×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

دلائل الصدق لنهج الحق ـ ج 3 / الصفحات: ٣٨١ - ٤٠٠

شـرائط التكليـف

قال المصنّـف ـ شرّف الله منزلته ـ(١):

المطلب الثامن عشر
في شرائط التكليف

ذهبت الإماميّـة إلى أنّ شرائط التكليف سـتّـة:

الأوّل: وجود المكلّف; لامتناع تكليف المعدوم، فإنّ الضرورة قاضية بقبح أمر الجماد، وهو إلى الإنسان أقرب من المعدوم(٢).

وقبح أمر الرجل عبيـداً يريد أن يشتريهم وهو في منزله وحده، ويقول: يا سالم قمْ، ويا غانم كُلْ، ويعدّه كلّ عاقل سفيهاً، وهو إلى الإنسان الموجود أقرب.

وخالفت الأشاعرة في ذلك، فجوّزوا تكليف المعدوم ومخاطبته والإخبار عنه(٣)، فيقول الله في الأزل: ( يا أيّها النـاس اعبدوا ربّـكم )(٤)، ولا شخص هناك..

ويقول: ( إنّـا أرسلنا نوحاً )(٥)، ولا نوح هناك.

وهذه مكابرة في الضرورة.


*    *    *

(١) نهج الحقّ: ١٣٤.

(٢) التذكرة بأُصول الفقه: ٣٢، الغَيـبة ـ للطوسي ـ: ١٥، العدّة في أُصول الفقه ١ / ٢٥١.

(٣) التقريب والإرشاد ٢ / ٢٩٨ وما بعدها، المستصفى من علم الأُصول ١ / ٨٥، المحصول في علم أُصول الفقه ١ / ٣٢٨، الإحكام في أُصول الأحكام ـ للآمدي ـ ١ / ١٣١، منتهى الوصول والأمل في علمَي الأُصول والجدل: ٤٤، فواتح الرحموت ١ / ١٤٦ ـ ١٤٧.

(٤) سورة البقرة ٢: ٢١.

(٥) سورة نوح ٧١: ١.

٣٨١
٣٨٢

وقال الفضـل(١):

قد عرفت جواب هذا في مبحث إثبات الكلام النفساني، وأنّ الخطاب موجود في الأزل قبل وجود المخاطبـيـن بحسـب الكلام النفساني(٢)، ويحدث التعلّق عند وجودهم.

ولا قبح في هذا، فإنّ من زوّر في نفسه كلاماً ليخاطب به العبـيد الّذين يريد أن يشتريهم بأن يخاطبهم بعد الشراء لا يعدّ سفيهاً.

ثمّ ما ذكر أنّ الأشاعرة جوّزوا تكليف المعدوم، فهذا ينافي ما أثبته في الفصل السابق أنّهم يقولون: إنّ التكليف مع الفعل، وليـس قبله تكليـف.

فإذا كان وجود التكليف عند الأشاعرة مع الفعل، فهل يجوز عندهم أن يقولوا بتكليف المعدوم؟!


*    *    *

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع مع إحقاق الحقّ ـ ٢ / ١٧٢.

(٢) راجع ج ٢ / ٢٣٧ و ٢٤٤ ـ ٢٤٥.

٣٨٣

وأقـول:

تقدّم في ذلك المبحث أنّ خطاب المعدوم وتكليفه سفه بالضرورة، إذ لا يصحّان من دون مخاطَب ومكلّف، ولا أثر لحدوث التعلّق لو عقلنا التعلّـق(١).

والقياس على من زوّر في نفسه كلاماً، خطأٌ ظاهر; لأنّ المزوّر ليس بمخاطب، وإنّما هو متصوّر ومقدّر لخطاب في المستقبل، فلا يقاس عليه الكلام النفسي الذي هو خطاب وتكليف في الأزل.

وأمّا ما ذكره من المنافاة، فقد عرفت أنّه ليس على المصنّف رفع التنافي عن أقوالهم، وكيف يمكن إنكارهم لتكليف المعدوم وقد قالوا: إنّه مأمور ومنهي في الأزل؟!


