×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

دلائل الصدق لنهج الحق ـ ج 3 / الصفحات: ٤٠١ - ٤٢٠

قال المصنّـف ـ قدّس الله روحه ـ(١):

السادس: أن لا يكون حراماً; لامتناع كون الشيء الواحد من الجهة الواحدة مأموراً به منهيّـاً عنه; لاستحالة التكليف بما لا يطاق(٢).

وأيضاً: يكون مراداً ومكروهاً في وقت واحد من جهة واحدة، وهذا مسـتحيل عقلا.

وخالفت الأشاعرة في ذلك، فجوّزوا أن يكون الشيء الواحد مأموراً به منهيّـاً عنه; لإمكان تكليف ما لا يطاق عندهم(٣).


*    *    *

(١) نهج الحقّ: ١٣٦.

(٢) التذكرة بأُصول الفقه: ٣١، العدّة في أُصول الفقه ١ / ١٨١.

(٣) انظر: التقريب والإرشاد ١ / ٢٤٦ ـ ٢٤٧ و ٢٦٠، تمهيد الأوائل: ٣٢٠، الفصل في الملل والأهواء والنحل ٢ / ١٤٠، فواتح الرحموت ١ / ١١٠ ـ ١١١.

٤٠١

وقال الفضـل(١):

لا خلاف في أنّ المأمور به لا بُـدّ أن لا يكون حراماً; لأنّ الحرام ما نهى الله عنه..

ولا يكون الشيء الواحد مأموراً به، منهيّـاً عنه، في وقت واحد، من جهة واحدة، ولكن إن اختلف الوقت والجهة والشرائط التي اعتبرت في التناقض، يجوز أن يتعلّق به الأمر في وقت من جهة، والنهي في وقت آخر من جهة أُخرى; فهذا مذهب أهل السُـنّة.

وأمّا إمكان التكليف بما لا يطاق، فقد سمعته غير مرّة، وأنّه لا يقع ولم يقع.


*    *    *

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع مع إحقاق الحقّ ـ ٢ / ١٨١.

٤٠٢

وأقـول:

قد نصدّقه في ما يتعلّق بالوقوع، بأن لم يقولوا بوقوع الأمر بالحرام.

ولكنّ كلام المصنّف في التجويز كما لا ينكره الخصم، وكفاهم نقصاً في تجويز مثله على الله سبحانه، وهو ممّا لا يجوز على أقلّ العقلاء.


*    *    *

٤٠٣

قال المصنّـف ـ طاب ثراه ـ(١):

ومن العجب أنّهم حرّموا الصلاة في الدار المغصوبة، ومع ذلك لم يوجبوا القضاء وقالوا: إنّها صحيحة(٢).

مع أنّ الصحيح هو المعتبر في نظر الشارع، وإنّما يطلق على المطلوب شرعاً، والحرام غير معـتبر في نظر الشـارع، مطلوب الترك شـرعاً.

وهل هذا إلاّ محض التناقض؟!


*    *    *

(١) نهج الحقّ: ١٣٧.

(٢) المجموع ـ للنووي ـ ٣ / ١٦٤.

٤٠٤

وقال الفضـل(١):

الصلاة الصحيحة ما استجمعت شرائط الصحّة التي اعتبرت في الشرع، فالصلاة في الدار المغصوبة صحيحة; لأنّها مستجمعة لشرائط الصحّة التي اعتبرت في الصلاة في الشرع، وليس وقوعها في مكان مملوك غير مغصوب من شرائط صحّة الصلاة.. نعـم، من شرائطها أن تقع في مكان طاهر من النجاسات.

ولو كان من شرائط الصحّة وقوعها في مكان غير مغصوب، لكان الواقع في المكان المغصوب منها فاسدة، وكان يجب قضاؤها; لكونها غير معتبرة في نظر الشرع; لعدم استجماعها الشرائط المعتبرة فيها.

