×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

دلائل الصدق لنهج الحق ـ ج 3 / الصفحات: ٢١ - ٤٠

بالكفر والقبائح عن الله تعالى باطل.

ولا يتوقّف إثبات الرضا له تعالى بالقبائح على أنّ يكون بمعنى الإرادة، وليس هو من قولنا ولا قول أحد.

وإنّما نقول بتوقّف الفعل الاختياري على إرادته، وهي موقوفة على الرضا به، فيتوقّف الفعل على الرضا به.

وما زعمه من أنّ الخلق غير الفعل قد سبق بطلانه(١)، على أنّ الخلق للشيء يتوقّف على الرضا به بالضرورة، ويستلزم إثبات الظلم لله تعالى وإن لم يسمّ الخلق فعلا.

ولا لوم على المصنّف في عدم التفاته إلى مثل تلك الأجوبة الفارغة عن المعنى، المبنية على مجرّد الاصطلاح أو على أُمور ضرورية الفساد.

وأمّا ما نسبه إلينا من إثبات الشركاء لله سبحانه في الخلق، فقد سبق ما فيه(٢)، وأنّ إيجادنا لأفعالنا إنّما هو من آثار قدرته; لأنّ قدرتنا وتأثيرنا من مظاهر قدرته، ودلائل لطف صنعه وحكمته، فنحن لم نسـتغنِ عنه في حال، ولم نفعل بقوّة منّا واستقلال.

وأيّ مناسبة لهذا بالشركة في الخلق المنصرف إلى كونه في عرضه تعالى؟! وبقول المجوس بإلهَين مستقلَّـيْن؟! بل قول الأشاعرة أشبه بقول أكثر المجوس; لأنّهم معاً يثبتون القدماء(٣).

ويزيد الأشاعرة على بعض المجوس بإثباتهم حاجة الله تعالى في

(١) راجع الصفحتين ٩ ـ ١٠ من هذا الجزء.

(٢) انظر ج ٢ / ٣٥٩ من هذا الكتاب.

(٣) راجع ج ٢ / ٢٦٧ هـ ٤ من هذا الكتاب.

٢١
خلقه إلى غيره، وهو صفاته(١).

والبعض من المجوس ـ كما قيل ـ يقرّون بالله تعالى، ويجعلونه خالق الخير، بلا حاجة منه سبحانه إلى غيره(٢).


*    *    *

(١) انظر الهامش السابق.

(٢) راجع: الملل والنحل ٢ / ٢٦١.

٢٢

قال المصنّـف ـ طاب ثراه ـ(١):

ومنها: إنّه يلزم عدم الوثوق بوعده ووعيده; لأنّه لو جاز منه فعل القبيح لجاز منه الكذب، وحينئذ ينتفي الجزم بوقوع ما أخبر بوقوعه من الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية، ولا يبقى للعبد جزم بصدقه، بل ولا ظنّ به; لأنّه لمّا وقع منه أنواع الكذب والشرور في العالم، كيف يحكم العقل بصدقه في الوعد والوعيد؟! وتنتفي حينئذ فائدة التكليف، وهو الحذر من العقاب، والطمع في الثواب.

ومَن يجوّز لنفسه أن يقلّد من يعتقد جواز الكذب على الله تعالى، وأنّه لا جزم بالبعث والنشور، ولا بالحساب ولا بالثواب ولا بالعقاب؟! وهل هذا إلاّ خروج عن الملّة الإسلامية؟!

فليحذر الجاهل من تقليد هؤلاء، ولا يعتذر بأنّي ما عرفت مذهبهم، فهذا عين مذهبهم وصريح مقالتهم، نعوذ بالله منها ومن أمثالها.

ومنها: إنّه يستلزم نسبة المطيع إلى السفه والحمق، ونسبة العاصي إلى الحكمة والكياسة، والعمل بمقتضى العقل، بل كلّما ازداد المطيع في طاعته وزهده ورفضه للأُمور الدنيوية، والإقبال على الله تعالى بالكلّيّة، والانقياد إلى امتثال أوامره واجتناب مناهيه، نُسب إلى زيادة الجهل والحمق والسفه!.. وكلّما ازداد العاصي في عصيانه، ولجّ في غيّه وطغيانـه، وأسرف في ارتكاب الملاهي المحرّمة، واستعمال الملاذّ المزجور عنها

(١) نهج الحقّ: ٨٧.

