أعصي لك أمراً )(٣)..

( ءالآن وقد عصيتَ قبلُ )(٤)..

ويلزم انتفاء الفسق الذي هو الخروج عن الطاعة أيضاً.

فلينظر العاقل من نفسه، هل يجوز لأحد تقليد هؤلاء الّذين طعنوا في الضروريات؟!

فإنّ كلّ عاقل يسلّم بالضرورة من دين محمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ الكافر عـاص، وكـذا الفاسـق.. ( يا أيّـها الّـذين آمنـوا اتّـقوا الله وقولـوا قـولا سديداً * يُصْلِـح لكم أعمالَـكم ويغفر لكم ذنوبكم )(٥).

فأيّ سداد في هذا القول المخالف لنصوص القرآن؟!

(١) نهج الحقّ: ١٣٣.

(٢) سورة طه ٢٠: ٩٣.

(٣) سورة الكهف ١٨: ٦٩.

(٤) سورة يونس ١٠: ٩١.

(٥) سورة الأحزاب ٣٣: ٧٠ و ٧١.

٣٧٣

وقال الفضـل(١):

الأمر عندنا أزلي، فكيف ينسب إلينا أنّ الأمر عندنا لم يكن ثابتاً إلاّ حالة الفعل؟!

وأمّا قوله: " حال العصيان حال عدم الفعل "..

فنقول: ممنوع; لأنّ الأمر إذا توجّه إلى المكلّف وتعلّق به، فهو إمّا أن يفعل المأمور به، أو لا يفعل، فإنْ فعل المأمور به فهو مطيع، وإنْ فعل غيره فهو عاص.

فالطاعة والعصيان يكونان مع الفعل، والتكليف حاصل معه، فكيف يصحّ أن يقال: إنّ العصيان حال عدم الفعل، والعصيان صفة الفعل، وحاصل معه؟!

والحاصل: إنّ عصيان الأمر مخالفته، وإذا صدر الفعل عن المكلّف، فإنْ وافق الأمر فهو طاعة، وإنْ خالفه فهو عصيان.

فالعصيـان حاصـل حـال الفعـل، ولا يلزم أصـلا من هذا الكلام أن لا يكون العصيان ثابتاً.

وأمّا قوله: " والعصيان ثابت "، وإقامة الدليل على هذا المدّعى، فهو من باب طامّاته، وإقامته الأدلّة الكثيرة على مدّعىً ضروري في الشرع متّفق عليـه.

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع مع إحقاق الحقّ ـ ٢ / ١٦٧.

٣٧٤

وأقـول:

نعم، لمّا كان الأمر عندهم أزلياً وجب أن يكون الأمر سابقاً على الفعل، فينافي قولهم بأنّ الأمر مع الفعل، وليس علينا أن ندفع هذه المنافاة.

ودعوى أنّ الأمر أزلي وتعلّقه حادث لو صحّت لا تدفع المنافاة، ما دام الأمر بنفسه ثابتاً في الأزل كما زعموه.

ولا يمكن إنكار قولهم بأنّ الأمر مع الفعل، بدليل ما تكلّفوه من الأجوبة عن المحالات التي ذكرها المصنّف، فإنّهم لو ذهبوا إلى أنّ التكليف قبل الفعل لَما لزمهم شيء من المحالات، وما احتاجوا إلى تكلّف تلك الأجوبة الواهية، التي منها ما أجاب به عن قول المصنّف (رحمه الله): " حال العصيان حال عدم الفعل ".

وحاصله: إنّ المكلّف فاعل حال عصيانه فعلا آخرَ مقارناً لترك المأمور به، فيكون العصيان حال الفعل، وهذا مبنيٌّ على أنّ مرادهم بالفعل في قولهم: " التكليف مع الفعل " هو الأعمّ من فعل المأمور به وفعل ضدّه، لزعمهم أنّ القدرة المعتبرة في التكليف هي القدرة على الشيء أو ضدّه.

