×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

دلائل الصدق لنهج الحق ـ ج 3 / الصفحات: ٤١ - ٦٠

قال المصنّـف ـ طـيّب الله رمسه ـ(١):

ومنها: إنّه يلزم أن تكون جميع المنافع التي جعلها الله تعالى منوطة بالأشياء غير مقصودة ولا مطلوبة لله تعالى، بل وضعها وخلقها عبثاً.

فلا يكون خلق العين للإبصار، ولا خلق الأُذن للسماع، ولا اللسان للنطق، ولا اليد للبطش، ولا الرِجل للمشي، وكذا جميع الأعضاء التي في الإنسان وغيره من الحيوانات.

ولا خلق الحرارة في النار للإحراق، ولا الماء للتبريد، ولا خلق الشمس والقمر والنجوم للإضاءة، ومعرفة الليل والنهار للحساب.

وكلّ هذا مبطل للأغراض والحِكَم والمصالح، ويبطل علم الطبّ بالكلّـيّة، فإنّه لم يخلق الأدوية للإصلاح، ويبطل علم الهيئة، وغيرها.

ويلزم العبث في ذلك كلّه، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.


*    *    *

(١) نهج الحقّ: ٩٠ ـ ٩١.

٤١

وقال الفضـل(١):

إذا قلنا: إنّ أفعاله تعالى محكمة متقنة، مشتملة على حكم ومصالح لا تحصى، هي راجعة إلى مخلوقاته، لا يلزم أن تكون منافع الأشياء غير مقصودة لله تعالى..

بل هو الحكيم خلق الأشياء ورتّب عليها المصالح، وقبل خلق الأشياء قدّرها ودبّرها، ولكن ليست أفعاله محتاجة إلى علّة غائيّة كأفعالنا [الاختيارية] ..

فإنّا لو فقدنا العلّة الغائيّة لم نقدر على الفعل الاختياري، وليس هو تعالى كذلك; للزوم النقص والاحتياج..

بل الآثار والمصالح تترتّب على أفعاله من غير نقص الاحتياج إلى العلّة الغائية الباعثة للفاعل، ولولاها لم يتصوّر الفعل الاختياري من الفـاعل(٢).

هذا هو المطلوب من كلام الأشاعرة، لا نفي منافع الأشياء، وأنّها لم تكن معلومة لله تعالى وقت خلق الأشياء..

مثلا: اقتضت حكمة خلق العالم أن يخلق الشمس مضيئة، وفي إضاءتها منافع للعباد، فالله تعالى قبل أن يخلق الشمس كان يعلم هذه المنافع المترتّبة عليها لخلقها، وترتّب المنافع عليها من غير احتياج إلى

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع مع إحقاق الحقّ ـ ١ / ٤٣٦.

(٢) شرح المواقف ٨ / ٢٠٤.

٤٢
حالة باعثة إلى هذا الخلق، فلا يلزم أن لا تكون المنافع مقصودة، بل هي مقصودة، بمعنى ملاحظة المصلحة والغاية المترتّبة عليها، لا بمعنى الغرض الموجب لإثبات النقص له.


*    *    *

٤٣

وأقـول:

قوله: " رتّب عليها المصالح ".

إن أراد به أنّه رتّبها بما هي مصالح لها مقصودة من خلقها، فهو معنى كونها غرضاً منها.

وإن أراد به أنّه رتّبها بما هي مقصودة بأنفسها، لا بما هي غرض، لم يخرج فعل الأشياء عن العبث، ومنه يعلم ما في قوله بآخر كلامه: " بل هي مقصودة بمعنى ملاحظة المصلحة ".

فإنّه إن أراد بقصد المنافع وملاحظتها، مطلوبيّـتها منها، فهو المطلوب.

وإن أراد به مجرّد ملاحظتها لأنفسها، فلا تكون مخرجة للأشياء عن العبث.

ولا يخفى أنّ قوله: " قبل خلق الأشياء دبّرها " خطأٌ; لأنّ التدبير إنّما هو حين الخلق وما دام البقاء، لا قبل الخلق.

ولا يصحّ أن يريد به التروّي، فإنّه سبحانه غنيٌّ عن التروّي إذا أراد شيئاً قال له: ( كن فيكون )(١).

وأمّا قوله: " فإنّا لو فقدنا العلّة الغائية لم نقدر على الفعل الاختياري "..

