×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

دلائل الصدق لنهج الحق ـ ج 3 / الصفحات: ٦١ - ٨٠

قال المصنّـف ـ ضاعف الله أجره ـ(١):

ومنهـا: إنّـه يلـزم تجـويز تعذيـب أعظـم المطيعيـن لله تعـالى كالنبـيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بأعظم أنواع العذاب، وإثابة أعظم العاصين كإبليس وفرعون بأعظم مراتب الثواب; لأنّه إذا كان يفعل لا لغرض وغاية، ولا لكون الفعل حسناً، ولا يترك الفعل لكونه قبيحاً، بل مجّاناً لغير غرض، لم يكن تفاوت بين سيّد المرسلين وإبليس في الثواب والعقاب، فإنّه لا يُـثيب المطيع لطاعته، ولا يعاقب العاصي لعصيانه.

فإذا تجرّد هذان الوصفان عن الاعتبار في الإثابة والانتقام، لم يكن لأحدهما أولوية الثواب والعقاب دون الآخر.

فهل يجوز لعاقل يخاف الله وعقابه أن يعتقد في الله تعالى مثل هذه العقائد الفاسدة؟! مع أنّ الواحد منّا لو نُسب إلى أنّه يُسيء إلى من أحسن إليه ويُحسن إلى من أساء إليه، قابله بالشتم والسبّ ولم يرض ذلك منه..

فكيف يليق أن ينسب ربّه إلى شيء يكرهه أدون الناس لنفسه؟!


*    *    *

(١) نهج الحقّ: ٩٤.

٦١

وقال الفضـل(١):

هذا الوجه بطلانه أظهر من أن يحتاج إلى بيان; لأنّ أحداً لم يقل: بأنّ الفاعل المختار الحكيم لم يلاحظ غاياتِ الأشياء والحِكَمَ والمصالح فيـها.

فإنّهم يقولون في إثبات صفة العلم: إنّ أفعاله متقنة(٢)، وكلّ من كان أفعاله متقنة فلا بُـدّ أن يلاحظ الغاية والحكمة، فملاحظة الغاية والحكمة في الأفعال لا بُـدّ من إثباته بالنسبة إليه تعالى، وإذا كان كذلك كيف يجوز التسوية بين العبد المطيع والعبد العاصي؟!

وعندي أنّ الفريقين من الأشاعرة والمعتزلة ومن تابعهم من الإمامية لم يحرّروا هذا النزاع ولم يبيّنوا محلّه، فإنّ جلّ أدلّة المعتزلة دلّت على إنّهم فهموا من كلام الأشاعرة نفي الغاية والحكمة والمصلحة، وإنّهم يقولون: إنّ أفعاله اتّفاقيات كأفعال من لم يلاحظ الغايات(٣)، واعتراضاتهم واردة على هذا.

فـنقول: الأفعال الصادرة من الإنسـان مثلا مـبدؤها دواع مخـتلفة، ولا بُـدّ لهذه الدواعي من ترجيح بعضها على بعض، والمرجّح هو الإرادة الحادثة(٤).. فذلك الداعي الذي بعث الفاعل على الفعل مقدّم على وجود

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع مع إحقاق الحقّ ـ ١ / ٤٤٥.

(٢) الأربعين في أُصول الدين ـ للفخر الرازي ـ ١ / ١٨٨، المواقف: ٢٨٥.

(٣) الأربعين في أُصول الدين ـ للفخر الرازي ـ ١ / ٣٥٠ ـ ٣٥٤.

(٤) الأربعين في أُصول الدين ـ للفخر الرازي ـ ١ / ٢٠٥ ـ ٢٠٨.

٦٢
الفعل، ولولاه لم يكن للفاعل المختار أن يفعل ذلك الفعل، فهذا الفاعل بالاختيار يحتاج في صدور الفعل عنه إلى ذلك الباعث، وهو العلّة الغائيّة والغـرض.

