×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

دور القدوة / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٢ فارغة
مقالة دور القدوة للباحثة حسينة حسن الدريب (ص ١ - ص ١٧)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

الاهداء

إن كان الناس يتقربون إلى الأكابر بتقديم مجهوداتهم وتهانيهم بمناسبة ما , فانني اتقرب الى سيدنا ومولانا ونبينا خير قدوة , الموصوف بمكارم الاخلاق محمد بن عبد الله (صلّى الله عليه وآله) بتقديم مجهودي المتواضع تعبيرا عن سروري باشراق الارض بنور وجوده الوضاء , لعلها تكون هدية مقبولة شافعة نافعة ان شاء الله تعالى.

٣

المقدمة:

ان المولى (عزّ وجلّ) قد أكد على الدعوة والمخاطبة فجعل لنا في النبي (صلّى الله عليه وآله) خير قدوة في حسن الاخلاق في تربية قومة وتعليمهم وتثقيفهم: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}(١). وقال (عزّ وجلّ): {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}(٢). ووصفه بالخلق الكريم: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}(٣). فان الله (سبحانه وتعالى) علم أنبيائه (عليهم السلام) اسلوب التربية لأنفسم وأهليهم , وأمرنا بالأقتداء بهم وبالائمة (عليهم السلام) وان في حياتهم دروس وعبر وعضات في التربية المثالية, فالمولى (عزّ وجلّ) يخاطبهم بما يجب ان يعملوه , ويقص علينا سلوكهم في التربية لأجل نقتدي بهم ونقتفي أثرهم , قال عز من قائل: {ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد * وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم. * ووصينا الانسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير * وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون * يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الارض يأت بها الله إن الله لطيف خبير * يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الامور * ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الارض مرحا إن الله

١ - آل عمران ١٥٩.

٢ - النحل ١٢٥.

٣ - قلم ٤.

٤
لا يحب كل مختال فخور * واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الاصوات لصوت الحمير}(١).

لماذا يقص علينا قصصهم؟

الجواب:

هو لان دور القدوة مهم جدا عند الله (سبحانه وتعالى) , لهذا وصف لنا سلوك من يجب ان نقتدي بهم في أسلوب التربية والوعظ والارشاد.

والتربية لا تعني الاعتنا بالناحية المادية من غذا ولبس ونحوه , بل قد خاطبنا المولى (عزّ وجلّ) بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}(٢). فلم يوصي الانسان ان يحسن لبسه ومأكله فقط بل أوصاهم باتقاء النار وذلك بالعمل الصالح , وايضا لم يوصيه بنفسه فقط بل قال (وأهليكم) فلابد من ان ناخذ هذا التحذير بعين الاعتبارونقي انفسنا واهلينا تلك النار التي وصفت بانها وقودها الناس , فنجنب انفسنا واهلينا هذا الاتقاد فلا حجة لنا بعد ان أتم الله (عزّ وجلّ) الحجة علينا بارسال الرسل بالنذر وبالبينات , نسأله (سبحانه وتعالى) ان يجعل قدوتنا في القول والعمل خاتم النبيين وسيد الوصيين وسيدة نساء العالمين , وان يجعلنا نحيا على ما حيي عليه محمد وآله (صلّى الله عليه وآله) ونموت على ما لقوا الله عليه آمين يا رب العالمين.

تمهيد

ثبت علميا قديما وحديثا ان الصفات الخلقية والخلقية تنتقل للأبناء والأحفاد من الآباء والأمهات والاجداد بالتوارث، كما تنتقل اكتسابيا، كذلك ينقل الكثير من الأمراض التناسلية والأمراض الروحية والنفسية والاجتماعية وكثير من الطباع والأخلاق، فترى على الأغلب في العوائل الواحدة أن الصفات الحميدة والفضائل والمحاسن أو عكسها أي المساوئ تنتقل إلى الأبناء مثلما تنتقل لهم

١ - لقمان من ١٢ - ١٩.

٢ - تحريم ٦.

٥
التقاطيع والأشكال والملامح، وكثيرا ما يعرف من ملامح الأبناء نسبهم لآبائهم القريبين أو البعيدين، وكما تنتقل بعض المزايا الحسنة من حب الخير والبر وو.. تنتقل مثلها السيئة كالشراسة والتعدي والمساوئ الأخرى , لذا ترى في كثير من العائلات التي تبغي التزويج سواء لأولادهم أو لبناتهم أنهم يطلبون قرناء سالمين من الانحرافات الوراثية في آباء القرناء وأجدادهم، وعلى الغالب يبحثون عن السلامة ودرجة الأفراد من حيث المستوى الفكري وعدم وجود عاهة نفسية أو روحية أو عقلية في أفراد العائلة الخاطبة سواء كانت خاطبة أو مخطوبة، حذارمن انتقال تلك العاهة إلى ابنائها , واهم من كل ذلك هو التربية البيتية والتعاليم المدرسية من الأم والأب والأقارب الذين يعيشون معهم، والتعليم عند المعلمين ودرجة تأثير هؤلاء المربين والمعلمين على هؤلاء الناشئة في سلوكهم الأخلاقية والعادات الاجتماعية من الحسنات والسيئات المنتقلةالى الناشئ الصغير الذي بحاجة الى من ينمي فطرته نماء طيبا مباركا , فشتان مابين من نشأ في أحضان النزاهة والفضيلة وكرم الاخلاق , وبين من تربى على الخلق السيء.