٢٣
بالشرع، نُسب إلى العقل والأخذ بالحزم..

لأنّ الأفعال القبيحة إذا كانت مستندة إليه تعالى جاز أن يعاقب المطيع ويثيب العاصي، فيتعجّل المطيع بالتعب ولا تفيده طاعته إلاّ الخسران، حيث جاز أن يعاقبه على امتثال أمره ويحصل في الآخرة بالعذاب الأليم السرمد والعقاب المؤبّد، وجاز أن يثيب العاصي فيحصل بالربح في الدارين، ويتخلّص من المشقّة في المنزلتين!

ومنها: إنّه تعالى كلّف المحال; لأنّ الآثار كلّها مستندة إليه تعالى، ولا تأثير لقدرة العبد ألبتّة، فجميع الأفعال غير مقدورة للعبد، وقد كُلّف ببعضها فيكون قد كلّف ما لا يطاق.

وجوّزوا بهذا الاعتبار، وباعتبار وقوع القبيح منه تعالى، أن يكلّف الله تعالى العبد أن يخلق مثله تعالى ومثل نفسه، وأن يعيد الموتى في الدنيا كآدم ونوح وغيرهما، وأن يبلع جبل أبي قُـبَـيْس(١) دفعة، ويشرب ماء دجلة في جرعة، وأنّه متى لم يفعل ذلك عذّبه بأنواع العذاب.

فلينظر العاقل في نفسه: هل يجوز له أن ينسب ربّه تعالى وتقدّس إلى مثل هذه التكاليف الممتنعة؟! وهل يُنسب ظالم منّا إلى مثل هذا الظلم؟! تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.

ومنها: إنّه يلزم منه عدم العلم بنبوّة أحد من الأنبياء (عليهم السلام); لأنّ دليل

(١) جبل أبي قُبيس: هو اسم الجبل المشرف على مكّة المكـرّمة، قيل: سُمّي باسم رجل من مذحج كان يكنّى أبا قبيس، وقيل: كـنّاه النبيّ آدم (عليه السلام) بذلك حين اقتبس منه هذه النار التي بأيدي الناس، وكان في الجاهلية يسمّى " الأمين " لأنّ الحجر الأسود كان مستودعاً فيه أيّام الطوفان.

انظر: معجم البلدان ١ / ١٠٣ رقم ١٥٩، مراصد الاطّلاع ٣ / ١٠٦٦، وانظر مادّة " قبس " في: لسان العرب ١١ / ١١، تاج العروس ٨ / ٤٠٥.

٢٤
النبوّة هو: أنّ الله تعالى فعل المعجزة عقيب الدعوة لأجل التصديق، وكلّ من صدّقه الله تعالى فهو صادق، فإذا صدر القبيح منه لم يتمّ الدليل.

أمّا الصغرى: فجاز أن يخلق المعجزة للإغواء والإضلال.

وأمّا الكبرى: فلجواز أن يصدّق المبطلَ في دعواه.

ومنها: إنّ القبائح لو صدرت عنه تعالى لوجبت الاستعاذة [منه]; لأنّـه حينئـذ أضـرّ [على البشـر] من إبليس لعنه الله تعـالى، وكان الواجـب ـ على قولهم ـ أن يقول المتعوّذ: أعوذ بالشيطان الرجيم من الله تعالى!

وهل يرضى العاقل لنفسه المصير إلى مقالة تؤدّي إلى التعوّذ من أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، وتخليص إبليس من اللعن والبعد والطرد؟!

نعوذ بالله من اعتقاد المبطلين، والدخول في زمرة الضالّين، ولنقتصر في هذا المختصر على هذا القدر.


*    *    *

٢٥

وقال الفضـل(١):

قد عرفت في ما سبق مذهب الأشاعرة في عدم صدور القبيح من الله تعالى، وأنّ إجماع الملّـيّين منعقد على أنّه تعالى لا يفعل القبـيـح.. فكلّ ما أقامه من الدلائل قد ذكرنا أنّه إقامة الدليل في غير محلّ النزاع، فإنّ المدّعى شيء واحد.

وهم يسـندونه بالقبح العقلي.