هذا تعريف الغرض في اصطلاح القوم، فإن عُرِض هذا على المعتزلي فاعترف بأنّه تعالى في أفعاله صاحب هذا الغرض، لزمه إثبات الاحتياج لله تعالى في أفعاله، وهو لا يقول بهذا قطّ; لأنّه ينفي الصفات الزائدة ليدفع الاحتياج، فكيف يجوّز الغرض المؤدّي إلى الاحتياج؟!

فبقيَ أنّ مراده من إثبات الغرض دفعُ العبث من أفعاله تعالى، فهو يقول: إنّ الله تعالى مثلا خلق الخلق للمعرفة، يعني غاية الخلق، والمصلحة التي لاحظها الله تعالى وراء علّتها هي المعرفة، لا أنّه يفعل الأفعال لا لغرض ومقصود كالعابث واللاعب، فهذا عين ما يقوله الأشاعرة من إثبات الغاية والمصلحة.

فعُلِم أنّ النزاع نشأ من عدم تحرير المدّعى.


*    *    *

٦٣

وأقـول:

إنْ أراد بملاحظة الغاية كونها داعية للفعل، فهو مذهبنا(١)، ولا يقوله الأشاعرة.

وإنْ أراد بها مجرّد إدراك الغاية من دون أن تكون باعثة على الفعل، فهو مذهب الأشاعرة(٢)، ويلزمه العبث وسائر المحالات، ويجوز بمقتضاه أن يعذّب الله سبحانه أعظم المطيعين، ويثيب أعظم العاصين; لأنّه لا غاية له تبعثه إلى الفعل، بل يفعل مجّاناً بلا غرض، بل يجوز أن لا تكون أفعاله متقنة، وإن اتّفق إتقانها في ما وقع، وأمّا في ما لم يقع بعدُ ـ كالثواب والعقاب ـ فمن الجائز أن لا يكون متقناً; لفرض عدم الغرض له تعالى، ولأنّه لا يقبح منه شيء، ولا يجب عليه شيء!..

فما زعمه من عدم تحرير الفريقين لمحلّ النزاع حقيق بالسخرية!

أتُراه يخفى على جماهير العلماء ويظهر لهذا الخصم وحده؟!

وهل يخفى على أحد أنّ النزاع في الغرض والعلّة الغائـيّة، وأنّ الإماميـة والمعتزلة لم يروا بالقول بالغرض بأساً ونقصاً، بخلاف الأشـاعرة؟!

وهذا الخصم ما زال ينسب لقومه القول بالغاية، فإنْ أراد بها الغاية الباعثة على الفعل، فهي خلاف مذهبهم بالضرورة.

(١) تجريد الاعتقاد: ١٩٨، كشف المراد: ٣٣١، تلخيص المحصّل: ٣٤٣ ـ ٣٤٤.

(٢) الأربعين في أُصول الدين ـ للفخر الرازي ـ ١ / ٣٥٠، المواقف: ٣٣١ ـ ٣٣٢، شرح المواقف ٨ / ٢٠٢ ـ ٢٠٦.

٦٤
وإنْ أراد بها الأمر المترتّب اتّفاقاً، كقوله تعالى: ( فالتقطهُ آلُ فِرعونَ ليكُون لهمُ عدوّاً وحزَناً )(١)، غاية الأمر: أنّ الله تعالى عالم بهذا الأمر المترتّب، فهو حقيقة مذهبهم، وعليه ترد الإشكالات، ولا ينفع معه التسويلات والتنصّلات.

وأمّا ما ذكره من قولهم بالحكمة والمصلحة، فهو وإنْ قالوا به ظاهراً، لكن لا بنحو اللزوم كقولهم بالإتقان; لأنّ اللزوم لا يجتمع مع نفي الغرض ونفي الحسن والقبح العقليَّين ونفي وجوبِ شيء عليه تعالى.

وأمّا قوله: " ولولاه لم يكن للفاعل المختار أن يفعل ذلك الفعل "..