(١) سورة البقرة ٢: ١١٧، سورة آل عمران ٣: ٤٧ و ٥٩، سورة الأنعام ٦: ٧٣، سورة النحل ١٦: ٤٠، سورة مريم ١٩: ٣٥، سورة يس ٣٦: ٨٢، سورة غافر ٤٠: ٦٨.

٤٤
فخطأٌ آخر; لأنّ اللازم من فقدها إنّما هو العبث لا عدم القدرة.

فلو زعم أنّ الترجيح بلا مرجّح محال كالترجّح بلا مرجّح، فهو جار في حقّ الله تعالى; لأنّ المانع العقلي واحد، على أنّ الامتناع والمحالية بالغير لا ينافي القدرة على نفس الفعل.

ولو اكتفى بالنسبة إلى الله سبحانه بمجرّد رجحان الفعل في نفسه لاشتماله على المصلحة، جاء مثله بالنسبة إلى الإنسان بلا فرق.

ثمّ لا يخفى أنّ قياس الغائب على الشاهد الذي استند إليه سابقاً يقتضي العلّة الغائيّة لأفعاله تعالى.

وما ذكره من لزوم نقص الاحتياج قد عرفتَ وهنه، وهو أشبه بحديث خُـرَافـة(١).


*    *    *

(١) مثلٌ يُضرب لكلّ ما لا يمكن وقوعه.

وخُرافة: رجل من عُذْرة استهوته الجنّ ـ كما تزعم العرب ـ مدّة، ثمّ لمّا رجع أخبرَ بما رأى منهم، فكذّبوه حتّى قالوا لِما لا يمكِـن: حديث خرافة.

انظر: مجمع الأمثال ـ للميداني ـ ١ / ٣٤٦ رقم ١٠٢٨، الحيوان ـ للجاحظ ـ ٦ / ٤٢٦، تاج العروس ١٢ / ١٦٢ مادّة " خرف ".

ووردت في أُمّهات مصادر الجمهور روايات نُسـبت إلى الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه حدّث بعض نسائه وأقـرّ بخرافة وأحاديثه العجيبة عن الجنّ! فانظر مثلا:

مسند أحمد ٦ / ١٥٧، الشمائل النبوية ـ للترمذي ـ: ٣٠٨ ح ٢٥٢ ب ٣٨، مسند أبي يعلى ٧ / ٤١٩ ح ٤٤٤٢، مجمع الزوائد ٤ / ٣١٥ باب عشرة النساء، كنز العمّال ٣ / ٦٢٩ ح ٨٢٤٤ و ٨٢٤٥.

٤٥

قال المصنّـف ـ أعلى الله مقامه ـ(١):

ومنها: إنّه يلزم منه الطامّة العظمى والداهية الكبرى [عليهم] ، وهو: إبطال النبوّات بأسرها، وعدم الجزم بصدق واحد منهم، بل يحصل الجزم بكذبهم [أجمع]; لأنّ النبوّة إنّما تتمّ بمقدّمتين:

إحداهما: إنّ الله تعالى خلق المعجزة على يد مدّعي النبوّة لأجل التصديق.

والثانية: إنّ كلّ مَن صدّقه الله تعالى فهو صادق.

ومع عدم القول بإحداهما لا يتمّ دليل النبوّة..

[المقدّمة الأُولى:] فإنّه تعالى لو خلق المعجزة لا لغرض التصديق، لم يدلّ على صدق المدّعي، إذ لا فرق بين النبيّ وغيره.

فإنّ خلق المعجزة لو لم يكن لأجل التصديق، لكان لكلّ أحد أن يدّعي النبوّة ويقول: إنّ الله صدّقني; لأنّه خلق هذه المعجزة، ويكون نسبة النبيّ وغيره إلى هذه المعجزة على السواء; ولأنّه لو خلقها لا لأجل التصديق لزم الإغراء بالجهل; لأنّها دالّة عليه.

فإنّ في الشاهد لو ادّعى شخص أنّه رسول السلطان، وقال للسلطان: إنْ كنت صادقاً في دعوى رسالتك، فخالف عادتك، واخلع خاتمك، ففعل السلطان ذلك، ثمّ تكرّر هذا القول من مدّعي رسالة السلطان وتكرّر من السلطان هذا الفعل عقيب الدعوى، فإنّ الحاضرين بأجمعهم يجزمون

(١) نهج الحقّ: ٩١.