*    *    *

(١) راجع ج ٢ / ٢٣٨ و ٢٤٦.

٣٨٤

قال المصنّـف ـ طاب رمسه ـ(١):

الثاني: كون المكلّف عاقلا; فلا يصحّ تكليف الرضيع، ولا المجنون المطبـق(٢).

وخالفت الأشاعرة في ذلك وجـوّزوا تكليف هؤلاء(٣).

فلينظر العاقل هل يحكم عقله بأن يؤاخذ المولود حال ولادته بالصلاة وتركها، وترك الصوم والحجّ والزكاة، وهل يصحّ مؤاخذة المجنون المطبق على ذلك؟!


*    *    *

(١) نهج الحقّ: ١٣٥.

(٢) شرح جمل العلم والعمل: ١٠٠، الذخيرة في علم الكلام: ١٢١، تقريب المعارف: ١٢٩، المنقذ من التقليد ١ / ٢٥٣.

(٣) ذكر ذلك الباقلاّني عن بعض الفقهاء; انظر: التقريب والإرشاد ١ / ٢٤٠ و ٢٤٣ ـ ٢٤٤.

٣٨٥

وقال الفضـل(١):

مذهب الأشاعرة: إنّ القلم مرفوع عن الصبيّ حتّى يبلغ الحلم، وعن المجنون حتّى يفيق(٢).

وما ذكره افتراء عليهم محض، كما هو عادته في الافتراء والكذب والاختراع.


*    *    *

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع مع إحقاق الحقّ ـ ٢ / ١٧٣.

(٢) انظر: التقريب والإرشاد ١ / ٢٣٦.

٣٨٦

وأقـول:

ما نسبه المصنّف إليهم هو تجويز تكليف غير العاقل، وما نقله الخصم هو عدم الوقوع، ولا ربط لأحدهما بالآخر، ولا يمكن إنكار تجويزهم ذلك; لأنّهم يجوّزون تكليف ما لا يطاق; وهذا نوع منه.

ويقولون: إنّ الله يحكم ما يريد، ولا يقبح منه شيء(١)، فيجوز أن يكلّف من لا عقل له، ويعاقبه على المخالفة.

على أنّه قد نقل عنهم السيّد السعيد ما يدلّ على أنّهم يقولون بالوقوع(٢).

ولا يهمّـنا أمره بعد كون ما نسبه المصنّف إليهم هو التجويز.


*    *    *

(١) راجع: الفصل في الملل والأهواء والنحل ٢ / ١٣٤ و ١٥٤، الأربعين في أُصول الدين ـ للفخر الرازي ـ ١ / ٣٣٢ و ٣٤٥، المواقف: ٣٣٠، شرح المقاصد ٤ / ٢٩٤.

(٢) إحقاق الحقّ ٢ / ١٧٤.

٣٨٧

قال المصنّـف ـ قـدّس الله روحه ـ(١):

الثالث: فهم المكلّف; فلا يصحّ تكليف من لا يفهم الخطاب قبل فهمـه(٢).

وخالفت الأشاعرة في ذلك، فلزمهم التكليف بالمهمل وإلزام المكلّف معرفته ومعرفة المراد منه، مع أنّه لم يوضع لشيء ألبتّة، ولا يراد منه شيء أصلا(٣).

فهل يجوز للعاقل أن يرضى لنفسه المصير إلى هذه الأقاويل؟!


*    *    *

(١) نهج الحقّ: ١٣٥.

(٢) العدّة في أُصول الفقه ٢ / ٤٥١ وما بعدها.

(٣) انظر: تفسير الفخر الرازي ٢ / ١٣، الإحكام في أُصول الأحكام ـ للآمدي ـ ١ / ١٤٤، فواتح الرحموت ١ / ١٤٣ ـ ١٤٤.

٣٨٨

وقال الفضـل(١):

مذهب الأشاعرة: إنّه لا يصحّ خطاب المكلّفين بما لا يفهمونه ممّا يتعلّق بالأمر والنهي(٢).