نعم ان موضوع التربية من القضايا ذات الاهمية الخاصة في السيرة الذاتية للشخصية الاسلامية بأبعادها المختلفة، بحيث يكون نتاج هذه التربية ومحصلها الانسان الصالح، الذي يسير في طريق الكمالات الإلهية ذاتيا، ويتحمل مسؤولياته تجاه المجتمع الإنساني، ويكون قادرا على الانسجام، والحركة، والتأثير، سواء في دائرة الاسرة، أو دائرة المجتمع , ويكون فردا حر التفكيروالاستقلال في الارادة، والتوكل على الله (عزّ وجلّ)، والاعتماد على النفس، وحسن الخلق في المعاشرة، والادب الرفيع في التعامل مع الاخرين، والاستعداد للتضحية والفداء في أداء الواجب، أو خدمة الناس والمسلمين. وعلى المربي ان لا يفكر ان المال هو من يخلق لاطفاله السعادة ولينظر الى ما انتهت إليه أوضاع أبناء بعض الأسر المرفهه من انحرفات، بسبب غفلة الآباء عن التربية،

٦
والانشغال بالدنيا، و المظاهر الزائفة، الذي كان له انعكاسات سلبية على العلاقات الذاتية، او ان يوجهه دائما في امر دنياه وينسى ماهو اهم وما هو به يكسب الدنيا والاخرة.

نعم أيها الوالدان انتما لا تستطيعان السيطرة الكاملة على الأطفال وانما عليكما ان تربوهم قدر المستطاع وتحاولا انتخاب اصدقائهم من حيث لا يشعرون بذلك , بل تحبباه اليه بكل وسيله وتحاولا تربطاه بزملاء متدينين ودراسات دينية , فالطفل اذا لم يقتدي بوالدية فحتما يقتدي بصديقة او معلمة, والطفل أول ما يأخذ عن والديه إلا إذا هو لا يجد حنان وحب وتقدير من الوالدين فهو حتما عندما يجد حضنا دافئا يحسسه بالحب والاحترام والإهتمام والاصغاء والاخذ والعطاء فسوف يتبع ذلك الحضن الحنون ويحبه أكثر من والديه ويقتدي به , فعلى الوالدين تحسيس الأبناء بانهم كبار ويناقشوهم مناقشة عقلية حتى يقتنعون بالأمر , أما الامر والنهي فهو يسبب الطاعة كرها وعندما يحس بفرصة كغياب الوالدين مثلا فهم سرعان ما يتركون عقيدة الابوين أي كانت ويتوجهون إلى من يحسسهم بانهم كبار ولهم مشاعر وليس فقط يسمعوا ويطيعوا طاعة عمياء.

ودور القدوة مهم جدا لانه ياخذ عنه صفاته , فلابد من الإعتناء بابنائكما و اختيار من ترضيا ان يتصف ابنكما بصفاته , كذلك الكتب والافلام لها دور كبير أيضا فتعمدوا شراء افلام وقصص تربطهم بالجانب الروحي والمعنوي , وإلا فأنتما مسؤولين أمام الله (عزّ وجلّ) عن ضياع ابنائكما ان لم تستخدما كل الوسائل الممكنه لهدايتهم.

كثير ما رأيت أنا بنفسي أسر تهتم وتجاهد جهاد عظيم في سبيل تعليم انبائهم , وفي كل جلسه معهم تحثهم على الدراسة الحديثة كالكمبيوتر واللغة الإنجليزية , وكسب أعلى ما يمكن من شهاده دنيوية , لكني ما سمعتهم مرة يشجعوا على علوم الدين ودراسة المعاهد الدينية , وعندما قلت لاحدهم ذلك قال: اني احثهم

٧
على الصلاة , بل لا آكل من سؤرهم إذا ما صلوا. فقلت: اذا لم يخالطوا اهل الدين ويحبوهم ويتأثروا بهم فلن ينفع ذلك , لابد من دراسة العلوم الدينية ولو في الاسبوع يوم او اهداء كتب دينية او مخالطة اهل الدين لغرس حب الدين في قلوبهم فالتربية في الصغر كالنقش في الحجر , فلا ينفع هذا التصرف الخشوني ان لم تغرس بذرة الهداية بالوسايل المختلفة , على الاقل بقدر ما تحثهم على الانجلزي والكمبيوتر.

نعم ان تعلم اللغة الإنجليزية والكمبيوتر وغيرها من العلوم الحديثة مهمة جدا ونشجع عليها , ولكن لا ننسى العلوم التي تتم بها سعادة الدارين...