٤٦
بأنّه رسول ذلك السلطان.

كذا هنا، إذا ادّعى النبيّ الرسالة، وقال: إنّ الله تعالى يُصدّقني بأن يفعل فعلا لا يقدر الناس عليه مقارناً لدعواي، وتكرّر هذا الفعل من الله تعالى عقيب تكرّر الدعوى، فإنّ كلّ عاقل يجزم بصدقه، فلو لم يخلقه لأجل التصديق; لكان الله تعالى مغرياً بالجهل، وهو قبيح لا يصدر عنه، وكان مدّعي النبوّة كاذباً حيث قال: إنّ الله تعالى خلق المعجزة على يدي لأجل تصديقي، فإذا استحال عندهم أن يفعل لغرض، فكيف يجوز للنبيّ هذه الدعوى؟!

المقدّمة الثانية، وهي: إنّ كلّ من صدّقه الله تعالى فهو صادق; ممنوعة عندهم أيضاً; لأنّه يخلق الإضلال، والشرور، وأنواع الفساد والشرك، والمعاصي الصادرة من بني آدم (عليه السلام)، فكيف يمتنع عليه تصديق الكاذب؟! فتبطل المقدّمة الثانية أيضاً.

هذا نصّ مذهبهم وصريح معتقدهم، نعوذ بالله من عقيدة أدّت إلى إبطال النبوّات، وتكذيب الرسل، والتسوية بينهم وبين مسيلمة حيث كذب في ادّعاء الرسالة.

فلينظر العاقل المنصف، ويَخَفْ ربّه، ويَخْشَ من أليم عقابه، ويعرض على عقله هل بلغ كفر الكافر إلى هذه المقالات الرديّة والاعتقادات الفاسدة؟!

وهل هؤلاء أعذر في مقالاتهم؟ أم اليهود والنصارى الّذين حكموا بنبوّة الأنبياء المتقدّمين (عليهم السلام)، وحكم عليهم جميع الناس بالكفر حيث أنكروا نبوّة محمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهؤلاء قد لزمهم إنكار جميع الأنبياء، فهم شرّ من أُولئك.

٤٧
ولهذا قال الصادق (عليه السلام) حيث عدّهم وذكر اليهود والنصارى: " إنّهم شرّ الثلاثة "(١).

ولا يعذر المقلّد نفسه، فإنّ فساد هذا القول معلوم لكلّ أحد، وهم معترفون بفساده أيضاً.


*    *    *

(١) انظر مؤدّاه في: علل الشرائع ١ / ٣٣٩ ـ ٣٤٠ ح ١ باب ٢٢٠.

٤٨

وقال الفضـل(١):

حاصل ما ينعقد في هذا الاستدلال من هذا الكلام: أنّ الله تعالى لو لم يخلق المعجزة لغرض تصديق الأنبياء لم يثبت النبوّة، فعُلم أنّ بعض أفعاله تعالى معلّلة بالأغراض.

والجواب: إنّه إنْ أراد بهذا الغرض العلّةَ الغائيّة الباعثة للفاعل المختار على فعله الاختياري; فهو ممنوع.

وإنْ أراد أنّ الله تعالى يفيض المعجزة بالقصد والاختيار، وغايته وفائدته تصديق النبيّ من غير أن يكون تصديق النبيّ باعثاً على إفاضة المعجزة، فهذا مسلّم، ويحصل تصديق الأنبياء من غير إثبات الغرض، وهذا مذهب الأشاعرة كما قدّمنا.

ثمّ إنّ هذا الرجل يفتري عليهم المدّعيات المخترعة من عند نفسه من غير تفهّم لكلامهم وتأمّل في غرضهم، فإنّهم يعنون بنفي الغرض نفي الاحتياج من الله تعالى، ووافقهم في ذلك جميع الحكماء الإلهيّـين(٢).

فإنْ كان هذا المدّعي صادقاً، فكيف يكـفّرهم ويرجّح عليهم اليهود والنصارى؟!

وإنْ كان باطلا، فيكون غلطاً منهم في عقيدة بَعثَهم على اختيارها

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع مع إحقاق الحقّ ـ ١ / ٤٣٩.