فإنْ أراد به أنّه لا يفعله لكونه عبثاً، فهو صحيح، والله سبحانه أحقّ بـه.

وإنْ أراد أنّـه لا يفـعله لعدم قدرته عليـه كما زعمه سابقاً، فهو باطل ـ كما عرفت ـ، ومنه يُعلم ما في قوله: " فهذا الفاعل بالاختيار يحتاج في صدور الفعل عنه ".

وقد بيّـنّـا أنّ هذا الاحتياج لإخراج الفعل عن العبث لا لنقص في القدرة، فيكون كمالا للفعل، ودليلا على كمال ذات الفاعل، لا كاحتياج الذات إلى صفاتها الزائدة الموجب لنقص الذات في نفسها(٢); تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.


*    *    *

(١) سورة القصص ٢٨: ٨.

(٢) انظر ج ٢ / ١٦٩ وما بعدها من هذا الكتاب.

٦٥

إنّه تعالى يريد الطاعات ويكره المعاصي

قال المصنّـف ـ قـدّس الله روحه ـ(١):

المطلب الخامس
في أنّه تعالى يريد الطاعات ويكره المعاصي

هذا هو مذهب الإمامية، قالوا: إنّ الله تعالى أراد الطاعات سواء وقعت أم لا، ولا يريد المعاصي سواء وقعت أم لا، [وكره المعاصي سواء وقعت أم لا] ، ولم يكره الطاعات سواء وقعت أم لا(٢).

وخالفت الأشاعرة مقتضى العقل والنقل في ذلك، فذهبوا إلى أنّ الله تعالى يريد كلّ ما يقع في الوجود، سواء كان طاعة أم لا، وسواء أمر به أم نهى عنه(٣) [وكره كلّ ما لم يقع، سواء كان طاعة أو لا، وسواء أمر به أو نهى عنه] ، فجعلوا كلّ المعاصي الواقعة في الوجود من الشرك والظلم والجور والعدوان وأنواع الشرور مرادةً لله تعالى، وأنّه تعالى راض بها!

(١) نهج الحقّ: ٩٤.

(٢) أوائل المقالات: ٥٧ ـ ٥٨، شرح جمل العلم والعمل: ٨٧، المنقذ من التقليد ١ / ١٧٩، تجريد الاعتقاد: ١٩٩.

(٣) الإبانة في أُصول الديانة: ١٢٦ ـ ١٢٧، تمهيد الأوائل: ٣١٧، الاقتصاد في الاعتـقاد ـ للغـزّالي ـ: ١٠٢، الملـل والنحـل ١ / ٨٣، الأربعيـن في أُصـول الديـن ـ للفخر الرازي ـ ١ / ٣٤٣، المواقف: ٣٢٠، شرح المقاصد ٤ / ٢٧٤، شرح المواقف ٨ / ١٧٣.

٦٦
وبعضهم قال: إنّه محبٌّ لها، وكلّ الطاعات التي لم تصدر عن الكفّار مكـروهة لله تعـالى غير مريـد لها، وإنّه تعـالى أمر بما لا يريد ونهى عمّـا لا يكره، وإنّ الكافر فعل في كفره ما هو مراد لله تعالى وترك ما كره الله تعالى من الإيمان والطاعة منه(١).

وهذا القول يلزم منه محالات، منها: نسبة القبيح إلى الله تعالى; لأنّ إرادة القبيح قبيحة، وقد بيّـنّـا أنّه تعالى منزّه عن فعل القبائح كلّها(٢).


*    *    *

(١) انظر: الأربعين في أُصول الدين ـ للفخر الرازي ـ ١ / ٣٤٣ ـ ٣٤٥، شرح المواقف ٨ / ١٧٣ وقال: " منهم ـ أي الأشاعرة ـ من جوّز أن يقال: الله مريـد للكـفر والفسـق والمعصيـة " وذكـر في ص ١٧٤ أنّ خالـق الشيء بلا إكراه مريدٌ له بالضرورة، وفيه أيضاً: أنّ عدم إيمان الكافر مراد لله.. فلاحظ!