وأمّا كونها حراماً، فلأجل أنّها تتضمّن الاستيلاء على حقّ الغير عدواناً، فهي بهذا الاعتبار حرام، فالحرمة باعتبار، والصحّة باعتبار آخر، فأين التناقض؟!

والعجب أنّه مشتهر بالدراية في المعقولات، ولا يعلم شرائط حصول التناقض!


*    *    *

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع مع إحقاق الحقّ ـ ٢ / ١٨٢.

٤٠٥

وأقـول:

إذا أقرُّوا بحرمة الصلاة في الدار المغصوبة، لزمهم الحكم بعدم اعتبارها شرعاً، لعدم مطلوبيّتها، فلا تصحّ; لأنّ العبادة الصحيحة هي المطلوبة للشارع، المعتبرة في نظره.

وهذه عبارة أُخرى عن كون إباحة المكان شرطاً في صحّة الصلاة، فإذا حكموا بصحّة الصلاة في الدار المغصوبة ثبت التناقض; لأنّه يكون هذا الوجود الشخصي للصلاة في الدار المغصوبة معتبَراً وغيرَ معتبَر، صحيحاً وغيرَ صحيح، وهو تناقض ظاهر.


*    *    *

٤٠٦

الإعواض على الآلام

قال المصنّـف ـ أعلى الله مقامه ـ(١):

المطلب التاسع عشر
في الإعـواض

ذهبت الإمامية إلى أنّ الألم الذي يفعله الله تعالى بالعبد، إمّا أن يكون على وجه الانتقام والعقوبة، وهو المستحقّ; لقوله تعالى: ( ولقد علمتم الّذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسـئين )(٢)..

وقوله تعالى: ( أَوَلا يرون أنّهم يُفتنون في كلّ عام مرّة أو مرّتين ثمّ لا يتوبون ولا هم يذّكّرون )(٣)، ولا عوض فيه.

وإمّا أن يكون على وجه الابتداء، وإنّما يحسن فعله من الله تعالى بشرطين:

أحدهما: أنْ يشتمل على مصلحة مّا للمتألّم أو لغيره، وهو نوع من اللطف; لأنّه لولا ذلك لكان عبثاً، والله تعالى منزّه عنه.

(١) نهج الحقّ: ١٣٧.

(٢) سورة البقرة ٢: ٦٥.

(٣) سورة التوبة ٩: ١٢٦.

٤٠٧
الثاني: أنْ يكون في مقابلته عوض للمتألّم يزيد على الألم، بحيث لو عرض على المتـألّم الألمَ والعوضَ اختار الألم، وإلاّ لزم الظلم والجور من الله سبحانه على عبيـده; لأنّ إيلام الحيـوان وتعذيـبه على غير ذنـب ولا لفائدة تصل إليه ظلم وجور، وهو على الله تعالى محال(١).

وخالفت الأشاعرة في ذلك، فجوّزوا أن يؤلم الله عبده بأنواع الألم من غير جرم ولا ذنب لا لغرض وغاية ولا يوصل إليه العوض، ويعذّب الأطفال والأنبياء والأولياء من غير فائدة ولا يعوّضهم على ذلك بشيء ألبتّة(٢)، مع أنّ العلم الضروري حاصل لنا بأنّ من فعل من البشر مثل هذا عدّه العقلاء ظالماً جائراً سفيهاً.

فكيـف يجـوز للإنسـان نسـبة الله تعـالى إلى مثـل هـذه النـقـائص ولا يخشى ربّه؟!

وكيف لا يخجل منه غداً يوم القيامة إذا سألته الملائكة يوم الحساب: هل كنت تعذّب أحداً من غير استحقاق ولا تعوّضه عن ألمه عوضاً يرضى بـه؟!

فيقول: كلاّ، ما كنت أفعل ذلك.

فيقال له: كيف نسـبت ربّك إلى هذا الفعل الذي لم ترضه لنفسك؟!


*    *    *

(١) الذخيرة في علم الكلام: ٢٣٩، تقريب المعارف: ١٣٧، الاقتصاد في ما يتعلّق بالاعتقاد: ١٥٠، المنقذ من التقليد ١ / ٣٣٠.