والأشاعرة يسـندونه إلى أنّه لا قبيح منه ولا واجب عليه(٢).

ثمّ إنّ المعتزلة لو أرادوا من نسبة فعل القبيح إليه تعالى أنّه يخلق القبائح من أفعال العباد ـ على رأي الأشاعرة ـ فهذا شيء يلزمهم; لأنّ القبائح من الأشياء كما تكون في الأعراض كالأفعال، تكون في الجواهر والذوات.. فالخنزير قبيح، والعقرب والحيّة والحشرات قبائح، وهم متّفقون أنّ الله يخلقهم.

فكلّ ما يلزم الأشاعرة يلزمهم في خلق القبائح الجوهريّة.

وإن أرادوا أنّه يفـعل القبائـح، فإنّ هـذا شيء لم يلزم من كلامـهم ولا هو معتقدهم كما صرّحنا به مراراً.


*    *    *

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع مع إحقاق الحقّ ـ ١ / ٤٠٣.

(٢) انظر الصفحة ٧ من هذا الجزء.

٢٦

وأقـول:

قد سبق أنّ قول الأشاعرة بعدم صدور القبيح منه سبحانه ليس بمعنى أنّـه لا يُوجِد القبائح، بل بمعنى أنّه لا يقبح منه القبيح وإن صدر منه، كالزنا، والقيادة، والكفر، ونحوها!(١).

وحينئذ فيرد عليهم كلّ ما ذكره المصنّف، إذ ليس الإشكال ناشئاً من تسمية ما يصدر عنه من القبيح قبيحاً، بل من جهة القول بصدوره عنه وإيجاده له.

فيكون استنادهم في دفع المحالات إلى أنّه لا قبيح منه، تقريراً للزومها بعبارة ظاهرها مليح وباطنها قبيح.

وأمّا قوله: " وإن أرادوا أنّه يفعل القبائح، فإنّ هذا شيء لم يلزم من كلامهم... " إلى آخره..

فـفيه ما مرّ من أنّ فعل القبيـح وخلقه بمعنىً واحد، وتعدّد الألفاظ لا أثـر له، فإنّ الإشـكال ناشـئ من قولهـم بإيجـاد الله سـبحانه للقبائـح، ولا لتسميته خلقاً لا فعلا(٢).

على أنّه لا وجه لامتناعهم من نسبة الفعل إليه تعالى، بعد إنكارهم للحسن والقبح العقلـيَّين في الأفعال.

وأمّا قوله: " فهذا شيء يلزمهم "..

(١) انظر ج ٢ / ٣٣٢ من هذا الكتاب.

(٢) راجع الصفحة ٩ من هذا الجزء.

٢٧
فمردود بأنّ الخنزير والحشرات ليست قبائح حقيقة; لِما فيها من المصالح الكثيرة، بخلاف قبائح الأعمال فإنّها شرور ومفاسد في الكون.

نعم، لمّا كان الخنزير والحشرات مؤذية، أو لا تلائم الطباع، سُمّيت شروراً وقبائح عند من يخفى عليه وجه الحكمة في خلقها والمصالح الثابتة فيها، وإلاّ فالله أجلّ من أن يخلق القبيح، تبارك الله أحسن الخالقين.


*    *    *

٢٨

إنّه تعالى يفعل لغرض وحكمة

قال المصنّـف ـ رفع الله درجته ـ(١):

المطلب الرابع
في أنّ الله تعالى يفعل لغرض وحكمة

قالت الإمامية: إنّ الله تعالى إنّما يفعل لغرض وحكمة وفائدة ومصلحة ترجع إلى المكلّفين، ونفع يصل إليهم(٢).

وقالت الأشاعرة: إنّه لا يجوز أن يفعل شيئاً لغرض، ولا لمصلحة ترجع إلى العباد، ولا لغاية من الغايات(٣).

ولزمهم من ذلك محالات:

منها: أن يكون الله تعالى لاعباً عابثاً في فعله، فإنّ العابث ليس إلاّ الذي يفعل لا لغرض وحكمة بل مجّاناً، والله تعالى يقول: ( وما خلقنا

(١) نهج الحقّ: ٨٩.