فانني أنصح كل من يريد تهذيب أبنائه وصيغتهم صياغة عالية ان يفكر في معهد ديني بشرط يكون هذا الدين عن شيعة اهل البيت (عليهم السلام) لا عن شيعة معاوية(١) فانهم مسئول عن اطفالهم ان يربوهم على ولاية من افترض الله ولايتهم على كل مكلف , ويروونهم من عذب الاخلاق والسلوك الاسلامي الذي به يصل الى الدنيا والآخرة ويعرف حتى حقوق والديه , ومعاملة أسرته ومن لهم حق عليه , فالإسلام شامل لكل الحقوق والواجبات فمن حقر أمور الدين وأهتم بامور الدنيا فقد عظم ما حقر الله وحقر ما عظم الله (سبحانه وتعالى) , فعلى ولي الأمر ان يحاول بكل جهده ان يغرس في قلب ابنائه حب العلوم الدينية والعلماء فهو بذلك يكسب ابنائه ويكسب برهم وصلتهم ودينهم ودنياهم لانهم عندما يكبرون لا يعد الوالدين مسيطرين عليهم , إنما تبقى التربية التي تعلموها في صغرهم عن حق الله (عزّ وجلّ) وحق الوالدين وحق أسرته وحق الناس , بل حتى السعي لكسب الرزق الحلال الطيب والعزة والرفعة في الدنيا والآخرة فينفع والديه ويسرهم بسلوكه , بل حتى بعد وفاتهم يبقى دعاء الولد الصالح الذي في قبورهم ويشفع لهم في محشرهم.

١ - راجع كتابي (وعرفت منهم اهل البيت) وكتابي (للمنصفين فقط) فقد اثبت وجوب الولاية بالدليل القاطع المقنع فراجع.

٨
ولا تعارض بين جمع العلوم الدينية والعلوم الحديثة , بل الإسلام هو دين الثقافة والتقدم والرقي وقد اكتشف الاسلام منذ (١٤٢٥) سنة هذه الأمورالتي الغرب فارحين باكتشافها كالرجيم ومضار المسكرات وغيرها , فالاسلام يقول: صوموا تصحوا. ويقول: ما ملاء ابن آدم وعاء شر من بطنه. وقال الإمام (عليه السلام): (حرم الله الخمر لما فيها من الفساد ومن تغييرها عقول شاربيها وحملها إياهم على إنكار الله عزوجل والفرية عليه وعلى رسله وساير ما يكون منهم من الفساد والقتل والقذف والزنا وقلة الاحتجاز من شئ من الحرام فبذلك قضينا على كل مسكر من الاشربة انه حرام محرم لانه يأتي من عاقبتها ما يأتي من عاقبة الخمر فليجتنبه من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتولانا وينتحل مودتنا فإنه لا عصمة بيننا وبين شاربيها).

و إن أمريكا قد عجزت عجزا تاما عن منع الخمر بالرغم من الجهود الجهيدة التي بذلتها , فقد نشر في كتاب تنقيحات للسيد أبو الاعلى المودودي ما يأتي: منعت حكومة أمريكا الخمر، وطاردتها في بلادها، واستعملت جميع وسائل المدنية الحاضرة كالمجلات، والمحاضرات، والصور، والسينما لتهجين شربها، وبيان مضارها ومفاسدها. ويقدرون ما أنفقت الدولة في الدعاية ضد الخمر بما يزد على ٦٠ مليون دولار، وأن ما نشرته من الكتب والنشرات يشتمل على ١٠ بلايين صفحة، وما تحملته في سبيل قانون التحريم في مدة أربعة عشر عاما لا يقل عن ٢٥٠ مليون جنيها، وقد أعدم فيها ٣٠٠ نفس، وسجن ٣٣٥، ٥٣٢ نفس، وبلغت الغرامات إلى ١٦ مليون جنيها، وصادرت من الاملاك ما يبلغ ٤٠٠ مليون وأربعة ملايين جنيها، ولكن كل ذلك لم يزد الامة الامريكية إلا غراما بالخمر وعنادا في تعاطيها، حتى اضطرت الحكومة سنة ١٩٣٣ إلى سحب هذا القانون وإباحة الخمر في مملكتها إباحة مطلقة. ولكن الاسلام الذي غرس في نفوس أفراده الايمان الحق، وأحيا ضميرهم بالتعاليم الصالحة لم يتكلف مثل هذا الجهد، لان القرآن الكريم قد حرر الانسان من عبودية الشهوة , وعقيدة

٩
الوثنية و الخرافة، فصار الانسان المسلم - نتيجة لتربية القرآن الكريم له - قادرا على مقاومة شهواته، فأصبحت الشهوة اداة تنبيه للمسلم الى ما يشتهيه، لا قوة دافعة تسخر إرادة الانسان دون ان يملك بازائها حولا أو طولا، وقد اطلق الرسول الاعظم (صلّى الله عليه وآله) على عملية تحرير الانسان هذه من شهواته الداخلية اسم " الجهاد الاكبر " , وقوله (عزّ وجلّ): {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}(١). فما قال القرآن (اجتنبوه) إلا وانطلق المسلمون يفتشون في بيوتهم لعلهم يجدون بقية من خمر فاتهم ليريقوها، كل ذلك حدث لان الامة كانت مالكة لارادتها، قادرة على الصمود امام دوافعها الحيوانية , وفي مقابل تلك التجربة الناجحة التي مارسها القرآن الكريم لتحريم الخمر نجد أن أرقي شعوب العالم الغربي مدنية وثقافة في هذا العصر فشل في تجربة مماثلة , وفشلت التجربة. والسبب في ذلك أن الحضارات الغربية بالرغم من مناداتها بالحرية لم تستطع بل لم تحاول ان تمنح الانسان الغربي (الحرية الحقيقية) التي حققها القرآن الكريم للانسان المسلم، وهي حريته في مقابل شهواته وامتلاكه لارادته امام دوافعه الحيوانية، فقد ظنت الحضارات الغربية أن (الحرية) هي ان يقال للانسان: اسلك كما تشاء وتصرف كما تريد، وتركت لاجل ذلك معركة التحرير الداخلي للانسان من سيطرة تلك الشهوات والدوافع، فظل الانسان الغربي أسير شهواته عاجزا عن امتلاك ارادته والتغلب على نزعاته , يأكل قويهم فقيرهم , وأسمى اهدافهم هي المصحة اينما وكيفما كانت وبأي طريق جاءت , كما نرى ما حصل في افغانستان والعراق ممن يدعون الحرية والديمقراطية كم قرطوا من أموال الشعوب وكم سفكت من دماء وكم بكت من عين وكم وكم والكل يسمع ويرى فهذه هي حقيقة الحرية عندهم أي كل مال من قدرت عليه فأنت حر اظلم من شئت!!.