وما لا يتعلّق به اختُلِف فيه.. فذهب جماعة منهم إلى جواز المخاطبة بما لا يفهمه المكلّف، كالمقطّعات في أوائل السور(٣)، ولكن ليـس هذا مذهب العامّة.


*    *    *

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع مع إحقاق الحقّ ـ ٢ / ١٧٥.

(٢) راجع ما مـرّ في الصفحة السابقة، الهامش ٣.

(٣) تفسير الفخر الرازي ٢ / ١٣.

٣٨٩

وأقـول:

كيف لا تصحّ نسبة المصنّف إليهم صحّة تكليف مَن لا يفهم الخطاب، وقد زعموا أنّ الله يحكم ما يريد ولا يقبح منه شيء(١)؟!

وأمّا ما نقله الخصم، فالظاهر أنّه في الوقوع لا الجواز، كما يرشد إليه تفصيلهم.

وتمثيل المجوّز للثاني بما زعم وقوعه، وهو المقطّعات كما نقله الخصم، وإلاّ فبالنظر إلى الجواز العقلي وعدمه لا وجه للتفصيل.


*    *    *

(١) انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل ٢ / ١٣٤ و ١٥٤، الأربعين في أُصول الدين ـ للفخر الرازي ـ ١ / ٣٣٢ و ٣٤٥، المواقف: ٣٣٠، شرح المقاصد ٤ / ٢٩٤.

٣٩٠

قال المصنّـف ـ طاب ثراه ـ(١):

الرابع: إمكان الفعل إلى المكلّف; فلا يصحّ التكليف بالمحال(٢).

وخالفت الأشاعرة فيه، فجوّزوا تكليف الزَمِن الطيران إلى السماء، وتكليف العاجز خلق مثل الله تعالى وضدّه وشريكه وولد له، وأن يعاقبه على ذلك، وتكليفه الصعود على السطح العالي بأن يضع رجلا في الأرض ورجلا على السطح(٣).

وكفى مَن ذهب إلى هذا نقصاً في عقله، وقلّةً في دينه، وجرماً عند الله تعالى، حيث نسبه إلى إيجاد ذلك، بل مذهبهم أنّه تعالى لم يكلّف أحداً إلاّ بما لا يطاق.

أو تُرى ما يكون جواب هذا القائل إذا وقف بين يدي الله تعالى وسأله: كيف ذهبت إلى هذا القـول وكـذّبت القـرآن العـزيز، وإنّ فيـه: ( لا يُكلف الله نفساً إلاّ وُسعها )(٤).


*    *    *

(١) نهج الحقّ: ١٣٥.

(٢) شـرح جمـل العلـم والعمـل: ٩٨ ـ ٩٩، الذخيـرة في علم الكـلام: ١٠٠ ـ ١٠١ و ١٢١، تقريب المعارف: ١١٢ و ١٢٨، تجريد الاعتقاد: ٢٠٣.

(٣) انظر: اللمع في الردّ على أهل الزيغ والبدع: ٩٨ ـ ١٠١، الفصل في الملل والأهواء والنحل ٢ / ١٤٠ و ١٦٣، المواقف: ٣٣٠ ـ ٣٣١.

(٤) سورة البقرة ٢: ٢٨٦.

٣٩١

وقال الفضـل(١):

قد عرفتَ في الفصـل الذي ذُكـر فيه " تـكليف ما لا يطـاق "، أنّ مـا لا يطاق على ثلاث مراتب، ولا يجوز التكليف بالوسطى دون الثالث.

والأوّل واقع بالاتّفاق، كتكليف أبي لهب بالإيمان وهذا بحسب التجويز العقلي، والاسـتقراء يحكم بأنّ التكليف بما لا يطاق لم يقع، ولقوله تعالى: ( لا يُكلّف الله نفساً إلاّ وُسعها )(٢)، وهذا مذهب الأشاعرة(٣).

والعجب من هذا الرجل أنّه يفتري الكذب ثمّ يعترض عليه، فكأنّه لم يتّفق له مطالعة كتاب في الكلام على مذهب الأشاعرة، وسمع عقائدهم من مشايخه من الشيعة وتقرّر بينهم أنّ هذه عقائد الأشاعرة.