(٢) الذخيرة في علم الكلام: ١٠٨ وما بعدها، تقريب المعارف: ١١٤ وما بعدها، قواعد المرام في علم الكلام: ١١٠.

(٣) الاقـتصاد في الاعتقاد ـ للغـزّالي ـ: ١١٥، نهاية الإقدام في علم الكلام: ٣٩٧، محصّل أفكار المتقدّمين والمتأخّرين: ٢٩٦، المواقف: ٣٣١، شرح المواقف ٨ / ٢٠٢.

٢٩
السماء والأرضَ وما بينهما لاعبين )(١).. ( ربَّنا ما خلقت هذا باطـلا )(٢).

والفعل الذي لا لغرض للفاعل فيه باطل ولعب; تعالى الله عن ذلك علـوّاً كبيـراً.


*    *    *

(١) سورة الأنبياء ٢١: ١٦.

(٢) سورة آل عمران ٣: ١٩١.

٣٠
كتاب دلائل الصدق (ج٣) للشيخ محمد حسن المظفّر (ص ٣١ - ص ٥٧)
٣١

والجواب الحقيقي: إنّ العبث ما كان خالياً عن الفوائد والمنافع، وأفعاله تعالى محكمة متقنة مشتملة على حِكَم ومصالح لا تحصى، راجعة إلى مخلوقاته تعالى، لكنّها ليست أسباباً باعثة على إقدامه، وعللا مقتضية لفاعليّته، فلا تكون أغراضاً له ولا عللا غائيةً لأفعاله تعالى حتّى يلزم استكماله بها، بل تكون غايات ومنافع لأفعاله وآثاراً مترتّبة عليها، فلا يلزم أن يكون شيء من أفعاله تعالى عبثاً خالياً عن الفوائد.

وما ورد من الظواهر الدالّة على تعليل أفعاله تعالى، فهو محمول على الغاية والمنفعة دون الغرض والعلّة(١).


*    *    *

(١) انظر: شرح المواقف ٨ / ٢٠٥.

٣٢

وأقـول:

لم ينفِ الحكماء كُلّي الغرض، وإنّما نفوا الغرض الذي به الاستكمال كما يدلّ عليه كلمات بعضهم(١)، وهذا الدليل الذي ذكره الخصم وأخذه أتباعهم من ظواهر كلماتهم.

وقد أجاب الإمامية عن هذا الدليل بما قاله نصير الدين (رحمه الله) في التجريد: " ولا يلزم عوده إليه "(٢).

يعني أنّ الغرض لا يلزم عوده إلى الله تعالى، بل يجوز أن يعود إلى مصلحة العبد أو نظام الموجودات بما تقتضيه الحكمة.

وأشار إليه المصنّف (رحمه الله) بقوله: " إنّما يفعل لغرض وحكمة وفائدة ومصلحة ترجع إلى المكلّفين ".

فقولهم في هذا الدليل: " لا يصلح غرضاً للفاعل إلاّ ما هو أصلح له من عدمه " ظاهر البطلان، فإنّ الحكيم المُحسِن لا يحتاج في داعيه للفعل إلى أكثر من حصول المصلحة لعبده، أو احتياج النظام إليه، فيكون الغرض كمالا للفعل، ودليلا على كمال ذات الفاعل; لأنّه يشهد بحكمته وإحسانه، ولو فعل لا لغرض لكان ناقصاً عابثاً.

وقد قسّم الأشاعرة قسمة غير عادلة، حيث اكتفوا لأنفسهم في مقام

(١) انظر مثلا: تهافت التهافت: ٤٩١، شرح التجريد: ٤٤٣، وقد مرّ ذلك في ج ٢ / ٣٤٧ هـ ١.

(٢) تجريد الاعتقاد: ١٩٨.

٣٣
أفعاله تعالى بمجرّد الإرادة بلا غرض أصلا، ولم يكتفوا منّا بالغرض العائد إلى العبد أو النظام.

وقالوا: إنّ الاكتفاء به خلاف الضرورة كما سمعته في دليلهم(١).

وما قيل: إنّ الغرض علّة لعلّـيّة العلّة الفاعليّة، فلو كان لفعله تعالى غرض لاحتاج في علّـيّته إليه، والمحتاج إلى الغير مستكمل به.