١ - المائدة: ٩٠.

١٠
نعم فالاسلام لا يرفض التقدم في اللغات والعلوم الحديثة بل يحث عليها , لانها تسلح امام العدوا بسلاحه: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ}(١).

ولكن لا ينسى الابوين ان مهمتهم الاولى هي ان يقوا انفسهم واهليهم نارا وقودها الناس والحجارة. ويعلمه الاحساس بالمسؤولية تجاه هذا المقام الديني الإلهي، وتقديم الخدمة للإسلام والناس، لا من منطلق الاستفادة الشخصية, فقد سمعت الكثير يقول: لو كنت في الغرب أعيش لارتحت انا واهلي من هذا المجتمع الكذا وكذا.!!!

فقلت له وهو يقرب لنا: لماذا من تعلم هرب بعلمه؟ لماذا لا يحاول يرقي الناس ويعلمهم ويحس انه يعمل خدمة لدينه ووطنه؟

فقال: ممكن نجمع بين ان نرتاح ونترفه , وبين ان نعمل شي من ذلك في الخارج. فقلت له: ان وطنك بحاجة اليك والى من تعلم وترقى في أي مجال ان يخدم وطنه أولا , وإذا اقتضت مصلحة دينية ووطنية للسفر فهو ذاك , أما الهروب بنفسك من مجتمع تراه لا يليق ان تعيش بينهم فالسبب في انحطاطه أمثالك , لان كل من تعلم هرب بعلمه.

والسبب الذي جعله وأمثاله يريدون الهروب من مسؤوليتهم تجاه ابناء وطنهم المحتاجين الى علمهم وثقافتهم ان اهلهم لم يعلموهم ان يكونوا أعضاء فعالين يحسون بالمسؤولية تجاه دينهم ووطنهم , وان عليهم ان يعملون لتحسين الوضع بكل جهودهم بدل الفرار بأنفسهم , فمثلهم مثل شجرة لا ثمر لها فلا تستحق الحياة. فعليه وعلى امثاله ان يكونوا عنصرا فعالا وعضوا في المجتمع له مكانته يغير بيده ولسانه وقلمه , ويكون قدوة حسنة لاطفاله ولأسرته بل لمن بعده من الأجيال بعلمه وعمله سواء كان معلما او عاملا اوأي شي ولو حتى وهو ماشي مع صديق لابد ان يسعى لاصلاح فكره ومعتقده وتثقيفه و.. ويحس انه مسؤول

١ - لأنفال: ٦٠.

١١
عن إبلاغه الحجة ونصحه بكل جهده فهذا اقل ما يستطيع فعله وهذا اقل واجب يقدمه خدمة لدينه ووطنه , فلا يحس بالفخر والغرور والامتياز, وانما يحمد الله الذي فضله على غيره ويشكر الله (عزّ وجلّ) بالفعل والقول لهداية الناس والمعاناه والاحساس بهم والسعي لتحسين اوضاعهم بقدر طاقته: (لان يهدي الله بك رجل خير لك مما طلعت عليه الشمس).

نعم على الوالدين نهج السلوك السليم للتربية لان مكونات الشخصية تعود - حسب ما يرى علماء النفس - إلى ثلاثة عوامل هامة لكل منها نصيب وافر في تكوين الشخصية وأثر عميق في بناء كيانها , وهذه العوامل الثلاثة هي:

١ - الوراثة ٢ - التعليم والثقافة ٣ - البيئة والمحيط.