(٢) اللمع في الردّ على أهل الزيغ والبدع: ١١٥ ـ ١١٦، تمهيد الأوائل: ٣٨٢ ـ ٣٨٥، الفصل في الملل والأهواء والنحل ٢ / ١٣٤ و ١٤٤، المواقف: ٣٣٠.

٤٠٨

وقال الفضـل(١):

إعلم أنّ الإعواض مذهب المعتزلة(٢)، ولهم على هذا الأصل اختلافات ركيكة تدلّ على فساد الأصل مذكورة في كتب القوم.

وأمّـا الأشـاعرة، فذهبـوا إلى أنّ الله تعـالى لا يجـب عليـه شـيء، لا عوض على الألم ولا غيره; لأنّه يتصرّف في ملكه ما يشاء، والعوض إنّما يجب على من يتصرّف في غير ملكه(٣).

نعم، جرت عادة الله على أنّ المتألّم بالآلام إمّا أن يكفّر عنه سيّئاته، أو يرفع له درجاته إن لم يكن له سيّئات، ولكن لا على طريق الوجوب عليـه.

وأمّا حديث العوض في أفعال الله تعالى، فقد مرّ بطلانه في ما سبق.

وأمّا تعذيب الأطفال والأنبياء والأولياء، ففيه فوائد ترجع إليهم، من رفع الدرجات وحطّ السيّئات، كما أُشير إليه في الأحاديث الصحاح، ولكن على سبيل جري العادة لا على سبيل الوجوب، فلا يلزم منه جور ولا ظلم.

ثمّ ما ادّعى من العلم الضروري بأنّ البشر لو عذّبَ حيواناً بلا عوض لكان ظالماً، فهذا قياس فاسد; لأنّ البشر يتصرّف في الحيوان بما ليس له،

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع مع إحقاق الحقّ ـ ٢ / ١٨٧.

(٢) انظر: شرح الأُصول الخمسة: ٤٩٤ وما بعدها.

(٣) انظر: تمهيد الأوائل: ٣٨٤، الاقتصاد في الاعتقاد ـ للغزّالي ـ: ١١٥ ـ ١١٦، محصّل أفكار المتقدّمين والمتأخّرين: ٢٩٥، المواقف: ٣٣٠، شرح المواقف ٨ / ١٩٥ ـ ٢٠٠.

٤٠٩
والله تعالى مالك مطلق يتصرّف كيف يشاء.

ونحن لا نمنع وقوع الجزاء والمنافع، ولكن نمنع وجوب هذا.

ونحن نقول: من يعتقد أنّ الله تعالى يجب عليه الإعواض عن الآلام، إذا حضر يوم القيامة عند ربّه، ورأى الجلال الإلهي، والعظمة الربّانية، والتصرّف المطلق الذي حاصل له في الملك والملكوت، سيّما في موقف القيامة التي يقال فيها: ( لمن الملك اليوم لله الواحد القهّار )(١)، أَمَا يكون مسـتحيياً من الله تعالى أن يعتقد في الدنيا أنّه مع الله تعالى كالتاجر العامل، أعطى الأعمالَ والآن يريد جزاء الواجب على الله تعالى؟! فيدّعي على الله في ذلك المشهد: إنّك عـذّبتني وآلمتني في الدنيـا، فالآن لا أُخلّيك حتّى آخذ منك العوض; لأنّه واجب عليك أن تعوّضني.

فيقول الله تعالى: يا عبدَ السوء! أنا خلقتك وأنعمت عليك كيت وكيت، أتحسبني كنت متاجراً معك، معاملا لك، حتّى توجب علَيَّ العوض؟! أَدخِلوا العبدَ السوء النار.

فيقول: هكذا علّمني ابن المطهّر الحلّي، وهو كان إمامي، وأنا الآن بريء منه.

فيقول الله تعالى: أدخلوا جميعاً النار! ( كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار )(٢).