وفيه: إنّهم لو أرادوا الأعمّ لا خصوص الفعل المأمور به، لَما احتاجوا إلى كلفة الجواب عن المحالات الأُخر; لأنّ المأمور متلبّـس قبل فعل المأمور به بفعلِ ضدّه، فيكون التكليف مع الفعل ـ أي: فِعل الضدّ ـ وقبل فعل المأمور به، فلا يكون تكليفاً بالواجب، ولا طلباً لتحصيل الحاصل.

فتكلّفهم بالجواب عن هذين المحالين دليل على أنّ مرادهم بالفعل

٣٧٥
هو خصوص فعل المأمور به، فيبطل ما أجاب به الخصم.

هذا، واعلم أنّ كلام المصنّف إنّما هو في عصيان الأمر كما هو صريح كلام الخصم.

وإنّما خصّ المصنّف الإشكال به دون عصيان النهي; لأنّه في مقام الردّ على قولهم: " التكليف مع الفعل ".

ومن المقرّر أنّ التكليف في النهي إنّما هو بالترك; لأنّه طلب الترك، فيكون التكليف معه لا مع الفعل، لاعتبار القدرة على المكلَّف به، وزعمهم أنّ القدرة على الشيء معه.

وحينئذ فتقرير الإشكال على كون التكليف مع الترك هكذا: إنّ عصيان النهي مخالفته، فإذا لم يكن النهي ثابتاً إلاّ حالة الترك، وحال العصيان هي حال فعل المنهيّ عنه، لم يكن مكلّفاً حينئذ، وإلاّ لزم ثبوت النهي لا مع الترك، وإذا لم يكن منهيّاً حين فعل المنهي عنه، لم يكن عاصياً..

ويمكن أن يدّعي أنّ النهي متعلّق بالفعل بنحو الزجر عنه، فيكون التكليف مطلقاً على زعمهم مع الفعل، ويكون تخصيص المصنّف للإشكال بعصيان الأمر; لاختصاصه به.

وأمّا ما ذكره من أنّ المصنّف في إقامته الأدلّة على ثبوت العصيان قد أقامها على مدّعىً ضروريّ، فصحيح، لكنّه أراد بها التشنيع عليهم باستلزام مذهبهم لمخالفة الضروري الثابت بالإجماع ونصّ الكتاب!


*    *    *

٣٧٦

قال المصنّـف ـ رفع الله منزلته ـ(١):

الثالث: لو كان التكليف حالة الفعل خاصّةً لا قبله، لزم: إمّا تحصيل الحاصل، أو: مخالفة التقدير، والتالي باطل بقسميه بالضرورة، فالمقدَّم مثله.

بيان الشرطية: إنّ التكليف إمّا أن يكون بالفعل الثابت حالة التكليف، أو بغيره.

والأوّل: يسـتلزم تحصيل الحاصل.

والثاني: يسـتلزم تقدّم التكليف على الفعل.

وهو خلاف الفرض، وأيضاً هو المطلوب، وأيضاً يسـتلزم التكرار.


*    *    *

(١) نهج الحقّ: ١٣٤.

٣٧٧

وقال الفضـل(١):

نختار أنّ التكليف بالفعل الثابت حالة التكليف.

قوله: " يسـتلزم تحصيل الحاصل ".

قلنا: تحصيل الحاصل بهذا التحصيل ليس بمحال، وها هنا كذلك; لأنّ التكليـف وُجـد مـع القـدرة والفـعل، فهـو حـاصل بهـذا التحصيـل فـلا محـذور.


*    *    *

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع مع إحقاق الحقّ ـ ٢ / ١٦٩.

٣٧٨

وأقـول:

قد تكـرّر هذا الجواب في كلماتهم، وهو من الغرائب; لأنّ الحصول المطلوب لا بُـدّ أن ينبعث عن الطلب.

فلو كان الحصول مقارناً للطلب ومطلوباً به، لزم إعادة نفس الحصول ليتصوّر الانبعاث عن الطلب، فيلزم تحصيل الحاصل وإعادته بعينه، وهو محـال.


*    *    *

٣٧٩
كتاب دلائل الصدق (ج٣) للشيخ محمد حسن المظفّر (ص ٣٨٠ - ص ٤١٢)
٣٨٠