(٢) راجع كلام العلاّمة الحلّي (قدس سره) في ج ٢ / ٣٣٤ المبحث الحادي عشر من هذا الكـتاب.

٦٧

وقال الفضـل(١):

قد سبق أنّ مذهب الأشاعرة: إنّ الله تعالى مريد لجميع الكائنات غير مريد لِما لا يكون، فكلّ كائن مراد وما ليس بكائن ليس بمراد، واتّفقوا على جواز إسناد الكلّ إليه تعالى جملة، واختلفوا في التفصيل كما هو مذكور في موضعه(٢).

ومذهب المعتزلة ومن تابعهم من الإمامية: إنّه تعالى مريد لجميع أفعاله، أمّا أفعال العباد فهو مريد للمأمور به منها كارهٌ للمعاصي والكفر(٣).

ودليل الأشاعرة: إنّه خالق للأشياء كلّها، وخالق الشيء بلا إكراه مريد له بالضرورة(٤).

وأمّا ما استدلّ به هذا الرجل في عدم جواز إرادة الله تعالى للشرك والمعاصي، فهو من استدلالات المعتزلة.

والجواب: إنّ الشرك مراد لله تعالى، بمعنى: إنّه أمرٌ قدّره الله تعالى في الأزل للكافر، لا أنّه رضي به وأمر المشرك به، وهذا من باب التباس

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع مع إحقاق الحقّ ـ ١ / ٤٤٨.

(٢) الأربعين في أُصول الدين ـ للفخر الرازي ـ ١ / ٣٤٣، المواقف: ٣٢٠، شرح المواقف ٨ / ١٧٣ و ١٧٤.

(٣) تقـدّم في الصفحة ٦٣ هـ ٢، وراجع المصـارد التاليـة التي تذكر آراء المعتزلـة: شرح الأُصول الخمسة: ٤٥٦ ـ ٤٥٧، الملل والنحل ١ / ٣٩، شرح المواقف ٨ / ١٧٣.

(٤) الأربعين في أُصول الدين ـ للفخر الرازي ـ ١ / ٣٤٣، المواقف: ٣٢٠، شرح المواقف ٨ / ١٧٤.

٦٨
الرضا بالإرادة.

وأمّا كون الطاعات التي لم تصدر من الكافر مكروهة لله تعالى..

فإنْ أراد بالكراهة عدم تعلّق الإرادة به، فصحيح; لأنّه لو أراد لوجد..

وإنْ أراد عدم الرضا به، فهو باطل; لأنّه لم يحصل في الوجود حتّى يتعلّق به الرضا أو عدمه.

وأمّا أنّه تعالى أمر بما لا يريد ونهى عمّا لا يكره، فإنّه تعالى أمر الكـفّار بالإسـلام ولم يرد إسـلامهم، بمعـنى عدم تـقدير إسـلامهم، وهذا لا يُعدُّ من السفه، ولا محذور فيه، وإنّما يكون سفهاً لو كان الغرض من الأمر منحصراً في إيقاع المأمور به، ولكن هذا الانحصار ممنوع; لأنّه ربّما كان لإتمام الحجّة عليهم فلا يُعدُّ سفهاً.

وأمّا ما ذكره من لزوم نسبة القبيح إلى الله تعالى; لأنّ إرادة القبيح قبيحة..

فجوابه: إنّ الإرادة بمعنى التقدير، وتقدير خلق القبيح في نظام العالم ليس بقبيح من الفاعل المختار، إذ لا قبيح بالنسبة إليه.

على أنّ هذا مبنيٌّ على القبح العقلي وهو غير مسلّم عندنا، ومع هذا فإنّه مشترك الإلزام; لأنّ خلق الخنزير الذي هو القبيح يكون قبيحاً، والله تعالى خلقه بالاتّفاق منّـا ومنكم.