ثمّ لم يستحِ من الله تعالى ومن الناظر في كتابه، وأتى بهذه الترّهات والمزخرفات.


*    *    *

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع مع إحقاق الحقّ ـ ٢ / ١٧٦.

(٢) سورة البقرة ٢: ٢٨٦.

(٣) تقدّم في الصفحة ٩٩ ـ ١٠٠ من هذا الجزء.

٣٩٢

وأقـول:

سبق هناك بيان ما في دعوى الاتّفاق على وقوع التكليف بما لا يطاق في المرتبة الأُولى.

وحقّـقنا أنّا لا نجوّزه بالمراتب كلّها، وأنّهم يجوّزونه فيها جميعاً.

وأوضحنا المقام في تكليف أبي لهب بالإيمان.

وذكرنا أنّ الله سبحانه لم يكلّف عندهم إلاّ بما لا يطاق; لأنّ أفعال العباد مخلوقة له ولا أثر للعبد فيها، فكلّها لا تطاق للعبد ولا ممّا يسعه(١)، ومع ذلك قد كلّفه الله سبحانه بها، فيكون قوله تعالى: ( لا يكلّف الله نفساً إلاّ وُسعها )(٢) كاذباً على مذهبهم، كما ذكره المصنّف ولم يجهله الخصم، ولكنّه قصد بتكذيب المصنّف وإساءة الأدب معه والتجاهل بمذهبه، التمويهَ وتلبيسَ الحقيقة.


*    *    *

(١) تقدّم في الصفحة ١٠١ ـ ١٠٤ من هذا الجزء.

(٢) سورة البقرة ٢: ٢٨٦.

٣٩٣

قال المصنّـف ـ قـدّس الله نفسه ـ(١):

الخامس: أنْ يكون الفعل ما يستحقّ به الثواب(٢)، وإلاّ لزم العبث والظلم على الله تعالى.

وخالفت الأشاعرة فيه، فلم يجعلوا الثواب مستحقّاً على شيء من الأفعال، بل جوّزوا التكليف بما يستحقّ عليه العقاب(٣)، وأنْ يرسل رسولا يكلّف الخلق فِعل جميع القبائح وترك جميع الطاعات.

فيلزمهم من هذا أن يكون المطيع المبالغ في الطاعة مِن أسفه الناس وأجهل الجهلاء، من حيث يتعب بماله وبدنه في فعله شيئاً ربّما يكون هلاكه فيه.

وأنْ يكون المبالغ في المعصية والفسوق أعقل العقلاء حيث يتعجّل اللذّة، وربّما يكون تركها سبب الهلاك وفعلها سبب النجاة.

فكان وضع المدارس والـرُّبُـط(٤) والمساجد من نقص التدبيرات البشـريـة، حيـث تخسـر الأمـوال فـي مـا لا نـفع فيـه ولا فائـدة عاجلـة ولا آجلـة.

(١) نهج الحقّ: ١٣٦.

(٢) انظر: الذخيرة في علم الكلام: ١١٢ و ١٣١، تقريب المعارف: ١١٩، الاقتصاد في ما يتعلّق بالاعتقاد: ١١٢.

(٣) التقريب والإرشاد ١ / ٢٦٦، الفصل في الملل والأهواء والنحل ٢ / ١٣٤ و ١٤٠.

(٤) الـرُّبُـطُ: الخيل تُربط بالأفنية وتُعلَـف، ورِباط الخيل مرابطتها في الثغور لصدّ الأعداء; وواحد الـرُّبُط: الـرَّبِـيط، وجمع الـرُّبُط: الرِّباط، وهو جمع الجمع.

انظر مادّة " ربط " في: لسان العرب ٥ / ١١٢، تاج العروس ١٠ / ٢٥٩ ـ ٢٦٢.