كل ما يتصف به المرء من صفات حسنة أو قبيحة، عالية أو وضيعة تنتقل إلى الانسان عبر هذه القنوات الثلاث، وتنمو فيها شيئا فشيئا , وان الابناء يرثون من الآباء كل خصائص روحية وصفات حسنه أو سيئة , سواء في التكوين عبرتلك الخلية الجنينية التي تنمو مع ما تحمل من الصفات والخصوصيات الموروثة التي لابد ان يراعى فيها طيب المأكل وطيب الاستماع والنظر, لانه ثبت علميا وتجربيا تأثير الاكل والسمع والنظر سلبا وايجابا , كما جاء في حمل خديجه (س) بالزهراء (عليها السلام) ان الرسول (صلّى الله عليه وآله) انعزل عن نسائه بأمر ربه فترة من الزمن , ثم أهديت له ثمرة من ثمار الجنة كي تكون منه نطفة تطهر هي وذريتها من كل رجس ودنس. و قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس). وكذا نرى في مجتمعنا القريب أمثال السيد الدكتورالايراني معجزة القرن / محمد الطباطبائي. الذي اخذ شهادة الدكتوراة وهو في سن الطفولة , وكذا غيره من الاطفال في سن الخامسة فما دونها وما فوقها من حفاظ القرآن الكريم وتفسيره وعلومه وترجمته للعربي , ونهج البلاغة وغيرها , عندما يلقى مع آبائهم مقابله يتحدثون عن اهم سبب لحفظ الطفل للقرآن الكريم وباقي العلوم , يقولون ما مضمونه وملخصة: (مداومة الأم على قرأة القرآن والاستماع اليه ,

١٢
وعمل الوالدين بالمستحبات وو..). وطبعا أسر متدينه لا تاكل إلا حلالا طيبا , فلهذا صار ابنائهم اذكياء جدا وحفظوا كتاب الله (عزّ وجلّ) وهم أطفال.

التأثير في المعاملة: فالطفل فطرة مقلد لابوية في الحركة والفعل والقول , وهوكما في الحديث الشريف: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه).

فعلى الوالدين اصلاح انفسهما وتهذيب سلوكهما حتى ينشأ منهما جيلا يرضيهما احياء , ويصلهما امواتا بالشفاعة والدعاء لهما بعد موتهما , قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)(١). وقال (صلّى الله عليه وآله): (سبعة أسباب يكتب للعبد ثوابها بعد وفاته: رجل غرس نخلا، أو حفر بئرا، أو أجرى نهرا، أو بنى مسجدا، أو كتب مصحفا، أو ورث علما، أو خلف ولدا صالحا يستغفر له بعد وفاته)(٢). كذلك الثقافة والمحيط فهما يشكلان جانبا مهما في الشخصية الإنسانية، ولهذين الأمرين أثرا مهما وعميقا في تنمية السجايا الرفيعة المودعة في باطن كل إنسان صغير ينطبع أي شي في مخه بسرعه , فإن في مقدور كل والد و معلم أن يرسم مصير الطفل ومستقبله من خلال ما يلقي إليه من تعليمات وتوصيات وما يعطيه من سيرة وسلوك ومن آراء وأفكار، فكم من بيئة حولت أفرادا صالحين إلى فاسدين، أو فاسدين إلى الصالحين , فعلى الآباء ان يناقشوا ابنائهم حول ما ياخذا من دروس خصوصا في الدول التي حكوماتها تدرس على منهج ابي هريرة ومعاوية , فيلزم على ولي الامر ان يعطي من وقته لاطفاله فراغ يسمع منهم ويعطيهم حتى يغرس الفكر الصحيح في عقولهم فيكون عندهم سلاح ضد أي تيار مخالف , وإلا فسيخسر اطفاله لانهم اذا حرموا من نقاش والديهم والاخذ والرد معهم فسيفرحون بمن يلقي لهم صدر رحب ولو اسقاهم سما ,لذا

١ - كنز العمال: ٤٣٦٥٥.

٢ - تنبيه الخواطر: ٢ / ١١٠.

١٣
لابد من اشعار الطفل ان والديه اصدقاء يسمعوا منه ويعطون له رأي برأي ومناقشة بحيث يحس انه ليس مجبر بل مختار وينهج نهج مقتنع به ويعرفه ويحبه ويدافع عنه وو.. أيضا ل يتركه مطلق العنان باسم انه يعطيه الحرية!! فالحرية لا تعني الإهمال والإعجاب بالطفل فكل ما يعمله صحيح او حتى غير صحيح فهو حر!! فالوالدين مسئولين عن رقابة اطفالهما في صغرهم وتوجيههم ومراقبتهم من حيث لا يشعرون لانه اذا كبر كالشجرة العوجاء يتعذر اصلاحها , فكم رأيت من أسر تهمل ابنائها باسم الحرية! واخرى تجبرهم باسم التربية والمحافظة!! والطريق الصحيح هو: اولا: ان يهذب اخلاقه وتصرفاته ويكون قدوة حسنة لاطفالة في المعاملة والسلوك. وثانيا: يوجههم للطريق والنهج الصحيح , فالطفل لولم تكتمل سنته فهو يفهم ويقلد فلابد من غرس الأدب والسلوك الحسن وغير ذلك منذ الصغر , وهكذا يتدرج معه حسب سنة إلى ان يبلغ فهم الدين والمذاهب والتكاليف الأخرى فيحاول غرس البذرة الصحيحة في ذهنه بالاسلوب اللطيف والجميل , وهذا لا يستغرق منه وقتا كثيرا فمثلا: يقسم يومه وليله للبحث والتدريس والمطالعة والكتابة والعبادة والتهجد , ولزوجين فيما بينهم وللأولاد والأقارب والمجتمع وو.. بحيث لا يرهق نفسه واعصابه فجدولت الوقت وتنظيمه يرد له المنفعة صحيا ونفسيا , فشغل ساعة في اليوم على مزاج مرتاح خير من شغل يوم بكدر وهم وتفكير مشتت وو… وشغل يوم في الاسبوع خير من شغل كل الاسبوع , لانه بشغل كل الاسبوع يرهق اعصابه ويضيع حق أسرته ومن لهم حق عليه ووو.. فالإنسان لو أعطى كل ذي حق حقه صارمجاهدا بيده ولسانه وقلمه وسلوكه وضميره النقي الطهور ويكون من أروع الأمثلة الحية وقدوة حسنة في حسن الاخلاق والسلوك والمعاملة فالرسول (صلّى الله عليه وآله) قال: (خيركم خيركم لاهله وانا خيركم لاهلي)(١). نعم ان الإنسان أعطاه الله (عزّ وجلّ)