*    *    *

٦٩

وأقـول:

لا يخفى أنّ الأُمور الممكنة إنّما يفعلها القادر المختار أو يتركها بإرادة منه; لأنّ الممكن لا يترجّح أحد طرفيه إلاّ بمرجّح، وهو الإرادة، فيكون العدم على طبع الوجود مقدوراً ومستنداً إلى الإرادة.

ولذا أسند الله تعالى العدم المسبوق بالوجود إلى إرادته حيث يقول: ( وإذا أردنا أن نهلك قرية )(١) الآية، فإنّ إهلاك القرية عبارة عن إماتة أهلها بسبب العذاب، والموت عدم الحياة.

ولا ريب أنّ الإرادة تتوقّف على أُمور:

منها: تصوّر المراد..

ومنها: الرضا به، سواء كان وجوداً أو عدماً، وسواء كان حكماً أم غيره، فإنّ مَنْ يريد شيئاً لا بُـدّ أن يرضى به بالضرورة.

ومنها: الرضا بمتعلّق المراد على وجه التعيّن له أو الترجيح له أو التساوي كما في متعلّق التكاليف، فإنّ الحاكم إذا كلّف بنحو الوجوب لا بُـدّ أن يرضى بوجود الواجب على وجه التعيّن له بحيث يكون كارهاً لنقيضه، ومثله الحرمة بالنسبة إلى الرضا بالترك والكراهة لنقيضه.

وإذا كلّف بنحو الندب، لزم أن يرضى بالوجود على وجه الرجحان، ومثله الكراهة بالنسبة إلى الرضا بالترك.

وإذا حكم على وجه الإباحة، لزم أن يرضى بالوجود والعدم بنحو

(١) سورة الإسراء ١٧: ١٦.

٧٠
التساوي.

نعم، إذا كان التكليف امتحانياً لم تتوقّف إرادته إلاّ على الرضا بأصل التكليف، لا بمتعلّقه.

فإذا عرفت هذا فنقول: لمّا كانت أفعال العباد عند الإمامية غير مخلوقة لله تعالى، لم تكن له إلاّ إرادة تشريعية، أي إرادة للأحكام، فلم يكن له تعالى رضاً بما يريده العباد ويفعلونه من المعاصي، ولا كراهة لِما يتركونه من الطاعات.

بخلافه على مختار الأشاعرة من أنّ أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، فإنّه يلزم أن يكون الله سبحانه مريداً للمعاصي الواقعة راضياً بها، ولعدم الطاعات المتروكة كارهاً لها; لأنّ فعله للمعاصي يتوقّف على إرادتها المتوقّفة على الرضا بها، وتركه للطاعات يتوقّف على إرادة الترك المتوقّفة على الرضا به وكراهته الفعل، كما سـبق(١).

ويلزم أن يكون الله تعالى آمراً بما يريد عدمه ويكرهه ولا يرضى به، وهو الذي لم يخلقه من الطاعات، وناهياً عمّا أراده ورضي به، وهو الذي خلقه من المعاصي، بل يلزم اجتماع الضدّين: الرضا والكراهة في ما أمر به وتركه; لأنّ أمرُه دليل الرضا وتركُه دليل الكراهة.

وكذا يجتمعان في ما نهى عنه وفعله; لأنّ نهيه مستلزم للكراهة، وفعله مستلزم للرضا.

وهذا الذي قلناه لا يبتني على أنّ تكون الإرادة بمعنى الرضا كما تخيّله الخصم، بل هو مبنيٌّ على توقّف الإرادة على الرضا ـ كما بيّـنّـاه ـ،

(١) راجع ردّ الشـيخ المظفّر (قدس سره) في مبحث " استلزام الأمر للإرادة والنهي للكراهة " في ج ٢ / ٣٧٣ من هذا الكتاب.

٧١
فلا معنى لقوله: " الشرك مراد لله تعالى، بمعنى أنّه أمرٌ قدّره الله في الأزل، لا أنّه رضي به وأمر المشرك به، وهذا من باب التباس الرضا بالإرادة ".