(٢) هذا ادّعاء الجرجاني في شرح المواقف ٨ / ٢٠٢ المقصد الثامن، وقد تقدّم في الصفحة ٣١ من هذا الجزء أنّ الحكماء لم ينفوا كلّيّ الغرض، وإنّما نفوا الغرض الذي به الاسـتكمال; فراجـع!

٤٩
تنزيه الله تعالى من الأغراض والنقص والاحتياج، فكيف يجوز ترجيح اليهود والنصارى عليهم؟!

ومع ذلك افترى على الصادق (عليه السلام) كذباً في حقّهم، وإن كان قد قال الصادقُ هذا الكلام، فيجب حمله على طائفة أُخرى غير الأشاعرة..

كيف؟! والشيخ الأشعري الذي هو مؤسّـس هذه المقالة تولّد بعد سنين كثيرة من أزمان الصادق؟! والأشاعرة كانوا بعده، فكيف ذكر الصادق فيهم هذه المقالة؟!

فعُـلِم أنّ الرجل مفـتر كَـوْدَن(١) كـذّاب، مثل كَـوادِن حلّـة وبغـداد، لا أفلح من رجل سوء!


*    *    *

(١) الكَـوْدَن ـ جمعها: الكوادن ـ: البَـليدُ، على التشـبيه هنا، وفي اللغة هو: البِـرْذَوْن الثقيل من الدوابّ، وقيل: هو الفيـل، وقيل: البغل.

انظر مادّة " كـدن " في: الصحاح ٦ / ٢١٨٧، لسان العرب ١٢ / ٤٨، تاج العروس ١٨ / ٤٧٥ و ٤٧٦.

٥٠

وأقـول:

حاصل مذهبهم ـ كما ذكر ـ: إنّه تعالى يخلق المعجزة لا لغاية، لكـنّها بنفسها تفيد التصديق بالنبـوّة.

وفيـه: إنّ إفادتها له ليست ذاتية; إذ ليست هي إلاّ كسائر خوارق العادة التي ربّما تـقع في الكون، ولا يوجب نفس وجودها تصديـق أحد في دعواه، فمن أين تفيد المعجزة التصديق بالنبوّة وهو لم يكن غرضاً منـها؟!

ومجرّد مقارنتها لدعوى النبوّة لا يجعل التصديق بها فائدة لها بعد أن كان أصل وجودها ومقارنتها بلا غرض، كما لو قارنت دعوىً أُخرى لآخَرَ! وحينئذ، فلا يكون مدّعي النبوّة أَوْلى بدعواها من غيره وإنْ ظهرت المعجزة على يده; لأنّ خلقها كان مجّاناً وبلا قصد تصديقه، فكيف تقتضي نبوّته خاصّـة؟!

ثمّ لو سُلّم كون التصديق فائدة للمعجزة، فهو غير نافع لِما ذكره المصنّف (رحمه الله) من لزوم كذب مدّعي النبوّة بقوله: " إنّ الله يخلق المعجزة لتصديقي "، وغير دافع للإغراء بالجهل من حيث إفادة المعجزة أنّ الله تعالى خلقها لتصديقه، وإنْ لم يكن هناك إغراء بالجهل من حيث أصل دعواه النبوّة، لفرض كونه نبيّـاً.

ثمّ إنّه لم يتعرّض للجواب عن إيراد المصنّف (رحمه الله) على المقدّمة الثانية، إكـتفاءً بما أسلفه من دعوى العادة التي عرفت أنّه لا معنى لها.

٥١
وأمّا قوله: " وإن كان باطلا فيكون غلطاً في عقيدة "..

فـفيه: إنّهم لم يستوجبوا ذلك لمجرّد الغلط، بل للإصرار عليه عناداً للحقّ، وجرأةً على الله تعالى، بعد البيان بصريح الكتاب العزيز والسُـنّة الواضحة وحكم العقل الضروري، ولو دعاهم إلى ذلك تنزيه الله تعالى عن الحاجة والنقص لَما جعلوه محتاجاً في كلّ آثاره إلى غيره، وهو صفاته الزائدة على ذاته بزعمهم!

وكيف يكون ذلك تنزيهاً وقد أوضح لهم الإمامية أنّه ليس من الاحتياج والنقص في شيء؟! بل الغرض كمالٌ للتأثير وشاهدٌ بكمال المؤثّـر.