١ - البحار: ٢|٢٧. وغيرها.

١٤
عقل وهو بالعقل يصنع المجتمع راقيا او متدهورا , وهو من يخلق سعادة نفسه او شقاوتها , وهو من يخلق ترقي المجتمع او فساده , وهو..

في الأبيات المشهورة المنسوبة الى مولانا سيد الوصيين وأمير المؤمنين (عليه السلام):


دواؤك فيـك وما تبـصــروداؤك منـك وما تشــــــعر
وتزعم أنك جرم صغـــيروفيك انطوى العالم الأكبــــر(١)

دورالقدوة الأخلاقية والتربوية

التربية: أصلها مشتق من الوزن تفعل - بتشديد العين- أي النمو والزيادة. وهي إنماء الشي حالا فحال إلى حد التمام. ورب , هو المالك والمدبر , مشتقة من ربو- بفتح كل الحروف - إشتقاق كبير فعل تربى , - تشديد الباء - قال تعالى: {وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً}(٢).

والانسان له صفات ذاتية ٥٠% واكتسابية ٥٠% , الذاتية اذا هو معوق لا سمح الله , فلا تنفع فيه التربية إلا بمعدل بسيط جدا , وكلما كان اسلم ذاتيا كلما كان للتربية اثرها في نمو وزيادة عقله وفكره ومعنوياته , فلو كان سليما ٥٠% والتربية ٥٠% صار انسان كامل , والكاملين هم المعصومين فقط , ولكن نحن دورنا ان نسعى لاجل نصل بانفسنا الى اعلى ما يمكننا من نسبة , كي نكون قدوة لمن نربيهم ومن نعظهم ونرشدهم.

وكل كلمة لها موضوع , وموضوع التربية هو الإنسان , فأول خطوة يجب ان نخطيها هي معرفة الإنسان , لاننا نريد ان يكون لنا دور في نموفكره وعقله وزيادتهما بالمنافع الإكتسابية فلابد ان نعرفه بأوصافه أي بجانبيه , جانب الروح وجانب الجسد. والهدف من التربية هو إيصال المربى إلى الكمال الذي يؤثر على جميع تصرفاته واعماله وسلوكه ودور الأسرة في ذلك أنها العامل

١ - الديوان المرتضوي: ص ١٤٥ , وقد ذكرها جمع من عظماء الفريقين، كشيخنا البهائي في شرح الأربعين، والمحقق الجامي في شرح الفصوص , وغيرهما.

٢ - الاسراء: ٢٤.

١٥
الأساسي في بناء الكيان التربوي وإيجاد عملية التطبيع الاجتماعي وتشكيل شخصية الطفل واكسابه العادات التي تبقى ملازمة له مدة حياته , فلابد من الاهتمام بدور القدوة , أي الاهتمام بمن يكون لكم وللطفل قدوه , فاذا رسمتم لسلوككم ومعاملتكم وعملكم قدوة حسنة كالزهرء او خديجة (عليها السلام) او او.. فلا بد من قراءت سيرة هذه الشخصية وتطبقونها عمليا فحتما الطفل مقلد ابويه فيكون مقلد الزهراء او.. وأيضا اختيار قرين تقتدي به فان الإنسان إذا عاشر انسان فحتما ياخذ من صفاته ولو لا شعوريا , فيجب ان لا يقترن إلا بمن هو راض عن سلوكه واخلاقه , فان القرين إلى المقارن ينسب. وإن أهم ما يجب على الأسرة هو خلق الاستقرار والهدوء والود والمحبة المتبادلة , وتهذيب النفس اولا , ثم يسعى لتعليم وتهذيب وترقية أسرته , ثم دعوة الناس وموعظتهم على النهج الذي رسمه لنفسه , ولابد ان يكون فعالا في اصلاح المجتمع بعد اصلاح نفسسه واهله , فالمولى (عزّ وجلّ) قد اكد على اهمية الدعوة فقال عز من قائل: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين}(١).

نعم فالله (عزّ وجلّ) يعلم نبيه (صلّى الله عليه وآله) اسلوب الدعوة والارشاد لان الحوار العلمي والاخلاقي يقع في القلب ويؤثرعليه , اما الجدال بالعصبية والتكبر والغرور والاستهانة بالطرف الآخر فقد تضر اكثر مما تنفع , كما بين المولى تعالى ذلك بقوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}(٢). وكما في كلام قدوة المؤمنين وسيد المربين امير المؤمنين (عليه السلام) لكميل: (يا كميل إن رسول الله صلى الله عليه وآله أدبه الله وهو عليه السلام أدبني وأنا أؤدب المؤمنين وأورث الآداب المكرمين..). ولقد سلك (عليه السلام) بحق

١ - النحل ١٢٥.