فـفيه: إنّ هذا الاحتياج ليس من استكمال الذات في شيء، بل هو من باب شرط الفعل أو شرط كماله نظير احتياجه في علّـيّته للكائنات إلى إمكانها، واحتياجه في كونه رازقاً إلى وجود من يرزقه، وفي تعلّق علمه إلى ثبوت المعلومات.

على أنّ الأشاعرة قائلون باحتياجه في أفعاله تعالى إلى صفاته الزائدة على ذاته، وإنّه مسـتكمل بها(٢).. فما بالهم يستبشعون من استكماله تعالى بالغرض لو فرض به استكمال لذاته؟!

فإن قلت: نرى بعض الأشياء بلا غرض ولا مصلحة كإماتة الأنبياء، وإبقاء إبليس، وتخليد الكفّار بالنار.

قلت: لا ريب أنّ موت الأنبياء مصلحة لهم لخلاصهم من مكاره الدنيا ووصولهم إلى الدرجات العليا، وهو غرض راجح لهم، كما أنّ بقاء إبليس مصلحة للمؤمنين بمجاهدتهم له الموجبة لفوزهم بالأجر، مع أنّ به تمييز الخبيث من الطيّب وتمحيص الناس، فينال كلّ امرئ استحقاقه، قال

(١) انظر الصفحة ٢٩ من هذا الجزء.

(٢) تمهيد الأوائل: ٢٢٧، الملل والنحل ١ / ٨١ ـ ٨٢، المواقف: ٢٧٩، شرح المواقف ٨ / ٤٤ ـ ٤٥.

٣٤
تعـالى: ( ألـم * أحسـب النـاس أن يتـركوا أن يـقـولـوا آمـنّـا وهـم لا يُـفـتنون )(١).

كما أنّ بقاء إبليس مصلحة له بطول تمكينه من التوبة الخالصة المخلّصة له من غضب الله وعقابه، ولا ينافيه إخباره سبحانه بأنّه يدخل النار لإمكان كونه مشروطاً بعدم التوبة.

وأمّا تخليد أهل النار، فمع أنّه فرع حكمة الوعيد، مشتمل على مصلحة للمؤمنين، لكونه زيادة في نعيمهم وسرورهم بخلاصهم من مثله وتشفّيهم من أعدائهم، قال تعالى: ( فاليوم الّذين آمنوا من الكـفّار يضحكون )(٢).

هذا، ونُقل عن شيخهم الأشعري دليل آخر مضحك، كما حكاه السيّد السعيد ـ مع ردّه ـ عن السيّد معين الدين الإيجي الشافعي(٣)، في رسالته التي ألّفها لتحقيق مسألة الكلام..

قال: " إعلم أنّه ـ رضي الله عنه ـ قد يرعوي إلى عقيدة جديدة بمجرّد اقتباس قياس لا أساس له، مع أنّه مناف لصرائح القرآن وصحاح الأحاديث، مثل: إنّ أفعال الله تعالى غير معلّلة بغرض، ودليله كما صرّح به في كتبه أنّه يلزم تأثّر الربّ عن شعوره بخلقه.

(١) سورة العنكبوت ٢٩: ١ و ٢.

(٢) سورة المطـفّفين ٨٣: ٣٤.

(٣) هو: محمّـد بن صفي الدين عبـد الرحمن بن محمّـد بن عبـد السلام معين الدين الإيجي الصفوي الشيرازي الشافعي، وُلد سنة ٨٣٢ هـ وتوفّي سنة ٩٠٦ هـ، له تصانيف عديدة منها: جوامع التبيان في تفسير القرآن، كتاب تهافت الفلسفة، حاشية على التلويح للتفتازاني.

انظر: هديّة العارفين ٦ / ٢٢٣، معجم المؤلّفين ٣ / ٤٠١ رقم ١٤٠٠٤.

٣٥
وأنت تعلم أنّه لا يشـكّ ذو فكرة(١) أنّ علمه تعالى بالممكنات والغايات المترتّبة عليها صفة ذاتية، وفعله موقوف على صفة ذاتية، وكم من الصفات الذاتية موقوفة على صفة مثلها، وتعالى جدّ ربّنا عن أن يحصل له بواسطة شعوره بغاية شوق وانفعال في ذاته الأقدس كما في الحيوانات "(٢).