٣٩٤

وقال الفضـل(١):

شرط الفعل الذي يقع به التكليف أن يكون ممّا يترتّب عليه الثواب في عادة الله تعالى، لا أنّه يجب على الله تعالى إثابة المكلّف المطيع; لأنّه لا يجب عليه شيء، بل جرى عادة الله تعالى بإعطاء الثواب عقيب العمل الصالح، وليس للمكلّفين على الله تعالى دَين يجب عليه قضاؤه.

ولو كان إلاّ كذلك، للزم أن يكون العباد متاجرين مع الله تعالى، كالأُجراء الّذين يأخذون أُجرتهم عند الفراغ من العمل، ولو لم يعط المؤجّر أُجرتهم لكان ظالماً وجائراً.

وهذا مذهب باطل لا يذهب إليه من يعرف نِعَـمَ الله تعالى على عباده، ويعرف علوّ الشأن الإلهي، وأنّ الناس كلّهم عبـيد الله، يعطي من يشاء ويمنع من يشاء، وليس لهم عليه حقّ ولا استحقاق، بل الثواب بفضله وجرى عادته أن يعطي العبد المطيع عقيب طاعته، كما جرى عادته بإعطاء الشبع عقيب أكل الخبز.

وهل يحسن أن يقال: إنّه إذا لم يجب على الله تعالى إعطاء الشبع عقيب أكل الخبز، تموت الناس من الجوع؟!

كذلك لا يحسن أن يقال: لو لم يجب على الله تعالى إثابة المطيع وجزاء العاصي، لارتفع الفرق بين المطيع والعاصي، ولكان فعل الخيرات وإثارة المبرّات ضائعاً عبثاً؟!

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع مع إحقاق الحقّ ـ ٢ / ١٧٧.

٣٩٥
لأنّا نقول: جرت عادة الله تعالى التي لا تتخلّف إلاّ بسبيل خرق العادة على إعطاء الثواب للمطيع من غير أن يجب عليه شيء.

فلم يرتفع الفرق بين المطيع والعاصي، كما جرى عادته بإعطاء الشبع عقيب أكل الخبز، فهل يكون من أكل الخبز فشبع، كمن ترك أكل الخبز فجاع؟!


*    *    *

٣٩٦

وأقـول:

قد سبق أنّ الثواب غيبي، فلا تصحّ دعوى العلم بالعادة فيه..

وأمّا إحرازها بإخبار الله تعالى، فغير تامّ; لابتنائه على صدق كلامه تعالى، وهو غير محقّق على مذهبهم!

مع أنّه قال تعالى: ( يمحُو الله ما يشاء ويثبت )(١)، ولعلّ ما أخبر به من الثواب ممّا يمحوه.

فأين العادة في الثواب وإحرازها؟! لا سيّما وقد أجاز الخصم خرقها كما هو واقع في عادات الدنيا.

وأمّا ما ذكره من نفي كون الثواب دَيناً على الله تعالى، فنحن نمنعه ونقول: إنّه دَين، أي إنّه حقّ عليه اقتضاه عدله.

وأمّا كون العباد متاجرين مع الله تعالى، فهو ممّا نطق به الكتاب العزيز، قال تعالى: ( إنّ الّذين يتلُون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقُوا ممّا رزقناهُم سرّاً وعلانية يرجُون تجارةً لن تبُور * ليوفّيهم أُجورهم ويزيدهُم من فضله )(٢)..

وقال تعالى: ( إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنّة ) إلى قوله تعالى: ( فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتُم به )(٣)..

(١) سورة الرعد ١٣: ٣٩.

(٢) سورة فاطر ٣٥: ٢٩ و ٣٠.

(٣) سورة التوبة ٩: ١١١.

٣٩٧
وقال تعالى: ( هل أُدلّكم على تجارة تُنجيكم من عذاب أليم * تؤمنون بالله... )(١) الآية..

( إنّـا لا نضيع أجر من أحسن عملا )(٢)..

( إنّـا لا نضيع أجر المصلحين )(٣)..

( نِعم أجرُ العاملين )(٤)..

( إنّما تُوفّون أُجوركم )(٥)..

( فيوفّيهم أُجورهم )(٦).