ومن المضحك وعظه في المقام وإنكاره على المصنّف (رحمه الله) في ترجيـح اليهود والنصارى على الأشاعرة، والحال أنّه قد جاء بأكبر منه قريباً، حيث جعل مذهب العدلية أردأ من مذهب المجوس.

وأمّا ما زعمه من أنّ تأخّر زمن الأشعري والأشاعرة عن الصادق (عليه السلام)مناف لإرادته لهم..

٥٢
فـفيه: إنّه إذا جاز لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إرادتهم أو المعتزلة على الخلاف بينهم من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " القدرية مجوس هذه الأُمّة "(١)، فليجز للصادق (عليه السلام) إرادتهم; لأنّ علمه من علم جدّه، واصلٌ إليه من باب مدينة علمه(٢)، وهو أحد أوصيائه الطاهرين.

ويحتمل أن يريد الصادق (عليه السلام) مطلق الناصبة والمجبّرة، فيدخل فيهم الأشاعرة، وإن كانت بدعتهم بعده.


*    *    *

(١) سنن أبي داود ٤ / ٢٢١ ح ٤٦٩١، التاريخ الكبير ـ للبخاري ـ ٢ / ٣٤١ رقم ٢٦٨١، السُـنّة ـ لابن أبي عاصم ـ: ١٤٩ ح ٣٣٨، المعجم الأوسط ٣ / ١٢٧ ح ٢٥١٥ و ج ٤ / ٤٦٤ ح ٤٢٠٥.

(٢) إشارة إلى قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " أنـا مدينة العلم وعليٌّ بابها، فمن أراد العلم فليأتي من بابها "، وقد تقدّمت الإشارة إلى مصادر هذا الحديث الشريف في ج ٢ / ٤٠٧ هـ ٢، فراجـع.

٥٣
٥٤

قال المصنّـف ـ شرّف الله منزلته ـ(١):

ومنها: إنّه يلزم [منه] مخالفة الكتاب العزيز; لأنّ الله تعالى قد نصّ نصّاً صريحاً في عدّة مواضع من القرآن أنّه يفعل لغرض وغاية، لا عبثاً ولعباً..

قال تعالى: ( وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين )(٢)..

قال تعالى: ( أفحسبتم أنّما خلقناكم عبثاً )(٣)..

وقال تعالى: ( وما خلقتُ الجنَّ والإنس إلاّ ليعبُدون )(٤).

وهذا الكلام نصّ صريح في التعليل بالغرض والغاية.

وقال تعالى: ( فبظلم من الّذين هادوا حرّمنا عليهم طيّبات أُحلّت لهمُ وبصدّهم عن سبيل الله )(٥)..

وقال تعـالى: ( لُعن الّذين كفروا من بني إسرائيل على لسـان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون )(٦)..

وقال تعالى: ( ولنبلُـوَ أخباركم )(٧).

(١) نهج الحقّ: ٩٣.

(٢) سورة الأنبياء ٢١: ١٦.

(٣) سورة المؤمنون ٢٣: ١١٥.

(٤) سورة الذاريات ٥١: ٥٦.

(٥) سورة النساء ٤: ١٦٠.

(٦) سورة المائدة ٥: ٧٨.

(٧) سورة محمّـد ٤٧: ٣١.

٥٥
والآيات الدالّة على الغرض والغاية في أفعال الله أكثر من أن تُحصى، فليتّـقِ الله المقلّد في نفسه، ويخشَ عقاب ربّه، وينظر في من يقلّده، هل يسـتحقّ التقليد أو لا؟!

ولينظر إلى ما قال، ولا ينظر إلى مَن قال، وليستعدَّ لجواب ربّ العالمين حيث قال: ( أَوَلَمْ نُعمِّركُم ما يتذكَّر فيه من تذكّر وجاءكم النذير )(١).. فهذا كلام الله على لسان النذير، وهاتيك الأدلّة العقليّة المستندة إلى العقل الذي جعله الله حجّة على بريّـته.

وليُدخل في زمرة الّذين قال الله تعالى عنهم: ( فبشّر عبادِ * الّذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه أُولئك الّذين هداهمُ الله وأُولئك هم أُولو الألباب )(٢)..