٢ - آل عمران ١٥٩.

١٦
اسلوب حسن الحوار والمخاطبة والتعليم وعلم اهل بيته الطاهرين (عليهم السلام) هذا المنهج الرباني المرسوم لهم عبر المولى (عزّ وجلّ) , فالامام علي (عليه السلام) الذي هو أب الأئمة ورث جانبا كبيرا من شخصيت الرسول (صلّى الله عليه وآله) النفسية والروحية والاخلاقية لانه (عليه السلام) كسب العوامل المؤثرة كلها من الرسول (صلّى الله عليه وآله) الوراثة من النسب , بل خلقا من طينة واحدة , وهو (عليه السلام) وليد الكعبة كما نقلها ثلة كبيرة من علماء السنة وصرحوا بها في كتبهم واعتبروها حادثة فريدة، وواقعة عظيمة لم يسبق لها مثيل , وهذا دليل ان الله (عزّ وجلّ) يختار حتى المكان لاوليائه لشدة تاثيره روحيا واخلاقيا , لهذا فالامام علي (عليه السلام) لانه خليفة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في أمته لابد ان يكون كامل من جهت الوراثة والتربية والمحيط فكانت زوجته مختارة له وسلاحه (سيفه ذو الفقار) مختار له وابنائه مختارين حتى اسمائهم (شبرا وشبيرا) ووظائفهم (الإمامة) مختارة لهم , وهو من اصلاب طاهرة وأرحام مطهرة , فهو خيار من خيار من خيار , ولقد كانت الغاية من هذه العناية الإلآهية هي أن يتم توفير تكوين الشخصية العلوية الكريمة عن طريق التربية في حجر النبي (صلّى الله عليه وآله) لكي يسلك مسلكه ويقتد اثره لعلمه تعالى بدور التربية في تكوين الشخصية , كما ذكر المؤرخون أنه أصابت مكة - ذات سنة - أزمة مهلكة وسنة مجدبة منهكة، وكان أبو طالب (رضي الله عنه) ذا مال يسير وعيال كثير فأصابه ما أصاب قريشا من العدم والضائقة والجهد والفاقة , فعند ذلك: دعارسول الله (صلّى الله عليه وآله) عمه العباس (رحمه الله) إلى أن يتكفل كل واحد منهما واحدا من أبناء أبي طالب (رحمه الله) وكان العباس ذا مال وثروة فوافقه العباس على ذلك: فأخذ النبي (صلّى الله عليه وآله) عليا (عليه السلام)، وأخذ العباس جعفرا وتكفل أمره، وتولى شؤونه , فكان علي (عليه السلام) تحت رعاية النبي (صلّى الله عليه وآله) وعنايته وتوجيهه وقيادته , فوصل إلى أعلى ذروة من ذرى الكمال الروحي , وقد اشار (عليه السلام) إلى تلك الرعاية النبوية المباركة المستمرة إذ يقول: (ولقد كنت اتبعه اتباع الفصيل اثر امه، يرفع لى كل يوم من اخلاقه علما، ويأمرني بالاقتداء به) وقال: (وقد علمتم موضعي من رسول الله ص بالقرابة القريبة،
١٧
مقالة دور القدوة للباحثة حسينة حسن الدريب (ص ١٨ - ص ٢٩)

١٨
وكفيله الاول عبد المطلب وهو آنذاك في الثامنة من عمره، وتولى العناية به والقيام بشؤونه، وحفظه وحراسته في السفر والحضر، بإخلاص كبير واندفاع وحرص لا نظير لهما، بل وبقي يدافع عن رسالة التوحيد، والدين الحق الذي جاء به , ويتحمل لتحقيق هذه الاهداف العليا كل تعب ونصب وعناء , وقد انعكست هذه الحقيقة وتجلى موقفه هذا في كثير من أشعاره واقواله وافعاله , مثل قوله:


ليعلم خيار الناس أن محمــدانبي كموسى والمسيح ابن مريــم
ألم تعلموا أنا وجدنا محمــدارسولا كموسى خط في أول الكتب

وقال لرسول الله (صلّى الله عليه وآله): (يا ابن أخي قم بأمرك فلن يوصل إليك وأنا حي). فلم يزل يذب عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ويناوئ قريشا إلى أن مات رحمه الله تعالى. قال ابن عدي: حدثنا محمد بن هارون بن حميد، حدثنا محمد بن عبد العزيز بن ابي رزمة، حدثنا الفضل بن موسى الشيباني، عن ابراهيم بن عبد الرحمان، عن ابن ابي جريج، عن عطاء عن ابن عباس ان النبي ص عارض جنازة ابي طالب فقال: وصلتك رحم وجزيت خيرا يا عم(١). وقال الواقدي في إسناده: كلم وجوه قريش - وهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبي بن خلف، وأبو جهل، والعاص بن وائل، ومطعم وطعيمة ابنا عدي، ومنبه ونبيه ابنا الحجاج، والاخنس بن شريق الثقفي - أبا طالب في أن يدفع إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدفعوا إليه عمارة بن الوليد المخزومي، فأبا ذلك! وقال أتقتلون ابن أخي وأغدوا لكم ابنكم إن هذا لعجب؟!