إلى غير ذلك من الآيات المتضافرة والأخبار المتواترة.

وأمّا قوله: " لو لم يعطِ المؤجّر أُجرتهم كان ظالماً وجائراً "..

فهو من مقالة أهل الحقّ التي صرّح بها الكتاب المجيد، قال تعالى: ( وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يُوفّ إليكم وأنتم لا تُظلمون )(٧).

وقال تعالى: ( ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أُنثى وهو مؤمنٌ فأُولئك يدخلون الجنّة ولا يُظلمون نَقيراً )(٨).

وقال تعالى: ( فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريبَ فيه ووُفّيت كلُّ

(١) سورة الصفّ ٦١: ١٠ و ١١.

(٢) سورة الكهف ١٨: ٣٠.

(٣) سورة الأعراف ٧: ١٧٠.

(٤) سورة آل عمران ٣: ١٣٦، سورة العنكبوت ٢٩: ٥٨.

(٥) سورة آل عمران ٣: ١٨٥.

(٦) سورة آل عمران ٣: ٥٧، سورة النساء ٤: ١٧٣.

(٧) سورة الأنفال ٨: ٦٠.

(٨) سورة النساء ٤: ١٢٤.

٣٩٨
نفس ما كسبت وهم لا يُظلمون )(١).

وقـال تـعـالى: ( ومـا تـنـفـقوا مـن خيـر يُـوفّ إليـكـم وأنـتـم لا تُظلمون )(٢).

وقـال تـعـالى: ( ولـتـجـزى كـلُّ نـفـس بـمـا كـســبـت وهـم لا يُظلمون )(٣).

وقال تعالى: ( وتُوفّى كلّ نفس ما عملت وهم لا يُظلمون )(٤).

وقال تعالى: ( ولكلّ درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يُظلمون )(٥).

إلى غير ذلك من الآيات المسـتفيضة.

وأمّا قوله: " لا يذهب إليه من يعرف نِعمَ الله على عباده "..

فإنْ أراد به أنّ من يعرف نِعَمَه لا يرى أنّه مستحقّ للأجر، فظاهر البطلان; لأنّ وجوب شكر المنعم لا ينافي استحقاق الأجر على ما كلّفه به المنعم، وإنْ حسُن من العبد أو وجب عليه عدم المطالبة بالأجر شكراً للنعمة.

وإنْ أراد أنّ حصول الإنعام من الله تعالى كاف في صحّة التكليف منه بلا إعطاء أجر، ليكون التكليف ناشئاً من طلب المنعم جزاءَ نِعَمِه بالشكر عليها، كما عن أبي القاسم البلخي(٦)، فهو أظهر بطلاناً; إذ يقبح من

(١) سورة آل عمران ٣: ٢٥.

(٢) سورة البقرة ٢: ٢٧٢.

(٣) سورة الجاثية ٤٥: ٢٢.

(٤) سورة النحل ١٦: ١١١.

(٥) سورة الأحقاف ٤٦: ١٩.

(٦) انظر: شرح الأُصول الخمسة: ٦١٧.

٣٩٩
الكريم طلب جزاء نعمته من دون أن يعطيه ثواباً على ما كلّفه به، بل يكون تكليفه بلا أجر عبثاً وظلماً!

ولو كان الثواب تفضّلا محضاً، لصحّ منع الثواب عن سيّد النبيّين أو مساواته فيه لسائر المؤمنين، بل للأطفال والمجانين، ولجاز خلق النار دون الجنّـة.

وأمّا ما ذكره من مثال الموت من الجوع; فإنّما لا يحسن السؤال فيه إذا ترتّب عليه فائدة للعبد، أو كان جزاء عمله السـيّئ، وإلاّ فيقبح إيلام العبد بلا فائدة له ولا ذنب منه، ويصحّ السؤال عنه.

كما يصحّ السؤال عن ترك إثابة المطيع وجعله بمنزلة العاصي، لكن مثل هذه الأُمور ليست من فِعله ولا تصدر عنه، فلا يُسأل عنها; لانتفاء الموضوع.


*    *    *

٤٠٠