ولا يُدخل نفسه في زمرة الّذين قال الله تعالى عنهم: قالُوا ( ربَّنا أرِنا الّذين أضلاّنا من الجنِّ والإنس نجعلهُما تحتَ أقدامِنا ليكونا مِنَ الأسفَلين )(٣).

ولا يُعذر بقِصر العمر، فهو طويل على الفكر; لوضوح الأدلّة وظهورها، ولا بعدم المرشدين، فالرُّسل متواترة، والأئمّة متتابعة، والعلماء متضافرة.


*    *    *

(١) سورة فاطر ٣٥: ٣٧.

(٢) سورة الزمر ٣٩: ١٧ و ١٨.

(٣) سورة فصّلت ٤١: ٢٩.

٥٦

وقال الفضـل(١):

قد ذكرنا في ما سبق أنّ ما ورد من الظواهر الدالّة على تعليل أفعاله تعالى فهو محمول على الغاية والمنفعة دون الغرض والعلّة(٢).

فقوله تعالى: ( وما خلقت الجنّ والإنس إلاّ ليعبدون )(٣)، فالمراد [منه] أنّ غاية خلق الجـنّ والإنـس والحكمة والمصـلحة فيه كانت هي العبادة، لا أنّ العبادة كانت باعثاً له على الفعل، كما في أرباب الإرادة الناقصة الحادثة.

وكذا غيره من نصوص الآيات، فإنّها محمولة على الغاية والحكمـة لا على الغرض.


*    *    *

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع مع إحقاق الحقّ ـ ١ / ٤٤٤.

(٢) انظر الصفحة ٣٧ من هذا الجزء.

(٣) سورة الذاريات ٥١: ٥٦.

٥٧
كتاب دلائل الصدق (ج٣) للشيخ محمد حسن المظفّر (ص ٥٨ - ص ٨٤)
٥٨
لجعل ظلمهم وصدّهم عن سبيل الله منفعة وحكمة لتحريم الطيّبات، وإنّما هما سببٌ وداع للتحريم.

وكقوله تعالى: ( لُعِنَ الّذين كفروا من بني إسرائيل )(١) الآية، فإنّه لا معنى لجعل عصيانهم منفعة وفائدة للعنهم، وإنّما هو سبب وداع له.

فإن قلت: كما لم يكن الظلم والصدّ والعصيان منافع، لا تكون أغراضاً؟!

قلـت: نعم، ولكنّ التعليل يستلزم الغرض; إذ لا يمكن سببيّة شيء لأن يفعل سبحانه باختياره وهو لا غرض له; كما سبق.

ولو سلّم مسلّم، فالآيتان لمّا دلّـتا على تعليل أفعاله تعالى، صحّ إثبات الغرض له، الذي هو أيضاً علّة باعثة على الفعل; لأنّ النقص ـ على زعمهم ـ يأتي أيضاً من قبل التعليل; لأنّه يستدعي حاجته إلى العلّة في فعله، فإذا اقتضت الآيتان عدم النقص بالتعليل صحّ إثبات الغرض.

ثمّ لو سُلّم إمكان حمل الآيات كلّها على مجرّد الفائدة، فلا داعي له بعد عدم المعارضة بالنقل كما هو ظاهر، ولا بالعقل; لفساد أدلّته، مع إنّهم لم يجروها في القياس كما سبق!

واعلم أنّ الغرض هو الغاية، فما معنى نفي الخصم الغرض لأفعاله تعالى وإثبات الغاية لها؟!!

وقد حصل هذا التناقض منه قبلُ ـ كما في أوّل هذا المطلب ـ إذ ذكر أنّ الأشاعرة قالوا: لا يجوز تعليل أفعاله بشيء من الأغراض والعلل الغائـيّة(٢)، ثمّ قال في آخر كلامه: " وما ورد من الظواهر الدالّة على تعليل

(١) سورة المائدة ٥: ٧٨.

(٢) انظر الصفحة ٢٩ من هذا الجزء.

٥٩
أفعاله تعالى فهو محمول على الغاية والمنفعة، دون الغرض والعلّة "(١).

نعـم، قـد يريـد بالغايـة عند إثبـاتها مجرّد الفائـدة المترتّـبة اتّـفاقاً، لا العلّة الغائـيّة، وفائدة كلامه تخفيف الشناعة وتلبـيس الحقّ.


*    *    *

(١) انظر الصفحة ٣٠ من هذا الجزء.

٦٠