والأَوْلى في ردّه أن يقال: إنّه إنْ أراد بتأثّره تعالى حصول الانفعال له، فهو غير لازم من القول بالغرض.

وإنْ أراد به أنّ الغـرض يكون داعياً له إلى الفعل، فهو المطـلوب، ولا بأس به أصلا.

ثمّ إنّه لا مناص للأشاعرة عن القول بالغرض; لأنّهم قالوا بحجّية القياس(٣)، وهو لا يتمّ إلاّ إذا كانت التكاليف التي هي من أفعاله تعالى معلّلة بالأغراض، إمّا لكون العلّة في القياس غرضاً كما في أكثر المقامات، أو لاستلزامها للغرض، بلحاظ أنّ سببية الشيء لأنْ يكلّف سبحانه اختياراً تستدعي وجود غرض له ملازم لتلك العلّة، وإلاّ فكيف صارت علّة لفعل الله وهو التكليف؟!

على أنّ الالتزام بثبوت علّة لفعل من أفعاله تعالى وإنْ لم تكن علّة غائية، يستلزم القول بصحّة الأغراض; لأنّ النقص المفروض يأتي أيضاً

(١) في المصدر: " مِـرّة "، والمِـرّة، القوّة وشدّة العقل; انظر: لسان العرب ١٣ / ٧٤ مادّة " مرر ".

(٢) إحقاق الحقّ ١ / ٤٣٢ ـ ٤٣٣.

(٣) التبصرة في أُصول الفقه: ٤١٩ مسألة ٣، المستصفى من علم الأُصول ٢ / ٢٣٤، المحصول في علم أُصول الفقه ٢ / ٢٤٥، الإحكام في أُصول الأحكام ـ للآمدي ـ ٣ / ١٦٤ وما بعدها، المواقف: ٣٦.

٣٦
من تلك العلّة; لأنّها تسـتدعي حاجته في فعله إليها.

فلا بُـدّ من القول بأنّ الحاجة إلى العلّة لا تستوجب النقص سواء كانت العلّة غائية أم لا.

وأمّا ما ذكره في الجواب عن العبث; فهو عين ما في " شرح المواقف "(١).

وفيـه: إنّ الفعل إذا تجرّد عن الغرض كان عبثاً ولعباً وإن اشتمل في نفسه على مصلحة، ضرورة أنّ من استأجر أجيراً على فعل فيه مصلحة، ولكن لم يستأجر لغرض المصلحة بل مجّاناً وبلا غاية له ولا لغيره، عُدّ عابثاً لاعباً.

على أنّ قوله: " أفعاله تعالى محكمة متقنة مشتملة على حِكم ومصالح... " إلى آخره..

إنْ أراد به أنّ ذلك أمر لازم، فهو لا يتمّ على قولهم: " لا يجب عليه شيء، ولا يقبح منه شيء "!

وإنْ أراد أنّه أمر اتّفاقي، فكيف يتنزّه الله سبحانه عن اللعب أي الخلق بلا مصلحـة، ويراه عيـباً عليه، والحال أنّه يجوز عليه أن يخلـق ما لا مصلحة فيه؟!


*    *    *

(١) شرح المواقف ٨ / ٢٠٤ ـ ٢٠٥.

٣٧

قال المصنّـف ـ رحمه الله تعالى ـ(١):

ومنها: إنّه يلزم أن لا يكون الله سبحانه مُحسناً إلى العباد، ولا منعماً عليهم، ولا راحماً لهم، ولا كريماً في حقّ عباده، ولا جواداً، وكلّ هذا ينافي نصوص الكتاب العزيز، والمتواتر من الأخبار النبوية، وإجماع الخلق كلّهم من المسلمين وغيرهم، فإنّهم لا خلاف بينهم في وصف الله تعالى بهذه الصفات على سبيل الحقيقة لا على سبيل المجاز.

وبيان لزوم ذلك: إنّ الإحسان إنّما يصدق لو فعل المحسن نفعاً لغرض الإحسـان إلى المنتـفع، فإنّه لو فعله لغير ذلك لم يكن محسـناً; ولهذا لا يوصـف مُـطعم الدابّـة لتسـمن حتّى يذبحها بالإحسـان في حقّها، ولا بالإنعام عليها، ولا بالرحمة; لأنّ التعطّف والشفقة إنّما يثبتان مع قصد الإحسان إلى الغير لأجل نفعه لا لغرض آخر يرجع إليه.