والله أعلم، وهو أصدق القائلين.


*    *    *

(١) سورة غافر ٤٠: ١٦.

(٢) سورة البقرة ٢: ١٦٧.

٤١٠

وأقـول:

كم للمعتزلة من أصل خالفوا فيه العقل والنقل! كقولهم: إنّ الإمامة بالاختيار(١).

وكم لهم من أصل دلّ عليه العقل والنقل كالأصل الذي نحن فيه! وذلك لأنّ لهم ميلا إلى طريقة أمير المؤمنين، وهوىً بموالاة أعدائه.

ولذا أصابوا الحقّ في أصل هذا الأصل، وأخطأوا في كيفيّاته، ولو فسد الأصل بالاختلاف في جهاته لفسد الإسلام باختلاف أهله.

والأشاعرة لما جانبوا باب مدينة العلم وخالفوه بتمام جهدهم، لم يجتمعوا مع شيعة الحقّ في كلّ الأُصول المهمّة، ولم يأخذوا بما أُمروا به من التمسّك بأهل بيت العصمة.

وممّا خالفوا فيه صريح الحقّ وحكم العقل والنقل، هذا الأصل، بحجّة أنّ المالك المطلق يجوز له التصـرّف كيف شاء بلا حدّ ولا نهاية، ولا يلزمه بتصرّفه شيء من الأشياء.

فإنْ أرادوا أنّ جواز تصرّفه كذلك نفس معنى الملكية المطلقة، فهو ظاهر البطلان; لأنّ الملكية سلطنة وأمر نسبي اعتباري.

وإنْ أرادوا به أنّه من أحكامها وآثارها، فهو عين المدّعى، ومحلّ الكلام.

وكيف يكون من أحكامها جواز تعذيـب العبـد بلا ذنـب، وإيلامـه

(١) انظر: شرح الأُصول الخمسة: ٧٥٣.

٤١١
بلا عوض، وهما منافيان لحقّ الرعاية وإنصاف المملوك؟!

فلا بُـدّ عقلا من ثبوت عوض عن الألم يرضى به العبد.

ولقوله تعالى: ( كتب ربّـكم على نفسه الرحمة )(١)، ومن الرحمة إعطاء العوض على الآلام، فيكون ممّا كتبه وأوجبه على نفسه تعالى.

وممّا يشهد بضرورة حكم العقل بوجوب العوض، تفريع الخصم خلافاً لمذهبه قوله: " فلا يلزم منه جور ولا ظلم " على ما أثبته من الفوائد في تعذيب الأطفال والأنبياء والأولياء، فإنّ تفريع ذلك على هذا يستدعي لزوم الجور والظلم بدون الفوائد، وإلاّ لم يكن محلّ للتفريع.

وأمّا ما ذكره من العادة التي هي غيب، فقد عرفت ما فيه مراراً.

وأمّا قوله: " وأمّا حديث العوض في أفعال الله تعالى، فقد مرّ بطلانه "..

فـفيه: إنّه لم يتقدّم ذِكر العوض على أفعال الله تعالى ـ وهي الآلام ـ الذي عرّفه المتكلّمون بالنفع المستحقّ، لا على وجه التعظيم والإجلال.

وإنّما تقدّم في الشرط الخامس للتكليف ذِكر الثواب على أفعال العبد المكلّف بها، الذي عرّفوه بالنفع المستحقّ على وجه التعظيم والإجلال(٢)، فكيف يزعم أنّ حديث العوض في أفعال الله تعالى ـ الذي وقع به كلام المصنّف هنا ـ قد مرّ بطلانه؟!

ولكنّه اشتبه عليه الأمر وخلط من حيث لا يعلم، وعلى هذا الخلط جرى في قوله: " كالتاجر والعامل، أعطى الأعمالَ والآن يريد جزاء الواجب

(١) سورة الأنعام ٦: ٥٤.

(٢) تقدّم في ردّ الفضل في الصفحة ٣٨٩ من هذا الجزء.

٤١٢