فقالوا: ما لنا خير من أن نغتال محمدا فلما كان المساء فقد أبو طالب رسول الله صلى الله عليه وسلم فخاف أن يكونوا قد اغتالوه فجمع فتيانا من بني عبد مناف وبني زهرة وغيرهم وأمر كل فتى منهم أن يأخذ معه حديدة ويتبعه، ومضى، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: له: اين كنت يابن اخي؟ اكنت في خير؟ قال: نعم والحمد لله.

فلما اصبح أبو

١ - ترجمة ابراهيم بن هانئ من الكامل: ج ١ / الورق ٩٠ ونحوه في ترجمة معاوية بن عبيد الله من تاريخ بغداد: ج ١٣ / ١٩٦, و الطبقات: ج ١ / ١٢٤، ط بيروت: اخبرنا عفان بن مسلم، اخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت، عن اسحاق بن عبد الله بن الحارث.

١٩
طالب دار على اندية قريش والفتيان معه وقال: بلغني كذا وكذا، والله لو خدشتموه خدشا ما ابقيت منكم احدا إلا ان اقتل قبل ذلك!! فاعتذروا إليه وقالوا: انت سيدنا وافضلنا في انفسنا.

وقال أبو طالب (رحمه الله):


مـنعنا الرسول رسول المليكببيض تلالا مثل البـــــــروق
اذب واحمي رسول الالــهحـماية عـم عليه شفيـــــــق

وقال أبو طالب (رحمه الله) حين اكلت الصحيفة الارضة:


الا هل اتى بحرينا صنع ربنــاعلى نأيهم والامر بالنـــاس اورد

وقال (رحمه الله):


ألا إن خير الناس نفسا ووالـداإذا عد سادات البرية أحمـــــد
نبي الاله والكريم بأصـــلـهوأخلاقه وهو الرشيد المؤيـــــد

وهذه تصريحات صريحة في الاعتراف بنبوة محمد (صلّى الله عليه وآله) والدفاع المستميت عنه (صلّى الله عليه وآله) دفاعا عن عقيدة ومبداء لا عن عصبية جاهلية اذ الجاهلية من شأنها التعصب للزعامة في العشيرة والقبلية , اما ابا طالب فقد حوصر في الشعب ثلاث سنين وخسر جاهه في قومه وعشيرته وتحمل انواع المشاق في سبيل الدعوة الاسلامية وصرح نثرا وشعرا وباليد واللسان والقلب دفاعا عن الدين الاسلامي الحنيف(١). ومربي أبا طالب هو عبد المطلب الذي نزل في شأنه سورة

١ - نعم هناك من اخواننا السنه من يبهت سيف الاسلام وركنه بالكفر متمسكا براوايات ضعيفة السند والمتن مثل رواية الضحضاح وغيرها التي هي من الاحاديث المتضمنة أن ابا طالب في ضحضاح من النار مختلفة (الالفاظ) وأصلها واحد وراويها شخص واحد منفرد بها، لانها جميعها تستند إلى المغيرة بن شعبة الثقفي، لا يروي احد منها شيئا سواه، وهو (أي المغيرة) يكره بني هاشم متهم فيما يرويه عنهم لانه معروف بعداوتهم، مشهور ببغضه لهم والانحراف عنهم، وقد روي عنه في حق بني هاشم الفاظ تدل على شدة عدائه لهم و له أعمال وأفعال قبيحة تعرف بالنظر إلى تاريخ حياته وما صدر منه في زمان الخلفاء، وهو رجل معروف بالفسق وغير مصدق , ومن أراد تفصيل في تلك الروايات وغيرها فعليه بكتاب ابو طالب حامي الرسول لنجم الدين العسكري و الغدير للاميني: ج٧ط ٢، واسلام ابي طالب او شيخ الابطح وغيرها كثير مما اثبتت ان ابا طالب مات على الاسلام وان الروايات التي قيلت في كفره انما هي مدسوسة ضعيفة السند والمتن فعلى كل محتاط في دينه ان لا يبهت عم رسول الله وناصره بالكفر وان يقراء الادلة في اسلامة ومناقشة الروايات في كفره ثم يحكم بالحق عن علم وليس عن تقليد وتعصب اعمى قد يؤدي به الى بهتان رجل هو الركن الثاني من اركان الاسلام كما في الحديث الشريف في قوله ص عند موت خديجه ع وابا طالب في عام واحد سماه عام الحزن وقال: الان اهتد ركناي. وهو لا ينطق عن الهوى والمحبة العاطفية انما يحب من احبه الله ويبغض من ابغضه الله تعالى فاتقوا الله في شيخ الابطح وركن الاسلام وراجعوا التاريخ جيدا ثم احكموا بالحق عن علم ويقين حتى يبراء الضميرك امام المولى عز وجل بانكم قد بحثتوا بقدر وسعكم ووصلتوا للنتيجة من خلال سعي وبحث لا عن تقليد للاباء والمعلمين , نسال الله تعالى ان يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل بالطل ويرزقنا اجتنابه امين اللهم امين.

٢٠