على أنّ تفسير الإرادة بالتقدير، خطأ; لأنّ الإرادة صفة ذاتية والتقدير فعل، ولو سُلّم فقد عرفت أنّ التقدير موقوف على الإرادة(١)، وهي موقوفة على الرضا.

ومن الفضول قوله في ما سمعت: " وأمر المشرك به "..

فإنّ المصنّف لم يدّعِ أنّه يلزم مذهبهم أمرُ المشرك به حتّى ينفيه، ولا هو متوهّم من كلام المصنّف.

وأمّا إنكاره لعدم الرضا بترك الطاعات، بحجّة أنّها لم تحصل في الوجود حتّى يتعلّق بها الرضا أو عدمه، فخطأ; لأنّ الرضا وعدمه إنّما يتعلّقان بالشيء من حيث هو، لا بما هو موجود، كيف؟! وهما سابقان على الإرادة السابقة على الوجود.

وأمّا إنكاره للسفه في الأمر بالإسلام الذي لم يقدّره، فمكابرة ظاهرة.

وقوله: " إنّما يكون سفهاً لو كان الغرض من الأمر منحصراً في إيقاع المأمور به "..

باطل; لأنّ إتمام الحجّة إنّما يكون على القادر المتمكّن، لا على العاجز، فيكون امتحانه سفهاً آخر، تعالى الله عنه علوّاً كبيراً، وسيأتي قريباً زيادة إشكال عليه فانتظر.

وأمّا قوله: " وتقدير خلق القبيح في نظام العالم ليس بقبيح "..

(١) راجع ردّ الشيـخ المظفّر (قدس سره) في مبحث " استلزام الأمر للإرادة والنهي للكراهة " في ج ٢ / ٣٧٣ من هذا الكتاب.

٧٢
فمكابرة أُخرى كما مرّ(١)، إذ لا وجه لعدم قبح القبيح منه سبحانه، وهـو أَوْلى مَنْ يتـنزّه عن فعل القبيـح.

وأمّا ما زعمه من الاشتراك في الإلزام، فقد عرفت جوابه(٢).


*    *    *

(١) راجع ردّ الشيخ المظفّر (قدس سره) في مبحث " إنّه تعالى لا يفعل القبيح "، الصفحة ٩ من هذا الجزء.

(٢) راجع الصفحة ٢٥ من هذا الجزء.

٧٣

قال المصنّـف ـ طاب ثراه ـ(١):

ومنها: كون العاصي مطيعاً بعصيانه، حيث أوجد مراد الله تعالى وفعل وفق مراده.


*    *    *

(١) نهج الحقّ: ٩٥.

٧٤

وقال الفضـل(١):

جوابـه: إنّ المطيع من أطاع الأمر، والأمر غير الإرادة، فالمريد هو المقـدّر للأشـياء ومرجّـح وجوداتهـا، فإذا وقـع الخـلق على وفق إرادتـه فلا يقال: إنّ الخلق أطاعوه.

نعم، إذا أمرهم بشيء فأطاعوه يكونون مطيعين.


*    *    *

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع مع إحقاق الحقّ ـ ١ / ٤٥٢.

٧٥

وأقـول:

غير خفيّ أنّ الطاعـة منوطة بموافـقة الإرادة، والعصيان بمخالفتـها، لا بموافقة لفظ الأمر ومخالفته..

ولذا لو عُلِمَتْ إرادة المولى لشيء ولم يأمر به لمانع وجب إتيانه..

ولو عُلم عدم إرادته مع أمره صورةً لم يجب فعله..

وإنّما قالوا: الطاعة موافقة الأمر; لأنّه دليل الإرادة ولا تعرف بدونه غالباً، وحينئذ فيلزم ما ذكره المصنّف من كون العاصي مطيعاً بعصيانه لموافقته للإرادة التكوينية، بل هو موافق للأمر التكويني فيكون مطيعاً ألبتّة.

قال عزّ من قائل: ( فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين )(١)..