وإنّما يكون كريماً وجواداً لو نفع الغير للإحسان وبقصده، ولو صدر منه النفع لا لغرض لم يكن كريماً ولا جواداً; تعالى الله عن ذلك علـوّاً كبـيـراً.

فلينظر العاقل المنصف من نفسه، هل يجوز أن ينسب ربّه عزّ وجلّ إلى العبث في أفعاله، وأنّه ليس بجواد ولا محسن ولا راحم ولا كريم؟!

نعوذ بالله من مزالّ الأقدام، والانقياد إلى مثل هذه الأوهام.


*    *    *

(١) نهج الحقّ: ٨٩.

٣٨

وقال الفضـل(١):

جوابه: منع الملازمة; لأنّ خلوّ الفعل عن الغرض لا يستدعي كون الفاعل غير محسن ولا راحم ولا منعم.

فإنّ معنى الغرض ما يكون باعثاً للفاعل على الفعل، ويمكن صدور الإحسان والرحمة والإنعام من الفاعل من غير باعث له، بل للإفاضة الذاتية التي تلزم ذات الفاعل.

نعم، لو كان خالياً من المصلحة والغاية لكان ذلك الفعل عبثاً.

وقد بيّـنّا أنّ أفعاله تعالى مشتملة على الحِكَم والغايات والمصالح، فلا تكون أفعاله عبثاً.

وأمّا قوله: " إنّ التعطّف والشفقة إنّما يثبتان مع قصد الإحسان إلى الغير لأجل نفعه "..

فإن أراد بالقصد الغرضَ والعلّةَ الغائيّة; فممنوع.

وإن أراد الاختيارَ وإرادةَ إيصال الإحسان إلى المحسن إليه بالتعيين; فذلك في حقّه تعالى ثابت، وهذا لا يتوقّف على وجود الغرض والعلّة الغائـيّة.


*    *    *

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع مع إحقاق الحقّ ـ ١ / ٤٣٤.

٣٩

وأقـول:

منع الملازمة مكابرة ظاهرة، ضرورة أنّ الفعل لا لغاية وغرض، عبثٌ، والعبث لا يكون إحساناً وإنعاماً وكرماً، بل مع قطع النظر عن العبث لا يكون الفعل بنفسه إحساناً بلا قصد الإحسان، وإلاّ لكان كذلك وإن صدر لغاية أُخرى، كما في مثال المصنّف بمطعم الدابّة; وهو خلاف الضرورة.

قال الشاعر:


لا تمدحنَّ ابنَ عبّاد وإنْ هطلتْكفّاه بالجودِ سَحّاً يُخجلُ الدِّيَما(١)
فإنّهـا خَـطراتٌ مـن وساوسـهِيُعطي ويمنعُ لا بُخلا ولا كَرَما(٢)

فإنّه جعل عطاءه الوافر لا لغاية الإحسان والفضل، ليس من الكرم، وإن أساء وأجحف في حقّ ابن عبّاد.

وأمّا ما ذكره في الشقّ الثاني، فهو عين القول بالغرض; لأنّ إرادة إيصال الإحسان إلى المحسن إليه عبارة عن قصد الداعي، والداعي هو الغـرض.


*    *    *

(١) السَّحُّ: الصَّـبُّ المتتابع الكثير، وهنا كناية عن العطاء الكثير المتواصل; انـظر: لسان العرب ٦ / ١٨٨ مادّة " سحح ".

والدِّيَمُ، جمع دِيمَة: المطر الدائم في سكون بلا رعد ولا برق، وهي هنا على المجاز: العطاء الدائم المسـتمرّ; انظر: لسان العرب ٤ / ٤٤٦ و ٤٥٨ مادّتَي " دوم " و " ديم ".

(٢) البيتان لأبي بكر الخوارزمي في هجاء الوزير الصاحب بن عبّـاد; انظر ديوانه: ٤٠٩ ـ ٤١٠ رقم ٢١٤، وانظر: مرآة الجنان ٢ / ٣١٤، شذرات الذهب ٣ / ١٠٥.

٤٠