وقال تعـالى: ( إنّما أمره إذا أراد شـيئاً أن يقول له كن فيكون )(٢).


*    *    *

(١) سورة فصّلت ٤١: ١١.

(٢) سورة يس ٣٦: ٨٢.

٧٦

قال المصنّـف ـ أعلى الله مقامه ـ(١):

ومنـها: كونه تعالى يأمر بما يكره; لأنّه أمر الكافر بالإيمان وكرهه منه حيث لم يوجد.. وينهى عمّا يريد، لأنّه نهاه عن الكفر وأراده منه.

وكلّ من فعل هذا من أشخاص البشر ينسبه كلّ عاقل إلى السفه والحمق، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.

فكيف يجوز للعاقل أن ينسب إلى ربّه تعالى ما يتبرّأ هو منه ويتنزّه عنـه؟!


*    *    *

(١) نهج الحقّ: ٩٥.

٧٧

وقال الفضـل(١):

قد سبق المنع من أنّ الأمر بخلاف ما يريده يُعدُّ سفهاً(٢)، وإنّما يكون كذلك لو كان الغرض من الأمر منحصراً في إيقاع المأمور به، وليس كذلك; لأنّ الممتحن لعبده هل يطيعه أم لا؟ قد يأمره ولا يريد منه الفعل.

أمّا أنّ الصادر منه أمر حقيقة; فلأنّه إذا أتى العبد بالفعل يقال: امتثل أمر سـيّده.

وأمّا أنّه لا يريد الفعل منه; فلأنّه يحصل مقصوده وهو الامتحان، أطاع أو عصى، فلا سفه بالأمر بما لا يريده الآمر.


*    *    *

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع مع إحقاق الحقّ ـ ١ / ٤٥٢.

(٢) راجع ردّ الفضل في مبحث " استلزام الأمر للإرادة والنهي للكراهة " في ج ٢ / ٣٧٢، وانظر الصفحتين ٦٥ ـ ٦٦ من هذا الجزء.

٧٨

وأقـول:

لا يخفى أنّ السفه يحصل بطلب الفعل والأمر به حقيقة مع كراهته في الواقع، وبالنهي عنه حقيقة مع إرادته واقعاً، كما هو الحاصل في الشرعيّات، ضرورة مطلوبية مثل الإيمان وعدم الكفر حقيقة.

ولا محلّ لاحتمال أن يكون الطلب لمثل ذلك صورياً لغرض الامتحان أو غيره، على أنّ الامتحان للعاجز سفه آخر.

ثمّ إنّ كلامه دالّ على ثبوت الغرض لله تعالى، وهو باطل على قولهم: " إنّ أفعاله تعالى لا تعللّ بالأغراض "(١)!


*    *    *

(١) الأربعين في أُصول الدين ـ للفخر الرازي ـ ١ / ٣٥٠، محصّل أفكار المتقدّمين والمتأخّرين: ٢٩٦، المواقف: ٣٣١، شرح المواقف ٨ / ٢٠٢.

٧٩

قال المصنّـف ـ طـيّب الله رمسه ـ(١):

ومنها: مخالفة النصوص القرآنية الشاهدة بأنّه تعالى يكره المعاصي ويريد الطاعات، كقوله تعالى: ( وما الله يريد ظلماً للعباد )(٢)..

( كُلّ ذلك كان سـيّـئُه عند ربّك مكروهاً )(٣)..

( فإنّ الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكـم )(٤)..

( والله لا يحبُّ الفساد )(٥)..

إلى غير ذلك من الآيات..

فتُرى لأيّ غرض يخالفون هؤلاء القرآن العزيز وما دلّ العقل عليه؟!


*    *    *

(١) نهج الحقّ: ٩٥.

(٢) سورة غافر ٤٠: ٣١.

(٣) سورة الإسراء ١٧: ٣٨.

(٤) سورة الزمر ٣٩: ٧.

(٥) سورة البقرة ٢: ٢٠٥.

٨٠